| ارسل إلي رفيق عزيز إعلاناً
مصوراً تكرر عرضه على التلفزيون الإسرائيلي في فلسطين
المغتصبة، يظهر جندياً يهودياً يصوب بندقيته نحو صبي
فلسطيني، بينما يظهر الطفل الفلسطيني وهو يلتقط حجراً
لرميها باتجاه الجندي، ثم
لا
نلبث أن نفاجأ أن الحجر قد انطلق في الفضاء بينما الجندي
يصوب بندقيته باتجاهه ثم يطلق النار ويصيبه، الأمر الذي
يثير الفرح في قلبي الجندي والصبي، فيسرعان لتهنئة بعضهما
بمقابلة الأصابع الخمسة في كل من ايديهما بعضها ببعض، ثم
نرى الجندي يحمل الطفل على كتفيه ويدور به فرحاُ. بعد
ذلك يسلِّم الجندي بندقيته الى الصبي كي يقوم هو برمي
الحجر بينما يقوم الصبي بالتصويب على الحجر الطائر، حيث لا
نفتأ ان نرى الصبي يحمل فعلياً مضرباً لكرة "الكريكت"
وكأنه والجندي يقومان بالتدرّب على هذه اللعبة.
الإعلان صادر عن ما يدعى
"مبادرة السلام في الشرق الأوسط"، حيث توجد عبارات في
الإعلان تتساءل إذا كان مثل هذا الحلم ممكن التحقيق،
فتستبدل الحالة الدموية السائدة في فلسطين المغتصبة، التي
يطغى عليها الشك والخوف والكراهية والحقد، بحالة الثقة
والإطمئنان والسلام.
لقد تمنى علي الرفيق الصديق أن
أبدي رأيي كتابة في هذا الموضوع، من أجل ما قد يكون هناك
من فائدة مرجوة له.
بداية، لا بد من التأكيد أن
التفكير والتأمل في مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين، وبناء
دولة عنصرية فيها على حساب شعبنا، وما تعرض ويتعرض له من
إبادة وتشريد ومآسي وعذابات وأحزان واوجاع ومعاناة، يجلب
الى الواجهة لائحة طويلة من الأسئلة التي تحتاج الى أجوبة
محددة وحاسمة وواضحة.
لكن لائحة الأسئلة الطويلة في
هذا الشأن، لا يجب، ولا يجوز ان تتضمن السؤال الذي يطرحه
الإعلان نفسه، والذي يتساءل عن امكانية تحوّل "هذا الحلم
الى حقيقة". إذ ان هذا الحلم هو حلم المغتصب وليس حلم
شعبنا الرازح تحت وطأة الإغتصاب وساديته وغريزيته المتعطشة
الى مزيدٍ من الدماء، إذ لا يمكن المساواة بين احلام
الظالم والمظلوم او بين القاتل والمقتول، او بين الطاغية
والمغلوب على امره. إن المغتصب يحلم في تثبيت اغتصابه
والتمتع بهذا الأغتصاب بأمان وراحة واطمئنان وسلام، ولا
بأس أن يبقى بينه بضعة افرادٍ من شعبنا يظهر لهم حبه
الكاذب.
أن الحلم الذي نملكه ويملكه
شعبنا الخاضع للسادية اليهودية واستبداديتها وظلمها، هو
زوال الإغتصاب اليهودي عن فلسطين ورفع الظلم عن شعبنا
فيها، وتوقف عمليات الإبادة والقتل والإستئصال ضده، وان
يعود له حقه في ارضه ووطنه، كي يتمكن من بناء حياته،
تماماً مثلما يفعل أي شعب من شعوب العالم قاطبة.
هذا هو الحلم الطبيعي لنا،
وهذا هو الحلم الذي نملك، وهذا هو الحلم الذي يسمح به
تاريخنا الطويل من العذابات والقهر والتشريد والمعاناة
والتضحيات العظام، وهذا هو الحلم الذي تسمح به كرامتنا
وعزتنا وإرادتنا في الحياة والبقاء والأستمرار والإرتقاء.
إننا لسنا بحاجة لجهد كبيرٍ كي
نتعرف الى طبيعة أحلام اليهود، إذ ان ما يقوم به اليهود في
يقظتهم، وعن سابق تصورٍ وتفكيرٍ وتخطيط وتصميم، وتحت أنظار
العالم الزجاجية، تقدِّم دليلاً كافياً، لا يقبل الجدال او
الشك، عن طبيعة الأحلام التي تراود عقولهم الشريرة ونفوسهم
المريضة، في يقظتهم وفي نومهم.
