|
حضرة الرفيق ......
....... المحترم
تحية سورية قومية إجتماعية
شكراً لاهتمامك بمسألة مرضي، ولكن يجب التوضيح أن ليس هناك
معاناة بالمعنى الحقيقي، إذ انه لا يوجد اوجاع على
الإطلاق، وأنا في حالة من القوة والنشاط جيدة، لذلك تراني
اقوم بمسؤولية الكتابة في الأعمال الملحة حسب افضليتها.
وانا كما أردد دائما امام الأهل والأصدقاء والرفقاء
وزملائي في العمل أنه لو لم يؤكِّد لي الأطباء بأنني مريض،
فأنني كنت لا اشعر بوجود المرض على الإطلاق. طبعاً، هناك
مبالغة في هذا الإعلان، لكنه قريب من الواقع، وهو لا يلغي
وجود المرض وتهديده لي.
ما يهمني هنا هو ابعد ما تعنيه مسألة صحتي، الا وهو صحة
العمل الحزب التي هي الأهم وهي موضع القصيد.
تردد في رسالتك ان المشكلة في العمل الحزبي هو آليته، "حيث
انه لا يوجد رؤية محددة واضحة في صفوف الحزب لآلية التحقيق".
لقد سمعت قبلك كثيرين يرددون ان مشكلة العمل الحزبي هو
افتقاده الى الآلية الصحيحة. أما أنا فإني أرى أن هذا
الرأي بعيد عن الدقة والصحة كثيراً.
كي أدعم صحة رأيي، لا بد لي ان أعطيك مثلاً بسيطاً يساعد
على توضيح الفكرة من خلال التشبيه والمقارنة. افترض أنك
تريد الإنتقال من مرجعيون الى الشويفات، لذلك عليك ان تفكر
أولا في الآلية التي تحقق فيها عملية انتقالك من .......
الى الشويفات. هنا يبرز امامك عدة خيارات منها الإنتقال
مشياً، الإنتقال على ظهر بهيمة ما (حمار، بغل، حصان او ما
شابه)، أو الإنتقال بالسيارة أو بواسطة
الهيلوكوبتر(الإنتقال بالطائرة خيار مستبعد لانه لا يوجد
مطار في .......) فإذا قررت الإنتقال مشياً على الأقدامخ،
يجب ان تكون متأكداً من قدرتك على تحمل مشقة المشي تلك
المسافة الطويلة التي تفصل بين ........ والشويفات. أم
إذا قررت الإنتقال على ظهر بهيمة من أي نوع، فانه يجب ان
لا يكون عندك اي خوف من استعال البهيمة لهذا الغرض.
طبعاً، الإنتقال بالسيارة او المروحية، توجب عليك توفر
مهارة القيادة للسيارة او المروحية (إفتراضاً انه لا يوجد
هناك من يقود السيارة او المروحية غيرك، مما ينطبق اكثر
على المشابهة بين هذا المثل والعمل الحزبي).
في جميع الحالات، نجد أن الآلية متوفرة، ولكن استعمال
الآلية تتطلب توفر أمر أو امور اخرى كي تستطيع تحقيق عملية
الإنتقال.
بالتأكيد، هذا لا يعني أنه لا يجب علينا استحداث آليات
ووسائل مختلفة للعمل الحزبي تكفل تحقيق الغالية منه على
افضل وجه. لكن هذا الأمر يأتي في المرحلة او الدرجة
الثانية، أو ياتي في الأهمية بعد توفر عوامل أخرى هي جوهر
العمل الحزبي ومستلزماته الأساسية. فأنت لا تشتري السيارة
اولا ومن ثم تتعلم قيادة السيارات. لو فعلت ذلك لكنت تفعل
شيئاً غريباً جداً عما يفعله معظم الناس.
في البدء تتعلم قيادة السيارة، ثم عندما يتوفر معك المال
ويكون اقتناء السيارة أمراً ضرورياً او مستحباً لديك، تقدم
حينها على شراء السيارة.
إنك لست بعيداً عن تحديد جوهر العمل الحزب ومستلزماته
الأساسية، لكني الاحظ ان ذلك غير مرتّبٍ ومنسق ذهنياً
عندك. فأنت تقول مثلاً:
§
"ان تحديدي لماهية العمل النهضوي
تجلى امامي يوم اعتنقت الفكر السوري القومي الاجتماعي ،
لهذا فالهدف للعمل النهضوي نابع، ولا شك في ذلك، من
العقيدة السورية القومية الاجتماعية بغايتها و مبادئها
ورؤيتها للحياة والكون والفن."
§
"
زد عليه مفاسد الاخلاق واللغط
العقائدي".
§
"
ان في تسرب بعض المفاهيم الغريبة
الى فكرنا النهضوي له اثر كبير في تأخير النهضة".
§
"
الاهمال العقائدي و" التذاكي" في
بعض الاحيان علي اقوال حضرة الزعيم الخالد وتحويلها
لتناسب اداء البعض او تحالفات البعض الآخر المساهم المباشر
في هذا الوضع الردىء".
