|
نشرت
مجلة " كاتيدرا - لتاريخ ارض اسرائيل وتوطينها " في عددها
الصادر في نيسان / ابريل 1978 ، ندوة خصصت للبحث في تطور
فكرة سوريا الكبرى، ساهم فيها اربعة من المؤرخين
الاسرائيليين البارزين وهم البروفيسور ايتمار رابينوفيتس
رئيس جامعة تل ابيب ومتخصص في شؤون سوريا ، وتراس الوفد
االاسرائيلي خلال محادث السلام بين سوريا واسرائيل .
وموشيه ماعوز الباحث واستاذ التاريخ في الجامعة العبرية ،
ومتخصص في الشؤون السورية وهو من وضع كتابا تحت عنوان :
"اسرائيل وسوريا –نهاية النزاع" . والمؤرخ والمستشرق امنون
كوهين والياهو ايلات الذي سبق ذكره . .
كانت
المساهمة الرئيسية للباحث ايتمار رابينوفيتس الذي عرض
الجذور التاريخية لمشروع "سوريا الكبرى منذ سنة 1918
وحتى سنة 1939 " استهل مقالته كاتبا :
" ان تبلور
نظام مستقر وفعاّال نسبيا في سوريا ، وممارسته سياسة
خارجية دينامية واكتساب نفوذ لدى جاريه الاردن ولبنان
والمنظمات الفلسطينية ، اثارت خلال السنوات الاخيرة التكهن
بان نظام الرئيس الاسد يسعى الى اقامة وحدة سياسية على ارض
سوريا الكبرى تحكمها الدولة السورية التي يتزعمها ".
" ثمة
حقيقة بالغة الاهمية ان النظام البعثي يوظف في وسائل
اعلامه صحافيا لبنانيا يدعى شوقي خيرالله وهو احد النشطاء
القدامى للحزب القومي السوري . ويدعو خيرالله الآن ، برداء
جديد ، الى تحقيق حلم سوريا الكبرى .... " وفي هذا الاطار
يتداول السوريون في حل للقضية الفلسطينية ." وبحسب هذا
الحل تقام دولة فلسطينية مستقلة ذاتيا ، في الضفة الغربية
تكون مرتبطة ضمن اطار فدرالي مع الاردن من جهة ، ومع سوريا
من جهة اخرى ." ومثل هذا الارتباط لا يوفر لتسوية كهذه "
استقرارا وحسب وانما شرعية ايضا ".
ثم تطرق
رابينوفيتس الى " الميثاق الوطني " وقيام " الجمهورية
اللبنانية المستقلة في سنة 1943 . وذكر ان ذلك لم يؤد
الى فض النزاعات السياسية في لبنان . مضيفا ان " التعبير
عن عدم تسليم الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية بطابع
الدولة اللبنانية تجلى خلال تلك السنوات بصياغة عقيدة
الحزب القومي السوري الذي اقامه انطون سعادة في العام 1934
. وكما هو معروف زعمت هذه العقيدة ، ان سوريا الكبرى هي
وحدة جغرافية وسياسية طبيعية ، وان هذه الوحدة هي التي
شكلت الامة السورية ، وان حكم التاريخ يقضي بانها ستعبر عن
نفسها بقيام دولة مستقلة .. ".
ويتابع
رابينوفيتس قوله ان تاريخ هذا الحزب " المثير للاهمية "
ليس من صميم هذا البحث، ولكن " ثمة حقائق ومميزات تتعلق به
تستحق التأكيد عليها":
" أ –
انتشر الحزب من لبنان الى جميع انحاء سوريا .
ب –
استقطب الحزب الى صفوفه بصورة عامة ابناء طوائف الاقليات
...
ج- الحزب
لا يزال قائما حتى الآن ، بعد ان مر ببضع تناسخات شكلية
وبعض التكييف ، واشاع الفكر والعمل السياسي في المنطقة .
