إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

جواب على رسالة الرفيق شحاده الغاوي بشأن مقالة: "مسألة الإغتصاب اليهود لفلسطين: العقدة والحل"

بقلم منير حيدر (8/4/2009)

رفيقي العزيز شحاده  

بداية، أوافقك الرأي كلياً، حول ضرورة التوسع في الأفكار التي وردت في مقالتي: "الإغتصاب اليهودي لفسلطين: العقدة والحل".  في الحقيقة كنت أدرك مسبقاً أن هذه الأفكار تحتاج الى كثيرٍ من الشرح والتوضيح، لكن الذي منعني من ذلك، هو رغبتي اولاً، في أن أجذب واحض اصحاب المعرفة الفعلية والثقافة الأصيلة والفكر الثاقب على التأمل في هذه الأفكار والمساهمة في بحثها ومناقشتها، وثانياً، بسبب ما اواجهه من مشاغل ومشاكل على الصعيد الشخصي.

ما لا اوافقك عليه، هو أن يكون سبب التوسّع في هذه الأفكار من أجل "طمأنة القوميين الإجتماعيين"، بل من أجل شرحها وتوضيحها وبلورتها، بصورة تساعد جميع الناس على الإستيعاب والفهم،  بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية والفكرية، وبغض النظر عن مستويات مداركهم واعماقها. 

إن آخر هم عندي، هو ان أرضى أو أغضب هؤلاء الذين يحسبون انفسهم قوميين إجتماعيين وهم لا يملكون من القومية الإجتماعية سوى الإسم، فينسبون الى انفسهم ما ليس فيهم.

إنني بدون شك، أشعر بمسؤول كبيرة تجاه الرفقاء المخلصين في إيمانهم بالقضية القومية الإجتماعية والصادقين في عاطفتهم وشعورهم تجاهها، والذين يحرصون فعلاً على طلب المعرفة والثقافة والفهم، ولو في الصين.  لكن شعوري تجاه الجهلة الذين يدعون المعرفة والثقافة والعلم، والذين يحسبون أنهم يملكون الكثير من الفهم والمعرفة الى درجة انهم فقدوا القدرة على الدرس وعلى طلب العلم، هو انهم يستحقون الجلد لذلك ارى من واجبي جلدهم كلما وجدت الى ذلك سبيلاً.  إذ ان هؤلاء الاخيرين، على ما يملكون من جهل وجهالة، وعلى ما هو متأصِّل في نفوسهم من مفاسد وجموح لتحقيق مصالحهم الشخصية، او لإرضاء غرورهم بالظهور بمظهر العظماء وهم ليسوا بعظماء، هم الذين جلبوا ويجلبون على النهضة جميع النكبات والمآسي، وهم الذين اوصلوها الى هذا الدرَكِ المخيف.

إن ما يحثني على الكتابة والتوضيح دائماً، هو إيماني أن هناك أشخاص طيبون، صادقون في التزامهم، مخلصون في إيمانهم، أصيلون في تضحياتهم، ينشدون الدرس والعلم والمعرفة، ويحرصون على إغناء مداركهم من اجل القيام بعملهم القومي بصورة أفعل وأفضل.

إنني أعرف، بالمشاهدة الفعلية وبالحس القومي، ان هناك أفراداً كثيرين من يرغبون في توسيع مداركهم وتعميق أفهامهم، لكن هؤلاء ضائعون ومفقودون في غابة من الجهل والجهالة والتدجيل والإدِّعاء والتمظهر، والمفاسد على جميع انواعها، والسعي وراء تحقيق المصالح الذاتية، الضيقة في أغلب الأحيان، والواسعة في بعضها القليل.

لو كان المجموع القومي العام، مجموعاً قومياً إجتماعياً واعياً صحيحاً، لما وصلت النهضة القومية الإجتماعية الى هذا الضعف المريع، الذي ينذر بزوالها، ليس بسبب تهديد اليهود لها، بل بسبب ما يحمل هذا المجموع "القومي الإجتماعي" العام من عوامل ذاتية مدمرة.

