|
بناءً
على ما ورد في الحلقة السابقة من هذه الإضاءة على واقع
الحزب السوري القومي الاجتماعي، اتصل بي عدد من الرفقاء
والأصدقاء المتابعين لهذه الحلقات، مشيرين إلى أنني لم
أعمل على شرح طبيعة الفشل
ومظاهره، كما أني لم أحاول تحديد
المسؤوليات أو ربطها بأشخاص معينين، ضماناً لوضوح المشهد
وكماله لدى جميع القراء بدون استثناء، مهما كانت درجة
اطلاعهم والمستويات العلمية والثقافية التي عندهم.
ذلك صحيح. فأنا لم أشأ أن أشرح مواضع
الفشل ومظاهره هرباً من التوسّع والإطالة، الأمر الذي لم
يكن وارداً في ذهني عندما قررت كتابة هذه الحلقات. لكني
أعترف أني غالباً ما أرتكب خطأ الافتراض أن جميع القراء
يملكون إطلاعاً كافياً على تاريخ الحزب ويعرفون تفاصيل كلّ
الأحداث التي مرّ بها، وهو افتراض يفتقد كلياً إلى ما
يبرره. الحقيقة، أني أعرف مدى فداحة خطأ هذا الافتراض،
عندما ندرك أن القراء المحتملين لهذه المقالات هم من الذي
يروّجون أنهم قوميون اجتماعيون، وهؤلاء على درجة كبيرة من
التنوّع والاختلاف في درجات اطلاعهم لتاريخ الأحداث، وفي
مستويات ثقافتهم وتحصيلهم العلمي، وفي حيوية تفكيرهم
ودقته. لذلك عمدنا إلى الشرح والتوضيح بصورة أطول
مما كان في بالنا مبدئياً، أملنا في أن نكون قد راعينا
الخلفيات الثقافية والمعرفية لجميع القراء.
لذلك، سأحاول هنا، قدر الإمكان، توضيح صورة
الفشل ومظاهره بصورة وافية، مع تجنّب الإطالة غير
الضرورية، استكمالاً للصورة وتعميماً للفائدة.
بدايةً، لنسأل أنفسنا: ما هو الفشل؟
التحديد المتعارف عليه للفشل هو عدم الوصول
إلى الغاية المرجوّة أو المقصودة. كي نزيل أية حاجة للجدل
أو الاختلاف حول هذا التعريف، أرى وجوب وضعه بالصيغة
التالية: الفشل هو عدم الوصول إلى الغاية المرجوّة أو
المقصودة، بعد مرور زمن كافٍ على العمل لتلك الغاية، وبعد
تلاشي الأمل بتحقيقها في المدى المنظور.
قياساً مع هذا التحديد، نستطيع أن نقول إن
الحزب فشل من زمان في تحقيق غايته. إن صورة هذا الفشل
تبدو مريعةً جداً، عندما ندرك أن العمل الحزبي ابتعد
كثيراً عن أن يكون عملاً هادفاً لتحقيق تلك الغاية. لقد
اصطبغت طبيعة العمل الحزبي في مراحله المختلفة، بصبغة
القيادات التي توالت عليه، وما كان لها من طرق تفكيرٍ، وما
سيطر عليها من طموحات أو اعتبارات شخصية.
هذا الكلام لا يحتمل الجدل وينتفي معه أي
مبرر للاجتهاد أو التنظير. بالرجوع إلى دستور الحزب، الذي
يتضمن مبادئه الأساسية والإصلاحية، إلى جانب غايته،
وبالمقارنة المباشرة، يتبين لنا أنه لم يتم تحقيق أي هدف
من أهداف الحزب على الإطلاق.
لا نريد أن نأخذ عدم تحقيق الوحدة السياسية
بين الكيانات السورية كحجة أو برهانٍ في هذا الصدد. فعدم
تحقيق الوحدة السياسية بين كيانات الأمة السورية ليس لها
تلك الأهمية في موضوعنا هنا. لذلك سنركّز فيما يلي على ما
نعتبره أساسياً وجوهرياً:
·
غالبية الشعب السوري لا تعتبر أن الأمة
السورية أمة واحدة. بعضهم يرى فيها عدة أمم. بعض آخر يراها
جزءً من أمة عربية. جماعات أخرى من شعبنا تضع نفسها في
أمم مذهبية أو أثنية عددها عدد المذاهب والإثنيات
المكوِّنة له.
·
ما ينطبق على المبدأ الأساسي الأول ينطبق
على المبدأ الأساسي الثاني. فالقضية السورية ليست ماثلة
سوى في عقول وأذهان عددٍ قليل نسبياً من أبناء شعبنا.
