لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

  انطون سعادة باقلام الصحافة العبرية

سمير جبور

 

                      ايها الاخوة والاخوات ، اسعدتم  مساء

 

يسرني ان اتحدث اليكم في هذه الامسية الوطنية القومية   شاكرا النادي السوري الكندي في اوتاوا ، لاتاحة الفرصة لي ان اكون  معكم اليوم لاشارككم في احياء ذكرى تاسيس الحزب السوري  القومي الاجتماعي التي  تحييها مديرية اوتاوا. واتوجه بالشكر والتقدير لها وللاخ والصديق  نضال القادري على ما بذله من وقت وجهد لتسهيل مهمتي هذه.

وفيما نحيي الذكرى السادسة والسبعين لانشاء الحزب ، فانه من الطبيعي  ان يكون الزعيم الشهيد انطون سعادة محورالحديث . ولكن هذه المرة سنتحدث عنه من مرآة بعض المؤرخين والباحثين الاسرائيليين اللذين اولوا الزعيم وفكره الاهتمام والبحث والتمحيص.

وقد ارتايت ان اعرض بعض  ما توفر لي من كتابات وتحليلات لم اتدخل في نصوصها ، لان الغاية هي مجرد التعريف ما كتب عن سعادة والحزب في الادبيات الصهيونية باللغة العبرية حصرا.

واود ان اعتذر لكم مسبقا عن الاطالة في الاستشهاد والاقتباس لعدة اسباب : اولا ان هذه المرة الاولى –كما اظن- تنقل تقويمات مهمة لانطون  سعادة القائد والمشروع ، من اللغة العبرية  الى اللغة العربية -وثانيا، لم يكن من السهل الحصول على هذه المواد بهذه الغزارة ، وحرصت ان اطلعكم على اكبر قدر منها ، وثالثا،  تعتبر هذه المواد شهادة دامغة على ان انطون سعادة ومشروعه وفكره وايديولوجيته كانت تشكّل دائما هاجسا للحركة الصهيونية كرد مضاد على المشروع الصهيوني التوسعي. 

 وكما نعلمون ان احتمال قيام  اي شكل من اشكال الوحدة العربية بتسمياتها المختلفة : "الهلال الخصيب"  او "سوريا الكبرى " او " سوريا الطبيعية" او ما درجت تطلق عليه اسرائيل " الجبهة الشرقية " (عسكريا) او الوحدة العربية الشاملة ، يشكل دائما الهاجس الاكبر للحركة الصهيونية التي تحالفت مع الاستعمار الغربي للحؤول دون تحقيق اي  واحد من هذه المشاريع .

 فعلى سبيل المثال ، ذكر موشيه شاريت في مذكراتهً  (130-131 ) ان موشيه ديان رئيس الاركان  تساءل " ماذا لو اغتنم العراق فرصة القلاقل القائمة في سوريا الآن وغزا هذا البلد وحقق مشروع الهلال الخصيب؟ عندئذ  علينا التحرك وخلق جملة من الحقائق . قلت له ان الامر مبكر جدا لتحديد امور على نحو قاطع في امر كله " فيما لو، واذا".

وعبر دافيد بن غوريون الذي يعتبر مؤسس اسرائيل في مذكراته" يوميات الحرب" عن مخاوفه من تحقيق مشروع "الهلال الخصيب" و " سوريا الكبرى" في عدة اماكن من المذكرات .

ذكرمثلا ،ان ثمة  عربا  يرون الوضع بصورة واضحة . "  الهزيمة في القضية الفلسطينية هزيمة القيادة العربية ، وخطها السياسي لا هزيمة الامة العربية. " بهذه الكلمات يستهل حزب " الهلال الخصيب" الذي يسمى اليوم " البعث" برنامجه" ، قال بن غوريون  . وبعد ان  أشار الى حدود دولة الوحدة والاهداف التي  التي تبغي تحقيقها : انشاء حركة شبيبة وانشاء مصانع للاسلحة وقيادة عسكرية موحدة وانشاء صناعة وانتهاج العصرنة ..الخ كتب بالحرف الواحد:" هذا هو الطريق الذي ينشده العرب – وانا اتخوف طوال الوقت من ان يقوم زعيم عربي بقيادة العرب  على هذا الطريق..." ( ص . 723-724 )

وقال بن غوريون في سياق آخر:"ساسون اثبت ان مفتاح السلام مع العالم العربي هو موافقتنا على ضم الجزء الغربي( من فلسطين –الضفة الغربية ) الى عبدالله ،للحؤول دون قيام " سوريا الكبرى". ( ص.ً691)

وذكر بن غوريون  في هذا الصدد ان الانقلاب ضد شكري القوتلي " قد يخدم تطلعات الملك الاردني  بتحقيق رؤيا "سوريا الكبرى". ( ص. 741 ). وبلهجة من الارتياح والتشفي قال : "... ازداد التوتر الداخلي في لبنان . وفي حزيران /يونيو،حدثت انتفاضة فاشلة قام بها حزب انطون سعادة، الذي توقّع تاييد حاكم سوريا ..."(ً.(757 ). والمح بن غوريون ان ايلياهو ايلات درس تقديم العون لخصوم سعادة.

وزعم الباحث شمعون مندس ان  ثمة شركاء كثيرون  حتى   في سوريا نفسها مثل " الحزب الشعبي السوري الكبيربزعامة انطون سعادة ، تبنى هو ايضا الفكرة " (فكرة الملك عبداهه بانشاء سوريا الكبرى ) " ولكن ليس كمملكة  وانما كجمهورية .."