الزمن رديء يا رفيقي، وإذا كنت اكتب ما أكتب، فذلك تحدياً مني لهذا الزمن ومحاربة له.  إذ أن قدرنا وقدر الذين هم مثلنا، هو مواصلة الصراع والجهاد ما دمنا قادرين عليه. إن استسلامنا للزمن الرديء يعني نهاية لنا وإضعافاً للقضية التي من اجلها كان نضالنا الطويل.

إنه من المؤلم حقاً أن يغرق القوميون الإجتماعيون في آتون من الثقافة السطحية الضحلة، التي تسبب في تعطيل افهامهم ومداركهم، ويصبحون عاجزين عن فهم واستيعاب الأفكار الكبيرة.

إن سيطرة مثل هذه الثقافة الضحلة على المجموع الأعظم من الذين يعتبرون انفسهم قوميين إجتماعيين، قد ساهم في تشويه مدارك معظم الذين يزعمون انهم قوميون إجتماعيون، حقاً او باطلاً.

لذلك لم استغرب عندما قرأت تعليق الرفيق وسيم سالم على المقالة المشار إليها أعلاه.  إذ انك تعرف، وانا اعرف ما يتحلى به الرفيق وسيم سالم، من إخلاص، وحماسة، وتضحية، وصدق في الإيمان والعمل.  لكن الرفيق وسيم، مثله مثل كثيرين من الرفقاء، كان ضحية ما هو شائع من فهم عام بين القوميين، ولم يستطع ان يشكِّل لنفسه معرفة عميقة خاصة بسبب المشاغل التي يواجهها في مهنته وعمله.

إن من يقرأ تعليق الرفيق وسيم سالم على فكرة انتشال اليهود من خرافاتهم وتقوقعهم، لا بد ان يعتقد ان نشؤ الدولة القومية الإجتماعية هو حتمي لا مفر منه، وأن اليهود، عاجلاً أم آجلاً، سيصبحون تحت رحمة هذه الدولة، وأن مصيرهم سيكون رهن قرارها.

إن هذا الفهم القدري عند القوميين الإجتماعيين،  مسؤولة الأجواء الثقافية والفكرية الضحلة التي تواجههم كل يوم، فتغزو عقولهم ومداركهم.

لذلك، فبدل ان يعمد الرفيق وسيم سالم، على معالجة فكرة انتشال اليهود من اوهامهم معالجة في العمق، فيعود الى فكر سعاده، ويعالجها على ضؤ مقولات هذا الفكر وابعاده واحكامه، رأيناه عوضاً عن ذلك، اكتفي في بطرح اسئلة بسيطة تفتقد الى العمق والفهم الصحيحين، بل أكثر من ذلك، هي على درجة كبيرة من السذاجة والفهم الخاطيء للفكر القومي الإجتماعي النهضوي، وتتميز بعدم بالإغتراب عن الواقع ومعطياته.

إن أجُلّ رفيقاً، على هذا المستوى العالي من المناقب والأخلاق والإخلاص والصدق والتضحية، مثل الرفيق سالم، من الوقوع ضحية لهذا النوع من التحليل الساذج البسيط والاستنتاجات السطحية الضحلة.

إني اعتقد بصدق، أن مستقبل النهضة القومية الإجتماعية، مرتبط قبل كل شيء، بوجود اشخاص لهم مناقب واخلاق وصدق الرفيق وسيم سالم، ومستعدون للتضحية مثل تضحياته، الى جانب انكبابهم على الدرس والبحث والتدقيق، كي يأتي عملهم مفيداً للنهضة وللقضية التي تعبِّر عنها.

