|
أرسل لي رفيق
عزيز من رفقاء الإغتراب ملاحظة تتضمن رأي مجموعة من
الرفقاء الذين هو على اتصال دائم معهم، بمضمون الحلقات
الأخيرة من مدوناتي. لقد كان موقف أولئك الرفقاء من نشر
هذه الحلقات الأخيرة، باعثاً على الإحباط، كما لاحظ رفيقنا
العزيز، وهم يرون أن الوقت غير مناسب لنشرها، ولا يرون
أية فائدة من نشرها.
كان جوابي
على رسالة الرفيق العزيز بأن يبلِغ اولئك الرفقاء بالذهاب
الى الجحيم، لأنني لم أعد احتمل مثل تلك التعليقات التي
تظهر سطحية الفهم القومي الإجتماعي عند أصحابها. كما
طالبته أن يبلِّغهم أن يأتوا بالصالح والمفيد أو يسكتوا.
على أثر
إجابتي تلك، تلقيت رسالة من رفيق آخر، يذكر فيها أنه واحد
من الرفقاء أصحاب الرأي المشار إليه آنفاً، وأنه من
المتابعين لما ينشر على موقع "حركة البناء القومي"، وأنه
عندما يقرأ كتاباتي لا يشك بصحة ما اسوقه من خطاب، ولكن
دائما يتبادر الى ذهنه السؤال: متى سيستسلم منير (ويتوقف
عن الكتابة في هذا الاتجاه)؟
ثم يتابع
رفيقنا ليقول إنه يعتبر أن الموقع (موقع الإنترنت لحركة
البناء القومي) هو نور في الظلمة التي نعيشها، وانه لا
يريد ان يخوض جدالاً في نظرية الكأس الذي له "نصف ملآن
ونصف فارغ"، إذ هو يعتبر أننا بحاجة الى اتجاه جديد، وانه
لا جدوى من إعادة "اختراع الدولاب".
يذكر رفيقنا
أيضاً، ان كتابة التاريخ جيدة، ولكن ماذا عن المستقبل؟ ثم
يتابع معتبراً أننا (القوميين الإجتماعيين) نملك جهازاً
لتفقيس البيض الفاسد وان كل انتاجنا هو من البيض الفاسد.
وبعد ان يعطي مثلاً عن حادثة اعتبر فيه رفيق آخر له بأن
اسعد حردان قد خرق الدستور، وملاحظة ان خرق الدستور مسالة
مارسها كثيرون قبل اسعد حردان، ينتهي الى القول: "لو كان
حبيب كيروز حياً ماذا كان يمكن ان تكون ردة فعله على مثل
هذا الخرق للدستور؟ هل تعتقد ان شخصاً في مثل هذه القدرة
يمكن ان يتصرف بصورة افضل من تصرف اسعد؟"
قبل أن اتابع
ما اورده رفيقنا في رسالته، يجب ان الاحظ هنا ان رفيقنا
يملك انطباعاً ان الرفيق حبيب كيروز كان ذات مقدرة كبيرة
مميزة، هذا الإنطباع الذي يمكن أن يكون قد ساعد في خلقه ما
ورد في مدوناتي عن الرفيق حبيب. إذا كان هذا الأمر الأخير
صحيحاً، يقتضي التوضيح أن ما ورد في مدوناتي لا يوحي أن
الرفيق حبيب امتلك مثل هذه المقدرة، ذلك أن اهم ما كان
يميز الرفيق حبيب هو اخلاصه للعمل القومي واخلاصه في
التعامل مع رفقائه واحترامه وحبه لهم. أما مقدرته
ومهاراته ومواهبه، فلم تكن مميزة على الإطلاق.
