إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   
 

  

 

      

في مفهوم الحزب: بين الجوهر والواقع(2004)

بقلم منير حيدر

الحزب في تحديده الشكلي العام هو مجموعة من الأشخاص أو الناس منتظمين وموحدين حول  هدف أو أهداف سياسية معينة.   ينطبق هذا التعريف على معظم الأحزاب في العالم لكنه ليس وافيا أو دقيقا لتحديد مفهوم حزب شمولي كالحزب السوري القومي الإجتماعي.  الحقيقة إن ما يعنينا هنا هو الحزب السوري القومي تحديدا.  لذلك سينحصر كلامنا في هذا المجال على الحزب السوري القومي الإجتماعي دون غيره.

عرف سعاده الحزب السوري القومي الإجتماعي بقوله إنه فكرة وحركة تتناولان بحياة أمة بأسرها.  واضح من هذا التحديد أن فكرة الحزب القومي هي أشمل وأبعد وأعمق من أن تكون مجموعة من الناس متفقة ومنتظمة حول بضعة أهداف سياسية، تعمل لكسب الناس وتأليبهم حولها.  إنتصار الأحزاب العادية أو فشلها يتحدد غالبا في صناديق الأقتراع في الدول التي تمارس ديمقراطيات  تمثيلية مصونة من قبل دساتيرها ومحصنة بتمسك الناس بها وحرصهم عليها.   ثم يكفي ان يقوم الحزب بتنظيم حملة دعائية واسعة حول مسائل آنية تتعلق بشؤون الناس  وحياتهم اليومية، ليكون له حظ في الوصول الى أغلبية في الحكم.  في البلدان المتمظهرة في ديمقراطيتها يلجأ الحزب إلى تأييد مراكز التأثير والضغط مثل هيئات دينية أو عسكرية أو ما شابه لضمان وصوله وإستمراره في الحكم.  في كل الحالات ليست مسألة الإقناع أو كسب التأييد للحزب مسألة  معقدة أو بالغة الصعوبة، وهي لا تستلزم كثيرا من جهد الأفراد المنتسبين أو المؤيدين للحزب.

 الحزب السوري القومي الإجتماعي كفكرة هو بالغ الصعوبة والتعقيد؛  هذا يجعل نقل هذه الفكرة للناس وإقناعهم بها عملية تتطلب جهدا مستمرا، غير عادي، وهو مكلف جدا في غالب الأحيان.  الفكرة هنا ليست فكرة معلبة جاهزة للأستعمال أو قادرة على تحريك شهية المواطنين أو إحساسهم المباشر.  هي لا تتضمن وعودا بتخفيض الضرائب أو زيادة خدمة أساسية من الخدمات الصحية أو التربوية او ما شابهها؛  وهي لا تتضمن إنشاء مشاريع حيوية تهم المواطن وتتناول حياته المباشرة؛ وهي ليست دعوة الى الله والوطن والعائلة ليس فيها من جديد أو مختلف عمّا نشأ وتعود عليه الفرد؛ بل هي فكرة تبدو للأدراك العادي للوهلة الأولى وكأنها لا تعنيه من قريب أو بعيد ولا علاقة لها به وبحياته.  فشعبنا الذي خضع لعملية فقدان السيادة والإحتلال لقرون طويلة، وما رافق ذلك من عملية تراكم للمفاهيم الفاسدة عنده،  يصعب عليه فهم فكرة الحزب وإدراك أهميتها لحياته ومستقبله. 

 الحزب كفكرة، هو دعوة الى الشعب كي يتوحد في مصالح حياتية تتناول كل جوانب حياته. هي دعوة له كي يتوحد إجتماعيا ونفسيا وثقافيا وإقتصاديا؛ هي دعوة له كي يدرك وحدته في الجغرافيا وفي التاريخ وأهمية أن يكون له وحدته السياسية.  لكن بين هذه الفكرة وبين واقع المجتمع السوري هوة عميقة لا يمكن للحزب ان ينتصر أو يدعي إنتصاره، بدون ردمها أو إزالتها.