وتنشر من حين الى آخر مقالات باللغة العبرية حول احتمالات قيام وحدة بين العرب وحول  تنامي الشعور القومي الوحدوي في العالم العربي  بالتركيز على النزعات التقسيمية ايضا. ولكن من الصعب ان تجد مادة الادبيات الصهيونية  حول هذا الموضوع  ،دون ذكرالزعيم وتاثيره في الاحداث  والاشخاص.  وسوف اورد بعض هذه المواد.

على سبيل المثال عرضت ما يسمى " جمعية الدراسات الشرقية "  الاسرائيلية بعض هذه الاتجاهات . فقد جاء في احدى مقالات الجمعية  بالعبرية انه " نتيجة للتاثر بالثقافة الغربية ، نشأ في الهلال الخصيب وفي مصر ايضا  وعي للافكار القومية لجيل كامل...." .

وبعد عرض اتجاهات التنكر للعروبة ، النزعة الفينيقة في لبنان والنزعة الفرعونية في مصر ،جاء في مقالة الجمعية الاسرائيلية انه " نشأت في سوريا  حركة انطون سعادة "السورية" الذي اقام " الحزب السوري القومي  الذي كان معظم اعضائه من المسيحيين. ويزعم سعادة ان هناك قومية سورية تجد تعبيرا لها في التاريخ، وهويشرح كيف قامت هذه القومية ، وعين حدود سوريا( التي تضم اسرائيل وشرق الاردن وحتى الهلال الخصيب باسره). واعتبر سعادة ان اللغة والدين والعنصر انما هي امور تقسّم الامة السورية. وزعم ان العرب يتكونون من شعوب كثيرة  وليسوا شعبا واحدا . ولكن حركته فشلت  وكذلك جميع حركات  القومية الخصوصية ".( الانصرافية ).  

ذكر الباحث دافيد بيلد تأثير سعادة  مقتبسا من اطروحة الدراسات العليا  التي انجزها انه "يمكن ملاحظة اربعة اتجاهات متناقضة في الآيديولوجيات القومية التي كانت سائدة في بلاد الشام (...) فقد ارسى الهاشميون والمصريون طموحاتهم للسيطرة على المنطقة على ايديولوجيات الوحدة العربية  ومشروع سوريا الكبرى لانطون سعاده ، وعلى ايديولوجية سعادة الاصلية التي تجاهلت العروبة وعلقت اهمية تكاد تكون اسطورية على العلاقة بين المنطقة الجغرافية وبين من ولد فيها". 

وفي دراسة تحت عنوان " الجامعة العربية  والعلاقات العربية – العربية" عرض الباحث آشر غورين بعض مشاريع الوحدة العربية التي طرحت في اوائل الخمسينات والتي قدم بعضها الى مجلس الجامعة العربية . وكتب انه ورد "في مشروع الدستور السوري الذي وضعه الشيشكلي ونشر يوم 21/6/1953 ان احدى الواجبات الاساسية للدولة ،هو العمل على تحرير الامة العربية وتحقيق وحدتها . وفي الواقع ان نظام الشيشكلي كان يطمح في ان يوحد تحت سلطته  سوريا ولبنان والاردن وارض اسرائيل (فلسطين) ، او اجزاء منها ، (الجليل) اي : سوريا الكبرى بزعامة دمشق. وقد اعلن الشيشكلي ( الذي كان في حينه عضوا في الحزب السوري الشعبي الذي انشأه انطون سعادة ) اعلن ان ثمة حاجة الى الغاء جميع الحواجز  بين اجزاء الوطن السوري الكبير ".

وتطرق غورين الى بعض مشاريع الوحدة العربية التي قدمت الى الجامعة العربية بتأثير مشروع سعادة  مثل مشروع لبناني بشأن انشاء " هلال خصيب اقتصادي" يضم وحدة اقتصادية تشمل لبنان وسوريا والعراق والاردن . وعلم ان سوريا رفضت الانضمام الى المشروع من دون السعودية ، والسعودية من دون مصر . وبالنسبة الى مصر كان من  الواضح انها ما كانت ستدعم مشروعا كهذا". 

وكتب غورين ايضا عن مشاريع وحدوية اخرى مثل مشروع " الهلال الخصيب " الذي اقترحه الزعيم الفلسطيني موسى العلمي في كتابه " عبرة فلسطين ", وجوهر مشروع العلمي هو  "توحيد المصالح القومية الكبرى مع استمرار قيام الحكومات والانظمة "  على ان تطبق الوحدة على "أ) السياسة الخارجية . ب ) الدفاع . ج) الاقتصاد .د) التربية والتعليم ها) القضاء و )الشؤون الاجتماعية".

واشار غورين الى مشروع النشيط الفلسطيني تقي الدين النبهاني الذي اقترح في كتابه " انقاذ فلسطين " اقامة الكتل التالية : ) أ) العراق ب ) سوريا الكبرى (..) ،ج ) شمال شبه الجزيرة العربية ( الحجاز ونجد حتى الخليج الفارسي) د) جنوب شبه الجزيرة العربية ( اليمن وحضرموت)

ه) وادي النيل ( مصر والسودان ) و) شمال افريقيا (ز)  على أن تتحول هذه الكتل  مع الوقت الى دولة واحدة ..

وتحدث بيلد الآنف الذكر في مكان آخرعن مشروع حسني الزعيم الذي اقترح " انشاء حلف عسكري واقتصادي مع اسرائيل واستيعاب 300.000  لاجيء فلسطيني في سوريا" . وعلى الرغم من ان بن غوريون رفض هذا الاقتراح كما يقول بيلد لان " السلام لم يكن على راس اولويات دولة اسرائيل" .