والاختلاط الحاصل عند شعبنا بالنسبة لمفهوم الأمة السورية
يقابله اختلاط في مفهوم القضية السورية وإذا ما كانت
مستقلة عن أية قضية أخرى أو ما إذا كانت عبارة عن قضايا
متعددة لا يربط بينها سوى المجاورة والقرب من بعضها
بعضاً. فكم هو عدد الذين يعتبرون أن المسألة الفلسطينية،
على سبيل المثال لا الحصر، هي جزء من قضية متكاملة، مستقلة
عن أية قضية أخرى؟ أليس هناك أعداد كبيرة من أبناء شعبنا
يعتبرونها قضية عربية أو إسلامية. ثم أليس هناك أعداد
مماثلة ممن يعتبرونها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم دون
غيرهم. استناداً إلى هذا الواقع، أي نجاح للحزب نستطيع أن
نشير إليه على هذا الصعيد؟
·
إن شعبنا اليوم يغرق في فوضى مخيفة من
المفاهيم التي لا تحمل أي خير له في مستقبله القريب أو
البعيد. وهي إلى جانب تناقضها مع مبادئ الحركة السورية
القومية الاجتماعية، دليل على فشل الحزب في غرس مبادئه في
عقول الناس وإزالة ما تحمله تلك العقول من مفاهيم
مهترئة،عفنة. فمن ضمن هذا الواقع لا تبدو الأمة السورية
على أنها مجتمع واحد، بل إن فيها من المجتمعات المتنافرة
ما يفوق التصور والمنطق. إن شعبنا اليوم، يمر بحالة من
الانقسام والتنافر والكراهية والخوف لم يرَ لها مثيلاً منذ
وصول الدعوة المحمدية إليه. إن الأقليات الإثنية والطائفية
تعيش حالة من القلق والخوف، ليس بسبب وجود تهديد خارجي
لها، بل بسبب طغيان الشعور المذهبي الحاد وما ينتج عنه من
كرهٍ للآخر، حتى ولو كان الآخر شريكاً في المواطنة والحياة
الواحدة. إن الصراع المذهبي السني-الشيعي هو من أشد
الأخطار التي تواجهها أمتنا اليوم. إن هذا الصراع إن دلّ
على شيء، فهو يدل على فهم خاطئ للدين المحمدي من قبل
المذهبيين المحمديين أنفسهم. إن فهم هؤلاء بأن الإسلام
دين ودولة، هو فاهم يتناقض مع جوهر الإسلام. فإذا كان يصح
اعتبار الإسلام دين ودولة في بداية الدعوة المحمدية، وفي
المجتمع الصحراوي البدوي البدائي التي وجدت فيه، فإن هذا
لا يمت بصلة إلى الإيمان الديني وضرورات الدولة المعاصرة.
إن الصراع بين المذاهب لا علاقة له بجوهر الدين، بل ناتج
عن صراع سياسي طويل بينها، هذا الصراع الذي تغذيه وتتحكم
فيه أحقاد تاريخية قديمة واعتبارات دنيوية لا علاقة لها
بالدين. إن الصراع المذهبي السني-الشيعي بصورة خاصة، ليس
له مبررات دينية، ولا هو ناتج عن إرادة ألاهية، بل أن
مبرراته سياسية أوجدتها رغبات وإرادات إنسانية شخصية، حيث
حلّت أحكام الإنسان والعدالة الإنسانية محلّ أحكام الله
وعدالته. فالإنسان غلّب إرادته على إرادة الله، وهو فعل
ويفعل ذلك باسم الله ودفاعاً عنه. إن في هذا السلوك
الإنساني الغريب، كمٌ هائل من الكفر وقلة الإيمان، لكننا
نحجم عن تقديم الحجة والبرهان على ما نقول لأنه خارج غرضنا
هنا. إن حجم الصراعات المذهبية اليوم وقوتها اليوم، هو
دليل على فشل الحزب في الوصول إلى الناس ودعوتهم إلى
البدائل النهضوية التي تكفل صهرهم في بوتقة صراعٍ واحدة ضد
الأخطار الحقيقية التي تهدد وجودهم ومصيرهم. لقد أدرك
سعاده الجوهر الأساسي لمعركة الحزب عندما حدد أن الغاية
لهذه المعركة هي "الوصول إلى الشعب". شخصياً، لا أرَ أفضل
وأقوى من هذا التعريف لطبيعة معركة الحزب وغايتها. إنه في
منتهى البلاغة والدقّة والشمولية. إن اعتماد هذا التعريف
للحكم على نجاح أو فشل الحزب، هو أمر جائز وضروري. ثم
لنعتبر، على سبيل الجدل لا غير، أن المقصود بالأمة السورية
هو الكيانان اللبناني والشامي. بعدها لنسأل أنفسنا: هل
وصل الحزب إلى الشعب في هذين الكيانين؟ وإذا لم يصل حتى
الآن إلى الشعب بعد ما يقارب الثمانية عقود من الزمن، فمتى
يصل؟ هل يصل بعد مزيدٍ من المجازر المذهبية بين الشيعة
والسنة من شعبنا، أو بين السنة والعلويين، أو بين
المسيحيين والدروز، أو بين الدروز والشيعة أو السنة أو
الاثنين معاً، أو بين المسيحيين والشيعة أو السنة أو
الاثنين معاً، أو بين أبناء شعبنا من الإثنيات المتعددة مع
غيرهم من أبناء المذاهب أو الإثينات الأخرى؟ ثم ما هي
الطرق الجديدة التي يعتمدها الحزب مستقبلاً كي يكون له
مصداقية افتقدها لوقت طويل؟
لقد رأينا أن ثورة عام 1949 أخفقت في تحقيق
أهدافها المباشرة، لكنها أسست لنموذج ثوريٍ رائع يمكن
الاحتذاء به في أي زمنٍ ومن قبل أية جماعة نهضوية ثورية
تمتلك الأهلية والجدارة اللتين يتطلبهما العمل الثوري
النهضوي النزيه. من ميزات تلك الثورة الرائعة، أن سعاده
قرر القيام بها رغم معرفته باختلال توازن القوة بين قوة
الثوار القوميين وقوة الدولة اللبنانية. أبعد من ذلك، قرر
سعاده الاستمرار في الثورة رغم اكتشافه أن السلاح الذي
أرسله حسني الزعيم له كان سلاحاً فاسداً، وأن مشاركة
القوميين بتلك الثورة كانت أدنى بكثير من الوعود التي
تلقاها سعاده من مساعديه ومعاونيه. فاللحظة هي لحظة
الثورة، والثورة يجب أن تنطلق مهما كانت النتائج ومهما كان
الثمن.
هناك ميزة مهمة أخرى من ميزات تلك الثورة،
أنها باستثناء طلب التزوّد بالسلاح من الحكومة الشامية، لم
يطلب سعاده أية مساعدة من أي جهة سياسية أو طائفية أو
عشائرية كانت، مفضّلاً الاعتماد كلياً على النفس لإبقاء
الثورة على نقائها وفي الاتجاه المرسوم لها. هناك أكثر من
تصريح لسعاده يرفض فيه أن يكون الحزب مطية للحكومة أو
المعارضة، ويشدّد فيه على استقلالية الحزب والقرار الحزبي.
