لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

من أنطون سعاده إلى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب

بقلم منير حيدر (13/11/2011)

حلقة أولى

لم يكن تأسيس القضية السورية والدلالة على مرتكزاتها المادية-الروحية، من جغرافيا وتاريخ وثقافة وحضارة، حدثاً عادياً أو عابراً، محكوماً بظروفٍ آنية موضوعية خاصة.  وهو لم ينتج عن نزواتٍ أو طموحاتٍ شخصيةٍ تزول بزوال الشخص.  بل هو حدثٌ تاريخيٌ رائعٌ لا يقلُّ في أهميته عن جميع الأحداث التاريخية التي أنتجها الشعب السوري في مراحل عديدة من تاريخه الطويل.

إننا نسارعُ إلى القول هنا إن كلامَنا عن أهميةِ هذا الحدث ومقارنتنا إياه بغيرهِ من المفاصِل الحضارية التي ابتدعها شعبنا، هو كلامٌ نسبي.  إذ لا يجوزُ أن يُفَسّرَ كلامنُا من قِبَل أيٍ كان من الناس، على أنه كلام شوفيني، يُحِلّ التعصّبَ الأعمى محلَّ الحقيقةِ والمنطقِ والعقل.  فالأهميةُ في هذا السياق هي تحديداً بالنسبة للشعبِ السوري قبلَ كلِّ شيء وفوق أيِّ شيء.  إذ أننا ندرك أنّ مقارنة أهمية هذا الحَدَث، على سبيل المثال لا الحصر، مع أهميةِ اختراع شعبنا للحروف الهجائية، غيرُ جائزةٍ في المطلق. فابتداع الحروف الهجائية شكّلَ مفصلاً حضارياً لمختلف شعوب العالم، وأهميته تشمل العالم بأسره.  لكنه بالنسبة إلينا، نحن السوريين، فإن توضيحَ قضيتنا وتأسيسها على أسسٍ علميةٍ متينةٍ لا ينكرها سوى ضعفاء النفوس، يوازي في أهميته اختراعِ شعبنا للحروف الهجائية، وذلك لأسباب سنعمل على توضيحها لاحقاً.

الشمولية الإنسانية لإبداعاتِ شعبنا لا تنحصرُ في نطاقِ الحروف الهجائية، إذ أن معظمَ إبداعاتِه تمتلك مثل هذا البعد، حيث شمَلَت فوائدها وتأثيراتها البشرية قاطبةً.  قد يكون الدين هو المثلُ الأقوى على مثل هذا الزعم وأكثر هذه الإبداعات جدلاً، وأبعدها تأثيراً في حياة البشرية وعليها.

لم ينفرد العقلُ السوري بإيجاد وخلقِ فكرة الآلهة، إذ أن عقول الشعوب الأوائل في أية بقعة من العالم، وقفت حائرةً، قلقةً، خائفةً، أمام مختلف ظواهر الطبيعة، فما كان لها سوى إرجاعِها إلى قوى خارجة عن نطاق هذا العالم، أطلقت عليها اسم الآلهة.  لكن العقل السوري كان سبّاقاً إلى القول بوحدانية الله، ألأمر الذي نتجت عنه المسيحية وما تبعها من أديان.  تأثير الدين في حياة البشرية وعليها لا يوازيه أي شيء آخر على الإطلاق، فهو كان وما زال يُشغِلها ويستعملُ من قبلها لتحديد علاقاتها بعضها ببعض، وتبرير المواقف والأعمال والإجراءات التي تقوم بها الشعوب ضد بعضها البعض.

إننا إذ نؤمن بمثل هذه الأهمية لتأسيس القضية السورية، فذلك أن حياة شعبنا ونوعيتها المستقبلية يرتكز أولاً وأخيراً على انتصار أو إخفاق هذه القضية.  فعندما نقول حياة شعبنا، إنما نعني سيادة شعبنا على نفسه، وحريته، وكرامته، وعزته، والحفاظ على مصالحه، وتوفير مصادر بقائه واستمراره وازدهاره.  فالحياة لا تعني العيش فحسب، وهي لا تشمل العيش مطلقاً في بعض الحالات، ومن يخلط بينهما يخطئ خطأً فاضحاً، ولا معنى لحياته أو عيشه.