 الحزب كفكرة، هو حرب على المجتمع القديم الموروث والناتج عن قرون طويلة من التخلف والتراجع والتقهقر والضياع وفقدان السيادة، وغياب الشعور بشخصيته الذاتية ومعرفة هذه الشخصية وما لها من ميزات خاصة.  الشعب غارق في متاهات العشائرية والقبلية والعائلية والطائفية.  أفراده غالبا ما يجدون أنفسهم مقيدين ومشدودين الى تلك العصبيات، بوعي أو بدون وعي منهم.  لذلك تأتي تصرفاتهم لتعكس هذا التقييد او هذا الإنشداد الى تلك العصبيات التي أصبحت قوية كالصدأ المكون على معدن لوقت طويل.  إن إزالة تلك العصبيات تتطلب جهدا أقوى بكثير من عملية إزالة الصدأ عن المعادن مهما كان صعبا.  فعملية إزالة الصدأ هي ميكانيكية، وهي لأنها كذلك تبقى سهلة مهما صعبت.  لكن عملية إزالة العصبيات الجزئية من النفوس هي على جانب من التعقيد والصعوبة كبيرين وتتطلب وقتا أطول.  عملية من هذا النوع تعني هجوما وتعني حربا تستهدف القضاء على كل ما يقوم عليه التفكير القديم من قيم فاسدة لإحلال قيم الحياة الجديدة مكانها. 

 الحزب كفكرة هو حربُ على الفرديات والأنانيات،

الحزب كفكرة هو حربُ على القبلية كعصبية وكبنية جزئية تبقى الشعب في تباعد وتناتُف،  

 الحزب كفكرة هو حربُ على العشائرية كعصبية لها دور مشابه للقبلية،

الحزب كفكرة هو حربُ على العائلية كعصبية تشغل الفرد في نطاق تافه وضيق ومعطل،

الحزب كفكرة هو حربُ على الطائفية، إذهي فكرة مفسخة للمجتمع ولا علاقة لها بموضوع الأيمان الديني،

الحزب كفكرة هو بناءُ الوعي عند المواطن ليدرك حقيقته ويعرف مكامن العظمة والسمو في شخصيته وثفافته،

الحزب كفكرة هو تأسيس حياة جديدة على أسس مناقبية وأخلاقية جديدة مستمدة بما تكوّن لنا ووصلنا من تراث ثقافي رائع عبر آلاف من السنين،

الحزب كفكرة هو دعوة للشعب للثقة بالنفس والثقة ببعضه بعضا ليحافظ على مصالحه ووجوده ويبني له مصالح جديدة يحصن بها هذا الوجود ويجعله أكثر جمالا وأكثر قدرة على تلبية حاجاته النفسية والمادية.

 لذلك ليس عجيبا ان نرى ان فكرة الحزب في تعارض صارخ مع واقع المجتمع بكل ما فيه من عوامل الأنقسام والتخلف والرجعة وبما فيه من عصبيات مختلفة ومتنافرة.  لكن الحزب هو حرب ليس بالمعنى المادي ولا تقوم تلك الحرب أو لا يجب ان تقوم على عمليات القهر المرتكزة على السلطة والقوة؛  إنها حرب أكثر تعقيدا تعتمدعلى الثقافة والتعليم والأعداد والتحضير والتوجيه، كما تتركز على الأفراد فردا فردا، لكي تعدهم أعدادا صحيحا لحمل الفكرة الجديدة والمجتمع الجديد.  إن إهمال التوجه الى الأفراد فردا فردا  والعناية بهم وبنائهم البناء الصحيح، وإستبدال ذلك بالتوجه الجماهيري، ليس فقط لا يفيد الحزب بشيء، بل هو خطأ مميت لأي حزب أذا وقع فيه.  التوجه الجماهيري يعني إعتماد اساليب الخطابة والدعاية ومخاطبة العواطف وخلق الحماس، اكثر من مخاطبة العقل وإعتماد المنطق.  إن عمل العقل في حالات كهذه يكون بسيطا وغير مؤثر.  هذا لا يعني الا يكون للحزب دعايته وإطلالته العامة، بل يعني أن أية دعاية أو إطلالة عامة لا تعني شيئا إذا لم تكن تعبر عن واقع وأسس متينة وثابته.  الدعاية الفارغة لا تحقق شيئا، بل هي قد تكون مهلكة وتسقط عند اول إختبار.  إن لنا من شواهد مرحلة حياتنا في العقود الستة الأخيرة، أمثلة كثيرة ومعبرة عن حقيقة ما نقول، لعل كان ابرزها التجربة الناصرية، حتى لا نذكر تجربة الآخرين في الأنظمة القمعية وذات التوجه الجماهيري في نفس الوقت. 