إن ما يتوقعه أي امرئٍ يمتلك حدّاً أدنى من
الفهم والمنطق السليم، هو أن يصبح هذا النموذج الثوري
الرائع، منارة تهتدي بها الحركة السورية القومية
الاجتماعية. أكثر من ذلك، أن الحركة مُلْزِمَة بالاحتذاء
بتلك الثورة وطهارتها وصفائها وما تخللها ونتج عنها من
بطولات مميزة. لم يقف سعاده ذلك الموقف التاريخي العظيم
لأنه يمتلك الرغبة في الموت أو الانتحار، ولا وقِفَهُ بسبب
ما أشيع عن لسانه كذباَ وفبركةً وتدجيلاُ من أنه "كتب
رسالته وسيختمها بدمه". لقد أقدم سعاده على ما أقدم، لأنه
كان يواجه أحد خيارين لا ثالث لهما: أو الانهزام والرضوخ
للطغيان والظلم، أو الانسجام مع الذات بكل ما تعبّر عنه من
مبادئ وقيم وأخلاق ووقوف الموقف الذي طالما بشّرّ به،
منتظراً اللحظة المناسبة لإعلانه ووقوفه. ولا يضيره بشيء
أن اللحظة التي أعلن فيها ثورته لم تكن اللحظة التي أرادها
هو. حسبه أنه وجد في تلك اللحظة المفروضة عليه، فرصة
لتقديم نموذجاً ثورياً لحزبه وأمته، يمكن أن يحتذيا به في
الأزمنة التاريخية الفاصلة.
لقد صدم سعاده بحالة الترهل التي سيطرت على
معظم من كان حوله من أعوانٍ ومساعدين، خاصة، أنه صرف
كثيراً من الوقت والجهد من أجل إعداد أولئك الأشخاص كي
يكونوا قادة فاعلين للحزب. إن حالة الترهل تلك، هي التي
منعت الحزب من الاستفادة من الزخم الذي خلقته عودة سعاده
من مغتربه ألقسري. لقد أشرت إلى هذا الأمر مع بعض التفصيل
في مذكراتي التي جعلت لها عنواناً "من حنايا الذاكرة"، حيث
يمكن الرجوع إليها من قبل الذين يريدون مزيداً من
المعلومات بهذا الخصوص. من التفاصيل التي ذكرتها في تلك
المذكرات، أن سعاده رأى، أمام ذلك الترهل، أنه من الأفضل
تسليم قيادة الحزب لهم وأن يتفرغ هو للكتابة في المواضيع
التي كانت النهضة بأشد الحاجة إليها، كما ورد في مذكرات
الأمينة الأولى. لكنّ تسارع الأحداث وتلاحقها، ونشؤ
تطورات جديدة بفعل المؤامرة على سعاده وحزبه، منعته من
تنفيذ رغبته.
لقد سمعنا مراراً أشخاصاً من المصنفين
ك"قادة تاريخيين" للحزب، يصرحون بمرارة من أنهم نصحوا
سعاده بعدم القيام بتلك الثورة، مما يخلق انطباع عند
سامعيهم من أنهم كانوا أبعد نظراً منه وكانوا أكثر حكمة
وتعقلاً. مصيبة أولئك الأشخاص أنهم لم يفهموا سعاده، ولم
يفهموا نهضته ولا معنى النهوض والثورة بصورة عامة، وهم لم
يدركوا الحاجات الحقيقية للنهوض والثورة والتغيير. بينما
كان سعاده يعرف منذ بداية تفكيره بتأسيس الحزب، قيمة
الأثمان التي يجب أن يدفعها أي شعب يريد النهوض والارتقاء
من أجل تحقيق إرادته، كان أولئك الأشخاص ينظرون إلى النهضة
على أنها رفاهية فكرية يعيشونها تنظيراً من أبراجهم
العاجية. من أولئك الأشخاص محمد بعلبكي الذي، بما أصابه
من خرفٍ وما عنده من ارتهان، يطيل كثيراً في الكلام عن
النصائح التي قدمها لسعاده بهذا الخصوص، ويتمنى لو أن
سعاده أصغى إليه وأخذ بنصيحته. في الإشارة إلى خرف محمد
بعلبكي وارتهانه، لم نندهش أبداً عندما أدان أبطال عملية
عمان الثلاثة، في معرض الإشادة بتوفيق رافع حمدان، بطل
محاولة اغتيال رياض الصلح الاولى. إن محمد بعلبكي
وأمثاله، يظهرون لنا من خلال تصاريح مشابهة، مدى جهلهم
للقضية القومية الاجتماعية ومتطلباتها وضرورياتها، ويقدمون
البراهين القاطعة أنهم كانوا عبئاً على الحزب الذي لم
يستفد كثيراً من وجودهم فيه.
لقد كان النموذج الذي قدمه سعاده من الروعة
والقوة الكافيتين لإيقاظ وجدان أية جماعة لها حدٌ أدنى من
الأصالة والوجدان. وهو حتماً كان كافياً لإشعال روح
الثورة في نفوس وعقول من يشار إليهم ك"قيادات للحزب" في
تلك الفترة. لكن، حتى ذلك النموذج الرائع لم يكن كافياً
لدفع تلك القيادات للتخلص من خمولها وكسلها وحساباتها
الشخصية وعدم جدية التزامها بالقضية، وإعادة النظر في
نهجها وسلوكها الحزبيين، والاستفادة من تجربة الحزب
السابقة لوضع خطة عمل جديدة تتناسب وحجم القضية القومية
الاجتماعية وخطورتها ومتطلباتها. ذلك لم يحدث.