ليس هناك من شعبٍ ساهم في تقدّم البشرية وتزويدها بمقوّماتٍ حضارية فتحت لها آفاقاً لم تعرفها من قبل، مثل الشعب السوري، الذي دأب دائماً على وضع انجازاته الحضارية في تصرف الشعوب الأخرى.  لكن لم يكن هناك من شعب، بل ليس هناك من شعب، عانى ويعاني من ظلم البشرية، كالظلم الذي لحق ويلحق بالشعب السوري.  إذ بينما كان الشعب السوري ينتجُ إبداعاته الحضارية ويحملها إلى مختلف شعوب الأرض، كان عليه أن يواجه بربرية تلك الشعوب ويحاول ردَّ أطماعها وأحقادها وظلمها عنه.

قد يتساءل المرء عن سبب أو أسباب استهداف بقية شعوب العالم للشعب السوري والتسابق من أجل السيطرة على أرضه أو تأمين موطئ قدم لها فيها! عندما نتكلم عن "شعوب العالم" في هذا المجال فنحن نعني تحديداً الدول التي تملك من فائض القوة ما يسمح لها أو يدفعها لتوظيفها في تغليب مصالحها على مصالح غيرها من الدول والشعوب. 

إن الاستئثار والسيطرة والطمع بثروات الشعوب الأخرى، كانت وما زالت الأسباب الرئيسية لاعتداءات الشعوب ضد بعضها بعضاً.   وهي أسباب تتخطى في طبيعتها دوافع صراع البقاء وتأمين مقوماته، كما تتخطى ما قد يكون هناك من بعض التناقض في المصالح بين الشعوب وتصادمها مع بعضها البعض. إذ أن الشعوب أو الدول التي تملك فائضاً من القوة لا تحاول أن تحصل على ما تحتاجه فعلياً من المصالح لتحسين حياتها وتقدمها فحسب، بل هي تسعى للحصول على مصالح تتلاءم وحجم ما تملكه من فائض القوة.  إن هذا المبدأ يقع في صميم المبادئ الأساسية التي تستعملها الدول الكبرى لوضع سياساتها المستقبلية في هذا العصر. الولايات المتحدة تشكِّل المثل الأقوى في هذا الصدد.  إن صانعي القرار فيها لا يروا مستقبلاً لها خالٍ من الحروب.  فالحروب هي في صميم السياسة الأميركية واستراتيجيتها المستقبلية.  لذلك هم لا يعنيهم التخطيط لمنع نشؤ الحروب، بل التخطيط لحروب مستقبلية محتملة، وتحديد طبيعتها، وما يمكن أن يعتمد فيها من وسائل وسلاح.

إن الموقع الجغرافي للوطن السوري، الذي يربط ثلاثة من قارات العالم، وأهمية هذا الموقع بالنسبة للعالم القديم والجديد سواءً بسواء، وما تقدمه  البيئة السورية من تنوع ومناخ وخيرات، إلى جانب الغنى الثقافي والحضاري للأمة السورية، شكَّلَت وما زالت تشكِّل أسباباً رئيسية لاستهداف أرضنا وشعبنا.  أما العامل الصهيوني فإنه يشكِّل إضافةً قويةً إلى تلك الأسباب نظراً ما لليهود اليوم من تأثير مخيف على مراكز القرار العالمي، خاصة في الولايات المتحدة.

إن الاستهداف المتواصل لأرضنا ومصالحنا وانجازاتنا، وما تعرض له شعبنا من اعتداءات وغزوات، ورزوحه تحت نير الاحتلال والسيطرة الأجنبية لفترات طويلة من تاريخه، كلّ ذلك ساهم في طمس شخصية أمتنا وأزال معالمَ دورة الحياة فيها، كما قضى على الكثير من مقوماتها وانجازاتها الحضارية.  لو تعرض أيُ شعب آخر لما تعرّض له الشعب السوري من غزواتٍ، واعتداءاتٍ، واجتياحٍ، واستعمارٍ، لكان ذلك كافياً للقضاء على شخصيته بالكامل.  لكنّ العطاءات الحضارية للشعب السوري، بما تمتاز به من غزارة ونوعية، مع فرض السوريين أنفسهم على أيٍ غازٍ أو محتل، كحاجة ثقافيةٍ، علمية، لا يمكن الاستغناء عنها، لعبت دوراً مفصلياً في الإبقاء على بعض ملامح الشخصية السورية وعدم ضياعها بصورة كاملة.