عودة الى
رسالة رفيقنا، نلاحظ انه يستطرد معتقداً أن الحزب كما
أراده سعاده لم يوجد على الإطلاق. ذلك "أن سعاده منع من
خلقه، وعندما لم يستطعوا إيقافه، اقدموا على قتله، كما
اقدموا على قتل كل من كان يستطيع المساهمة في خلقه. إن
نظرة الى شهداءنا الذين ماتوا، تظهر أنهم كانوا قادرين ان
يخلقوا كل الفرق كل الفرق (كانت عندهم القدرة على وضع
الحزب في مسار آخر)، وهو لا يتعجب من وجود اسعد حردان في
رئاسة الحزب، والاتجاه هو ان يستمر مثل هؤلاء الأشخاص في
قيادة حزبنا". وهو لا يريد استعمال تعبير "هذا الحزب"،
التعبير الذي استعمله الرفيق شحاده الغاوي من قبل، إذ ان
هذا الحزب هو الحزب الذي نملك. ثم يتساءل رفيقنا ما
العمل؟ وهو يعتبر اننا لم نخلق مثل هؤلاء الأشخاص و"اننا"
مثل القطعان و"أننا" سنبقى نقاد من قبل اشخاص مثل أسعد
حردان او غيره. إذ يبقى السؤال: ماذا يجب أن نفعل؟
رفيقنا يتابع
ايضاً، أن احداً لا يملك الجواب على هذا السؤال، وان
الإجابة تتطلب جهداً جماعياً، وانه عندما يعمدون الى خلق
اشخاص يتوسمون فيهم بعض الإمكانية ويصرفون جهداً ووقتاً في
عملية الخلق هذه، يصابون بصدمة من السلوك الذي يصدر في
النهاية عن هؤلاء الأشخاص لأن الأنانية تطغى عليهم، مما
يبعث خيبة كبيرة في النفوس. وهو يلاحظ انه بينما تغلبنا
على الطائفية في الحزب فنحن لم نستطع التغلب على الأنانية
الفردية.
ينتهي رفيقنا
الى القول إن الغاية مما ورد في رسالته هذه وما ورد في
رسائله لي من قبل هي غاية شريفة يقصد منها الخير العام.
لقد وعدنا
رفيقنا صاحب الرسالة بكتابة جواب شامل نتناول فيه جميع
النقاط التي اثارها في رسالته، على ان ينشر الجواب على
موقع حركة البناء القومي من اجل ان يكون في متناول جميع
المهتمين بهذا الموضوع، إذ اننا أصبحنا حذرين جداً من
إجراء حوارٍ إفرادي بالمراسلة مع أيٍ كان، وذلك بسبب ما
نتج عن تلك الحوارات من أمور غير مستحبة في أكثر من
مناسبة.
نبدأ جوابنا
على رسالة رفيقنا بأننا لم نشك في أي وقت من الأوقات أن
مقصده من الآراء التي ساقها لم يكن قصداً غير شريف ولا
يستهدف الخير العام. إذ أن ردة فعلنا على هذه الآراء لم
يكن بسبب طبيعتها، بل لأنها لم تكن المرة الأولى التي نسمع
مثلها، إذ أن رفيقنا كان قد ابدى آراءً مشابهة لهذه الآراء
من قبل وقد تقبلناها برحابة صدر، ولكننا لم نأخذ بها،
لأننا لم نرَ فيها ما هو جدير بالأخذ به، إذ انها صادرة عن
تجربة بسيطة لا تسمح لصاحبها أن يرى الصورة الكبيرة
الشاملة للموضوع الذي يتناوله.
إن الآراء
التي نبديها والمواقف التي نقفها، لم تكن آراءً او مواقف
اعتباطية، استنسابية، دفعتنا إليها اعبتارات واهية، ذاتية
أو غير ذاتية. إن ما نبديه من آراء وما نقفه من مواقف هو
نتيجة تجربة، اخذت من وقتنا وحياتنا وجهدنا ومالنا أكثر ما
يمكن ان يتصوره أي كان. فنحن في نخجل من الكلام الكثير عن
انفسنا، وإذا ما اشرنا الى عمل قمنا به، كانت إشارتنا الى
ذلك العمل سريعة لا تحمل اي ضجيج.
لم نكن هواة
في عملنا القومي ولم يكن عملنا هذا مزاجيا او استنسابيا،
او هامشياً، اندفعنا إليه بعامل الرغبة في الإنتماء او ملء
أوقات الفراغ، بل إنه كان التزاماً حياتياً كاملاً، وضعناه
في المقام الأول في ترتيب اهتماماتنا، حيث اتى قبل العمل
والدرس أو البيت أو المصلحة الخاصة. فنحن لم نقم بهذا
العمل مدفوعين بأي غرض خاص أو أهداف ذاتية، إذ أن كنا ندرك
جيداً أن تحقيق المصالح الذاتية لها طرق مختلفة كلياً عن
الطريق الذي اخترناه بوعينا وإرادتنا، وهي أسهل بكثير من
هذا الطريق.