لقد أشرت سابقاً إلى أن سعاده توصل إلى
قناعة تامة بأن الحزب يفتقر إلى قادة على مستوى القضية
والمسؤوليات الناتجة عنها. إذ أن معظم الأشخاص الذين تولى
إعدادهم بصورة مباشرة لمسؤوليات قيادية منذ تأسيسه للحزب
ولغاية سفره ألقسري عام 1938، لم يرتقوا في وعيهم للقضية
القومية والتزامهم بها إلى المستوى المطلوب، هذا إلى جانب
أن كثيرين منهم كانوا قد أصبحوا خارج الحزب، كصلاح لبكي
وزكي النقاش وفخري المعلوف، أو انحرف عقائدياً وأصبح بدوره
خارج الحزب، كفايز صايغ ونعمة ثابت ومأمون أياس. وهو
بالرغم من انشغاله الكبير بعد عودته من المغترب، استمر
بمحاولته الاهتمام بأشخاص توسم فيهم الاستعداد الأولي لأن
يكونوا قادة للحزب، أملاً في أن يملأ تلك الثغرة الكبيرة.
إن وجود تلك الثغرة، لا بد أنه شكّل خيبة أملٍ لدى سعاده
بفرص الوصول إلى أي انتصارٍ سياسي عملي في المدى المنظور.
هذا الأمر جعل سعاده، حسب رأينا، يكثر الإشارة إلى
"الأجيال التي لم تولد بعد" تأكيداً لصوابية قضيته وثقته
بها. إن هذه الإشارة من قبل الزعيم دفع بكثيرين من السذّج
للإيمان بأن القضية القومية منتصرة لا محالة، دون أن يعوا
أن القضايا العظيمة لا تنتصر إذا لم يحملها أشخاص عظماء،
مؤهلون للعمل لمثل تلك القضايا، ومستعدون للبذل في سبيلها
كثير من الجهد والتضحيات. إن مثل هذا الإيمان عند غالبية
القوميين يقدّم دليلاً آخر على مستوى العقم الذي يغرقون
فيه.
لقد كان هشام شرابي أبرز الأشخاص الذين حرص
الزعيم أن يخصص لهم كثيراً من وقته من أجل تقديم كل
الشروحات الضرورية الكافية لهم حول القضية القومية
الاجتماعية، بكل جوانبها القومي والسياسية والاجتماعية
والفلسفية. وقد بدا هشام شرابي على أنه تلميذ نبيه لم
تنقصه الحماسة، مما دفعه للعودة إلى الوطن ليكون جنب سعاد،
بعد أن سافر إلى الولايات المتحدة للحصول على "الدوكتورا"
بتشجيع من الزعيم نفسه. لكن هشام شرابي، الذي انهار بعد
استشهاد سعاده، لم يكن ضعيفاً فقط، بل كان تافهاً، عديم
الوفاء، فاقداً لأية مصداقية على الإطلاق، قام بما قام به
بدافع المصلحة الشخصية لا غير.
إن هشام شرابي يقدّم مثلاً صارخاً على
حقيقة عدم نشؤ قيادات في الحزب على مستوى القضية نفسها.
إذ لم يكن ذلك تقصيراً من قبل سعاده، بل أن هذا الأمر يعكس
مدى تغلّب المصلحة الفردية وسيطرتها على سلوك الأشخاص في
بلادنا.
لقد كان الهدف من اغتيال سعاده هو اغتيال
القضية السورية القومية الاجتماعية والقضاء عليها نهائياً.
إذ أن هذه القضية كانت وستبقى الرد العملي والمنطقي الوحيد
على الحركة الصهيونية وما لها من أطماع وطموحات.
في مثل ذلك الواقع الحزبي، الذي كان خصوم
الحزب وأعدائه على معرفة تامة به، بدا اغتيال سعاده على
أنه كافٍ لاغتيال القضية نفسها. ولم يكن اغتيال القضية
يعني اغتيال الحزب لدى أعدائه. فهم كانوا على ثقة بأنهم
يستطيعون تدجين الحزب وإدخاله في اللعبة السياسية التي
تجعل من التكلم عن القضية وفيها مجرد لهوٍ وذرٍ للرماد في
العيون.
الحقيقة، أن تشكيل قيادة للحزب بعد اغتيال
الزعيم، كان يمكن أن يكون في منتهى الصعوبة لولا مبادرة
جورج عبد المسيح وجهوده. لقد كان جورج عبد المسيح نموذجاً
فريداً بين أمناء تلك المرحلة. فهو إلى جانب فهمه
العقائدي وتحصيله العلمي، كان شجاعاً يملك إرادةً صلبة
وجسداً قوياً. إضافة إلى ذلك لم يكن يعيش في برج عاجي، بل
كان على اتصال دائمٍ بالناس. لذلك كان عبد المسيح الوحيد
من بين أمناء تلك الفترة الذي شارك في الثورة القومية
الاجتماعية، حيث خاض معركة سرحمول، بغض النظر عن فعالية
تلك المعركة ونتائجها.
إن ما يمكن ترجيحه، هو أن الصفات التي كان
يملكها جورج عبد المسيح كانت سبباً من الأسباب التي دفعت
بعض القوميين، من أمناء وغير أمناء، للحقد عليه بصورة
قوية. فهم ربما كانوا يغارون منه ويخشونه في الوقت نفسه.
لذلك لا نستغرب كيف تطورت المماحكات فيما بعد لتأخذ صورة
تراشق باتهامات مضحكة من شتّى الأصناف.
بعد استشهاد سعاده، بادر عبد المسيح
للانتقال إلى دمشق، ومن هناك بدأ العمل لتشكيل قيادة
حزبية، حيث كان له ما أراد. بالرغم من الحاجة الملحة
لتشكيل قيادة للحزب في تلك المرحلة الحرجة، وبالرغم من أن
معظم القوميين ارتاحوا إلى تلك النتيجة، لم يخلُ الأمر من
انتقاداتٍ وجدلٍ فارغ من أن تشكيل تلك القيادة لم يكن
دستورياً. ذلك الأمر المضحك-المبكي، كان بداية لتقليد
يعكس الخلافات والمماحكات بين القوميين في كل أزماته
اللاحقة. فبينما عكست الأزمات مآزق شديدة الخطورة في
طبيعتها ومدلولاتها، لم يجد القوميون من طريقة لمعالجتها،
سوى إدانة بعضهم بعضاً بدستورية أو لا دستورية مواقفهم.