لم يستطع الرومان إذابة الشخصية السورية خلال حكمهم الطويل لبلادنا، لكن الباحث يجد صعوبة كبيرة في تحديد هوية أشخاصٍ برزوا في حقلٍ أو في آخر ذلك الحكم. فكم من الأشخاص الذين يستخدمون الطرق السهلة للحصول على المعرفة يعيدون مبدعين كثيرين إلى أصل روماني، بينما في الحقيقة أن أولئك المبدعين لم يكونوا سوى مواطنين سوريين، من أصل سوري؟  إن التعرّف الصحيح على تاريخنا، وما برز فيه من رجال، وما كان فيه من انجازات وأعمال عظيمة، لا يتم سوى بالدراسة المضنية والتنقيب الدقيق عن الحقائق والمعطيات.

كان يمكن للشخصية السورية أن تزول بالكامل مع الفتح العربي، ليس بسبب حَمْلِ ذلك الفتحِ لدينٍ جديد، فالشعب السوري سبق أهل العربة بزمنٍ في القول بمدبّرٍ واحدٍ للكون والإيمان به، ولا خلاف جوهري بين المحمدية والمسيحية في هذا الصدد، بل بسبب ما فرضه الدين الجديد من اعتماد لغةٍ جديدة على الناس وربطها ربطاً جذرياً به.  نقول لغةً جديدة، لكنها حتماً لم تكن لغةً غريبةً، إذ أن شعبنا اعتمد لغات ساميةٍ عدة، منها العربية.

صحيح أن اعتماد اللغة العربية كلغةٍ رسمية لشبعنا واستعمالها من قبل جزءٍ كبير منه، لم يؤثّر سلباً على حجم المخزون الثقافي لشعبنا ونوعيته، لكنه حتماً أوجد نوعاً من الحواجز النفسية بين الذين اعتمدوا اللغة العربية من خلال إيمانهم بالدين الجديد، وبين الذين حافظوا على إيمانهم بالمسيحية واستمروا باستخدام لغاتهم الأساسية في شعائرهم ومناسباتهم الخاصة.

بالإشارة إلى الحواجز النفسية التي برزت بين أبناء شعبنا بعد الفتح العربي، نقول إن هذا الأمر لم يقتصر على موطنين يمارسون الإيمان الجديد وآخرين من الذين كان ينظر إليهم كأهل ذمة، بل نشأ لاحقاً في المحمدية ما يقارب الاثنين والسبعين ملة وفرقة ومذهباً، كانت تنظر إلى بعضها بعضاً بعين الشك والتكفير والرفض.  لم ينشأ ذلك العدد الكبير من المذاهب والنحل بسبب الخلافات حول مسائل الخلافة وغيرها من الشؤون التنظيمية للدين الجديد فحسب، بل لأن المؤمنين الجدد وجدوا أنفسهم في بيئة ثقافية وحضارية، فتحت أمامهم آفاقاً فكرية وفلسفية لم تكن متوفرة لهم في العربة، مما خلق عندهم أسئلة لم تخطر على عقولهم من قبل ولم يكن باستطاعة الدين الإجابة عليها بصورة مباشرة.

كأن نشؤ ذلك العدد الكبير من المذاهب والنحل لم يكن كافياً لزرع التفرقة بين أبناء شعبنا وتضييع وحدتهم الاجتماعية وطمس دورة حياتهم الواحدة، فجاءت عملية التتريك التي استمرت لأكثر من أربعة قرونٍ من الزمن.  ما كان يمكن للعثمانيين التحكّم في بلادنا لهذه الحقبة الطويلة من الزمن لو لم يعملوا على استغلال الدين المحمدي سياسياً والدخول إلينا من باب الخلافة الدينية.