إن وجود رفقاء مثل الرفيق وسيم سالم، هو الذي يعطيني املاً بانه يمكن لنهضتنا القومية الإجتماعية ان تنتصر يوماً، وهو يزودني بدفع قوي للإستمرار في الكتابة والعطاء، بالرغم مما اواجهه من مشاغل ذاتية ووضع صحي.

يسيطر على عقول معظم القوميين الإجتماعيين، من منذ وقت طويل، جملة من الأوهام والمزاعم والتفسيرات الخاطئة للعقيدة القومية الإجتماعية ومفاهيمها، التي وضعها وشرحها وعبر عنها الزعيم.  لذلك لم يستطع، حتى معظم الذين مارسوا الكتابة والإنتاج الفكري منهم، من الخروج من دائرة الترديد الببغائي الحرفي لها، دون القدرة على استكشاف جميع مضامينها ودون القدرة على تقديم الشروحات والتوضيحات العملية لها وصهرها في واقعنا الثقافي العام، كي يبعدونها عن الصنمية والتأويلات الخاطئة والمشوِهة لها.

واحدة من التفسيرات الخاطئة التي تسيطر على أفهام السواد الأعظم من القوميين، هو تفسيرهم لقول سعاده: "إن ليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا وارضنا، سوى اليهود".

لقد فهم القوميون الإجتماعيون هذا القول،، ويفهومونه،  فهما سطحياً ساذجاً بسيطاً حرفياً دون الغوص في مبرراته وابعاده ودقته والظروف التي قيل فيها، لذلك بقوا عاجزين عن استنتاج الخلاصات الصحيحة والدقيقة والعملية منه.

من هنا، ارى الحاجة الى الشرح والتوضيح والتوجيه، من اجل إزالة ما علق من اوهام ومزاعم في التفكير القومي الإجتماعي العام.

إني أتشوق للقيام بمثل هذه المهمة، لكن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً لا أعرف إذا كان سيتوفر لي أم لا.  لذلك ادعو القوميين الإجتماعيين الذين يملكون عقولاً مبدعةً نيرةً الى الإنكباب على الدرس والتحصيل والبحث والتدقيق، والى نشر نتائج هذه العملية الصعبة المستمرة لتكون في متناول التفكير القومي العام.

وحيث انني اسرق الآن وقتاً احتاجه في مشاغلي واوضاعي الذاتية الخاصة من اجل كتابة هذه السطور، لذلك سأكتفي هنا بإلقاء بعض الأضواء على موقف الفكر القومي الإجتماعي من اليهود.

إن العقيدة القومية الإجتماعية هي عقيدة ترفض العنصرية والتقوقع والشوفينية، وتحارب مثل هذه الأمراض بكل فكرة من افكارها، وكل مبدأ من مبادئها.  لذلك لا يستطيع احد ان يفسر موقف سعاده هذا من اليهود على اساس عنصري او تقوقعي او شوفيني.

إن عدم إدخال سعاده لليهود في معنى الأمة السورية وتركيبها الحضاري، لا يعود الى اسباب سلالية، او عنصرية، او إثنية، بل بسبب تقوقع اليهود وانغلاقهم عبر التاريخ وعدم محاولتهم الاندماج او التكامل مع ثقافة مجتمعنا وتفكيره العام.  إن سلوك اليهود هذا في مجتمعنا لا يختلف عن سلوكهم في اي مجتمع من مجتمعات العالم وجدت فيه مجموعات تحمل الثقافة اليهودية والتفكير اليهود، وتعاني من عقدة هذا التفكير.

إن انعلاق اليهود وتقوقعهم هو انغلاق وتقوقع ثقافي حضاري قبل كل شيء.  إن اي اعتبار بان اليهود متقوقعون إثنياُ هو اعتبار يفقتر الى الكثير من الدقة والصحة العلمية.  فاليهود ليسوا مجموعة إثنية، بل ثقافة وتوراة يتسمدون منها خرافاتهم واهامهم وتطلعاتهم.