لقد كان معظم القوميين ينظرون إلى مشاكلهم على أنها مشاكل
دستورية، في الوقت الذي عكست فيه تلك المشاكل أزمة أخلاقية
تشمل الوعي للقضية والالتزام بها والإخلاص لها ومجمل القيم
التي تشكّل القاعدة الأساسية للعمل القومي الاجتماعي.
في حالة مبادرة عبد المسيح تلك، كان رد عبد
المسيح من أن الزعيم كان قد أصدر قراراً بتعيينه رئيساً
لمجلس العمد وعين العمد المساعدين في ذلك المجلس. لا أحد
يستطيع أن يتكهن ماذا كان يمكن أن يحصل لولا مبادرة عبد
المسيح تلك. فالحزب الذي خلق انطباعاً عند الناس بأن فيه
قادة كثيرون، لم يكن يمتلك في الحقيقة، باستثناء زعيمه،
قادة حقيقيين على الإطلاق. هذا بغض النظر كيف كان ينظر
البعض إلى أنفسهم من أنهم قادة عظماء. ذلك أن أعمالهم
وممارستهم للمسؤوليات التي كلفوا بها، كشفت عن حقيقة
أهليتهم ومقدرتهم في هذه المسؤولية أو تلك.
لقد نجح عبد المسيح في تشكيل قيادة تقود
العمل في مرحلة ما بعد استشهاد سعاده، لكنه لم يستطع
الاستفادة من الدفع الروحي الذي أوجده ذلك الاستشهاد خارج
تنظيم صفوف القوميين التي هزّها استشهاد سعاده. إذ بقي
العمل الحزبي على روتينيته وأساليبه دون القيام بعملية
مراجعة ونقد للفترة السابقة التي أدّت إلى استشهاد سعاده.
فالعاملون في تلك الفترة لم ينتبهوا إلى أن الاستمرار في
العمل بالأساليب والطرق أنفسها، يؤدي دائماً إلى نتائج
متشابهة. إن أساليب العمل الحزبي في مرحلة ما قبل استشهاد
سعاده، مع فشل معظم القوميين، خاصة كوادر الحزب القيادية،
في الوصول إلى مستوى المسؤولية القومية وأخلاقياتها، أدت
إلى ضرب الحزب واغتيال زعيمه. فكيف يمكن لأي امرئٍ أن
يأمل، من أن استعمال الأساليب نفسها، مع بقاء مستوى
الكوادر العملي والمعرفي والأخلاقي هو هو، سيؤدي إلى نتائج
مختلفة؟
لم ينجح عبد المسيح، ومعه مؤيدوه ومعارضوه،
في القضاء على المماحكات والاصطفافات الفئوية في الحزب،
ونشر روح التعاون والمحبة القوميين مكانها. على العكس من
ذلك، فأن تلك المماحكات والاصطفافات الفئوية، الغير قومية
اجتماعية، نمت وتوسعت وأخذت منحى الكراهية والعداوة. أليس
من المضحك أن يتهم عبد الله سعاده جورج عبد المسيح
بالعمالة للأميركيين، وأن يتهم عبد المسيح عبد الله سعاده
بالتهمة نفسها؟ إن هذا لم يكن سوى مثل على درجة الأحقاد
المتبادلة بين القوميين منذ تلك المرحلة. كيف نستطيع أن
نشير إلى أشخاص إلى أنهم قوميون اجتماعيون وهم يملكون مثل
تلك الأحقاد الغير مبررة؟
ماذا ينفع أن يصبح للقوميين في الجيش
الشامي عشرات الضباط وصفوف الضباط، أو أن ينتشر الحزب في
القرى والأحياء والدساكر، بينما يسود قيادات الحزب هذا
النوع من الحقد والكراهية وتبادل الاتهامات؟ هنا لا
نستطيع أن نتكلم عن فشلٍ للحزب، بل عن سقوطه.
لقد سقط الحزب عندما سمح للأخلاق والمفاهيم
الغريبة عن الطبيعة المفترضة لنهضتنا وعقيدتنا أن تدخل إلى
صفوفه وتصبح بديلاً عن الأخلاق القومية الاجتماعية. وسقط
الحزب عندما سمح للمؤامرة أن تنال منه للمرة الثانية وبعد
فترة قصيرة نسبياً. إن اغتيال المالكي لم يكن سوى استمرار
للمؤامرة نفسها التي بدأت باغتيال سعاده.
لقد كان اغتيال المالكي فرصة لتفجير
الأحقاد بين عبد المسيح ومريديه وبين الآخرين في الحزب.
إن حجم تلك الأحقاد لم تزل تجر أذيالها إلى اليوم. لم يكن
اغتيال المالكي سوى حلقة أخرى من حلقات المخطط القاضي بمنع
الحزب من النمو والوصول إلى حجمٍ يمكّنه من التأثير على
مجريات الأمور، سياسيةً كانت أم اجتماعية. إن تبسيط
اغتيال المالكي على أنه حصل نتيجة طلب عبد المسيح من
الشهيد يونس عبد الرحيم بتنفيذ عملية الاغتيال ومن ثم
الانتحار، هو أمر تافه، وهو استخفاف بعقول الناس. الغريب
في هذا الأمر، أن هناك كثيرون من القوميين ما زالوا
مقتنعين بهذا السيناريو المضحك، بينما هم يعرفون أن تلك
العملية هدفت إلى القضاء على الحزب أو تحجيمه في أقل
تقدير. كيف يصحّ أن يكون اغتيال المالكي مؤامرة على الحزب
وأن يكون وراء اغتياله جورج عبد المسيح؟ هذا يصحّ في حالة
من اثنتين: أو أن يكون عبد المسيح عميلاً حقيراً أو أنه في
منتهى الغباء؟
فإذا كان عبد المسيح عميلاً، فالعمالة لها
أثمان لا بد أن يكون قد حصل عليها عبد المسيح. يبقى
السؤال: ماذا كانت تلك الأثمان وأين ذهب بها عبد المسيح؟
هل يمكن أن تكون للعمالة أثمان غير المال؟ فإذا كان عبد
المسيح قد حصل على المال، فلماذا لم نرَ تأثير ذلك المال
على نمط حياته أو حياة ورثته؟ ثم من يعرف عبد المسيح يعرف
أنه لم يكن غبياً.