لكن طبيعة المشكلة الناشئة عن
الإغتصاب اليهودي لفلسطين، وما صاحبه ويصاحبه من ملاحقة
متواصلة لأبناء شعبنا فيها، مجازراً وقتلاً واضطهاداً
وتشريداً ومحاصرةً وسجناً، وما تحمل من تهديد متواصل لبقية
شعبنا على مدى الوطن السوري كله، وعلى عالمنا العربي، هي
أخطر واهم وابعد من الكلام عن الأحلام والمشاعر
والتمنيات. إذ عندما ينطق الواقع، تخرس معه الأحلام
والإفتراضات والتكهنات، فلا يعود هناك نفع او جدوى، سوى
للتعامل معه بعقول نيرة، وإرادات مصممة، وعزائم صلبة.
إذا كانت الشعوب الغبية
الجاهلة هي التي تستسلم للواقع المفروض وتركن الى احكامه
ونتائجه، وما يجلب عليها هذا السلوك من ضعف ومهانة ومذلة
وتحقير، فإنه من الجهالة، والغباء، والدجل، والهروب الى
الامام، ان نرفض هذا الواقع كلامياً دون المساهمة الفعلية
في توفير وبناء اسباب القوة القادرة على مواجهته وتغييره.
إن الأفكار والعقائد مهما كانت
جميلة وجيدة وخيرة، لا تنفع بشيء، إذا بقيت في حدود
التنظير والكلام، وإذا لم تقف وراءها قوة تسعى الى نشرها
وتحويلها الى ثقافة عامة وممارسة عملية في الواقع
الإنساني.
إن النظر في مسألة الإغتصاب
اليهودي لفلسطين، وفي دولة الإغتصاب اليهودي، التي تمارس
السادية والاضطهاد والظلم ضد ابناء شعبنا الذين هم في
احتكاك مباشر معها، وتقدمها غذاءً يومياً لهم، صبحة وعشية
ومساء، وتهدد وجودنا القومي بكامله، يوجب الأخذ بعين
الاعتبر جملة حقائق تفرض نفسها بقوة في هذا المجال.
الحقيقة الأولى، هي أننا نقول
هذا الكلام ونحن شبه متأكدين أنه لن يجد اصداء له سوى في
عدد محدود من العقول والنفوس من ابناء شعبنا، وبالتالي
خوفنا أن يبقى كلامنا كلاماً بين الطواحين، بسبب افتقارنا
الى القوة التي تجعل منه كلاماً مسموعاً، مفهوماً، ينال ما
يستحق من الدرس والبحث والمداولة.
إن مصيبتنا الكبرى في هذا
الخصوص، هي مع شعبنا وفيه، إذ يبدو أن شعبنا أصم واعمى
لكنه يعاني من حالة الثرثرة الفارغة، التي تعكس الحالة
التي وصل إليها، وما يصاحبها من أوهام وجهل وعائدات سيئة،
وما يمعن فيها من تفككٍ وانقسامات وعصبيات قاتلة، هي في
منتهى الخطورة، بحيث يصيبنا الإحباط حتى من محاولة إنارة
طريقه وهديه الى سراط الحياة المستقيم، والى حقائق
واساسيات الحياة والبقاء والتقدم والإرتقاء.
لكنه بالرغم من كل ما يحيط بنا
من عوامل اليأس والإحباط، نرى انه من الواجب علينا إعلان
رأينا بأعلى ما نستطيع من صوت، أملاً في انقاذ شبعنا من
حالة الصمم اولاً، وإفاقته من غيبوبته التي تسبب له
تدميراً ذاتياً.
الحقيقة الثانية، هي إن نجاح
اليهود في اغتصاب فلسطين، وتثبيت دولته فيها، واستمرار تلك
الدولة في ممارسة الظلم والإضطهاد والتشريد والقتل ، لم
يحصل بسبب قوة اليهود وجبروتهم وتفوقهم في مجالات كثيرة،
بل بسبب ما غرق ويغرق فيه شبعنا من ضعف وتفكك متعددي
الأسباب والوجوه.
لذلك فأن اغتصاب اليهود
لفلسطين لن يزول بسبب ما قد يصيبهم من وهن وتفكك وضعف، بل
إن ذلك مشروط اولاً واخيراً بقيام قوة قومية قادرة على قول
كلمة الفصل في الأمور والشؤون الجارية.