من يستطع ان يقول إن مروان حماده، مثلاً، لا يدخل في معنى الأمة السورية لسبب إثني، لكن مروان حماده يهودي حتى أذنية في نظر اليهود.  إذا كان مروان حماده لا يعلن عن يهوديته ولا يصرح بها، او لا يؤمن بها، فإن ملايين الأفراد من اليهود الذين ينطبق عليهم إثنياً ما ينطبق على مروان حماده، هم يهود حتى أذانهم بسبب تمسكهم بالثقافة والعقيدة اليهوديتين.

من هذا المنطلق نقول، إن اليهود هم اعداء مجتمعنا لما يملكونه من ثقافة وعقيدة، وهم  ليسوا أعداء مجتمعنا فحسب، بل هم أعداء الإنسانية جمعاء.

لم يأتِ سعاده بقوله: "إن ليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا وارضنا، سوى اليهود"، بسبب كره سعاده لهم، إذ ان عقيدة سعاده لا تقوم على الكراهية، بل تقوم على محبتنا للحياة والحرية.  يقول سعاده:

"نحن امة تحب الحياة لأنها تحب الحرية. نحارب من اجل تحرير ارضنا وشعبنا، وليس لأننا نكره احداً.  نحن لا نكره أحداً، او على الأقل هذا ما نطمح إليه"  (اعتذر سلفاً إن لم يكن هذا الإقتباس حرفياً، لأنه لا يوجد عندي النص العربي له، بل عمدت الى ترجمته عن الإنكليزية).

لذلك فنحن نحارب اليهود لان اليهود اعلنوا علينا الحرب وهم يستهدفون اغتصاب ارضنا وسلبنا حقوقنا وحريتنا وثقافتنا.  لقد اتى سعاده بهذا القول في ظروف الهجمة الصهيونية ووصولها الى تحقيق بداية اهدافها في إنشاء دولة مستقلة لليهود في فلسطين، وفي خضم تخاذل أنظمة الحكم في كيانات وطننا، وتآمر حكومات العالم العربي علينا.

لكن لا يجب يجرنا هذا القول الى الإعتقاد ان اليهود هم اعداء وطننا الوحيدين، او انهم هم اكثر خطراً علينا من بقية الشعوب. 

إن اليهود لم يتمكنوا من إنشاء دولتهم العنصرية في فلسطين، لولا جهالة شعبنا، وتخاذل حكامه، وتآمر الحكومات السعودية ومصر علينا، ولولا، مساعدة الإستعمار البريطاني والفرنسي لليهود وتمكينهم من تثبيت اقدامهم في فلسطين.

ثم من هو اكثر خطراً الآن، هل هم اليهود أم هم الأميركيون الذين انجرفوا في الثقافة والتفكير اليهوديين وخضعوا لأساليبه وسلوكه، وهم يدعمون الوجود اليهودي في فلسطين بكل طاقاتهم وامكاناتهم؟

ثم ما هو الأكثر تهديداً لوجودنا هل هم اليهود، ام هو تفكننا وانقسامنا وضعفنا؟  هل أن يهود الخارج هم الأكثر خطراً، ام هم يهود الداخل الموجودون في كل فئة من شعبناً؟

لقد حذّر سعاده من يهود الداخل، فتلقّف هذه الفكرة التفكير الساذج العام عند القوميين، وظنوا ان سعاده يقصد بها التفكير الإنعزالي تحديداً، ولم يفهموا ان سعاده قصد بها كل عملٍ يصب في مصلحة اليهود، وكل فئة تقوم بأعمال تصب في مصلحة اليهود. 

كم كانت حماستنا كبيرة عند الكلام عن يهود الداخل، ونحن نقصد من ذلك الكلام عن الكتائب وامثالهم، بينما أخفقنا في تحديد جميع عناصر التهوّد في شعبنا!