ولكن الحناوي والشيشكلي " لم يكررا طرح الاقتراح لانهما كانا غير قادرين على ذلك بسبب

انتمائهما الى جناح  قومي متطرف اسسه انطون سعادة . وقد اغتالوا حسني الزعيم لانه" خان سعادة وتسبب في القبض عليه من قبل اللبنانيين واعدامه على الحدود السورية، في المكان الذي القي القبض عليه فيه. وقد نادى هذا الجناح بانشاء سوريا الكبرى  بما في ذلك قبرص..." كتب بيلد. 

وفي مقالة عن ادونيس كرسها الدكتور يائير حوري ، استاذ الادب العربي في قسم الدراسات الشرقية في جامعة بن غوريون في النقب(نشرت في ك1 يناير 2006) كتب ان ادونيس الذي انهى دراسته الجامعية في الفلسفة في جامعة دمشق في الخمسينات " انضم الى الحزب القومي السوري الذي اسسه انطون سعادة ، حتى انه سجن في سنة 1955 لمدة نصف عام بسبب انتمائه  الى ذلك الحزب. والاسم الادبي الذي تبناه-ادونيس- هوالصيغة اليونانية للاسم الفينيقي-الكنعاني  "ادوني" ومعناه "سيد"او " اله" ، كما اشيع، ورغم أن ادونيس ينكر ذلك، فان هذا الاسم اطلقه عليه انطون سعادة، الذي اراد ان يعمق تماثل اعضاء حزبه مع الكيان السوري الفريد ما قبل العروبة والاسلام ". 

وورد في " المعجم السياسي للعالم العربي" الذي وضعه يعقوب شمعوني عرضا للاحزاب السياسية والمنظمات شبه العسكرية في لبنا ن مثل الكتائب والنجادة " استمدت التشجيع من النفوذ المتزايد لايطاليا الفاشية والمانيا النازية . اما المنظمة التي تؤمن بسوريا الكبرى ، وهي ذات طابع فاشيستي واضح، الحزب السوري القومي PPS) ) الذي اسسه انطون سعادة واخرج عن القانون سنة 1936 ".

وفي دراسة طويلة وموثقة اعدها الباحث يوآف غيلبر ( نشرت سنة 1991 ) ، المح الى أن مبعوث الوكالة اليهودية في سوريا بعثب بتقريرالى  رؤسائه ذكر فيه ان " المزيد من المتطوعين السوريين سافروا الى ارض اسرائيل. وان انطون سعادة، زعيم الحزب القومي السوري اللبناني  غادر منفاه في قبرص  وذهب للانضمام الى الثوار.." في فلسطين. 

ولكن المقال الاهم  والمسهب الذي كرسّه صاحبه الى تحليل شخيصة الزعيم وفكره واديجيولوجيته  (تحت عنوان : "سيرة ثوري عربي- نهج انطون سغادة " هو  الذي نشره ايلياهو ايلات في مجلة "مولاد" سنة 1972 باللغة العبرية. ( ايلات مؤرخ وديبلوماسي. شغل منصب رئيس قسم الشرق الاوسط في الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية في القدس . اول سفير لاسرائيل في الولايات المتحدة ثم في بريطانيا , وكان رئيس الجامعة العبرية في القدس من سنة 1962-1968. وله عدة مؤلفات حول النزاع العربي – الصهيوني واهمها " في الصراع من اجل الدولة ").       

وقد تميز مقال ايلات بغزارة المعلومات التي  قال انه استمدها من خلال معرفته لسعادة شخصيا..."  وبعد ان عرض ور الدتور خليل سعادة  والد الزعيم في احياء الفكر القومي في المهجر ، ذكر انه يعرف سعادة الابن من خلال دراسته في الجامعة الاميركية في بيروت. واستهل ايلات مقاله قائلا :

"انني اتكلم هنا عن احد ابطال المعسكر ، انطون سعادة الذي عرفته معرفة شخصية. وقد كتب عنه القليل باللغة العبرية"،كما قال .واضاف ايلات " حتى الآن لم تحظ شخصيته  ونشاطه –كأحد كبار محدثي التغييرات الفكرية والتنظيمية في المعسكر العربي، خلال السنوات العشرين الاخيرة  ، لم تحظ بتقدير لائق". وكتب ايلات " عرفت من سعاده نفسه شيئا ما عن تاريخ نشاطه واعماله قبل قدومه الى بيروت". واشار ايلات الى ان سعادة درس لغات عديدة وهو في البرازيل. علاوة على اللغة العربية الم بالانجليزية والبرتغالية والاسبانية  والفرنسية والالمانية والايطالية والروسية "الامر الذي ساعده في رحلاته  واتصالاته المختلفة ".

واعتبر ايلات ان "سنة 1935 فتحت صفحة جديدة في تاريخ  الحزب السوري القومي . فقد قرر انطون سعادة معتمدا على انجازات الحزب،  كحركة سرية وعلى القوة التنظيمية التي اقامها ، قرر الشروع في نشاط جماهيري متنوّع بواسطة عقد اجتماعات علنية ومهرجانات لاعضاء الحزب ، ونشر مواد مدونة  طبعت في مطبعة الحزب في بيروت.. " وتحدث عن تغلغل تاثيرنفوذ الحزب في الجهاز الحكومي ، ليكشف النقاب بعد ذلك عن ان اسد الايوبي رئيس شرطة بيروت كان "عضوا نشيطا " في الحزب.