وحدها القضية
بكل ابعادها شكّلت محور اهتمامنا، وفي سبيلها فقط قمنا بما
قمنا به من أعمال وقبلنا ان نبذل كل ما بذلناه من تضحيات
دون منة او حساب أو شكوى.
لم نمنح حق
التعبير عن هذه القضية من قبل احد، لأن مثل هذا الحق لا
يمكن ان يمنحه أحد لأحدٍ، إن حقنا في التعبير عن شؤون
وشجون العمل القومي والقضية القومية هو حق اكتسبناه
اكتساباً، وذلك من رحم تجربتنا وتضحياتنا.
لذلك لا نقبل
ان يأتي احد إلينا محاولاً تسفيه أو إدانة ما نبديه من
آراء او نقفه من موقف، لمجرد انه يريى غير ما نرى ويعتقد
غير ما نعتقد.
أن نبدي
آراءً في الحزب وتاريخه والعمل القومي ومشاكله وتعثراته،
وفي عمل الأشخاص في الحزب ومواقفهم وسلوكهم وأدوارهم في
مسيرة العمل القومي، فإننا نبني هذه الآراء على تجربة غنية
جداً، وعلى تأمّلٍ عميق في هذه التجربة وأحداثها
ومصاحباتها ونتائجها.
لهذا نشعر ان
من يريد أن ينتقد آراءنا او مواقفنا، ويحاول أن يقنعنا
بعكسها او بغيرها، عليه على الأقل أن يمتلك تجربة مثل
تجربتنا وان يكون قد قام بأعمال مثل أعمالنا، وقدم بتضحيات
مثل تضحياتنا، أو ان يكون مستوعباً لموضوع الحزب والقضية
والعمل القومي إستيعاباً كاملاً، وملتزما بهما التزاماً
كاملاً، ومدركاً لحاجات العمل القومي إدراكاً عميقاً
شاملاً.
يأخذ علينا
رفيقنا في رسالة سابقة منه إلينا بأننا تكلمنا كفاية عن
هذا الشخص او ذاك من الاشخاص المعنيين بالعمل الحزبي،
وأننا نساهم في تكبير احجامهم في كل مرة نتناولهم فيها.
إننا نرى في
هذا الرأي نقصاً في الدقة والملاحظة. ذلك أننا لا نتناول
هذا الشخص او ذاك بسبب رغبة مزاجية تمتلكنا أو لغرض في
نفوسنا، بل لأن هذا الشخص أو ذاك قد قاموا بأعمال خلال
الفترة التي نتكلم عنها، ساهمت في إضعاف العمل الحزبي
واساءت إليه.
إن التفريق
بين الخطأ الناتج عن سؤ التقدير او الاهمال، وبين الإساءة
المتعمدة التي يرتكبها الفرد تحقيقاً لغرض شخصي او طموحات
شخصية، هو واجب اساسي ومسؤولية اساسية. الإساءة هي جرم
يعاقب عليها القانون، وفي الأنظمة الراقية يخضع الذين
يرتكبون اي عمل جرمي الى التحقيق والمحاكمة. فإذا كان
الحزب عاجزاً عن محاكمة المسيئين اليه والى العمل القومي
عن سابق تصور وتصميم، فهذا لا يعني أنه يجب علينا التستر
على إساءاتهم تحت عامل الخوف من نشر الغسيل الوسخ.
عندما نتحدث
عن المسيئين للعمل القومي ونحدد الإساءات التي ارتكبوها
فإننا لا نقدِّم اي جديد لأجهزة المخابرات أو دوائر
السياسة والسياسيين، إذ ان هؤلاء جميعاً على إطلاع كامل
على ادق تفاصيل هذه الأعمال. إن الوحيدين الذين لا يعملون
كثيراً عن هذه الإساءات هم القوميون الإجتماعيون لأنهم
كالزوج المخدوع، آخر من يعلم. فهل يظن رفيقنا أنه يعلم او
انني أعلم عن محمود عبد الخالق، مثلاً، أكثر مما يعلم وليد
جنبلاط وكثيرون من الأعضاء في حزبه؟
إن تجاهل
تاريخ الحزب وتاريخ العمل القومي يفسح في المجال بتكرار
الأخطاء نفسها، ويشجع الفاسدين من الأشخاص على ارتكاب
إساءات مماثلة للإساءات السابقة، تقديراً منهم أن إساءاتهم
ستمر بدون محاسبة مثلها مثل إساءات من سبقهم من الأشخاص.