الحقيقة الثالثة، هي أن اغتصاب
فلسطين وإقامة دولة لليهود فيها، هي لعنة الغرب على شعبنا
وعلى اليهود معاً، وعلى كل القيم الحضارية والإنسانية التي
يدّعي الغرب امتلاكها.
لم يقم الغرب بتمكين اليهود
من اغتصاب فلسطين وإنشاء دولتهم عليها، وتقديمه لهم جميع
انواع المساعدات العسكرية والاقتصادية والفنية والسياسية،
بسبب حبه لهم، ولا بسبب احتقاره لهم ورغبته في إبعاد
شرورهم عنه، ولا بسبب كرهه للعالم العربي وحقده التاريخي
عليه، ليس بسبب كل ذلك فحسب، بل بسب مصالحه الاستراتيجية
واطماعه في ثرواتنا ومصادر الطاقة عندنا.
إنه من الغباء والسخافة والخفة
بمكان، ان يعتقد احدنا ان نظرة الغرب وموقفه منا سيتغير ما
لم يقم بيننا قوة اساسية قادرة مواجته والتوجه إليه بمنطق
قومي سليم، وبإرادة مصمِمه فاهمة، وقادرة على منع استغلاله
لنا ونهب خيراتنا وثرواتنا، بل وقادرة على إنشاء وترسيخ
شراكة متساوية حقيقية معه.
الحقيقة الرابعة، هي أن
المسألة الفلسطينية ليست مسالة سياسية على الإطلاق، ولا
يمكن اعتبارها كذلك تحت اي ظرف من الظروف، او تحت اي ضغط
من الضغوط، او تحت اي غطرسة وتخويف وترهيب او ترغيب. إن
المروجين للإدعاء الزائف ان المسألة الفلسطينية مسألة
سياسية، إنما يمارسون الأكاذيب ويقومون بتزوير الحقائق،
ويسخرون من العقول، عقول شعبنا كما عقول العالم احمع.
إن المسألة الفلسطينية هي
مسألة حقوقية قومية اولاً وأخيراً، بدءاً ونهاية، وهذا
الأمر لا يجب ان يكون موضعاً للجدال والبحث من قبل أية
جهة، دولية كانت، أو تابعة لإحدى دول العالم العربي، او
صادرة عن اية شخصية او هيئة من شعبنا، او اي حكم في اي
كيان من كيانات وطننا. إن اي حلٍ للإغتصاب اليهودي
لفلسطين خارج نطاق المفهوم الحقوقي والقومي، هو حل عقيم
غير قابل للحياة او الثبات.
لكن معالجة المسألة الفلسطينية
على اساسها الحقوقي الصحيح، يتطلب هيئة واعية لهذه الحقوق
وفاهمة لها، وتملك من القوة ما يكفي لطرحها على العالم
أجمع، ومواجهة المجتمعات والهيئات الدولية بها، من ضمن خطة
متكاملة شاملة.
إن ترك المسألة الفلسطينية في
مهب تخاطف الأيدي لها، حسب الظروف ومصاحباتها، وما يبرز
فيها من قوى الأمر الواقع، لن يؤدي سوى الى مزيد من المآسي
والنكبات والخسائر لشعبنا.
لقد توالت على الإمساك بزمام
هذه المسألة قوى وهيئات مختلفة، كانت كل منها تدعي بحق
مكتسب لها بها. فمن الاستعمار البريطاني، الى العائلة
السعودية الفارضة إرادتها على شعب الجزيرة العربية، الى
تواطيء مصر فاروق، الى جموح مصر عبد الناصر، الى تفرّد بعض
حكام كيانات وطننا في اعلان حقهم في إدارة هذا الملف
الواحد منهم دون الآخر، الى انتهاء هذا الملف الى ايدي
عرفات وما ورثه من مجموعات حرص الأميركيون واليهود على
تدجينها واستخدامها لتنفيذ مخططاتهم، كل هؤلاء، ساهموا في
تعقيد هذه المسألة وفي زيادة المآسي المصاحبة لها.