وزعم ايلات أن  " افكار سعادة الاجتماعية  والسياسية انما هي اقرب الى الفاشية الايطالية منها الى مذهب هتلر ... ولكن هذا العربي الذي اكتسب ثقافته في البرازيل...وجد صعوبة  في تقبل العنصرية النازية . وكانت مصادر وحيه كثيرة ومتنوعة" .وتابع ايلات قائلا: " بدأ انطون سعادة يعتبر نفسه زعيما قادرا على إحداث تغييرات ثورية في حياة المجتمع العربي . وكانت محاربة الانقسام والتمسك بوحدة الامة  وسمو (مفهوم) الدولة  اركان برنامجه الفكري ".

وكشف ايلات النقاب عن واقعة اخرى " سمعت من انطون سعادة نفسه ومن كبار مساعديه شرحا  لحيثيات تمسكهم الفكري والعملي بمشروع  سوريا الكبرى". وان هذا المشروع لن يتحقق الا على مراحل . وكتب يقول " عرفت انطون سعادة بعد وقت قصير من قدومه الى بيروت ... كان يحرص على شحذ تهذيبه . وكل من التقى به للمرة الاولى يعجب بعينيه الثاقبتين واسلوب كلامه الحماسي والواثق . متعصب لارائه وجازم في موقفه ، وموهوب بقدرة على الاصغاء ... ويعرف كيف يكشف نقاط الضعف لدى الخصم، وضليع بخبرته  في القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة".

وقارن ايلات بين حملات موسيليني وهتلر الهجومية الثورية العلنية وبين نشاط سعادة  السري الذي " ادى الى انشاء نواة من الانصار  المخلصين له ولافكاره، لكي يتغلب على معارضيه هيئات وقادة متنفذين ". وتحدث ايلات عن مفهوم سعادة لفكرة " سوريا الكبرى".

ثم انتقل الى الحديث عن نظرة الزعيم الى " الوطن القومي اليهودي" والصهيونية، ووجدت انه قرأ كتبا وادبيات صهيونية. واستمد افكاره عن اليهود من خلال اتصالاته مع يهود البرازيل والولايات المتحدة . . "وفي احد احاديثه عن هذه المواضيع رفض سعادة الصهيونية كونها ، كما كان يعتقد، لا تسعى الى هضم حقوق العرب في ارض اسرائيل( فلسطين ) وحسب ، وانما تتناقض مع روح اليهودية نفسها ومع مبادئها. وقال ان اليهود هم مزيج خاص من شعب ودين، وهذا يتعارض مع فلسفة الدولة . وليس من قبيل الصدفة انهم يشكلون معضلة في كل مجتمع ودولة يسعيان الى صهرهم  . وعندما سالت سعادة ذات مرة  : لماذا هو يغوص في الماضي السحيق  بحثا عن اساس تاريخي لسوريا الطبيعية ... ويحرّم على الشعب اليهودي –الشعب الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من بين جميع الشعوب القديمة في المنطقة- حقه في تجديد حياته في ارض وطنه ، اجاب :ان ثقافة آرام كانت اونيفيرسالية ( عالمية ) .وجديرة بأن تشكل نموذجا لدولة" "سوريا الكبرى". عندما تقوم".

 وخلص ايلات الى القول في هذا الصدد " مهما كانت الصهيونية بالنسبة الى اليهود انفسهم، فان سعادة اعتبرها خطرا كبيرا جدا على فكرة "سوريا الكبرى". واشار الى ان اليهود سيشكلون "حجر عثرة  في الدولة السورية الموسعة التي طرحها سعادة في مشروعه".

لقد اسهب ايلات في الحديث عن القوى التي عارضت سعادة  ، على خلفية فصل الدين عن الدولة. ولكن ايلات جزم بان "هذه العقبات لم تردع سعادة وصحبه الذين تعززت حميتهم اكثر فاكثر ، وكان ولاؤهم للحزب لا يعرف حدودا".

واختتم ايلات مقاله ببعض التقييمات الذاتية لمشروع سعادة فقال:

" جمع انطون سعادة بين صفات الثوري والقائد . ولكن مصدر ضعفه كان يكمن في انفصاله عن الواقع،الذي نشط في ظل ظروفه منذ وصوله الى لبنان في سنة 1932 . وكانت تشوب  استراتيجيته السياسية بعض العيوب ، بسبب عجزه عن تقييم الحقائق، والتمحيص في تاثيرها على خططه.

" ان سعيه الى الغاء الاطر الطائفية كان ضربا من المبالغة وعدم الواقعية . كما ان محاولته اقتلاع القومية السورية من ارضيتها العربية ، اثارت غضب قطاعات واسعة من الجمهور العربي –الاسلامي ، حتى انها لم توفر له الدعم من قبل الطوائف الاخرى. والصورة والافكار التي اكتسبها من سوريل وغيره حملته على ركوب مغامرات  لم يكن لها اساس ، وتفتقر الى امكانات النجاح واعدم بجريرتها". 

وفيما يلي ملخص لمجموعة من التقييمات المهمة  نشرت باللغة العبرية حصرا.

نشرت مجلة بحثية تسمى  " كاتيدرا  - لتاريخ ارض اسرائيل وتوطينها " في عددها الصادر في نيسان / ابريل 1978 ، ندوة خصصت للبحث في تطور فكرة سوريا الكبرى، ساهم فيها اربعة من المؤرخين الاسرائيليين البارزين وهم البروفيسور ايتمار رابينوفيتس رئيس جامعة تل ابيب ومتخصص في الشؤون السورية ، وتراس الوفد االاسرائيلي خلال محادث السلام بين سوريا واسرائيل . وموشيه ماعوز الباحث واستاذ التاريخ في الجامعة العبرية ، ومتخصص في الشؤون السورية وهو من وضع كتابا تحت عنوان : "اسرائيل وسوريا –نهاية النزاع" . كذلك المؤرخ والمستشرق امنون كوهين وثم   والياهو ايلات الذي سبق ذكره . .