صحيح أن
كتابة التاريخ تتطلب الحديث عن النجاح كما عن الإخفاق، وعن
المكرمة كما عن الإساءة، وعن الشجاعة كما عن الخوف والجبن،
وعن الإخلاص كما عن الخيانة والغدر، وعن الصدق كما عن
التدجيل والكذب، وعن البطولة كما عن التراجع والإنهزام،
عن النصف الملآن من الكأس كما عن نصفه الفارغ، لكن الصحيح
ايضاً اننا لم نزعم أننا نقوم بكتابة تاريخ الحزب من خلال
مدوناتنا، بل اننا نحاول الإضاءة على محطات وافكار اساسية
يمكن ان يستفيد منها العمل القومي في الحاضر والمستقبل.
إن كلام
رفيقنا عن عدم ملائمة الظروف الحاضرة لنشر ما عمدنا الى
نشره من كتابات، يوحي وكأن الأشخاص الذين ورد ذكرهم في هذه
الكتابات يقومون بأعمال عظيمة الآن، كرد الإعتداء على
شعبنا في غزة مثلاً، وأن كتابتنا تعطِل جهودهم وتعرقل
عملهم!
إن رفيقنا
ينطلق باعتقاداته هذه، من أننا يجب ان نقبل الحزب كما هو،
بالرغم من انه يذكر في مكان آخر ان الحزب كما أراده سعاده
لم يوجد ابداً.
إذا كان هذا
الحزب هو غير الحزب الذي اراده سعاده، فلماذا هذا الإهتمام
به؟
عندما انتميت
الى هذا الحزب كنت اظن انه حزب سعاده، ولكن بعد ان وصلت
الى قناعة بأن هذا الحزب هو غير الحزب الذي اراده سعاده
بدأت أعيد حساباتي وأفتش عن كيفية إعادة بناء الحزب الذي
اراده سعاده؟
اليس من
الجرم السكوت عن حقيقة أن هذا الحزب هو غير الحزب الذي
اراده سعاده، ثم نقبل الخضوع لمقولاته واحكامه واتجاهاته
ونساهم في دعمها؟
هل نريد هذا
الحزب، أم نريد حزب سعاده؟ وإذا كنا نريد حزب سعاده فكيف
يمكن لنا أن نوجده من خلال هذا الحزب، الذي يقوده أشخاص
خاضعين لإرادات خارجية كما يوَضِّج رفيقنا في رسالته،
بدليل انهم ما زالوا أحياء لأن سعاده وقوميين آخرين كان
يمكن ان يساهموا في إنشاء حزب سعاده قد قتلوا لمنعمهم من
ذلك؟
عندما يذكر
رفيقنا أن حزب سعاده غير موجود فإنه ينقل راينا الذي
أعلناه سابقاً في هذا الموضوع ونشرناه في كتاب "حزب، وقضية
وزمن رديء" تحت عنوان "حزب سعاده حزب القضية القومية".
الحقيقة،
اننا ابقينا على هذا العنوان للمقال المشار إليه لأن
الرفيق عادل بشاره كان قد اختاره له عندما قام بنشره في
العدد الاول والوحيد من مجلة "نفير النهضة".
لقد عمدت في
المقال المشار إليه الى تحديد للحزب السوري القومي
الإجتماعي بصورة لم يحاول أن يأتي بمثلها أحد من قبل. إذ
ان معظم القادة او المفكرين القوميين الإجتماعيين كانوا
يرددون حرفياً ما قاله سعاده في هذا المجال، لكنني شخصياً
فعلت مع هذه الفكرة مثلما فعلته وأفعله مع غيرها من
الأفكار والمسائل القومية الإجتماعية التي تناولتها حتى
الآن. فأنا أحاول ان أضع تلك الفكرة في عبارات جديدة
مختلفة شكلياً عن العبارات التي اتى بها سعاده، وأجتهد
لاستعمال كلامٍ غير كلام سعاده، وأعمد الى أضافة عبارات
جديدة يمكن ان تساهم في زيادة تقريب الفكرة الأساسية
المدارك والأذهان.
الحقيقة، لقد
وصلنا منذ سنتين أو اكثر خبراً أن أحد القوميين
الإجتماعيين المتابعين لكتاباتنا لاحظ اسلوبنا هذا في
تقديم افكار سعاد وشرحها وأشاد به.