لقد بلغ شعبنا من التخلف
والجهل والإنحطاط درجة كبيرة، الأمر الذي منعه من تنظيم
مقاومة قومية شاملة ضد الإنتدابين البريطاني والفرنسي،
والذي دفعه الى قبوله بتسلط ذرية آل سعود على شؤونه
وتمثيله في إدارة قضيته. أي جهل هو هذا الذي يقبل بمتآمر
على قضيتنا مثل عبد العزيز بين سعود، كي يعطي الوعود
للبريطانيين للسماح "للمساكين اليهود" بإقامة دولتهم
عليها؟ أي خصيان كانوا رجالات الأمة السورية الذين قبلوا
بذلك الأمر، واي اسباب واهية دفعتهم إليه، دون ان يبرز احد
يخالفه ويقاومه؟
الحقيقة الخامسة، هي أنه، خارج
ما اسس له انطون سعاده، لم يقم في اي كيانٍ من كيانات
وطننا، منذ إعلان دولة الإغتصاب وحتى اليوم، حكم يملك خطة
دقيقة واضحة لاستنهاض شعبنا، ترتكز على تفعيل جميع طاقات
شعبنا واستنهاضها وتوحيدها وصهرها في بوتقة وحدة ثقافية
واجتماعية، مادية-نفسية، كي يكون لنا قوة حقيقية قادرة
على مقارعة ومواجهة قوة الإغتصاب اليهودي، وإدارة قضيتنا
القومية بكفاءة عالية.
لقد انشغل حكام كياناتنا
بإعداد جيوش على حجم طموحاتهم وقياساتهم، قادرة على تثبيت
وتأمين استمرارهم في الحكم، دون وعيٍ لخطورة هذا النوع من
التوجّه والممارسة في الحكم، ونتائجه الحاضرة والمستقبلية
على جميع شعبنا بدون استثناء، بما فيهم حكامه انفسهم.
في الحقيقة، ان اي حل عادل
ودائم وثابت للمسألة الفلسطينية، مرهون بقيام حكم قومي
عندنا، يملك فهماً قومياً صحيحاً، ويملك خطة نظامية دقيقة
واضحة، قادرة على توحيد شعبنا حول مصالحه الأساسية وحول
ثقافة واحدة ترّسخ وحدته الإجتماية، وتساهم في بناء حياته
وتقدمها وارتقائها.
الحقيقة السادسة، هي أن شعبنا
كسر حاجز الخوف الذي كان يتملك به، من جميع القوى العاتية
على تعدد انواعها ومصادرها، واستبدل خوفه بروحية عالية من
المجابهة والصراع والصمود. في موازاة هذا الامر من
الأهمية، استطاع شعبنا ان يقضي على اسطورة الجيش
الإسرائيلي الذي لا يقهر، واستطاع، ابعد من ذلك، ان يدخل
رعباً حقيقياً الى قلوب الإسرائليين، بالرغم مما يتمتعون
به اسباب القوة، التي وفرتها لهم دول الغرب الداعمة لهم،
والتي ترفد بصورة مستمرة بمساعدات اليهود المنتشرين في
مجتمعات العالم قاطبة.
إن المقاومة التي اختبرها
لبنان منذ الثمانينات، والتي توِّجت بالصمود والإنجاز
الرائعيين عام 2006، وصمود مقاومة شعبنا في غزه بصورة
خاصة، وفي فلسطين بصورة عامة، يثبت بما لا يقبل الجدل او
الشك، اصالة شعبنا والقوة الكامنة فيه اللتين تكلّم عنهما
سعاده مراراً وتكراراً، إدراكا منه، وإيماناً راسخاً عنده،
بوجودهما في شعبنا.
لكن ما يؤسفنا ويقلقنا جداً،
أن هذه المقاومة لم تصل بعد لأن تكون مقاومة قومية شاملة،
يؤمن بها، وينخرط فيها جميع ابناء شبعنا وفئاته.
إن تحويل هذه المقاومة الى
مقاومة قومية شاملة، والى مقاومة متصاعدة، قابلة للنمو
والتوسع والإزدياد، مشروط بظروف سياسية متنوعة، ومحفوف
بمخاطر التغيرات في المصالح القومية والمواقف السياسية
للمعنيين بهذه المقاومة، بصورة أو بأخرى.
لأننا لا نحب الكلام في
المعميات، ولأننا لا نرى فائدة سوى في الوضوح والتحديد،
لذلك نؤكِّد أن وصول المقاومة الى هذا المستوى من القوة،
يعود أساساً، الى عوامل تعود الى علاقة الثورة الخمينية في
إيران مع الغرب، خاصة الاميركيين، ومواجهاتها غير المباشرة
معه، من خلال حرب الخليج العراقية - الإيرانية، وما افرزته
تلك الحرب من علاقة إيرانية- شامية مميزة.
إن الدعم الكبير الذي قدمته
إيران لحزب الله، تمويلاً وتدريباً وإعداداً وتسليحأ، هو
الذي مكّن المقاومة من تسجيل انتصاراتها وقلب بعض من
معادلات الصراع مع اليهود في اسرائيل، ومن يدعمهم من
اليهود خارجها، ومن يقف معهم من حكومات العالم.