فمن يشكل علينا اكثر خطراً الآن، هل هم الكتائب أم اصحاب الرساميل المذهبية، التي تمعن في استغلال المشاعر المذهبية وتعميقها بين ابناء شعبنا، خدمة ليهود الخارج؟

وإذا كنا دائماً نعتقد ان مسألة الكتائب والإنعزال مسألة يمكن ان نحلها في بضع ساعات، وبجهود بسيطة، فما هو اعتقادنا الآن للتخلص من التفكير الظلامي الاصولي وما يملك من عوامل القوة؟ 

إن محاربة اليهود لا تتم بالثرثرة الكلامية من ابراج عاجية مزودة بمقاعدة مريحة وبشاشات تلفزه عريضة، بل تتم بالعمل والتنظيم والتضحية وتوحيد الجهود والإخلاص لعملنا وجهودنا!

إن عملية انتشال اليهود من اوهامهم وخرافاتهم لا يمكن ان تقوم به جماعة ضعيفة، مهترئة، بل أن هذه هي مهمة جماعة حضارية، غنية بثقافتها وتفكيرها ونظامها وسمو اهدافها ووحدة اتجاهها وعملها.

إننا لا ننتظر ان يقوم بهذه العملية أشخاص اميون في تفكيرهم ومحدودون في ثقافتهم وعلمهم وضعفاء في مداركهم، وهم يدعون فوق كل ذلك، وبالرغم من كل ذلك، المعرفة والفهم!

إنها عملية تتم بان يقوم المؤمنون الحقيقيون بالقضية القومية كل بعمله ومسؤولياته خير قيام، والإلتفاف حول بعضهم بعضاً في بناء نظامي سليم. 

لم نأتِ بفكرة انقاذ اليهود من اوهامهم وخرافاتهم، ومواجهة العالم المتمدن بهذه الفكرة، بسبب خوفنا على اليهود، بل بسبب خوفنا على مصير شبعنا من اليهود والذين يدعمون اليهود، والذين هم خِدَم عند اليهود.  إن اليهود من ضمن الواقع الحالي، ومن ضمن الواقع المنظور، هم بألف خير، لكن الخطر، كل الخطر، هو على شعبنا.

إن فكرة انتشال اليهود من خرافاتهم واهامهم وفكرة ترويضهم حضارياً، هي سلاح يمكن لنا ان نحمله في وجه العالم حتى ونحن، كنهضة وكحركة قومية إجتماعية، وكأشخاص علمانيين، في حالة من التراجع والضعف.

لقد شاهدت تسجيلاً لمحاضرة القاها الناشط طارق علي في لندن باللغة الإنكليزية، انتهى فيها الى القول:

"أن الحل العملي للمسألة الفلسطينية لا يقوم على فكرة الدولتين بل فكرة الدولة الواحد".

إن السيد طارق علي يطرح هذه الفكرة على اساس سياسي، دون بحثها في العمق على اساس ثقافي مبدئي حضاري.

إن طرح هذه المسألة على اساس ثقافي – حضاري – مبدئي، هي مسألة لا يمكن ان يقوم بها سوى تفكير علماني يسقط من حسابه اي علاقة للدولة بالدين او الدين بالدولة.

إن ما يطرحه السيد طارق علي، هو دولة واحدة تبقي اليهود يهوداً، وتبقي الفلسطينيين محمديين او مسيحيين، مما يفقد هذه الدولة معناها الحضاري، ويفقدها العوامل المساعدة لاستقرارها واستمرارها ونموها.

أما ما أطرحه انا، فهو طرح مبدأي – ثقافي – حضاري، لا يقوم على مبادرة الآخرين، بقدر ما يقوم على ما نستطيع ان نصل إليه من تنظيم ووحدة وقوة نفسية – مادية.

إن الحركة القومية الإجتماعية، بعكس ما يدّعيه المدّعون، وبعكس ما يعتقده البسطاء السذج منهم، هي اضعف حلقة من حلقات شعبنا، وهي مهددة بالفناء، إذ بقيت الجهالة تتحكم بمصيرها، واذا بقي التفكير الساذج سائد فيها.