إن حقيقة اغتيال المالكي لا يعرفها الأشخاص
الذين كانوا بعيدين عن مسرح الجريمة كائناً من كانوا،
قوميين أو غير قوميين، مسؤولين في الحكومة الشامية أو غير
مسؤولين. عبد المسيح لم يعرف تلك الحقيقة، وعصام المحايري
لا يعرفها، ولا يعرفها، بصورة خاصة، بشير موصللي، الذي
يدعّي معرفتها إدعاءً. تلك الحقيقة لا يعرفها سوى الأشخاص
الذين نظموا مسرح الجريمة بالشكل المناسب لتسهيل ارتكابها
وتمييع الحقيقة، بالإضافة إلى السفيرين الأميركي والمصري.
لا نورد هذا الكلام دفاعاّ عن عبد المسيح،
فالقضية القومية الاجتماعية وحدها هي همنا الأول والأخير.
إنّ جُلّ ما يهمنا أن نعرفه عن اغتيال المالكي أنه كان
عملاً مدبّراً من أجل خلق ذريعةٍ لضرب الحزب وتحجيمه، بعد
أن أخذ حجماً لا تسمح به المخابرات الأميركية والمصرية،
خاصة بعدما رفض الحزب مضمون رسائل هشام شرابي التي أقترح
فيها أن يتعاون الحزب مع الأميركيين في محاربة الشيوعية
مقابل فوائد تتعلق بالمسألة الفلسطينية. لقد كان رفض
الحزب لتلك المقترحات بدافع وإصرار من عبد المسيح نفسه.
(راجع كتاب مصطفى عبد الساتر أيام وقضية – صفحة 122-123)
ما رفضه عبد المسيح من تعاونٍ مع
الأميركيين، تلقّفه بشغف ومقابل ثمن رخيص، الذين تسلموا
بعده قيادة الحزب بعد أن طردوه منه. لقد بدا بعض الكتبة
القوميين وكأنهم جزء من الكورس الغربي في محاربتهم
للشيوعية. عوضاً أن تكون الكتابة عن الشيوعية من قبل
الكتاب القوميين كتابة موضوعية تبين بالمنطق والبرهان عدم
صلاحيتها لمعالجة شؤون حياتنا ومجتمعنا، مع تقديم البديل
القومي الاجتماعي وتوضيحه وشرحه، جاءت كتاباتهم لتعكس
الدعاية الغربية ضدها وضد الاتحاد السوفياتي. ربما كانت
أسخف "تهمة" للشيوعية يسوقها الغرب في حربه ضدها ويتلقفها
من كتب معهم من القوميين الاجتماعيين، هي أن الشيوعية تقود
إلى الإلحاد. لقد كان حليم بركات أحد أولئك الكتبة. أذكر
هذا الشخص لأنني قرأت له كتيباً لا أذكر عنوانه بدقة، ولكن
أذكر انه كان يتوجه فيه إلى الشباب من شعبنا الذين اتخذوا
من الشيوعية عقيدة لهم، يهاجم فيه الشيوعية بأسلوبٍ رخيصٍ
مأجورٍ ليس فيه شيء من القومية الاجتماعية. لقد تبين
لاحقاً، كما كشف عبدالله سعاده في مذكراته، أن ذلك الكلام
لم يكن مجانّاً، بل كان كلاماً مدفوع الثمن.
لقد سقط الحزب عندما اتخذ من العمل السياسي
بديلاً من العمل القومي النهضوي. العمل السياسي له
حساباته الخاصة، وهي تختلف بطبيعتها عن العمل النهضوي. مع
العمل النهضوي تكون السياسة فنَّ "خدمة الأغراض القومية".
مع العمل السياسي تكون السياسة هدفاً دفاً بحد ذاتها. أما
ممارسة قيادات الحزب السياسة فكانت في مراتٍ أمراً مضحكاً
وفي مراتٍ أخرى مشكوكاً بخلفياتها. فالحزب لم يكن مستقلاً
في معظم مواقفه السياسية، خاصة في أواخر الخمسينات، بل كان
تابعاً لمواقف جهات سياسية من خارج الحزب. أما ما كان
يحصل عليه مقابل تلك المواقف فهو دائماً أثماناً بخسة.
هذا ما حدث تماماً عام 1952 عندما حشد الحزب عدداً كبيراً
من القوميين في مهرجان دير القمر الذي أقامته الجبهة
الوطنية التي ضمت بصورة رئيسية كميل شمعون وكمال جنبلاط.
لقد كان لذلك الحشد دوراً مهماً في إظهار قوة الجبهة
الوطنية وبالتالي, في عملية عزل بشاره الخوري. صحيح أن
ذلك الحشد كان أول ظهور علني للحزب في لبنان بعد اغتيال
سعاده، لكن الحزب لم يحصل مقابل دوره في إزاحة بشارة
الخوري سوى على حرية العمل. هذا في الوقت الذي كان أمامه
فرصة لا تفوّت في المطالبة بإعادة محاكمة سعاده، الأمر
الذي لم يحصل.
لقد كان الحزب مطية المطيات، بصورة خاصة،
لوصول حزب الكتائب إلى الحكومة عام 1958. قبل ذلك
التاريخ، كان حصول بيار الجميل على مقعد وزاريٍ في الحكومة
اللبنانية حلماً عند صاحبه يصعب تحقيقه. لقد شارك الحزب
برئاسة أسد الأشقر في أحداث 1958، حيث خاض معارك شرسة وسقط
منه شهداء كثيرون. الكتائب بالمقابل، لم يخوضوا أية
معارك، بل اكتفوا بحمل السلاح في زواريب الأشرفية، عرضاً
للعضلات وإثباتا للوجود. ثم لماذا يقاتلون طالما كان هناك
من يقاتل عنهم؟ لقد دفع القوميون ثمناً باهظاً في تلك
الأحداث، دون أن ينالوا أية نتيجة سياسية أو غير سياسية.