إن هذا الدعم الذي قدمته إيران
الى المقاومة في لبنان وفلسطين، ترافق مع معاداة
الأميركيين لها، واستفارهم لدول الخليج، وتحريضهم ودعمهم
لنظام صدام حسين ضدها، وتصنيفهم لها كأحد دول "محور الشر"
في العالم.
إن هذا الموقف الاميركي تجاه
الثورة في ايران، كان بدون شك السبب الرئيسي لارتداد إيران
عليها من بوابة المقاومة في لبنان ضد الإحتلال الإسرائيلي
لأجزاء منه.
لقد تدرّج موقف النظام
الإيراني من اسرائيل، منذ قيام الثورة وحتى اليوم، من عدم
الإحراج من شراء السلاح منها تحت وطأة حربه مع العراق
مباشرة، ومع دول الخليج والأميركيين مداورة، الى حديثهم
المتكرر حالياً عن ضرورة إزالتها وتصميمهم على تحقيق هذا
الأمر.
إن هذا الكلام عن إزالة دولة
الإغتصاب اليهودي، لا شك انه يفرحنا، ليس لأننا نعتقد ان
إيران ستعمد فعلياً الى إزالة اسرائيل، بل لإعتقادنا أن
هذا الكلام يعني استمرار الدعم الإيراني للمقاومة وحرصها
على بقائها واستمرارها ونموها.
إن الصراحة والوضوح، يفرضان
علينا الإعلان، ان خوفاً أساسياً يمتلكنا في هذا المجال،
يفرضه علينا منطق الأشياء وإدراكنا لهذا المنطق وفهمنا له.
إذ أننا ندرك ان الموقف الإيراني من اسرائيل هو موقف
سياسي اولاً وأخيراً، ولا يمكن ان يعتبر تحت اي مقولة او
شعار، من انه موقف قومي، او ديني، او مذهبي.
إن إدراكنا لحقيقة ان ما ياتي
بالسياسية يذهب بها، يدعونا الى طرح عدة أسئلة أساسية تفرض
نفسها في هذا المجال. هذا الأسئلة هي، ماذا لو تغيرت
السياسية، ماذا لو أدرك الأميركيون أن مصالحهم تقضي
بالتفاهم مع الإيرانيين وإنشاء شراكة معهم، وماذا لو
استطاع الأميركيون اقناع الإيرانيين بالقبول بحلٍ يعطي
الفلسطينيين دويلة هجينة يحشرون فيها ويتدبرون شؤونهم
ضمنها، وبالتالي القبول بدولة الإغتصاب اليهودي في
فلسطين؟ ماذا يحدث في حالة كهذه للدعم الإيراني لحزب
الله، السياسي منه او الفكري اوالمادي؟ وفي حال حدوث
مثل هذا الأمر، ماذا سيكون موقف حزب الله الذي اختبر
مقاومة الإسرائليين والذي بنى قوته على اساس هذه المقاومة؟
إن هذه الأسئلة، إنما هي بعض
كل لا ضرورة لتفصيله هنا، وهي لا تنتج عن افتراضات جدلية
نظرية، بل أننا نرى الآن بعض مؤشرات تبرر طرحنا لها، ليس
اقلها الحديث عن التغير في موقف الإدارة الأميركية الجديدة
تجاه العلاقة مع ايران.
إذا كنا ندرك عمق العلاقة
الأميركية/اليهودية، وإذا كنا ندرك أن المصالح
الاستراتيجية للاميركيين يمكن ان تتحقق من خلال إقامة
تفاهم وشراكة مع ايران، وليس بالضروة من خلال إضعافها
واخضاعها، فإننا ندرك أن هذا التفاهم وهذه الشراكة سيكون
لهما ثمن سياسي لا بد ان تدفعه إيران من اجل إنجازهما.
إننا على قناعة تامة أن بعض
الثمن الذي يريده الأميركيون من ايران هو تغيير موقفها من
دولة الإغتصاب اليهودي في فلسطين. لذلك نعتقد بقوة هو أن
إيران لن تفوِّت عليها فرصة التفاهم والشراكة مع
الأميركيين إذا ما حصل بسبب فلسطين.
كذلك سنرى أن الأميركيين
انفسهم سيتخلون عن بعض اصدقائهم في الخليج من أجل ضمان مثل
هذا التفاهم وهذه الشراكة مع ايران.