كانت المساهمة الرئيسية لايتمار رابينوفيتس الذي عرض الجذور التاريخية لمشروع  "سوريا الكبرى  منذ سنة 1918 وحتى  سنة 1939 "  استهل مقالته مشيرا الى ان " نظام الرئيس الاسد يسعى الى اقامة وحدة سياسية على ارض سوريا الكبرى تحكمها الدولة السورية التي يتزعمها ".

  " ثمة حقيقة بالغة الاهمية ان النظام البعثي  يوظف في وسائل اعلامه صحافيا لبنانيا يدعى شوقي خيرالله  وهو احد النشطاء القدامى للحزب القومي السوري . ويدعو خيرالله الآن ، برداء جديد ، الى تحقيق حلم سوريا الكبرى .... " وفي هذا الاطار يتداول السوريون في حل للقضية الفلسطينية ." وبحسب هذا الحل تقام دولة فلسطينية مستقلة ذاتيا ، في الضفة الغربية تكون مرتبطة ضمن اطار فدرالي مع الاردن من جهة ، ومع سوريا من جهة اخرى ." ومثل هذا الارتباط لا يوفر لتسوية كهذه " استقرارا وحسب وانما شرعية ايضا ".

ثم تطرق رابينوفيتس  الى معارضة بعض الفئات اللبنانية لـ" الميثاق الوطني " سنة 1943 ، والتي تجلت  خلال تلك السنوات:" بصياغة عقيدة الحزب القومي السوري الذي اقامه انطون سعادة في العام 1934 . وكما هو معروف زعمت هذه العقيدة ، ان سوريا الكبرى هي وحدة جغرافية وسياسية طبيعية ، وان هذه الوحدة هي التي شكلت الامة السورية ، وان حكم التاريخ يقضي بانها ستعبر عن نفسها بقيام دولة مستقلة .. ".

ويتابع رابينوفيتس  قوله ان تاريخ هذا الحزب " المثير للاهمية " ليس من صميم هذا البحث، ولكن " ثمة حقائق ومميزات تتعلق به تستحق التأكيد عليها " :

" أ – انتشر الحزب من لبنان الى جميع انحاء سوريا .

 ب – استقطب الحزب الى صفوفه  بصورة عامة ابناء طوائف الاقليات ...

 ج- الحزب لا يزال قائما حتى الآن ،   ونشر الفكر والعمل السياسي  في المنطقة . وثمة حقيقة  مثيرة للاهتمام حقا  ،هي ان بعض واضعي صيغة فكرة الدولة الديموقراطية العلمانية  ( يقصد في فلسطين )هم اعضاء سابقون في هذا الحزب ( ويشار في هذا الصدد الى الدور الذي قام به الاخوان الصائغ  وهشام شرابي )."

ويضيف رابينوفيتس في هذا الصدد ان " ثمة اهمية خاصة للتاييد الذي لاقته فكرة سوريا الكبرى بين قادة الحركة الوطنية الفلسطينية )، ذلك التاييد الذي جعل يهوشواع بورات  ( تعريف بورات)ان يميز تلك السنوات بانها " حقبة سوريا الجنوبية " في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية . بيد انه تبرز من خلال تحليلات يهوشواع بورات  ثلاث نقاط رئيسية :

أ –لم يكن تاييد عرب فلسطينل للفكرة القائلة ان فلسطين هي " سوريا الجنوبية " ، شاملا.

ب - برزت وجهتا نظر في موقف الفلسطينيين ، الذين دعموا الخصوصية الفلسطينية  في اطار كيان  سوري اوسع.

ج –ايد القادة الفلسطينيون كيانا سوريا كبيرا من خلال الامل ان ذلك يعزز صمودهم امام الصهيونية ... 

لا بد من التوقف في دراسة رابيوفيتس عند  استنتاجين في غاية الاهمية توصل اليهما :

اولا – ان مشروعات سوريا الكبرى ( وهنا بيت القصيد) وضعت "قيادة الييشوف ( اليهود في فلسطين) امام معضلة واضحة . من جهة كان من شأن اية وحدة عربية ان تحشد القدرة التي ستغير ميزان القوى بين الييشوف اليهودي في ارض اسرائيل ومحيطه العربي .

ثانيا – "ليست هناك علاقة مباشرة  بين تلك المشروعات وفكرة سوريا الكبرى ، التي اشيعت من دمشق خلال السنوات 1974- 1977. فالقيادة السياسية في دمشق كانت خلال الثلاثينات والاربعينات بمثابة مشترك سلبي في مشروعات كان المبادرون اليها من خارج حدود الدولة السورية . كما انه لا توجد استمرارية بين هاتين الحقبتين ، اذ أن  فكرة سوريا الكبرى كانت بين الاربعينات والسبعينات خفية ونائمة . وفقط في منتصف السبعينات قررت القيادة السورية احياء الفكرة والمشاريع الخاصة بها ، سواء كبرنامج عمل او كمحاولة لحشد شرعية فكرية لسياسة خارجية  توسعية.... ".  

والمساهم الثاني في الندوة موشيه ماعوز الذي حاول تعقب جذور مشروع سوريا الكبرى "بر الشام " منذ العهد العثماني مرورا بتوصيف خليل الخوري (1866)  لحدود سوريا " من الفرات في الشرق وحتى البحر الابيض المتوسط في الغرب  ومن الصحراء العربية في الجنوب  وحتى انطاكيا في الشمال .  ثم تلقفت  هذاالمفهوم بعد ذلك الحركة القومية العربية الاسلامية  وكذلك الحركة السورية القومية  ،حركة انطون سعادة".