   إن تحكّم الأتراك برقاب شعبنا لزمن طويل، كان كافياً لطمس شخصية شعبنا القومية بصورة شبه كاملة.  لذلك، وبعد أن عانى أبناء شعبنا ما عانوه من ظلم الأتراك وطغيانهم، وبعد أن سمحت الظروف الدولية بالقيام بتحركات تنقذهم من ذلك الوضع، لم تكن تلك التحركات واحدة، تعبر عن شخصية مجتمعية وقومية واحدة، بل كانت تعكس الانقسامات المذهبية والدينية، وغيرها من الانقسامات الأخرى، التي نشأت عبر قرون من التحكّم الأجنبي والضياع القومي.

كان على أنطون سعاده أن يواجه مثل ذلك الضياع عندما قررّ التصدي لوقع التخلّف والتقهقر الذي غرق شعبه فيه، وكان عليه أن يطرح أسئلة كبرى تحتاج إلى أجوبة محددة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض.  ذلك أنه أدرك منذ نعومة أظافره أن أي تحركٍ لا يحمل مثل هذه الأجوبة الواضحة هو خبط في الهواء لا يؤدي إلى أي خير عام.  ثم أنه لم تكن الإجابة عن تلك الأسئلة مسألة سهلة المنال، بل كان دونها ذلك الكمُّ الهائل من ركامِ التحكّم الخارجي بأرضنا وشعبنا.

لو ارتضى أنطون سعاده أن يكون سياسياً من سياسي ذلك الوقت، بما تميزوا به من مطاطية ورضوخٍ للأمر المفعول والعمل بمعطياته، لكان أهمل الأسئلة الكبرى، وامتطى موجةً موجات الانقسامات السائدة، تكفل له الحصول على حصة من الحصص التي تحفظ لسياسي الأمر الواقع.  لكن سعاده كان يمقت السياسة من أجل السياسة، وهو نظر إليها كفنٍ غرضه تحقيق الخير العام.  كل ما عدا ذلك هو تدجيل وذرٌ للرماد في العيون.  لقد أراد سعاده أن يكون هادياً لأبناء شعبه، وهو كان يعرف جيداً أن الهداية لها سلوكها ومتطلباتها وأثمانها.  فهي ليست مجرّد تزويد الناس بالمعرفة وإنارة عقولهم بالحقائق والمبادئ، بل هي تعليم الناس بالممارسة والقدوة على تحويل المعرفة إلى عمل يؤدي إلى تغيير واقعهم إلى واقع أفضل.

كان يمكن لسعاده أن يكتفي بوضع آرائه وأفكاره في بطون الكتب، ويترك للناس مسألة الإطلاع عليها والتقرير بشأنها، لكن سعاده كان يعرف أن بناء المجتمعات والنهوض بها، لا يتم من خلال الأفكار والمبادئ وحدها، بل من خلال عمل ثوري نظامي، يهدف إلى توحيد الجهود والطاقات في اتجاه تحقيق المبادئ والأهداف.  لذلك كان همه الأكبر بناء حركة تحمل مبادئ النهوض القومي وتعمل من اجل تحقيقها وتحويلها إلى أسلوب حياةٍ يمارسه الشعب كل الشعب. من هنا كان تأسيسه للحزب السوري القومي الاجتماعي. فما هي الطبيعة المبتغاة والمفترضة لهذا الحزب؟

قمة الصفحة

 

حلقة ثانية

 

الطبيعة المبتغاة للحزب السوري القومي الاجتماعي

 

إذا كان البحث عن هوية شعبنا عمليةً شاقةً تطلّبت الكثير من الدرس والتدقيق والعودة إلى مختلف العلوم المتعلقة بهذا الشأن، الأمر الذي تولاّه سعاده بشغفِ العاشقِ للعلم والمعرفة وحرص الباحث للكشف عن الحقيقة، فإن مسألة الأخذ بنتائج هذا البحث والعمل على تطبيقها وتحويلها إلى مبادئ حياة لشعبنا، تتمحور حولها جميع جهوده وأعماله وتضحياته، كانت عملية تفوقها صعوبةً وتعقيداً.   ذلك أن شعباً يصل إلى حالة من ضياع الهوية القومية، ومن اختلاط الجذور الحضارية عليه، يفقد حيويته ونشاطه، وتصبح مسألة نهوضه والسيطرة على مصيره، أمراً مشكوكاً فيه.   إذ لا يمكن أن يصل شعبٌ إلى مثل هذه الحالة دون أن يكون قد استنفذ كثيراً من مقوِّماته النفسية ودون أن يصاب نظامه الروحي والأخلاقي بخللٍ كبير.