من مجمل ما تقدم، تظهر الحاجة
القصوة والملِّحة لتأسيس وتطويرمقاومة قومية لنا، تعتمد
بصورة اساسية على العامل القومي، وتقوم اولاً على مقومات
الدعم القومي لها.
الحقيقة السابعة، هي أن بقاء
الدولة العبرية وتوسعها، ستبقى حاجة نفسية لليهود ما بقيوا
غارقين في خرافاتهم واهامهم وادعاءاتهم المنافية لأي عقل
أو منطق أنسانيين.
إن اليهود سيبقون هم اليهود ما
لم يتم بذل جهود كبيرة من قبل المجتمعات الإنسانية من اجل
أنسنة اليهود ودفعهم الى الإنسجام والتوافق والتكامل مع
الحالة الإنسانية العامة.
الى ان يتم هذا الأمر، إذا
تمّ، سيستمر اليهود في دفع مخططاتهم الشريرة نحو التنفيذ
بمختلف الوسائل والأساليب، مستغلين اية فرصة سانحة لهم.
قد يفاجأ غيرنا غداً، لكننا لن
نتفاجأ نحن، إذا ما رأينا اليهود يدخلون من الباب العراقي
العريض إمعاناً في دفع مخططاتهم بإقامة دولة اسرائيل
الكبرى، من الفرات النيل، نحو التنفيذ. إننا نعلن هذه
الحقيقة للتاريخ، كي لا يقال مستقبلاً ان احداً لم يتنبه
لها.
واهم من يظن ان اليهود سيتخلون
عن خرافاتهم واكاذيبهم واوهامهم وادعاءاتهم المتوارثة، ما
لم يتم إنقاذهم منها من قبل المجتمعات الانسانية.
إن الخطورة الأساسية لهذه
الجماعة، بعد الخطورة الناتجة عن تشرنقها على نفسها
وانغلاقها في حدود اوهامها واكاذيبها وخرافاتها، هي انها
تعرف ما تريد، وتعرف كيف تؤسس للحصول على ما تريد وكيف تضع
الخطط التي تمتد سنوات، بل عقود طويلة من الزمن، املاً في
تحقيق إرادتها في وقت من الأوقات.

إن قدرة هذه الجماعة في هذا
المجال هو الذي مكّنها من السيطرة على مراكز القرار في
الدول الغربية وفي دولة الفاتيكان، بصورة خاصة، وذلك
تعبيراً عن كراهيتها للمسيحية وانتقاماً لما لاقته من
معاملة من قبل تلك المجتمعات لها.
إننا ندرك تمام الإدراك أنه
لا يمكن الإعتماد على الغرب، في واقعه الحالي، للقيام
بعملية إنقاذ اليهود من خرافاتهم وأوهامهم واكاذيبهم
ومزاعمهم، ذلك ان مراكز القرار فيه خاضعة بصورة تفوق
التصور للتأثير اليهودي وضغوطاته. هذا الى جانب أن الغرب
سيبقى على قناعة بوجود اسرائيل وسيستمر بدعمها، ما بقي على
قناعة ان مصالحه تتلاقى مع وجودها واستمرارها.
إن انتشال اليهود من اوهاههم
وخرافاتهم واكاذيبهم وادعاءاتهم، هي مهمة يجب أن يتصدى لها
مجتمعنا ويأخذها على عاتقه. ذلك أن مجتمعنا هو المتضرر
الأول والأكبر من اغتراب اليهود عن الواقع الإنساني
وافتقادهم بالتالي الى اي شعور انساني.
إن مهمة من هذا النوع تتطلب
إداركاً ووعياً وفهما لواقع حياتنا، وللمخزون الحضاري
الإنساني الذي يملكه مجتمعنا، وتطلب عودة شعبنا الى عقيدة
الحياة التي اوجدها له انطون سعاده، ووضع لها مبادئها
العملية التي تمكن شعبنا من النهوض والتقدم والإرتقاء.
الحقيقة الثامنة، هي أن إزالة
الإغتصاب اليهودي لفلسطين، هو عملية مستحيلة ما لم تقم
الدولة القومية الإجتماعية وتبرز مبادئها الإنسانية
القادرة على تقديم الحلول للمشاكل الإنسانية. إن اي تفكير
بإمكانية تحقيق هذا الأمر، وإنهاء مشكلة الإغتصاب اليهودي بصورة
قاطعة شاملة، دون نشؤ دولة قومية أجتماعية، هو ضرب من ضروب
الخيال والوهم.
