|
يتفق الكثيرون من
الباحثين والمؤرخين والمراقبين المدققين
على ان مسيحيي العراق لم يتعرضوا في
تاريخهم الى مأساة كتلك التي يعيشونها
اليوم، بعد الاحتلال الاميركي لبلاد الرافدين
في عام 2003، حيث الخطف والتهديد والتهجير
والقتل الفردي والجماعي...
وبالطبع،
لم يحصل ذلك صدفة، وليس عفوياً ولا
ارتجالياً، باعتباره يستهدف شعباً عريقاً في
تاريخه وجغرافيته وتراثه وحضارته... وهذا
ما يقودنا الى التفكير بعمق بالمعاني
الجوهرية لهذه المسألة، كما الى التساؤل عن
الابعاد والاهداف الكامنة في
تفاصيلها.
في ضوء ذلك، نستطيع القول إنه "اذا ضاعت
الاصول ضاع التاريخ معها"...
وبما ان التاريخ بانسانه اولاً، والانسان
بتاريخه، فان مسيحيي العراق، سكانه
الأوائل، - معظمهم من الكلدوآشوريين – هم
بناة حضارة ما بين النهرين، وقد تركوا
عزلاً يواجهون الموت، ليموت معهم تاريخ
العراق. كما بموتهم يموت تاريخهم. ومحنتهم
هذه لا تنحصر بمدينة عريقة فقط – هي الموصل
– بل إنها محنة التاريخ التي توحدت مع
محنة الجغرافيا في ارض "بابل" العراقية.
هذا، وإذا كانت "الهجرة قميصاً من نار"،
فان التهجير والنفي هما النار ذاتها. بل
اكثر من ذلك، إنهما طريقة من طرق الاعدام.
وتهجير مسيحيي العراق لا يعني غير ذلك. وقد
وصف ذلك رئيس الرابطة السريانية في
لبنان حبيب افرام قائلاً:
"...
انها إبادة موصوفة لشعب عريق متجذر... انها
إبادة
واقتلاع".
في هذا الإطار تتوضح الصورة في أدق
تفاصيلها كما يلي:
اولاً: ان ما
يعيشه مسيحيو العراق اليوم من مآسٍ هو مخطط مرسوم ومنظم
وممنهج بدقة. "له
جذوره
التي تتغلغل عميقاً في التاريخ، وصولاً الى الحقد اليهودي
المتجذر في "عقدة
السبي
البابلي"،
على يد نبوخذ نصر الكلداني ليهود فلسطين وسبيهم الى
بابل... وجريمة
الإبادة الجماعية لهؤلاء المسيحيين
العراقيين اليوم هي بمثابة "الثأر التاريخي"
المتلازم مع "الحقد التاريخي" اليهودي الصهيوني.
وابطال هذه الجريمة يهود الكواليس
وصهيونيو الغرف السوداء، بينما أدواتها في
العلن "بيشمركيون" (أكراد) و"قاعديون"
(إسلاميون...
والاسلام براء منهم ومن افعالهم). ألم يكن مسيحيو فلسطين
(في أقرت
وكفر برعم) من اوائل الضحايا في التهجير
والقتل عند قيام دولة الاحتلال
الصهيوني؟
ثانياً: ان ما يجري اليوم بشأن مسيحيي
العراق هو احد افرازات، بل
عصارة، العقل الكيسينجري التقسيمي
والتفتيتي والتجزيئي الذي تمكن فيه بذور
"المشاريع
الافنائية" و"الامحاء" من الجغرافيا والتاريخ
والديموغرافيا
معاً.
ثالثاً: ان المأساة الكارثية لمسيحيي
العراق هي حلقة في سلسلة المخطط
الاميركي الصهيوني الذي قدمه المستشرق
اليهودي الاميركي (من اصل بريطاني) برنارد
لويس – المتخصص بالاسلام – الى الكونغرس
الاميركي عام 1983، ووافق عليه الكونغرس
بالاجماع يومها (بديموقراطييه وجمهورييه)،
حيث يقضي بتقسيم منطقة الشرق الاوسط
كلها، بما فيها ايران وتركيا وأفغانستان.
