|
إفلاس العروبة وسقوط أوهام
الروابط المذهبية والدينية
بقلم
منير حيدر (19/1/2009)
شهد القرن الماضي كلاماً كثيراً عن
القومية العربية والروابط التي ترتكز عليها هذه القومية
المزعومة، من لغة ودين ومشاعر وأحلام مشتركة. ولقد شهدت
ساحات العالم العربي، بصورة خاصة ساحة الهلال السوري
الخصيب، أحزاباً وحركات تحمل لواء الوحدة العربية وترفع
شعار القومية العربية، كان ابرزها حركة القوميين العرب
وحزب البعث والحركات الناصرية.
لقد كانت رغبة التحرر من رقبة الإستعمار
العثماني ومن بعده الإستعمارات الغربية، بصورة خاصة
الإستعمارين الفرنسي والإنكليزي، عند شعوب العالم العربي
التي كانت تعاني الأمرين من وقوعها تحت السيطرة والسيادة
الأجنبيتين، السبب الرئيسي للكلام عن القومية العربية
المزعومة والروابط التي ترتكز عليها. ذلك أن رافعي شعارات
القومية العربية والمسرفين في الكلام فيها والمفلسفين
لروابطها وعناصرها، إنما فعلوا ذلك إيماناً منهم، بأفضل
الحالات، بإمكانية استنفار جهود شعوب العالم العربي
وتوحيدها، والتعويل عليها في دعم ومساندة هذه المعركة او
تلك من معارك التحرر التي كانت تخوضها هذه الشعوب كل على
حدة.
لكن وقائع الأحداث برهنت أن تحرر أي شعب
من شعوب العالم العربي، لم يكن بسبب جهود بقية شعوب العالم
العربي، بل بجهود وتضحيات أبناء الشعب المعني أنفسهم.
فالجزائر مثلاً، لم تتحرر بسبب القومية العربية او روابطها
المزعومة، او بسبب دعم شعوب العالم العربي للشعب الجزائري،
بل تحررت بفضل دماء مليون شهيدٍ قدمهم الشعب الجزائري على
مذبح التحرر من رقبة الإستعمار الفرنسي.
لقد كان شعبنا في الهلال السوري الخصيب،
بدون شك، الضحية الأساسية لأوهام العروبة المزعومة، وذلك
بسبب التعويل الذي برز بين كثيرين من ابناء شعبنا وساسته
على أوهام الروابط المزعومة للقومية العربية، الى درجة
جعلتهم يتخلون عن قيادة العمل القومي لمواجهة قضايانا
القومية وتركها في أيدي أعراب شبه الجزيرة العربية وفراعنة
مصر.
لقد تنبه سعاده قبل ثمانين عاماً أو نيّف
على خطورة مثل هذا الاتجاه ودعا شعبنا الى الإعتماد على
ذاته قبل كل شيء والتخلي عن أوهام القومية العربية والتمسك
بالعروبة الواقعية التي تدعو لإقامة جبهة بين بلدان العالم
العربي، تقوم على اسس التعاون في جميع المجالات والمصالح
المشتركة.
لقد أدرك سعاده باكراً استقلالية قضية
شعبنا وفرادة الأخطار التي تهدد حياة شعبنا ومصيره، لذلك
عمد الى توضيح هذه القضية ووضع لها اسس العمل والنهوض التي
يمكن لشعبنا اعتمادها من أجل مواجهة جميع ما يتهدده من
أخطار وتحديات.
لكن تضافر العوامل المختلفة، ابتداءً من
خضرمة الإلتزام بالقضية التي أسس لها سعاده من قبل الذين
آمنوا بها، الى محاربة الطوائفيين الخاضعين لمرجعيات
خارجية مختلفة له، الى تآمر وخيانة عبد العزيز آل سعود على
قضيتنا، الى متاجرة مصر الملك فاروق بهذه القضية، الى تنبه
الحركة الصهيونية لمشروع سعاده القومي وفاعليته في منعها
من تحقيق احلامها في إقامة دولة اسرائيل التوراتية، الى
أطماع الغرب، خاصة البريطانيين والأميركيين، في ثرواتنا
وتنبههم الى ما شكله مشروع سعاده من حواجز في وجه تحقيق
تلك الأطماع، ادت الى اغتيال سعاده ومنع حركته من الإنتشار
والنمو، فأفسحت في المجال بذلك الى وقوع شبعنا في جميع
المصائب التي ما نزال نعيش فصولها المأساوية حتى اليوم.
لقد كان على شعبنا أن يمر في معمودية من
المآسي المتكررة، وأن يخوض التجارب القاسية المؤلمة، قبل
أن يعي أن تلك المآسي والمصائب كانت نتيجة لأوهام العروبة
وأوهام الروابطة المذهبية والدينية قبل كل شيء.