إن القول بأن
الحزب هو حزب القضية القومية هو تحصيل حاصل، ولكن ما هو
دور الحزب وما هي وظيفته ومتى يكون هذا الحزب هو الحزب
الذي اراده سعاده؟ لذلك عمدت الى تحديد هذا الحزب بنقاط
متعددة حيث توصلت أخيراً لتحديده بتنقطتين إثنتين: أن حزب
سعاده هو حزب الموقف القومي وهو حزب إدارة القضية القومية.
إن الذين
يقرأون سراعاً وبدون تأمّل لا ينتبهون الى قيمة هاتين
الفكرتين في تحديد حزب سعاده. إن عدم التأمل في القراءة
هي مشلكة عامة عند الذين يقرأون من شعبنا، إذ ان معظمهم
يمارس القراءة كرفع عتب وليس للاستيعاب والفهم، فهم
يعتقدون أنهم يملكون الفهم كل الفهم والمعرفة كل المعرفة،
فيمارسون القراءة على قاعدة لزوم ما لا يلزم.
لقد وضحنا في
مجال هذا التحديد للحزب أنه ليس من السهل ان يكون حزب
سعاده حزب إدارة القضية القومية، لكن ليس هناك ما يبرر على
الإطلاق أن لا يكون في أي وقت حزب الموقف القومي وأن يعمل
بتصميم وخلقٍ وإبداع للوصول الى الحالة التي يستطيع ان
يكون فيها حزب إدارة القضية القومية.
ما هو المنطق
الذي يعتمد عليه رفيقنا من اجل الدعوة الى عدم المساس
بأشخاص هم في قيادة هذا الحزب والتستر على اعمالهم
وجرائمهم وخيانتهم، ويدعو للخضوع لإرادتهم، بينما هو يعلم
تمام العلم أنهم ليسوا جديين في إيجاد حزب سعاده؟ على
ماذا يحتكم وبماذا يأمل؟ الحقيقة أنني لا أعرف سوى
إعتقادي أنه لا يعرف عماذا يتكلم وماذا يريد.
من الواضح ان
رفيقنا لا يملك تجربة حزبية كافية تفرض عليه التأمل في ما
يسوقه من كلام أو احكام، إذ ان العاطفية هي الطابع الذي
يسود هذا الكلام. إن ضحالة التجربة وعدم الاستيعاب الكامل
للعمل القومي عند رفيقنا هي التي دفعته في رسالة سابقة الي
ان يدعوني الى ممارسة عضويتي الحزبية والإلتحاق بأقرب
مديرية إلي لأكون على احتكاك مع القوميين. إن هذه الضحالة
في التجربة نفسها، هي التي توحي إليه بأنني يمكن أن اهمل
شيئاً ما يمكن أن يكون هناك فائدة من القيام به، وهي التي
تسمح له بتقديم نصائح الي تتسم بالسذاجة والبراءة، كونها
غير مبنية على معرفة او تدقيق.
ثم أن رفيقنا
قد كرر في رسائله الى أهمية البحث في مستقبل الحزب وماذا
علينا ان نفعل من اجل هذا المستقبل. فهو اخفق في ملاحظة
ان الهدف من كل ما كتبت هي البحث في مستقبل الحزب انطلاقاً
من ماضيه ومن الحقيقة التي ارادها سعاده له.
إن القكرة
التي اعلنتها على الرفقاء من خلال جميع اتصالاتي وزياراتي
وكتاباتي هي فكرة إعادة بناء الحزب. وقد تناولت في أكثر
من مقالة موضوع العمل القومي وطبيعته ومقاييسه وذلك من أجل
ان يكون هناك قواعد واضحة وحوافز ملموسة لمساعدتهم في تلمس
الطريق الذي يجب ان يسلكونه في عملية إعادة البناء.
لم أرَ فائدة
من الإفاضة في التحديد للوسائل والطرق التي يجب اتباعها في
عملية إعادة البناء لأنني لم أجد الأساس البشري الصالح
والقادر حتى الآن على القيام بهذه المهمة.
إنني قد قطعت
مرحلة الحماسة الفارغة ومرحلة الأحلام الواهية والإنخداع
بالمظاهر والإنبهار ب"التفنيصات" والادعاءات، وأدرك الآن
اهمية التمييز بين الجديين وغير الجديين، وبين الجديين
القادرين والجديين الغير قادرين، وبين المؤهلين والغير
مؤهلين، وبين المؤهلين الراغبين وغير الراغبين.