إن النهوض بشعبٍ وصل إلى حالةٍ كهذه، يتطلب أكثر بكثير من حركةٍ عاديةٍ تستلهم تأييد الناس وتثير حماستهم، وتعمل على تنظيمهم حول مجموعة من الأفكار والمبادئ التي تختصر مشروعها السياسي. وهو حتماً يتطلب أكثرَ بكثيرٍ من حركة يجد فيها الأفراد ملاذاً لإرضاء نزواتهم الفكرية وحاجاتهم النفسية، أو مركباً لتحقيق رغباتهم وطموحاتهم المادية أو الاجتماعية أو السياسية.  

إن النهوض بشعبٍ هذه حالته، يتطلب حركةً قادرةً على إحداثِ زلزالٍ روحيٍ في صميمه، يُسقِطُ كلَّ ما عَلِقَ وترَسّبَ في نفسيته وذهنيته من قيمٍ فاسدةٍ وتقاليد بالية، ليزرع مكانها قيماً جديدةً ضرورية لتقدّمه وتحسين حياته.  وهذا حتماً أمرٌ لا يمكن أن ينجح بالقيام به أشخاصٌ اختلطت عليهم غاية العمل القومي ومبادئه مع ما عندهم من "نزوات فكرية" وحاجات نفسية، أو ما يملكون من طموحاتِ شخصية متنوعة.

الحركة المطلوبة في حالة كهذه الحالة، هي بالضرورة حركة تغييريه لا حركة إصلاحية بسيطة تتمحور حول عددٍ من المبادئ السهلة المنال.  إذ عندما يكون كلُّ شيء يتعلق بواقع الشعب وسلوكه وتطلعاته موضع تساؤل ومراجعة، وعلى درجةٍ عالية من الإهتراء، تصبح أية عمليةً من هذا النوع ضحكاً على الذات ومضيعةً للوقت. لا ينفع بشيء أن نحاول إصلاح ثوب مهتريء بإضافة رُقَعٍ جديدةٍ إليه.   عندما تكون القيم، العادات والتقاليد، نظرةُ الناس إلى بعضهم بعضاً، تطلعات الناس وأحلامهم، وكلُّ ما يقومون به ويمارسونه من علاقات إنسانية واجتماعية، بحاجة إلى مراجعةٍ وتغيير، تكون الحاجة عظيمة إلى حركة نوعية، قادرةٍ على إِحداثِ هزةٍ في نفوس الناس وعقولهم وضمائرهم، تدفعهم إلى إعادة النظر بواقعهم والتفتيش عن اتجاهاتٍ حياتيةٍ جديدةٍ.  البديل عن ذلك هو بقاء الناس في حالة من التخلّفِ والفوضى والتخبط، وبقاءِ مصيرهم في مهبِّ الحوادث الجارية.

هذه هي الحركة التي أدرك سعاده منذ اكتمال وعيه القومي مدى حاجة شعبنا إليها كي يكون له حظ يستعيد سيادته على نفسه ويعمل على بناء تحسين حياته.  ولقد شكّل إيجادها تحدياً ضخماً له، رافقه منذ بدايات تحركّه القومي وحتى آخر رمقٍ من حياته.  ذلك أن حركةً من هذا النوع تحتاج إلى أناسٍ يؤمنون بنظامٍ من القيم والأخلاق والمناقب على نقيض مما هو سائد بين الشعب.  والطريق الوحيد لإيجاد أناس يتحلون بمثل هذا النظام ألقيمي-الأخلاقي الجديد هو الاتصال المباشر بالناس والعمل على تثقيفهم بمبادئ القضية الجديدة، وخلق شعور عندهم بالمسؤولية تجاهها.  إن عملية تأهيل العناصر المناسبة للعمل القومي بهذه الطريقة ليس عملية معقدّة فحسب، بل هي عملية تحتاج إلى الكثير من الجهود والعمل المتواصل.  وهي عملية يواجهها حكماً، كمٌ هائل من العراقيل، ويتخللها عدد لا حصر له من الشعور بالخيبة والإخفاق.     