على العكس من ذلك، لقد ظهر الحزب وكأنه حزب طائفي يدافع عن
المسيحيين ويحارب المسلمين. فكان من نتيجة ذلك أن انتسب
إليه كثيرون من الشباب المسيحيين، بينما ظهر شعور قوي ضده
عند الشباب السني بصورة خاصة.
إن موقف الحزب عام 1958 لم يكن سوى نتيجة
لانجراره وراء السياسة الأميركية وموافقته على تأييد حلف
بغداد. لقد كان حلف بغداد أحد وسائل الحرب الباردة التي
استخدمها الأميركيون للوقوف في وجه التمدد الشيوعي. وكان
الحلف يضم بريطانيا والعراق وتركيا وعدداً من البلدان
الأخرى، حيث كان دور الأميركيين الدعم المادي له.
إن انجرار قادة في الحزب للسير في ركاب
الأميركيين هو الذي جعلهم يديرون آذاناً صماء لعبد الناصر
ويفضلون مخاصمته على محاورته والتعاون معه. إن ذلك الخيار
هو الذي جرّ الحزب للوقوف ذلك الموقف المعيب عام 1958.
إن تأييد الحزب لحلف بغداد هو الذي سهّل له
مسألة الحصول على السلاح من العراق، تمهيداً للقيام بحركة
انقلاب في الشام عام 1956. لقد كان ذلك الانقلاب المفترض
الرد السياسي من قبل الحزب على الضربة التي تلقّاها من قبل
النظام في الشام. والردود السياسية هي دائماً ردود مجتزأة
موتورة تفتقر إلى الرؤية الشاملة. إذ ماذا كان يمكن أن
يحقق الحزب من وراء ذلك الانقلاب؟ كيف يمكن لانقلاب يدعمه
حلف بغداد ويشارك فيه رجال عشائر، أن يلقى نجاحاً وتأييداً
من قبل المواطنين في الشام؟ ثم حتى لو نفّذ ونجح فهل كان
من الممكن أن ينجح الحزب في إقامة نظام قومي اجتماعي أو
نظام له توجّه قومي اجتماعي؟ لا أظن أن قيادة الحزب وجميع
الذين كانوا متحمسين لذلك الانقلاب قد طرحوا على أنفسهم
مثل هذه الأسئلة. لقد كانت السياسة تعمي بصائرهم فمنعتهم
من مواجهة الحقيقة ورؤية الواقع كما هو لا كما تصوروه.
تجدر الإشارة إلى أنه صرف النظر عن الانقلاب بسبب توقيته
عشية العدوان الثلاثي على مصر.
لو كانت قيادات الحزب بالمستوى المطلوب
الشام ، ولو كانت تعرف كيف يمكن الوصول إلى الشعب، لكان
الحزب عرف كيف يستغل وجود قومي اجتماعي في رئاسة الجمهورية
في الكيان الشامي، حيث كان يمكنه أن يوّجه الأحداث
بالاتجاه الذي يريد ويمنع كثيراً من الانزلاقات التي حصلت
خلال حكم أديب الشيشكلي. ليس أقل تلك الانزلاقات الصدامات
التي حصلت بين الشيشكلي وأبناء جبل الدروز وما تخللها من
دعاية طائفية.
لم يكن الانقلاب الذي نفّذه الحزب صبيحة
الأول من كانون الثاني عام 1962، سوى عملٍ سياسيٍ آخر.
لقد كان قادة الحزب قد انغمسوا في العمل السياسي حتى فوق
رؤوسهم. كانوا مستميتين للوصول إلى المجلس النيابي. لا
أدري أي هدف نهضوي كان يمكن أن يحققه وصولهم إلى ذلك
المجلس المهتريء كي يبرر، ليس صرفهم لمبالغ طائلة فحسب على
حملاتهم الانتخابية، بل ليصل بهم الأمر للقيام بمحاولة
انقلاب صبيانية مع كل ما كان لها من نتائج مدمرة على
القوميين. يذكر عبدالله سعاده في مذكراته أنه صرف في إحدى
حملاته الانتخابية مبلغ مئة وستين ألف ليرة. لو أن مثل
ذلك المبلغ وظّف في العمل النهضوي الهادف، كم كانت
الفوائد التي كان يمكن أن تجنى من ورائه؟
لقد كان عبدالله سعاده يشير إلى المحاولة
الانقلابية بالثورة الانقلابية الثانية. إن مثل تلك
الإشارة تحمل في طياتها جهلاً تاماً للثورة القومية
الاجتماعية الأولى أو تزويراً لطبيعتها حين يُربَطُ عملٌ
صبياني نزق بها. كيف يمكن مقارنة محاولة انقلاب غير مبررة،
يستشار بشأنها كميل شمعون وسليمان العلي وهنري فرعون
وغيرهم من السياسيين التقليديين، وبين ثورة قومية اجتماعية
صادرة عن قرار قومي اجتماعي، إتّخذه سعاده تحت ضغط
الأحداث، حيث كان لا بديل له سوى الاستسلام؟ ثم أي نظام
قومي اجتماعي كان يمكن للحزب أن يقيمه مع تكليف الإقطاعي
سليمان العلي برئاسة الحكومة وإشراك أمثاله من أهل السياسة
البائدين في الحكومة؟
إن الأمثلة على سقوط الحزب هي أكثر من أن
تحصر في مقالة واحدة. ذلك أن الذين سمحوا بفشل الحزب، هم
أنفسهم الذي ساهموا في سقوطه بسبب عدم فهمهم له أو انعدام
الإرادة عندهم في فهمه فهماً صحيحاً والارتقاء إلى مستوى
المسؤولية المطلوبة له. لقد مارسوا مسؤولياتهم الحزبية
بكيدية وحقد وكراهية ضد بعضهم بعضاً، حيث كانوا دائماً
يتكتلون ضد بعضهم بعضاً. وغالباً ما كنا نجد أصحاب الأمس
قد تحولوا إلى خصوم اليوم والعكس بالعكس. لقد عملوا من
الحزب خنادق يتربصون فيها لبعضهم بعضاً.