إننا نقول إن استعادة فلسطين
هي
عملية مستحيلة بدون وجود الدولة القومية الإجتماعية، ونحن
نعرف أن ليس هناك من مؤشرات او بوادر من اي نوع، توحي
بإمكانية قيام مثل هذه الدولة في المدى المنظور والمقرؤ. على
العكس من ذلك، فإن إزدهار التفكير المذهبي وطغيانه من جهة،
وضعف الثقافة القومية الإجتماعية وتراجعها من جهة ثانية،
يخلق انطباعاً عندنا بأن على شعبنا الإنتظار طويلاً جداً
قبل قيام الدولة القومية الإجتماعية فيه.
الدولة القومية الإجتماعية
وحدها تستطيع أن تعرّف العالم بصورة عامة، والعالم الغربي
بصورة خاصة، عن المكنونات الحضارية والإنسانية لشعبنا
ومجتمعنا، وهي وحدها تستطيع ان تعيد العالم الغربي الى
رشده، وتمكنِّه من رؤية أخطائه التاريخية بحق شعبنا،
وبالتالي تدفعه لاتخاذ موقف مغاير لموقفه الحالي من
الإغتصاب اليهودي لفلسطين.
من جملة الأسباب التي دفعت
الغرب لأتخاذه مواقفه المساندة للإغتصاب اليهودي لفلسطين،
هي أن اليهود قد نجحوا بقلب الحقائق، فغيبوا مقولة الإغتصاب،
وصوروا هذه المسألة بأنها مسألة اصطدامٍ وصراع بين حضارتين
متناقضتين: حضارة غربية مسيحية راقية، وحضارة اسلامية
متخلفة.
إنه يؤلمنا أن نرى أن كثيرين
من شعبنا، انجر الى التشويهات التي تتناول مسألة صراعنا مع
اليهود في فلسطين، لذلك غالباً ما تطالعنا مواقف لهم، على
انسجام تام مع الطروحات اليهودية.
إن محاربة إسرائيل على اساسي
ديني أو مذهبي او طائفي، يعطي لليهود سبباً إضافياً لتبرير أغتصابهم
وتبرير حاجتهم الى دولتهم العنصرية-الدينية. فالأديان
تقابلها أديان، والمذاهب تقابلها مذاهب، والطوائف تقابلها
طوائف أخرى، لذلك فإن صراع
الأديان وصراع المذاهب والطوائف، لا يوصل سوى الى مزيد من الحروب
والصراعات.
الدولة القومية الإجتماعية
وحدها تستطيع ان تتوجه للمجتمعات الإنسانية وتكشف الظلم
الذي لحق مجتمعنا من العقدة اليهودية واستغلال الغرب لهذه
العقدة لتحقيق مصالحه على حسابنا.
الدولة القومية الإجتماعية
وحدها تستطيع ابراز كنوز أفكارنا الأنسانية وتستطيع أن
تقنع العالم بان موقفنا من اليهود هو في حدود ما يشلكه
اليهود من خطر علينا وعلى مجتمعنا، وتستطيع ان تقنع العالم
بأننا نهدف الى إنقاذ اليهود انفسهم من مخاطر أعتقاداتهم
الزائفة، وبالتالي، انقاذ الإنسانية جمعاء من نتائج هذه
الإعتقادات.
إن الكلام عن رمي اليهود في
البحر كلام لا يحمل من الحقيقة والمعنى بشيء، إذ حتى ولو
كنا نملك القوة لرمي اليهود في البحر، فإن مبادئنا
الإنسانية تمنعنا من القيام بذلك. فكم بالحري ان نسمع مثل
هذا الكلام ونحن في أدنى درجات من الضعف والتفكك
والإنحطاط؟
ثم انه من الخرافة ان يعتقد
احد، انه يمكن إيجاد حل للإغتصاب اليهودي لفلسطين، يكون من
اجراءاته طرد الملايين الأربعة أو الخمسة من اليهود منها.
إن مثل هذا الحل هو ما نتمناه
في نومنا وفي يقظتنا، لكنه مجرد حلم ووهم، لا نملك وسائل
تحقيقه، ولا نرى، من ضمن معطيات الواقع وحقائقه واتجاه
مساراته، أنه يمكن لنا في اي وقت من الأوقات امتلاك مثل
هذه الوسائل.
عندما يتوقف طرح الأفكار في
حدود التنظير، بعيدٍ عن الإجراءات العملية، يتحول الى مجرد
ثرثرة لا ترضي سوى عقول المثرثرين بها.