وثمة حقيقة مثيرة للاهتمام حقا ،هي ان بعض واضعي صيغة
فكرة الدولة الديموقراطية العلمانية ( يقصد في فلسطين )هم
اعضاء سابقون في هذا الحزب ( ويشار في هذا الصدد الى الدور
الذي قام به الاخوان الصائغ وهشام شرابي )."
ويضيف
رابينوفيتس في هذا الصدد ان " ثمة اهمية خاصة للتاييد الذي
لاقته فكرة سوريا الكبرى بين قادة الحركة الوطنية لعرب ارض
اسرئيل ( فلسطين )، ذلك التاييد الذي جعل يهوشواع بورات ان
يميز تلك السنوات بانها " حقبة سوريا الجنوبية " في تاريخ
الحركة الوطنية الفلسطينية . بيد انه تبرز من خلال تحليلات
يهوشواع بورات ثلاث نقاط رئيسية :
أ –لم يكن
تاييد عرب فلسطينل للفكرة القائلة ان فلسطين هي " سوريا
الجنوبية " ، شاملا.
ب - حتى في
اوج هذا التوجه برزت وجهتا نظر في موقف الفلسطينيين ،
الذين دعموا الخصوصية الفلسطينية في اطار كيان سوري
اوسع.
ج – كان
موقف القادة الفلسطينيين ذا اثر . فقد ايدوا كيانا سوريا
كبيرا من خلال الامل ان ذلك يعزز صمودهم امام الصهيونية
...
واشار
رابينوفتس الى ان رؤيا سوريا الكبرى عديمة الامل اذ ان
مسارين يعملان ضدها :
أ-
التمسك بالوحدة
العربية الشاملة اذ ان بين هذه الرؤيا وبين رؤيا سوريا
الكبرى توترا فكريا . والحقيقة انه يمكن ازالته بالزعم
القائل ان سوريا الكبرى هي خطوة على طريق قيام الوحدة
العربية الكبرى . ولكن التصقت بفكرة سوريا الكبرى وصمة ،
الشعوبية : المعادية للقومية العربية , ويعود اصلها الى
النظرية الفرنسية المسيحية التي سبق ذكرها والتي تعززت
خلال الثلاثينات بظهور الحزب القومي السوري ونشاطاته" .
ب-
اكتسبت الدولة
السورية المقلصة مدى من الحيوية السياسية الخاصة بها خلال
العشرينات واوائل الثلاثينات ...
وبعد ان
عرض رابينوفيتس تناسخات مشروع سوريا الكبرى بين السنوات
1936 -1939 ، اشار الى تقرير بعث به الياهو ساسون ( رئيس
الدائرة العربية في الوكالة اليهودية )الى موشيه شاريت
(رئيس الوكالة اليهودية في ذلك الحين ) ( يوم 20/03/1938 )
ابلغه نقلا عن نسيم البكري ان جميل مردم بك ( رئيس الحكومة
السورية ) " أعرب عن تخوفه من قيام تركيا بأحتلال الجزء
الشمالي من سوريا .وقرر قادة الكتلة ( الوطنية ) التقرب من
انجلترا ... واعربوا عن تخوفهم ان من شأن انجلترا أيضا
التوصل الى اتفاق مع تركيا وفرنسا لتقسيم سوريا : الجزء
الشمالي لتركيا ، والجزء الجنوبي لشرق الاردن ، ولبنان
لفرنسا ".
لا بد من
التوقف في دراسة رابيوفيتس عند استنتاجين في غاية الاهمية
توصل اليهما :
اولا – ان
مشروعات سوريا الكبرى ( وهنا بيت القصيد) وضعت "قيادة
الييشوف ( اليهود في فلسطين) امام معضلة واضحة . من جهة
كان من شأن اية وحدة عربية ان تحشد القدرة التي ستغير
ميزان القوى بين الييشوف اليهودي في ارض اسرائيل ومحيطه
العربي . ومن جهة ثانية ،-وهنا تبرز عودة الى خط 1919 –
انه كان يمكن الافتراض انه في حال ان وحدة كهذه ستلبي
تطلعات العرب ، فان هذا من شأنه ان يخفف من ضغطهم بالنسبة
الى مسالة ارض اسرائيل . وقد انعكست هذه السياسة في كلام
ايلياهو ايلات خلال اجتماعه بالكتلة الوطنية السورية في
بلودان يوم 1-8-1936 اذ قال: " اذا اسفرت تطلعات العرب
الوطنية عن اقامة نظام سياسي فيدرالي في منطقتنا في يوم من
الايام ، فاننا لا نعارض ذلك بصورة مبدئية ، شرط ان يقوم
هذا الاتحاد
الفدرالي
على انسجام وتفاهم بين الاطراف المعنية ".