 الحزب السوري القومي الأجتماعي له مطباته في هذا المجال أيضا.  فالخطابية كانت سمة من سمات بعض الذين توالوا على قياداته.  لقد حاول هؤلاء تقليد سعاده، ظنا منهم ان سعاده إعتمد ان يكون خطيبا مجليا، يلهب حماس الناس، بينما هو لم يكن ألا معلما، يخاطب عقول الناس ويحرص ان يصل تعليمه الى كل الناس وبأسرع وقت، بينما لم يفته ان يهتم بالمقبلين على دعوته فردا فردا.  لم يأخذ هؤلاء عن سعادة الا خطابيته وبلاغته فحاولوا إيجادتها على حساب الدقة والموضوعية والأهداف المنشودة، فكانت لهم أخطاؤهم الكبيرة والمضره.  لم ينقل عن أحد مرة أن سعاده وقع في أي خطأ من الأخطاء  في اي خطاب له، في إي مكان وفي اي وقت، ذلك ان سعاده كان يعرف ما يقصد من وراء خطاباته ويعرف ما يريد ان يبلغ من رسالة وتعليم وكيف يحقق ذلك.  لكن الأمر لم يكن كذلك مع كثيرين من القادة القوميين الذين كانوا يحبون أن يسوقوا أنفسهم كخطباء مفوهين ليظهروا انهم قادة عظام.  الرفيق الغائب عبدالله سعاده كان من هؤلاء؛  كان يحب الخطابة ويعتبر إجادته لها برهانا على حسن قيادته ومؤهلاته القيادية.  لكن ذلك لم يعفه من مطبات وإحراجات له وللحزب بسبب هذه الخطابية.  مثال على ذلك انه بينما كان يتكلم خلال حفلة عشاء أقمناها لجمع تبرعات للحزب في أوائل السبعينات في فندق الميرادور في خلده، وصل الى أن يقول إنه ليس حرا من لا يعمل كذا وكذا.... ليس حرا من لا يكون كذا وكذا... ألى ان جرته العبارة لأن يقول:"ليس حرا من ليس قوميا إجتماعيا".  لقد جرته خطابيته الى هذا القول وتحكمت فيه العبارة فحكمته.  لقد علق أحد المواطنين المدعوين للحفلة: "داعيينا   لهون تاتبهدلونا."  أدرك الرفيق عبدالله خطأه لذلك لم يقبل ان ينشر ذلك الخطاب في جريدة الحزب.

 أذا كان الحزب كفكرة هو حرب على المجتمع القديم المتوارث من عصور الأنحطاط، فإن الحزب كحركة هي الأداة التي تحمل هذه الفكرة وتعمل على تحقيقها ونشرها وترسيخها بين الناس وفي أذهانهم.  لقد قصد سعاده من الحزب كحركة أن يكون هو الخطة النظامية التي رآها ضرورية لإنقاذ حياة الأمة ومصالحها.  الخطة النظامية تعني بناء متينا يمكنه حمل الفكر الجديد الى الأمة وقيادة هذه الأمة لأثبات وجودها وإرتقاء حياتها.  لقد حرص سعاده دائما ان يشرح الأسس التي يجب ان تقام عليها مثل هذه الخطة، محاولا ان يفهم المقبلين على دعوته متطلبات تلك الأسس والعقلية العملية التي يجب ان تقف وراءها.  لكن دراسة تاريخ الحزب خلال غياب سعاده القسري وخاصة خلال غيابه الشخصي، في السنوات النيف والخمسين الماضية، تظهر وجود قليل من الأسس المتينة التي تطلبها خطة نظامية كالحركة السورية القومية الأجتماعية.   الخطة النظامية تفعل بالأحداث ولا تنفعل بها، ونحن ما كنا إلا منفعلين بألأحداث، حيث فاجأتنا الأحداث بالرغم من توقعنا لها في كثير من المرات.  والحزب ما كان في أكثر الأحيان الا حزب جورج عبدالمسيح وحزب أسد الأشقر وحزب عبدالله سعاده وإنعام رعد.  وكانت المناطق مناطق أشخاص أكثر منها مناطق حزبية؛ فكانت الكوره كورة عبدالله سعاده، والمتن متن أسد الأشقر، والشوف شوف إنعام رعد.  هذا لا يعني أن تلك المناطق كانت تلتف حول الحزب وحول أولئك الأشخاص، بل إن القوميين فيها لم يروا الحزب غالبا الا من خلال الأشخاص المذكورين.  أحد القوميين من الذين كانوا يعملون في حقل التربية كان يردد:"أنا لا أعرف ان أعيش في كورة ليس فيها عبدالله سعاده."  طبعا، كان يقول ذلك وهو يعيش خارج الكورة، لكنه الآن يعيش جيدا هناك وعبدالله سعاده لم يعد يعيش فيها شخصيا.   كل ذلك أن دل على شي إنما يدل على ضحالة الفهم للحزب كخطة نظامية وعلى عمل قليل بهذا الأتجاه.