وتابع انه بعد مذبحة 1860 " توصلت مجموعة من المثقفين المسيحيين الى استنتاج ان الاساس الديني هو اساس هدّام للحياة المشتركة ، وهناك حاجة الى انشاء اساس غير ديني وفوق ديني لسكان المنطقة ، يكون العامل المشترك فيها هو التماهي مع الوطن السوري . وقد تحدثوا عن وطن سوري  يشترك فيه  مسلمون ومسيحيون ويهود".

واشار ماعوز الى عاملين يحولان ، في اعتقاده، دون قدرة سوريا على تحقيق مشروع سوريا الكبرى وهما : العراق الخصم اللدود لسوريا  وهو يتمتع " بوفرة من المصادر المادية والقوة السياسية والعسكرية ". والعامل الثاني  هو " الشعور اللبناني الوطني الشامل ، او الماروني " الذي يشكل " حركة عصيان ضد سوريا " ويمنعها من السيطرة على لبنان . ولكن ماعوز يعتبر ان " مدى نجاح هذه الحركة يتوقف الى حد كبير على المساعدة الخارجية ، ولا سيما من قبل اسرائيل".

وختاما اعرب ماعوز عن اعتقاده انه " اذا توفرت جهات تنجح في عرقلة مسيرة  السيطرة السورية على لبنان، فان ذلك سينطوي على مساهمة مهمة لعرقلة  عملية اقامة سوريا الكبرى التي تشكل خطرا على اسرائيل ولبنان والاردن". 

واخذ امنون كوهين  على رابينوفيتس وماعوز اغفالهما لعنصر مهم في اعتبارات سوريا في سعيها لانشاء سوريا الكبرى ، عنصر من شأنه ان يكون جزءا " من مجمل الاعتبارات السورية الخفية واقصد جليلنا... الجليل نقطة الضعف الاستيطانية لاسرائيل ". ويستطرد كوهين ان " سوريا الكبرى معناها سيطرة سوريا على ارض اسرائيل ( فلسطين) ، على المشروع الصهيوني  والى غير ذلك ".

وتوقف كوهين عند " التناقض الداخلي الاساسي  بين مشروع سوريا الكبرى  وبين الاتجاه العام للقومية  العربية " اذ ان هذا المشروع لا يغطي سوى جزء من البلدان العربية. ومن هنا لم  يكن للمشروع صدى كبير " لانه لا يعني في نهاية الامر معارضة الفكرة الصهيونية وحسب (...) ، بل وينطوي ايضا على تناقض داخلي اساسي  بينه وبين القومية العربية . فاعتبار سوريا الكبرى مرحلة نحو دولة عربية كبرى  هو مفهوم  ساد مؤخرا من اجل ارضاء فرسان القومية العربية . والجدير بالذكر  ان حزب انطون سعادة ، الحزب السوري القومي ، اخذ يتبنى منذ السنوات الخمس الأخيرة  مفهوما شبيها ، لكي يزيل هذا التعارض الاساسي . اذ ان هذا الحزب ايد في اساسه تحقيق صيغة  موسعة لسوريا الكبرى وتجاهل صراحة العنصر العربي  والايديولوجية العربية الشاملة ، الا ان الظروف الاضطرارية اجبرته على  جعل مبادئه  الاساسية اكثر مرونة  ويقترح حلا من عنده للمشكلة : كيف يمكنك ان تكون قوميا عربيا وفي الوقت نفسه تواصل التمسك بمفهوم القومية السورية وفق عقيدة انطون سعادة . والحل الذي وجدوه هو ان اقليميتهم وسبارطيتهم  ما هما الا مرحلة  نحو اطار اوسع ، الوحدة العربية الشاملة ".

 لمداخلة الرابعة في الندوة قدمها ايلياهو ايلات السابق الذكر  الذي سجل  ملاحظات ختامية اذ قال ان " مشروع سوريا الكبرى هو احد المواضيع التي كلما حاولت تفسيره تكثر المسائل المرافقة المختلفة :  تاريخية ، جغرافية ، اقتصادية ،اجتماعية ، سياسية ، ولها كلها انعكاسات على المجتمع العربي المعاصر . بيد ان جمهورنا  يعي انه ليس لهذه المسالة قيمة نظرية وحسب ، وانما لها ايضا  اهمية امنية وسياسية ، وهذه لم تسقط من  الاجندة منذ بداية المشروع الصهيوني في ارض اسرائيل".

ثم يخلص ايلات الى استنتاج مهم وهو : ان الاخطار التي تتربص باسرائيل ، وباستقلالنا السياسي وحقنا في الحياة الوطنية ، دون الاعتماد على جهة خارجية ، هي في شمال وطننا وليس في جنوبه... لا ينبغي لنا الاستخفاف يهذا الخطر وعلينا تتبع  ما يجري في شمال بلدنا بمزيد من الحذر".

وهناك باحث آخر وهو يوسف اولمرت  ادلى بدلوه بمقال تحليلي  اقتبس منه  بعض المقاطع:

زعم اؤلمرت ان " الايديولوجيا التي ارسى ركائزها انطون سعاده في البرازيل ، تقوم ، بين امور اخرى ،على ايديولوجية  الحزب الفاشيستي المحلي ( " الانتغرالي"). ولكن اولمرت يلاحظ ان

"فلسفة سعادة قامت على المفهوم العلماني القومي الذي رفض الانقسام على اساس ديني ". واقتبس اولمرت من كتاب الزعيم " نشوء الامم " الذي جزم فيه ان هناك "هوية سورية خصوصية، وان الجغرافيا والتاريخ اصبغا على سكان " سوريا الكبرى" هوية قومية تختلف عن هوية سائر العرب". واضاف اولمرت ان : سعادة جزم  بان في الشرق الاوسط ، كما في مناطق اخرى في العالم ، كانت الجيوبوليتيكا المفتاح لفهم مسارات تاريخية،وفهم الاختلاف بين المجتمعات والقوميات. واكد ان ثمة اختلافا جوهريا بين سكان " سوريا الكبرى"  وبين عرب شبه الجزيرة العربية او مصر. وبحسب مفهومه ، فان الجغرافيا هي التي شكلت سوريا الكبرى وحولتها الى كيان جيوبوليتيكي متميز ".