كما ان التوصية الاخيرة في التقرير تقول
بضرورة العمل بكل الامكانات لتحويل كل
قبيلة في الجزيرة العربية الى دولة. ومن هذا
المنطلق، يتساءل رئيس اساقفة الكلدان في
كركوك الاسقف لويس ساكو: "كيف يستطيع
الاميركيون حماية قواتهم ولا يستطيعون
حمايتنا وحماية العراقيين؟"، هذا في الوقت
الذي يدعي فيه الرئيس الاميركي جورج دبليو
بوش انه يقرأ الانجيل صباحا
ومساء.
رابعاً: إن ما يواجهه مسيحيو العراق يستهدف
شطب 14 جيلا من الاخوة
والتعايش بين المسلمين والمسيحيين في هذه
المدينة العريقة خاصة، والعراق بشكل عام.
بمعنى أن "البناء" العراقي الواحد والموحد
معرّض للانهيار بفعل "معاول الهدم"
المقوّضة لأساساته، حيث ستتفسخ مداميكه
الملتحمة، وتتداعى "وحدته الوطنية" الى
"وحدات"
(وطنية ولا وطنية في وقت واحد). وفي هذه الحالة، يبدو
مسيحيو العراق وكأنهم
يعيشون احتلالا مزدوجاً: احتلال اميركي
خارجي، واحتلال الحقد الداخلي والكراهية
المكبوتة ضد الآخر (بمعنى احتلال العقول
والقلوب والنفوس)، وهذا أصعب وأقسى، لأنه
ظلم فادح – وظلم ذوي القربى أشد مضاضة. وهل
وصلت القيود والسلاسل الى العقول
والنفوس لتفعل فعلها "التكبيلي الخانق".
لذلك، يُخشى ان يقود ذلك، الى "تأسيس"
حقد وحقد مضاد بين المسلمين والمسيحيين
مستقبلا، لأن الحقد يجر الحقد، تماما كما
الدم يستسقي الدم، والتهجير يولّد التهجير.
إنه مشروع استيلاد أزمات ومذابح أقلوية
في هذا الشرق، تعيدنا الى التذكير بأحداث
"المسألة الشرقية" وإفرازاتها "المنجبة"
باستمرار وبدون توقف حتى اليوم.
خامساً: ان ما يجري لمسيحيي العراق هو
تمزيق
ممنهج للثوب العراقي المنسوج، وفضح العورات
المستورة به، وصولا الى تقطيع خيوطه
وإفناء وجوده نهائياً... وهنا مكمن الخطورة.
سادساً: إن ادعاء "إسلامية" الفعلة
هذه ضد "الكفار" هو ادعاء باطل ومزعوم، لأن
هذه "الفعلة" مخالفة صريحة للعهد النبوي
[الصادر
عن رسول الله (ص) في المدينة المنورة] إزاء رجال الدين
المسيحيين وأتباعهم،
والذي جاء فيه: "... وهم في ذمتي وميثاقي
وأماني من كل مكروه... ومن خالف عهد الله
واعتمد بالضدّ من ذلك، فقد عصى ميثاقه
ورسوله"... ألا نجد في القرآن الكريم (سورة
المائدة، الآية 81) "ولتجدن أقربهم مودة
للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..."؟
أليس كل ما يجري هناك اليوم خروجاً عن
القرآن وآياته البيّنات ومخالفة صريحة
لأوامره ونواهيه، وانتهاكاً فاضحاً للقداسة
والمقدّسات؟
سابعاً: إن هذه القضية
اليوم تنحصر بـ"إنسانية" الوجود المسيحي
العراقي، و"سياسية" دورهم. وفي الحالين هم
الضحية، ولو كان الهدف "الوجودي" هو الغالب
في هذه المسألة، التي يسميها جهاد الزين
بـ"الإنقراض الديموغرافي" ("قضايا النهار"
15/10/2008 ).