لقد كان الحزب السوري القومي الاجتماعي الترجمة العملية للحركة المبتغاة.  وقد نجح سعاده في إطلاقه بعد محاولات عدة قام بها، في المغترب بصورة خاصة.  لكن بين إطلاق الحزب وبين الوصول به إلى المستوى المطلوب من الكفاءة والتماسك والمناعة والقوة، فرق كبير. 

الحقيقة أن الحزب السوري القومي الاجتماعي، حسب رأيي، لم يصل مطلقاً إلى المستوى الذي أراده سعاده له.  طبعاً، لا نستغرب مطلقاً أن يعترض على رأينا هذا كثيرون من الناس ، خاصة من الذين يعملون تحت إسم هذا الحزب وشعاراته.  عدم الاستغراب هنا ناتج عن إدراكنا العميق للطريقة التي يفكّر بها معظم الذين يدّعون العمل للقضية القومية الاجتماعية.  فهؤلاء تختلط عليهم المسائل بصورة مخيفة، الأمر الذي كان له انعكاسات خطيرة على الحركة ومسيرتها، مما أوصلها إلى هذا الواقع المأساوي.  لكننا لن نتوقف الآن حول هذه المسألة، إنما نشير إلى أن ما يساعد على إضعاف المنطق التفكيري عند "القوميين" هو إخفاقهم في فهم طبيعة الحزب السوري القومي الاجتماعي بصورة لا تقبل الجدل أو النقض.  إن النظر إلى الحزب بدون تحديد واضح له، يفسح في المجال لتكييف فهمنا له حسب ظروف المكان والزمان.

إن الحاجة إلى مثل هذا التحديد الواضح الطبيعة الحزب كما يجب أن تكون وكما أرادها المؤسس، كبيرة جداً، بل هي في أساس استمرار العمل القومي وإمكانية نجاحه مستقبلاً.  إن غياب مثل هذا التحديد، هو الذي منعنا من مراجعة عملنا القومي بصورة مستمرة، فأضاع ما بذلناه من جهود دون أن تتحقق للعمل القومي أية نجاحات فعلية.

إنه لمن المستغرب جداً أنه لم يقع بين أيدينا أي مقالة أو أي محاولة فكرية تتناول مسألة التعريف بطبيعة الحزب، بصورة تلغى معها الحاجة إلى التفسيرات المختلفة، التي غالباً ما تكون متناقضة، مما يؤدي إلى التشرذم والانقسام.

هل يعني هذا الكلام أن سعاده لم يقدّم الشرح الوافي والواضح لطبيعة الحزب والتعريف بها بصورة ينتفي معها أي غموض؟

طبعاً، لا.  إذ أن سعاده لم يوفِّر أية فرصة أو مناسبة دون تقديم الشروح حول عمل الحزب وطبيعته والمسؤوليات القومية الملقاة عليه.  فإذا ذكر سعاده بأن الحزب هو "فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها"، أو أنه "حركة هجومية لا دفاعية"، أو أنه "حركة تغييرية"، أو تكلّم عن "النظامية الفكرية والروحية والمناقبية"، أو أشار إلى أن الحزب قد افتتح "عهد البطولة الشعبية الواعية المنظمة"، أو أن القوميين يتحلون ب"صحة العقيدة وشدة الإيمان وصلابة الإرادة ومضاء العزيمة"، إلخ..، فهو بدون أي شك يقدم شرحاً لمفهوم الحزب السوري القومي الاجتماعي.  لكن هذه الإشارات لا تقدّم للأعضاء الذين ينغمسون في العمل الحزبي ومتطلباته تحديداً صلباً يمكن أن يعودوا إليه كلّما أرادوا التثبّت من سلامة عملهم القومي.  ذلك أن الثقة العالية التي كان يضعها الأعضاء الحزبيين بقياداتهم صرفت أنظارهم إلى التركيز على كيفية تنفيذ ما يطلب منهم القيام به دون أي شيء آخر.  إذ كثيراً ما طرق آذانهم كلام عن أهمية الثقة في العمل القومي، حتى تحولت الثقة إلى ميزة أساسية في العمل القومي.