ويوضح المرت ان " هذا المفهوم وضع  فكرة "سوريا الكبرى " في مركز الصدارة ،رافضا الوضع الراهن الاقليمي ، الذي نشأ في عهد الانتداب . ولكن انطون سعادة طوّر نطاقا ايديولوجيا واسعا ، شمل ايضا ماهية  الدولة السورية  .وكان اول من ارسى في العالم العربي ( اذا لم يكن في الشرق الاوسط كله) ايديولوجيته على المفهوم العلماني  . وبحسب قوله فان العلمانية تشكل سندانا مستقرا الذي يمكّن الطوائف والديانات المختلفة في " سوريا الكبرى"من ايجاد عامل مشترك يتبلور بواسطته كيان سياسي واحد , وبهذا تاثر من دون شك بثورة كمال اتاتورك العلمانية في تركيا ".

ويتابع اولمرت قراءته لمفهوم سعادة بقوله "ثمة اساس مهم آخر في عقيدة سعادة ،هو الحاجة الى اصلاحات اجتماعية . واعتقد انه يمكن تطبيق هذه الاصلاحات بروح الانظمة التوليتارية الفاشية . ولا سيما وفق النموذج الايطالي ...او على الاقل  النموذج الالماني " . ولكن اولمرت استدرك قائلا :" ان فلسفته  لم تكن عنصرية في اساس الامر " مضيفا ان " ايديولوجيته جذبت الكثيرين من الشبان العرب ، من جميع ابناء الطوائف والاديان في سوريا ولبنان وفي ارض اسرائيل ايضا (فلسطين)، لانه استشرف حلا شاملا، قوميا واجتماعيا ، ووفر الحلول لمشكلات الهوية، التي برزت لدى قسم من السكان المحليين . وانخرط انصار سعادة في المجالات المختلفة  للسياسة العربية خلال الاربعينات والخمسينات والسيتينات، وحتى خلال السبعينات والثمانينات من القرن".

وقبل الانتهاء من عرض قراءة اولمرت لفكر سعادة ومشروعه، لا بد من الاشارة الى ان اولمرت هذا ذكر ان الكثيرين من المثقفين العرب تاثروا بفكر سعادة مثل الشاعر سعيد عقل " واوائل المفكرين الذين كانوا ينتمون الى م.ت.ف.( مثل الاستاذين هشام شرابي وفايز الصايغ الذين " طوروا "فكرة الدولة العلمانية الديموقراطية ") . واشار الى ان الكثيرين من اصحاب المناصب الرفيعة في الاحزاب السورية المختلفة هم من تلامذة سعادة . وهكذا يقول اولمرت ان " اهمية انطون سعادة وحزبه الاساسية كانت تكمن في البنية التحتية الفكرية التي منحاها للكثيرين من الشباب ، والاساس الايديولوجي الذي وفراه لحركات كثيرة في المنطقة". 

وفي مقال في غاية الاهمية للدكتور غي باخور استاذ محاضر ومستشرق وخبير قانوني  تحدث فيه عن شخصية انطون سعادة ، وعن دور مقاتلي الحزب القومي في طرد القوات الاسرائيلية من لبنان،. استهل باخور مقالته فكتب :" الاذى الذي الحقه باسرائيل هائل، وربما انه لم ينته بعد، ولكنني اشك فيما اذا كان احد في اسرائيل سمع عنه او عن أعماله . ومع ذلك فان المقصود هو احدى الشخصيات الغريبة ، والغامضة والشيّقة  في تاريخ الشرق الاوسط. وهذه القصة تحتوي على كل شيء ، بصورة لا تصدق  : خيال جامح ، ووهم خادع ، وسايكولوجية جماهيرية... واسرائيل اليائسة  والمستصرخة، نهاية دراماتيكية، ومفاجآت . ادخلوا معي الى الشرق الاوسط الخفي عن الانظار:

" انها قصة انطون سعادة (1904-1949). ( انظر الصورة ) اللبناني الذي نسج اسطورة مطلقة، وبالتالي خلق منها واقعا".

واستطرد الدكتور باخور يتحدث عن انطون سعادة  لدى عودته الى لبنان من  البرازيل: "   عاد الشاب المسيحي  من مناطق اميركا الجنوبية الشاسعة ، ملتحيا ، غامضا،ومغامرا ،عاد الى ارض لبنان النكدة ، حيث ان كل طائفة هناك تصون ارضها الصغيرة التعيسة ، بيد ان انطون اخذ ينشر فكرة جديدة : يجب اقامة امة عربية جديدة  ضمن الحدود الطبيعية لسوريا التاريخية ، والتي تضم اراضي سوريا ولبنان والاردن والاسكندرونة في تركيا وفلسطين... وأطلق على هذه الفكرة "سوريا الكبرى".

"هو قال هذا ، والألاف اخذت تصغي له ، يجب استنهاض حضارة سوريا العظيمة ، في مواجهة تخلّف الشرق ....،وحيث سيكون فيها فصل بين الدين والدولة  والتي ستبعث " العنصر السوري" من جديد ..."