ثانيا –
"ليست هناك علاقة مباشرة بين تلك المشروعات وفكرة سوريا
الكبرى ، التي اشيعت من دمشق خلال السنوات 1974- 1977.
فالقيادة السياسية في دمشق كانت خلال الثلاثينات
والاربعينات بمثابة مشترك سلبي في مشروعات كان المبادرون
اليها من خارج حدود الدولة السورية . كما انه لا توجد
استمرارية بين هاتين الحقبتين ، اذ أن فكرة سوريا الكبرى
كانت بين الاربعينات والسبعينات خفية ونائمة . وفقط في
منتصف السبعينات قررت القيادة السورية احياء الفكرة
والمشاريع الخاصة بها ، سواء كبرنامج عمل او كمحاولة لحشد
شرعية فكرية لسياسة خارجية توسعية.... ويبدو انه في الوضع
الذي نحن بصدده هو تضافر وضع جيوبوليتي ، انعدام تبلور بعض
دول المنطقة واعتبارات المصلحة السياسية من اجل اعادة طرح
مسألة الارتباط بين فكرة سوريا الكبرى وبين مشكلة ارض
اسرائيل ، ليضاف بذلك تناسخ جديد لدافع دائم في تاريخ
الهلال الخصيب منذ نهاية الحرب العالمية الاولى ".
والمساهم
الثاني في الندوة موشيه ماعوز الذي حاول تعقب جذور مشروع
سوريا الكبرى "بر الشام " منذ العهد العثماني مرورا بتوصيف
خليل الخوري (1866) لحدود سوريا " من الفرات في الشرق
وحتى البحر الابيض المتوسط في الغرب ومن الصحراء العربية
في الجنوب وحتى انطاكيا في الشمال . ثم تلقفت
هذاالمفهوم بعد ذلك الحركة القومية العربية الاسلامية
وكذلك الحركة السورية القومية ،حركة انطون سعادة".
وتابع انه
بعد مذبحة 1860 " توصلت مجموعة من المثقفين المسيحيين الى
استنتاج ان الاساس الديني هو اساس هدّام للحياة المشتركة ،
وهناك حاجة الى انشاء اساس غير ديني وفوق ديني لسكان
المنطقة ، يكون العامل المشترك فيها هو التماهي مع الوطن
السوري . وقد تحدثوا عن وطن سوري يشترك فيه مسلمون
ومسيحيون ويهود".
واشار
ماعوز الى عاملين يحولان ، في اعتقاده، دون قدرة سوريا على
تحقيق مشروع سوريا الكبرى وهما : العراق الخصم اللدود
لسوريا وهو يتمتع " بوفرة من المصادر المادية والقوة
السياسية والعسكرية ". والعامل الثاني هو " الشعور
اللبناني الوطني الشامل ، او الماروني " الذي يشكل " حركة
عصيان ضد سوريا " ويمنعها من السيطرة على لبنان . ولكن
ماعوز يعتبر ان " مدى نجاح هذه الحركة يتوقف بمقدار كبير
على المساعدة الخارجية ، ولا سيما من قبل اسرائيل".
وختاما
اعرب ماعوز عن اعتقاده انه " اذا توفرت جهات تنجح في عرقلة
مسيرة السيطرة السورية على لبنان، فان ذلك سينطوي على
مساهمة مهمة لعرقلة عملية اقامة سوريا الكبرى الخطيرة
بالنسبة لاسرائيل ولبنان والاردن".