من هنا، نجد ضرورة ملحة لتناول
مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين، بلغة قومية اجتماعية
جديدة، تنطلق من المباديء القومية الإنسانية، ومن فهمنا
لطبيعة المجتمعات الإنسانية، وشروطها الأساسية، كي نخاطب
العالم بها، فنظهر للعالم قدرتنا الفريدة في تقديم الحلول
الصحيحة للمشاكل المعقّدة.
إن جميع معطيات الواقع تؤكد،
أننا لا نملك خيارات كثيرة إذا لم نستطع مخاطبة العقل
الغربي بصورة خاصة، بلغة انسانية جديدة واضحة، نقدر
بواسطتها على اظهار من تملكه نفسيتنا من مخزون القيم
الإنسانية، فنثبت لهذا الغرب، وللعالم قاطبة، ما نملك عقل
وتفكيرٍ إنسانيين وعمليين.
إن المسألة الفلسطينية، خاضعة
اليوم للبحث السياسي محاولة في إيجاد حل سياسي لها. إننا
نعرف ان مثل هذا الحل، لن يكون سوى تأسيس لصراعات
مستقبلية، لأنه يتضمن بقاء اسرائيل كدولة عنصرية – دينية.
من خلال إدراكنا لهذه الحقيقة،
وبسبب افتقادنا للقوة التي يمكنها فرض الحل القومي للمسالة
الفلسطينية، وبسبب إدراكنا ان امتلاكنا لمثل هذه القوة هو
امر بعيد المنال في المدى المنظور والمقرؤ، يصبح لزاماً
علينا اتباع استراتيجية أخرى، محاولة منا في وقف تدهور
مجتمعنا نحو الإنحلال الكامل.
لذلك، من واجب الفكر القومي
الإجتماعي، ان يعتمد اسلوباً جديداً بالمخاطبة، لا تتناقض
مع اسسه ومرتكزاته، ويمكنها اقناع العالم بجدارتنا وصحة
توجهنا وقضيتنا.
من هنا تبدو الحاجة الى بلورة
حلٍ قومي – انساني للمسألة الفلسطينية، يمكن طرحه على
العالم واقناعه به.
إن التوجه الى العالم بأن الحل
هو بإنشاء الدولة القومية الإجتماعية التي تقوم على
العلمانية وعلى وحدة الحياة، والاشتراك بالحياة الواحدة،
والتي تفرض ولاءً لها، وحدها دون غيرها، ودون مخالطات
دينية أو مذهبية او اثنية أو من أي نوع آخر، لا يمكن سوى
ان يطرق باب العقل والمنطق عند العالم الغربي بصورة خاصة،
فيدرك مدى الخطأ في انجراره وراء المزاعم اليهودية.
لن يضير الدولة القومية
الإجتماعية ابداً أن تستوعب بضعة ملايين من اليهود، ذلك أن
توفر القدرة على انشاء الدولة القومية الإجتماعية، وقبول
العالم الغربي على انشائها وعدم محاربته لها، يعني أن
اليهود قد تخلوا عن انغلاقيتهم وأهامهم وأصبح بامكانه
الأنخراط في معنى المجتمع القومي.
إن سعاده لم يعتبر اليهود من
ضمن معنى الأمة السورية لسبب شوفيني استبدادي، بل بسبب
تشرنقهم وانغلاقهم في جميع المجتمات التي وجدوا فيها،
وبسبب ما تشكله اوهاهمهم وخرافاتهم من تناقض مع معنى أمتنا
الحضاري – الأنساني.
لا خيار لليهود ضمن الدولة
القومية الإجتماعية، سوى ان يكونوا فيه أعضاء اوفياء،
ولاؤهم لها اولاً وأخيراً، مثلهم مثل اي اعضاء آخرين. إن
اليهود الذين لا يستطيعون التعايش مع هذه الثقافة الجديدة،
سيرحلون وحدهم، دون طلب منهم.
إننا إذ نطرح هذا النوع من
التفكير والتوجه والحل، ندرك جيداً انه بعيد المنال، ولا
يوجد له أية دلائل، لا في شبعنا، ولا عند اليهود، ولا في
العالم الغربي. لكننا مقتنعون كلياً، بالفوائد التي يمكن
أن يوفرها مثل هذا الطرح لقضيتنا ومصالحنا.
من هنا نضع هذه الأفكار في
متناول اصحاب المعرفة والفكر الحقيقين من النهضويين
القوميين الإجتماعيين، وليس برسم المراهقين والجهلة الذين
يدعون المعرفة إدعاءً، من أجل مزيدٍ من التأمل والبحث
والتدقيق. |