" ان امرا واحدا لم يقل، لم تكن هناك مملكة سوريا الكبرى. كان كل ذلك من ثمرة خيال انطون سعادة. هل كان يقصد بيزنطية ؟ ام انطاكية ؟ فهذا لم يوضحه ابدا . فكيف يمكن التكلم عن "عنصر سوري"؟ لم يكن وجود لمثل هذه الامور على الاطلاق. فقد اعجب بالمانيا وبالنظام الفاشي . ولهذا درس الالمانية ودرّسها . وغدا انطون سعادة الشاب  غورو ( المعلم الروحي ) للالاف ونادى بالعودة الى ما لم يكن موجودا على الاطلاق . واقام حزبا جديدا اسمه الحزب السوري الاجتماعي القومي . وذكّر شعاره الاحمر المتالق بالصليب المعكوف الى حد ما.

"اقام له خيمة بالقرب من منزله في ضهور الشوير ، وكان الشباب يحجون اليه ، واستحوذ على قلوبهم بكلامه المعسول عن الرؤيا السورية التي ستوفرالسلام والمصالحة والمحبة, وكان  الشباب يلتهبون حماسة. الا ان السلطات اللبنانية والفرنسية لم تتحمس ابدا ... كان مسيحيا، مختلفا،غريبا، لم يكن بالامكان سبر اغواره ". 

وعرض باخور الخطوات التالية التي اقدم عليها سعادة " وهذه المرة قطع خطوة اخرى الى الامام:  اعد  ثورة . وخطط في خياله ان يقيم بنفسه مملكة سوريا الكبرى والاسطورية ،توحيد سوريا ولبنان وارض اسرائيل . وخلال تلك المرحلة كان  يدعو الى كراهية شديدة لاسرائيل  ، فاذا  احتلها اليهود ، فكيف ستقوم المملكة الاسطورية ؟ ان الكراهية التي نسجها ضد اسرائيل ستلازم لبنان واللبنانيين لسنوات طويلة جدا ."

"انشأ انطون جيشا في الجبال ، جيشا خياليا  لمملكة خيالية ، وتدرب شبابه استعدادا لللحظة الكبيرة". واستطرد باخور ان تلك "اللحظة قد آنت في صيف 1949 ، اذ حانت في رايه ساعة النهضة" وحاول احتلال مباني الحكومة وفشل وانتهى به الامر بالاعدام.

ويتابع باخور روايته :

" وبالمناسبة، التاريخ يصنع العدل احيانا، ولو جاء متاخرا. فبعد اسبوع من تسليم انطون سعادة الى لبنان،اغتيل رئيس سوريا حسني الزعيم، اذ اتهمه الذين اغتالوه بتسليم انطون سعادة الى الحكومة اللبنانية " . ورغم الصدمة  " لم يختف حزبه السوري الاجتماعي ، بل على العكس استمر قائما ، بل اشتد قوة الى حد كبير . تحولت كتاباته الى ادب يكاد يكون دينيا. حفظوه عن ظهر قلب ".

ثم ذكر باخور ان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد تحدث في " خطاب الفلاحين" (1970) عن ...فكرة "سوريا الكبرى" وبذلك تبنى عقيدة انطون ، وجعلها السياسة الرسمية لسوريا ، على الرغم من ان سوريا كهذه لم تكن قائمة على الاطلاق ..." . وكان انطون في حينه يناشد اتباعه  بالقول " انتم قلائل، ولذا عليكم ان تكونو جسورين ومبدعين ..."

وتابع باخور مقاله مشيرا الى انه بعد اغتيال بشير الجميّل :

" كانت الصدمة في اسرائيل كبيرة، واخذ الجيش الاسرائيلي ينكفيء جنوبا ، وتبخر الحلم ( حلم اسرائيل) اللبناني فجأة. وحقق انصار انطون سعادة نجاحا كبيرا. ويواصل الشبان من اتباع انطون مطاردة الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان، مع مجموعة من المنتحرين والمنتحرات ، سببوا لنا خسائر جسيمة. ( 1985: سناء محيدلي، التي حظيت بلقب "عروس الجنوب ").

"انسحبت اسرائيل جنوبا واقامت الحزام الامني" .

وختاما  ، ارتايت ان اشير الى بعض العناصر المشتركة بين جميع التقويمات والتحليلات التي استمعنا  اليها :

اولا – هناك اقرار بان المشروع القومي  على الرغم من جميع التراجعات والانتكاسات سيبقى يشكل التهديد الاساسي للمشروع الصهيوني

ثانيا – يبدو على امتداد المادة التي استمعنا اليها ان ثمة اهتماما  كبيرا وفي العمق في فكر سعادة   ومشروعه لدرجة ان بعض الباحثين الصهيونيين   خاضوا في ادق التفاصيل للاحاطة بجوانب هذا المشروع .

ثالثا – هناك اعتراف ضمني غالبا ، بان النهضة القومية  وتحقيق الوحدة العربية  لم ينزلا عن جدول الاعمال ، وسيبقيان   الشغل الشاغل لقادة اسرائيل والحركة الصهيونية

رابعا –هناك تركيز واضح على ان المفهوم العلماني القومي ، واستشراف الحل الشامل القومي والاجتماعي للدولة العلمانية ، هما المخرج الوحيد للخروج من دوامة الانقسام الطائفي والاثني والاقليمي والجغرافي ...الخ  وسوف تواصل الصهيونية محاربة هذا التوجه.

  شكرا لاصغائكم  واعتذر مرة اخرى عن الاطالة  والسلام عليكم