واخذ امنون
كوهين على رابينوفيتس وماعوز اغفالهما لعنصر مهم في
الاعتبارات السورية في سعيها لانشاء سوريا الكبرى ، عنصر
من شأنه ان يكون جزءا " من مجمل الاعتبارات السورية الخفية
واقصد جليلنا... الجليل نقطة الضعف الاستيطانية لاسرائيل
". ويستطرد كوهين ان " سوريا الكبرى معناها سيطرة سوريا
على ارض اسرائيل ( فلسطين) ، على المشروع الصهيوني والى
غير ذلك ".
وتوقف
كوهين عند " التناقض الداخلي الاساسي بين مشروع سوريا
الكبرى وبين الاتجاه العام للقومية العربية " اذ ان هذا
المشروع لا يغطي سوى جزء من البلدان العربية. ومن هنا لم
لم يكن للمشروع صدى كبيرا " لانه لا يعني في نهاية الامر
معارضة الفكرة الصهيونية وحسب (...) ، بل وينطوي ايضا على
تناقض داخلي اساسي بينه وبين القومية العربية . فاعتبار
سوريا الكبرى مرحلة نحو دولة عربية كبرى هو مفهوم ساد
مؤخرا من اجل ارضاء فرسان القومية العربية . والجدير
بالذكر ان حزب انطون سعادة ، الحزب السوري القومي ، اخذ
يتبنى منذ السنوات الخمس الأخيرة مفهوما شبيها ، لكي يزيل
هذا التعارض الاساسي . اذ ان هذا الحزب ايد في اساسه تحقيق
صيغة موسعة لسوريا الكبرى وتجاهل صراحة العنصر العربي
والايديولوجية العربية الشاملة ، الا ان الظروف الاضطرارية
اجبرته على جعل مبادئه الاساسية اكثر مرونة ويقترح حلا
من عنده للمشكلة : كيف يمكنك ان تكون قوميا عربيا وفي
الوقت نفسه تواصل التمسك بمفهوم القومية السورية وفق عقيدة
انطون سعادة . والحل الذي وجدوه هو ان اقليميتهم
وسبارطيتهم ما هما الا مرحلة نحو اطار اوسع ، الوحدة
العربية الشاملة ".
المداخلة
الرابعة في الندوة قدمها ايلياهو ايلات الذي سجل ملاحظات
ختامية اذ قال ان " مشروع سوريا الكبرى هو احد المواضيع
التي كلما حاولت تفسيره تكثر المسائل المرافقة المختلفة :
تاريخية ، جغرافية ، اقتصادية ،اجتماعية ، سياسية ، ولها
كلها انعكاسات على المجتمع العربي المعاصر . بيد ان
جمهورنا يعي انه ليس لهذه المسالة قيمة نظرية وحسب ،
وانما لها ايضا اهمية امنية وسياسية ، وهذه لم تسقط من
الاجندة منذ بداية المشروع الصهيوني في ارض اسرائيل".
ثم يخلص
ايلات الى استنتاج مهم وهو" اخالني ان ما كان قائما في
الماضي لا يزال قائما في الوقت الحاضر : ان الاخطار التي
تتربص باسرائيل ، وباستقلالنا السياسي وحقنا في الحياة
الوطنية التي لا تعتمد على جهة خارجية ، هي في شمال وطننا
وليس في جنوبه".
ثم يضيف
انه " حتى لو تمكن الاسد من السيطرة ، ليس على لبنان
وحسب، وانما على الاردن وارض اسرائيل، ما كان سيعيد الى
دمشق مجدها وعزتها اللتين كانتا لها في عهد الامويين ،
الا ان مكانته في العالم العربي كانت ستضعه في قمة لم
يتمكن من اكتسابها سوى عبد الناصر خلال حقبة معينة من
حياته. ولذا لا ينبغي لنا الاستخفاف يهذا الخطر وعلينا
تتبع ما يجري في شمال بلدنا بمزيد من الحذر". |