§
"
تفاعلي شبه اليومي مع رفقاء جعلني
الاحظ ، .....، مفاسد بعيدة كل البعد عن فكرنا الرائد من
فكر ميليشيوي، فئوي، لا نهضوي، فوضوي، لا مناقبي، انتهازي
وفاسد".
§
"
ارى ان اهمال البناء القومي الصحيح
للنفوس والعقول كان المحرك الاساس لتراجع النهضة. حيث ان
الغالبية لا تزال تفكر من منطلق الانسان-الفرد لا
الانسان-المجتمع الذي فيه كل حق وخير وجمال".
لو تأملت في
العبارات المقتطفة من رسالتك لي تأملاً جيداً ووضعتها في
ذهنك بصورة منسقة تنسيقاً تاماً، لأمكنك التوصل الى تحديد
مشكلة العمل الحزبي بصورة شبه كاملة.
إن ما ورد
في المقتطفات الآنفة من رسالتك، يختصر فعلياً، وبصورة شبه
كاملة، مشكلة العمل الحزب ووصوله الى هذا الدرك من
المصير. ما اوردته هو الأساس وليس توفر الآلية. إنك تصيب
عين الهدف في هذه النقاط. لكنك تبعد كثيراً عن الصواب
عندما تقول: " ان الآلية في تحقيق الهدف هي المشكلة
الحقيقية،..... فالمفاسد الحالية ما هي الا المفاسد في
اسلوب تحقيق الاهداف ، حيث انه لا يوجد رؤية محددة واضحة
في صفوف الحزب لآلية التحقيق".
إن المشكلة،
ايها الرفيق العزيز، ليس في الآلية المستعلمة في تحقيق
الهدف، بل أنها تكمن في فهم الهدف وتعيينه والجيدة والصدق
والأخلاص والتفاني في العمل له. عندما تختلط الأهداف
القومية الإجتماعية العامة مع أهداف الأشخاص وطموحاتهم
وأطماعهم ومصالحهم الذاتية، تضيع الاهداف القومية
الإجتماعية العامة وتتحول الى ستار لتحقيق المصالح
الذاتية. وهذه المسألة تطال أفهام المجموع القومي العام
ومداركه وسهولة التلاعب بها عندما تختلط عليهم المفاهيم
وتنعدم عندهم المقارنة بين ما هو عمل قومي يخدم الأساسية
وبين ما هو عمل يهدف تحقيق مصالح حفنة من الأفراد لا أكثر
ولا اقل.
إن المشكلة
هي مشكلة الحاجة الى أفهام ومدارك جيدة عن الذين يزعمون
الإنتماء للعمل القومي الإجتماعي والعمل له، وهي مشكلة
افتقار هؤلاء الى الأخلاق والمناقب القومية الإجتماعية
الصحيحة.
لقد حرصت
خلال السنوات الثمانية أو التسع الماضية أن اسدد ثغراتٍ
كثيرة في مسألة العمل القومي الإجتماعي، فكتبت مقالات
كثيرة، جمعت بعضها في كتابٍ اصدرته في النصف الأول من هذا
العام بعنوان: "قضية وحزب وزمن رديء".
صحيح انه
لكون الكتاب مجموعة من المقالات التي كتبت في اوقات مختلفة
أتت لتسدد ثغرات معينة في أوقات مختلفة، فهو يفتقد الى
المنهجية العامة. لكن هذا لا يقلل من أهميته في تحديد
مشاكل العمل القومي الإجتماعي وتحديد مفاهيمه الصحيحة. إن
أي قاريء نيّر الذهن وراغب في الإطلاع والدرس والفهم،
يستطيع استخلاص العوامل المعطلة للعمل القومي الإجتماعي
والإستدلال الى مفاهيم هذا العمل الأساسية.
إن جولة على
عناوين بعض المقالات في الكتاب المشار إليه، تعطي صورة
جيدة عن ما اعتقده في مجال العمل القومي الإجتماعي
ومتطلباته. فيما يلي بعض هذه العناوين:
§
الحزب الذي اراده سعاده، وفيه تصور واضح لمعنى الحزب
السوري القومي الإجتماعي، لا أظن أن احداً قبلي اتي بمثله
من قبل، حيث يمكن اختصاره بأنه حزب الموقف القومي وحزب
إدارة القضية السوريةالقومية الإجماعية. فإذا فهمنا أن
الحزب هو هذا الأمر بالتحديد يبقى علينا ان نفهم ما يجب ان
يكون عليه الحزب من إدراك عالٍ لقضيتنا القومية وفهم كامل
لها، ووحدة روحية-اخلاقية-مناقبية تامة، وعقلية تعاونية،
متناسقة، متناغمة، متساندة، متعاضدة، وفكر جماعي مبدعٍ
وخلاق.
§
في مفهوم الحزب: بين الجوهر والواقع.
§
في الأخلاق القومية الإجتماعية: بين الجوهر والتطبيق.
§
أزمة الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر والنهج.
§
مشكلة القوميين، مشكلة الحزب.