لم يحقق يحقق اليهود انتصاراتهم علينا،
ولم يتمكنوا من إرتكاب المجازر المتتالية بحق اطفالنا
ونسائنا ورجالنا، على مرأى ومسامع الدول المتآمرة معهم، بل
بسبب ضعفنا الناتج عن تعويلنا على روابط اللغة والمذهب
والدين.
بعد غزه، مأساة المآسي، أصبح أي كلامٍ عن
روابط اللغة والمذهب والدين، نوعاً من الجهل والتجهيل
والوقاحة وذر الرماد في العيون.
إن رابطة اللغة هي وهم من الأوهام
الكبيرة، ومن يقول بها هو كرابط من روابط الحياة الأساسية
لأي شعب كان، هو جاهل، مخرِّف، عاجز عن فهم حقيقة الشعوب
وحقيقة مصالحها.
إن اللغة العربية لم تستطع أن تنقذ
فلسطين، ولم تستطع أن تحمي أطفال غزة ونساءها ورجالها من
عدوانية اليهود وشرهم وإجرامهم، ولم تستطع قبل ذلك أن تحمي
أطفال العراق ونساءه ورجاله من قبل، بل شاهدنا أن أوجه
التآمر ومجاراة اليهود والأميركيين من قبل أنظمة العالم
العربي، خاصة مصر والسعودية. أما أنظمة العالم العربي
الأخرى، فهي إما واقعة ضمنياً في صف التآمر علينا، أو تقف
متفرجة لأن ما يجري عندنا لا يعني لها الكثير.
أما اوهام الروابط المذهبية والدينية،
التي غرق ويغرق فيها شعبنا، والتي عجز عن إدراك وهميتها،
من خلال الإستفادة من عبر التاريخ، بصورة خاصة تلك التجارب
التي خاضها الغرب المسيحي الذي لم تمنعه الرابطة المذهبية
او الدينية من خوض حروب طاحنة بعضه مع بعض.
لقد كان على شعبنا أن يشهد مآساة غزة،
ليدرك أن الروابط المذهبية أو الدينية هي وهم وسراب، وأن
أطفال غزة ونسائها ورجالها السنة، إنما يقتلون بتآمر
وتأييد كاملين من السنة في مصر والسعودية وغيرها من أنظمة
العمالة والتآمر على قضيتنا. ثم كيف نفسر تآمر محمود عباس
وفريقه من السنة ضد السنة في غزه وسكوتهم على جرائم اليهود
ومجازرهم فيها؟
إن الخلط بين الإيمان الديني وبين مصالح
الحياة، إن الخلط بين المشاعر الدينية وحقائق الإجتماع
والإرتقاء والمصير، إنما هو دليل تخلف وجهل وانحطاط، لا
ينتج عنه سوى مصير واحد، ألا وهو الفناء والموت.
إننا نستطيع أن نزعم أن خسارة فلسطين،
وأن السكوت عن جرائم اليهود في فلسطين، إنما هما نتيجة
لأوهام الرابطة المذهبية السنية التي نتج عنها تسليم امر
مصيرنا الى الوهابيين السنة في السعودية، والى الفراعنة
السنة في مصر.
آن لشعبنا أن يعي أن ليس هناك ما ينقذه
سوى وحدته القومية التي تقوم على اساس الإرتباط في الحياة
الواحدة والمصالح الواحدة والمصير الواحد. إن الإشتراك في
الحياة وحده هو الذي يقرر شخصية الشعوب ومصالحها، وليس
اللغة أو الدين أو أية مشاعر او خرافات لا علاقة بالحياة
وشؤونها ومصالحها.
إذا كان هناك من ينتظر جيش العروبة من
اجل إنقاذ فلسطين والعراق واستعادة حقوقنا المسلوبة
والمغتصبة، فعليه أن ينتظر طويلاً، طويلاً بدون طائل او
جدوى.
وإذا كان هناك من ينتظر جيشاً سنياً أو
شيعياً، من أجل استعادة كرمتنا المهدورة، واسترجاع حقوقنا
المغتصبة، وحميايتنا من مزيد من المجازر التي يخطط لها
اليهود ضدنا، فإن عليه ان ينتظر الى ابد الآبدين.
لقد أعلن سعاد إفلاس العروبة منذ زمن
طويل، ولكنه يبقى أن يعترف المفلسون بإفلاسهم إذا كان
عندهم ذرة من المنطق والإدراك.
وقد اعلن سعاده أوهام الروابط المذهبية
او الدينية ومنذ وقت طويل أيضاً، ولكنه يبقى أن يعي اصحاب
تلك الأوهام طبيعة اغترابهم عن واقع الحياة وطبيعة ما يحيط
بهم من تخلف وظلام.
إن نجاح شبعنا في ضبضبة جراحه، وانطلاقه
في بناء حياته واسترداد ما سلب واغتصب له من حقوق، تبدأ
من إدراكه من افلاس العروبة وسقوط الروابط المذهبية
والدينية. |