 ما هي الأسس الصحيحة للحركة وللخطة النظامية؟

 الحزب كخطة نظامية هو حزب مؤسسات قبل كل شيء.  لكن المؤسسات لا تعني شأنا شكليا إعتباطيا لا يحمل منها الى الأسم، بل هي مؤسسات حية فاعلة قادرة على الفعل والتأثير والخلق والأبداع.  هي لا تقاس بأسماء القائمين عليها أو المشتركين فيها، بل بما عندهم من قدرات على العطاء والفعل وتحقيق العمل المطلوب منها وتأمين وسائل دعمها وصمودها وإستمرارها.  لا يكفي أن نطلق على تجمع من الأشخاص أسم مؤسسة ليكون ذلك مؤسسة.  المؤسسة التي لا تقدر على الخلق والأبداع والأنتاج، هي كم مهمل وعقيم، لا قيمة له.  الخطة النظامية لا تقوم إلا على مؤسسات فاعلة ومتنوعة تتناول جميع شؤون الحياة الأجتماعية والسياسية والأقتصادية والسياسية.  عندما يقول سعاده إن الحزب السوري القومي الأجتماعي هو الامة السورية مصغرة، لا يقصد بذلك مجازا، بل يعني ان مجالات العمل الحزبي يفترض ان تكون متنوعة وشاملة تنوع وشمول حياة المجتمع. 

 إذا كانت بعض مؤسسات الحزب المحركة والمشرفة والمخططة لأساسيات العمل الحزبي هي شأن دستوري تحدد وتتوضح بدستور الحزب وقوانينه، فأن مؤسسات الخطة النظامية لا تتوقف عند حد هذه المؤسسات المذكورة.  إن مؤسسات الحزب من رئاسته، الى مجلسه الأعلى وعمداته، الى منفذياته ومديرياته ومفوضياته، الى ما قد يكون هناك من محاكم حزبية، هي جزء مهم ولكن ليس الأ بعض الخطة النظامية الدقيقة.  إن خطة نظامية ناجحة تتميز أول ما تتميز بالأنتاج وغزارة الأنتاج من كل ألانواع الأقتصادية والمالية والثقافية والعلمية والفكرية الخ.... إذ ماذا يمنع ان يجتمع بضعة قوميين على عمل يفيدهم ويرفع من قدرتهم على المساهمة في الجهد القومي العام؟  إذا كان القوميون يدعون الى وحدة الشعب وتعاون الشعب مع بعضه بعضا، فماذا يمنعهم من دراسة تعاونهم مع بعضهم البعض؟  من قال إن الحزب فقط هو حلقة إذاعية أو إجتماع مديرية، او حضور مناسبة حزبيه؟  الخطة النظامية أذا لم تشتمل على المدرسة ومركز الأبحاث، وعلىالمصنع والمتجر، والتعاونية، وعلىالمستشفى وكل ما يفكر فيه العقل البشري ويستطيع ان يحوله الى عمل والى إنتاج، كيف يمكن لها ان تنتصر وتحقق أهدافها؟

 المطلوب ان ينتقل القوميون من العصر الخطابي البائد، والعودة الى النهضة التي أطلقها وارادها  ووضع أسسها سعاده.  مطلوب بصورة أساسية الى القوميين العارفين ان يبادروا الى إستعمال معارفهم وخبراتهم ومواهبهم في النقلة النوعية المطلوبة للحزب.  أقول القوميين العارفين، لأني أعرف جيدا ان هناك كثيرين من مدعي المعرفة وأنصاف العارفين الذين يظنون أنهم يستطيعون إيهام الناس بأنهم يعرفون.  هؤلاء خطر على انفسهم وضرر على الحزب.

 

صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
في مفهوم الحزب: منير حيدر
الحزب الذي لم يعد هو الحزب
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات

 

Text Box: حركة البناء القومي