أيها الرفيق العزيز، اكتفي بهذا المقدار في هذا المجال علني استطيع العودة إليه ومعالجته بصورة اقوى واوسع وموثقة توثيقاً افضل.

لكن يبقى ان اشير الى مسألة اقتراحك في ضرورة ارسال مقالتي الى الصحف في الوطن.  لقد لمست انك تناسيت الكثير عن الصحف في بلادنا وعن الصحافيين فيها. 

الصحف في بلادنا، ايها الرفيق العزيز، هي صحف مأجورة بلا حدود.  المكاتب التي تشغلها، التجهيزات والفرش التي في حوزتها، الثياب التي يلبسها اصحابها، والحلى التي يتزينون بها، كلها تعبر عن انهم مأجورون لهذه الجهة او تلك.  إن الكلمات التي تنشر فيها، هي كلمات مدفوع ثمنها سلفاً. أكثر من ذلك، إن كل كلمة أو تصريح يطلقه كثيرون من الموجودين على المسرح السياسي، في لبنان بصورة خاصة، هي تساهم في زيادة حسابات اصحابها في بيوت المال.  الإستثناءات في هذا الامر قليلة جداً.

هل سمعت بقصة ذلك النقيب الذي يدعي انتماءه الى المدرسة القومية الإجتماعية، والذي اعتذر عن تأجيرنا قاعة نقابة الصحافة من اجل حفلة توقيع كتابنا "قضية وحزب وزمن رديء"، مخافة من أن نسبب له إحراجاً، بينما لم يتوانى هذا النقيب نفسه ان يكون عراباً لتوقيع كتاب "قصة حزب" الذي ضمنه شوقي خيرالله هذيان غريب كبير رهيب؟

وهل سمعت عن ذلك المفكر القومي الإجتماعي الذي طلب منّا ان نوزع كتابنا مجاناً لأهميته، ثم عندما طلبنا منه إلقاء كلمة في حفلة التوقيع، تهرّب وانكفأ.  قد تسأل: لماذا آتي على ذكر هذه المسألة في معرض كلامنا هذا؟  الجواب، أيها الرفيق العزيز، هو ان مثل هذا المفكر، يشابه مثل امرؤ القيس الذي قضى يفتش عن ملك ضائع.  لذلك لا يكون له كلام، إلا إذا يعتقد ان كلامه سيوصله الى مكان ما او موقع ما.

إنها الكلمة المأجورة يا رفيقي.

لقد تمشيت مع رغبتك وارسلت مقالتي الى عدد كبير من الصحف في بلادنا، من لبنان، الى الأردن، الى الكويت، كما عرّجت على الخليج، لكني كنت اعرف سلفا انها لن تنشر.

الحقيقة المرة، هي إن الكلام الذي يكتب بدون ثمن هو كلام لا يصلح للنشر في بلادنا!

حييت وقوِّيت

سلامي لك

الرفيق منير حيدر

8/4/2009

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

 

صفحة رئيسة
Up
محمد سليم ضحية وليس قضية
المقاومة، تحديده، نقيضها، الحاصل منها والمطلوب
من المسؤول عن عار العلاقة الدبلوماسية
مأساة قضية وموت حزب
القضية القومية تحت المجهر
نهضويون ولكن...
حماية المسيحيين ومصيرهم
الحزب والتضخم السرطاني
نقيق ضفادع
رسالة الى رفيق
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
قطعان حزبية
غياب الثقافة القومية الصحيحة
ماذا قال للزعيم لأعضاء المجلس الأعلى بعد عودته مباشرة
الإغتصاب اليهودي لفلسطين: العقدة والحل
جواب على رسالة الرفيق شحاده
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
لم يأتِ قبل زمانه

 

Text Box: حركة البناء القومي