عندما أقول إن "القادة التاريخيين" للحزب
لم يفهموا القضية القومية الاجتماعية ولا طبيعة الحزب،
إنما أسعى للتخفيف من الجرم الذي ارتكبوه بحق حزبهم، على
أساس أنهم فعلوا ما فعلوا بسبب جهلهم. لكن الحقيقة غير
ذلك. لم يكونوا جميعهم على هذه الدرجة من الجهالة.
معظمهم على سبيل المثال كان يفهم معنى رتبة الأمانة ودورها
في تقديم الحل الدستوري لانبثاق السلطات في الحزب. لكن
عندما ننظر إلى ممارستهم بهذا الشأن نرى مقدار استعمالهم
الخاطئ لهذه الرتبة ومخالفتهم جوهر الدستور وأخلاقياته.
جميعهم استعملوا هذه الرتبة لاستقطاب المحاسيب حولهم دون
أي رادع دستوري أو أخلاقي. كان يكفي أن يكون قد مرّ على
انتساب الشخص للحزب خمس سنوات، وأن يكون ذلك الشخص مرضياً
عنه من سلطان المرحلة، حتى يبادر ذلك السلطان إلى منحه
رتبة الأمانة. معظم الذين منحوا رتبة الأمانة تنطبق عليهم
هذه الحالة اللادستورية. الحقيقة، أنه بينما أوجدت رتبة
الأمانة لتشكّل حلاً عملياً لانبثاق السلطات في الحزب،
تبين بالممارسة أن البيئة البشرية، بما انطبعت عليه من
مناقب وأخلاق ومدارك، لم تكن مهيأة لاعتماد مثل هذا
الإجراء.
لقد تبين بالتجربة عدم كفاءة ذلك الحل
الدستوري لانبثاق السلطات في الحزب حتى خلال زعامة سعاده
وقيادته المباشرة له. رأيي الشخصي أن سعاده نفسه
لاحظ هذا الأمر، لذلك حاول أن يقدم نموذجاً آخر بهذا
الخصوص يمكن أن يقتدى به. لقد كان الياس جرجي يردد دائماً أن
الزعيم قبل استشهاده بعدة أيام سلمه مرسوماً يجرد فيه رتبة
الأمانة من سبعة قوميين يحملونها. لكن الياس جرجي أضاع
المرسوم حسب زعمه. هذا الإجراء من قبل الزعيم إن دل على
شيء، فهو يدل على أنه في أساس شروط رتبة الأمانة هو أن
يحافظ حاملها على أهليته لها، ولكن إذا ما أخلّ بشروطها،
فمن الواجب أن يجرد منها.
يروي منير خوري كيف منح رتبة الأمانة من
قبل المجلس الأعلى خلال رئاسة عبدالله سعاده للحزب عام
1960. خلال زيارة له لعبدالله سعاده لتهنئته بانتخابه
لرئاسة الحزب، سأله هذا الأخير إن كان يقبل أن يكون عضواً
في المجلس الأعلى، حيث كان جواب منير خوري بأنه يقبل شرط
أن لا يكون مقيداً. لكن عضوية المجلس الأعلى تقتضي أن
يكون العضو حاملاً لرتبة الأمانة، فكان على عبدالله سعاده
أن يتدبر ذلك الأمر.
هذا يقدم مثلاً فاضحاً على العقلية التي
عمل بها جهابذة الحزب بدون تردد أو رادع أو حياء. هنا
يوجد أستاذ جامعي، كل مصداقيته ومصدر تقديره من قبل مَن
حوله ومن قبل المجتمع بصورة عامة، هي في كونه أستاذ جامعي
مثقف، يملك مهارات لشغل كثير من الوظائف في القطاع
الأكاديمي أو القطاعات المتخصصة، لكن أن يكون ذلك الشخص
مؤهلاً للحصول على رتبة الأمانة وقيادة الحزب، فهي موضوع
آخر لا علاقة كبيرة له في الموضوع الأول. هل كان عبدالله
سعاده يعرف ذلك عندما "طهمز" على الدستور وطلب من المجلس
الأعلى منح منير خوري وأسعد رحال رتبة الأمانة ليعودا
وينتخبا إلى عضوية المجلس الأعلى؟
إن عرضنا لهذا المثل ليس لأنه حدث يتيم في
الحزب، بل إن جميع قرارات رتبة الأمانة كانت كلها "طهمزة"
على الدستور. إن عرضنا لهذا المثل، هو أننا نعتقد بقوة إن
منير خوري لا يفهم القومية الاجتماعية ولم يكن قومياً
اجتماعياً أبداً. لقد كان شخصاً مؤذياً، كل همه أن يشيّع
أن سعاده ارتكب أخطاء كثيرة. إننا إذ نشك بقومية هذا
الشخص، فنحن نعترف وبقوة أنه بعلاقاته الشخصية مع الناس
كان يمثل مستوى عالٍ من الأخلاق. فنحن لا ندين السلوك
الشخصي العام لمنير خوري، ليس هو من يدان في هذا الشأن،
ولا نملك نحن أي حقٍ بذلك. لكننا نملك كل الحق عندما تأتي
المسألة للعضوية القومية الاجتماعية وممارستها.
لقد سقطت تلك القيادات وأسقطت الحزب معها.
الغريب في الأمر أننا لم نجد أية عملية نقدية من قبل أي من
أولئك القادة. إن كل ما صدر عنهم من إنتاج، كان لتبرير
سلوكهم الحزبي والدلالة على صوابيته، دون أن ينسوا الغمز
من قناة الآخرين. |