إزاء هذه الأحداث يتبادر
الى أذهاننا التساؤلات التالية:
1-
هل بدأت مرحلة "تصحّر
العقول" العربية
والاسلامية والانسانية قبل تصحّر الأرض في
العراق – وما حولها – لكي تقف هذه العقول
عاجزة عن استيعاب ما يجري، وكأنها فقدت مناعة
عقلانيتها امام هذه المستجدات؟
فأين
المؤسسات الدولية على اختلافها؟ وهل أصيبت
بمرض "نقص المناعة" في المواجهة والتصدي
لما يحدث هناك؟
وأين جامعة الدول العربية، والمؤتمر
العالمي الاسلامي، وهيئة
الأمم المتحدة؟ وأين منظمات حقوق الانسان
في هذا الكون وأين مواثيقها. وكم يبدو
وليد جنبلاط على حق عندما قال إن ما يحدث
للمسيحيين في العراق هو انتهاك للمواثيق
الدولية وحقوق الانسان.
2-
هل ينتظر نازحي ومهجري العراق المسيحيين
مصير مماثل
لمسيحيي "أقرت وكفربرعم" في فلسطين،
والمسيحيين الأرمن في تركيا؟ ومن يظن أن مسيحيي
العراق هم وحدهم المستهدفون في هذا المخطط،
فهو واهم وجاهل في الوقت نفسه.
3-
هل
اشتاق "العم سام" الى ابادات جديدة في
القرن الحادي والعشرين (مشا هدة وإرتكابا)
تذكرة بإبادة "الهنود الحمر" – سكان أميركا
الاصليون – في ما يتعلق بسكان العراق
الأصليين من المسيحيين كمكوّن أساسي من
مكوّناته ذات الجذور التاريخية العميقة؟ وهل
سيصبح مسيحيو العراق في هذه الحالة الهنود
الحمر لبلاد الرافدين ومسيحييّ الشرق في
ظل الإحتلال الاميركي الذي عاث فسادا في
العراق عند بدايات الغزو، لاسيما ضد تراثه
ومعالمه الحضارية؟
4-
هل يقبل الأكراد (المظلومون تاريخياً) – من
طريق بيشمركتهم
–
بتحويل مظلوميتهم الى غيرهم على أيديهم
(حسب ما يشاع عن دورهم في هذه المسألة)؟
وأين صلاح الدين الأيوبي (الكردي) من هذه
القضية بعدما شهد له الاعداء قبل الاصدقاء
بعدالته وتسامحه وعفته؟ أليس في ذلك إساءة
لشخص صلاح الدين وأصله وفصله؟ وكذلك
إهانة لتاريخ الكرد عبر تاريخهم الحافل
بالقهر والدم والمذابح بحقهم؟ وهل يجوز
الثأر لدمائهم بارتكاب مجازر قتل وتهجير
ودماء من ضحايا تاريخيين
امثالهم؟
وباختصار انها بالفعل عملية اقتلاع من
الجغرافيا كتمهيد للاقتلاع من
التاريخ وهل هي مقدمة "لتأكردهم" أو
"تأتركهم" كبديل من عرقنتهم التاريخية المتأصلة
والمتجذرة في بلاد الرافدين؟ ومهما يكن
فالهدف واحد. انها عملية "انتزاع الروح" من
العراق التاريخي والعراق المعاصر على حد
سواء وماذا يبقى من الكيان بعد إزهاق الروح
منه، لاسيما عندما يتعلق الامر بأسس
الحضارة الانسانية وبواكير الابداع الانساني
ذاته، وبما في الارض وما عليها معا.
وبالقدر نفسه، انها عملية انتزاع المستقبل
جنيناً من رحم التاريخ.
|