§
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمق للذات.
§
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية.
§
الحزب الذي لم يعد هو الحزب.
§
الحزب السوري القومي الإجتماعي: ازمات أم متاهات.
§
الإنتاج مقياس العمل.
§
الخطاب القومي الإجتماعي: بين الحاصل والمطلوب.
§
القومية الإجتماعية، الديمقراطية، والطفيليات الفكرية.
§
القومية الإجتماعية: تناغم "الأنا" و"النحن".
§
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان.
إن الكتابة
في مسألة إعادة البناء القومي الإجتماعي على اسسه الصحيحة
وكيفية تحقيق ذلك، هي ضرورية بدون شك، كي يستفيد منها
الرفقاء من أمثالك، الذين يتألمون ويعانون من تدهور العمل
القومي الإجتماعي وتغييب أهدافه وغايته وانحرافه عنها.
لكنني أعتقد، أيها الرفيق العزيز، أن عدد مثل هؤلاء
الرفقاء قليل جداً.
تسألني إذا
كان هناك من احد في الوطن يشاركني تصوري يمكنك الإلتقاء به
ومحاورته والتعاون معه. جواباً، اقول لك الصدق، أني لا
أعرف احداً. بالتأكيد هناك اناس يعانون من الوضع الحزب
على طريقتهم الخاصة، وهناك اناس معارضون، وهناك اشخاص
معترضون، وهناك اشخاص لا يعملون، لكني لا اتصور ان احداً
منهم يشاركني تصوري بصورة كاملة او يمكن الإعتماد عليه
لمثل هذا الغرض. يكثر أيضاً وجود أشخاص يدعون ما ليس
فيهم وما لا يقدرون عليه، وهناك اشخاص واهمون ومخدوعون
بانفسهم وبغيرهم من الأشخاص.
يجب
الإنتباه انني لم أسعَ الى إنشاء تكتل من اي نوع كان، ولا
اؤمن بالتكتلات طريقاً لبناء العمل الحزبي، فأنا لست مع
اشخاص ضد اشخاص، وليس لي اية مشكلة مع اي فرد من الأفراد
على الصعيد الشخصي البحت. مشكلتي مع اي شخص كان هي
تقييمي لقرب عمله او بعد هذا العمل عن العقيدة والأهداف
والغاية القومية الإجتماعية.
وأنا لا أرى
ان المشكلة مشكلة هذا الشخص او ذاك، إنها مشكلة عامة يعاني
منها المجموع القومي الإجتماعي الذي افسح في المجال لوصول
هذا الشخص او ذاك الى ما وصل إليه.
يخطيء من
يعتقد، مثلاً، أن اسعد حردان هو المشكلة، فأسعد حردان لم
يصل الى ركوب ظهور القوميين لو لم تكن ظهور هؤلاء منحنية
جاهزة لحمله او حمل غيره عليها. شطارة اسعد انه كان اسرع
من غيره الى امتطاء تلك الظهور وهو يرتع عليها حالياً ليس
غصباً عنها بل بإرادتها الكاملة. لقد ذكرت انت أن الحزب
تغلب عليه الميليشياوية، فمن هو في هذه الحالة أكثر اهلية
من اسعد لقيادة هذه الميليشيا. تذكر ان لأسعد مواقفه
القتالية البطولية التي لا يمكن لأحد ان ينكرها عليه، فإذا
كان الحزب عبارة عن ميليشيا، فهو المؤهل الوحيد بين الذين
يبعطون في قيادة هذا الحزب لقيادته.
إن عملية
إعادة البناء، لا تتحقق بالتكتلات والتجمعات، فالتكتلات
غالباً ما تقوم بسبب أحقاد شخصية ويسعى الى إنشائها اشخاص
لهم غايتهم الذاتية، فتقوم على الكذب والخداع، كما يحصل مع
جماعة "النهضة القومية الإجتماعية".
إن عملية
إعادة البناء، تتطلب فهماً ووضوحاً واخلاصاً ونزاهةً
وصدقاً ومحبة ووحدة روحية حقيقية وتضحية وعدم تغليب
المصلحة الفردية الذاتية على مصلحة الأهداف القومية
الإجتماعية.
الحق اقول
لك، إنني أعتقد انه لا يوجد هناك كثيرون من الذين يدعون
انهم قوميون اجتماعيون ممن تتوفر فيهم هذه الشروط. لذلك،
أن عملية إعادة البناء كما اعتقد، تتطلب جهداً كبيراً
ينطلق من التفتيش عن الأشخاص الذين تتوفر فيهم عناصر
النهوض المشار إليها آنفاً، ومن ثم التكاتف والتعاون
والتضامن بينهم كي يتحولوا الى قوة معنوية تلقي بانوارها
على كامل المحيط القومي الإجتماعي.
إن ضيق
الوقت يفرض علي الإكتفاء بما تقدم، على أمل التواصل كلما
كان ذلك ممكناً.
لك سلامي القومي
تحيا سورية ويحيا سعاده
سدني 25/12/2008 |