لقد حددت
سابقاً أن الإنتاج مقياس العمل، وأنا أزيد الآن لأقول أن
مقياس الإنتاج هي جودته وقدرته على إضافة قيمة اساسية
للعمل القومي. إن الخبط العشوائي لا ينتج عنه سوى الفراغ.
لقد توصلت
الى قناعة حالية وهي أنه ليس هناك كثيرين من القوميين
الإجتماعيين الجديين المؤهلين القادرين على والراغبين في
ممارسة عملية إعادة البناء القومي، فلا فائدة من الكتابة
بتفصيل عنها والخطوات العملية التي يجب ان نقوم بها. إذ
اننا عندما نتكلم عن خطوات يجب ان يكون ماثلاً في ذهننا
الأشخاص الذين يمكن القيام بها.
إني أعرف
جيداً من هم الرفقاء الجديين من غير الجديين الذين يبيعون
الكلام بيعاً وليس عندهم سوى الكلام. إن القلة التي
اعرفها من الرفقاء الجديين لا يعمدون الى الكلام بل يقومون
بواجباتهم بصمت دون تردد او منة، لهؤلاء الرفقاء شكري
العميق.
إنني إذا كنت
اكتب بالرغم من قناعتي بأنه لا يوجد هناك كثيرون من
القوميين الذين يستطيعون الإستفادة من كتاباتي الآن، فانا
اكتب على أمل ان يظهر في المستقبل شباب يمتلكون الجدية
والقدرة والتصميم على القيام بمهمة إعادة البناء، فتكون
كتاباتي دليلاً لهم.
ثم أن رفيقنا
يظن انني لا امارس عضويتي القومية، ففهمه القومي الإجتماعي
لا يسمح له سوى ان يرى ان ممارسة العضوية القومية هي في
حضور الإجتماعات الحزبية وما يصاحبها من امور. أما الوقت
الذي صرفته واصرفه على الكتابة والتصدي لأمور كثيرة من على
موقع حركة البناء القومي وموقع النهضة السورية باللغة
الإنكليزية، وحرصي على أن ينقل هذان الموقعان موقف النهضة
القومية الإجتماعية من أحداث كثيرة، وما يسبب لي كل ذلك من
مواجهات، إن كل ذلك لا يعني شيئاً لرفيقنا، وهو لا يعتبر
ان ذلك ممارسة للعضوية.
يبدوا أن
دائرة التربية في نيو ثاوث ويلز تعرف أهمية موقع "النهضة
السورية" أكثر مما يعرفه رفيقنا إذ عمدت الى حجبه عن
التلاميذ والمعلمين الذين يستعملون خدمة الإنترنت التي
تقدمها في المدارس، بعد أن لاحظت محتوياته في محاربة
اليهود والصهيونية.
لقد رضي
رفيقنا ان يكون من ضمن القطيع الذي يقبل ان يقوده امثال
هؤلاء الفاسدين من الاشخاص، أما أنا فموقفي هو انني احتقر
كل شخص يستغل القوميين الإجتماعيين ويتاجر بالقضية القومية
الإجتماعية، ولا أعتذر بهذه المسألة من أي كان.
إن النهوض
والتغيير لا يتحققان بواسطة القطعان البشرية، بل هما
يتحققان بالعقول النيرة الواعية والإرادات الصلبة والعزائم
الجبارة. الجبابرة وحدهم يحدثون التغيير ويصنعون التاريخ،
أما الضعفاء فيختبئون في عداد القطيع هرباً من المواجهة
والمسؤولية.
يخطيء رفيقنا
أنه لا يوافق الرفيق شحاده الغاوي على تسمية "هذا الحزب".
إذا كان يطيب له أن يختار "هذا الحزب" فله ما يريد، وليس
لي عليه أي شيء. أما انا فإنني ابحث عن حزب سعاده وسأستمر
بدعوتي لاعادة بناء حزب سعاده ما بقيت لي قدرتي العقلية
والجسدية.
إن حقي على
رفيقنا لا يتجاوز رفضي له بالوقوف محاضراً أمامي في ما هو
خير للمسألة القومية وما هو مضر بها، وذلك اعتقاداً منه
أنه يستطيع القيام بهذا الامر. إن أملك إصغاءً جيداً
للآراء العملية الجيدة، لكنني لا املك الوقت لما للآراء
السطحية الضحلة. |