إننا نكرر استغرابنا أن أحداً من قبلنا لم يتناول ضرورة مثل هذا التحديد لمفهوم الحزب السوري القومي الاجتماعي، يصلح أن يكون مقياساً للعمل القومي في أي مكانٍ أو زمان.

الحقيقة أن الفضل في تناولنا لهذه المسألة يعود إلى الرفيق الدكتور عادل بشارة، عندما طلب منا كتابة مقالٍ حول "الحزب الذي أراده سعاده".

لم ينتبه الكثيرون إلى التعريف الذي قدّمناه للحزب في هذا المجال، لكنه من الضرورة القصوى أن ينال الاهتمام الكبير من جميع الذين يحرصون على القضية القومية الاجتماعية واستمرارها.  إن الحاجة إلى مثل هذا التحديد يمليها مناخ الأمية الفكرية التي تسيطر على معظم العاملين تحت اسم الحزب اليوم، الأمر الذي يؤدي إلى طمس القضية القومية بصورة كاملة.  إن ما نطلبه من المخلصين للقضية القومية الاجتماعية ومن طالبي العلم والمعرفة، لا ينسحب على الجهلة أو الدجّالين المنافقين، إذ لا نتوقع أية فائدة من التعويل عليهم، فهؤلاء يعيشون في نعيم جهلهم وتدجيلهم، وليس لهم رغبة في إِشغال أنفسهم بمسائل لا تعنيهم.

لقد عرّفنا الحزب السوري القومي الاجتماعي بأنه "حزب الموقف القومي وإدارة القضية القومية."

مع هذا التعريف ينتفي أي غموض عند أي شخصٍ توفّر عنده أي مقدارٍ من المنطق السليم والتفكير الصحيح.  فإذا استطاع شخص ما التمييز بين ما هو موقف قومي وموقف غير قومي، يستطيع أن يحكم بسهولة على عملٍ ما بأنه قوميٌ أو غير قومي.

وإذا فهم شخص ما معنى إدارة القضية القومية، فهو يستطيع القول إن الحزب قد وصل إلى المستوى المطلوب أم لا.

على ضوء هذا التحديد للحزب السوري القومي الاجتماعي، نستطيع القول إن الحزب لم يصل في أي وقتٍ من الأوقات لأن يكون الحزب الذي أراده سعاده. لقد كان الحزب عبر قيادة سعادة له حزب الموقف القومي.  فسعاده لم يتوانَ أبداً من اتخاذ الموقف القومي المناسب عندما كان يحتاج إلى مثل هذا الموقف، دون أن يخاف شيئاً ودون أن تكون له حسابات شخصية.  حتى مسألة استشهاده أتت من ضمن حرصه على اختيار الموقف القومي مهما كان الثمن الناتج عن هذا الموقف.  لكن الحزب، وبالرغم من كلّ الجهود العظيمة التي بذلها سعاده، لم يصل لأن يكون في وضع يسمح له أن يدير القضية القومية أو تكون قراراته بشأنها محترمة أو مسموعة.  هذا الأمر يعود إلى أسباب عدة سنعمل على شرحها في حلقة قادمة.

قمة الصفحة

 

حلقة ثالثة

      في ماهية الموقف القومي وإدارة القضية القومية
 

إن الموقف القومي هو المقياس الأساسي الأول الذي يجب أن يستعمل لرصد وضعية الحزب وتقرير قيمة الأعمال التي تصدر عنه.  وهذا لا علاقة له بقوة الحزب المادية أو بعدد الملتزمين به والمنضوين تحت رايته والمروّجين لشعاراته، مهما صَغُر أو كَبُر.  إن كلّ ما يتطلبه الموقف القومي هو انسجام سلوك القيمين على الحزب مع مبادئ قضيتهم التي قام عليها الحزب أساساً، وشجاعةً ينتفي معها أيُّ خوفٍ عندهم من أيِّ تأثيرات سلبية على مصالحهم الخاصة .  فالمصلحة المنشودة هنا هي مصلحة الحزب (الدولة السورية مصغرة) لا مصلحة الأفراد، ومصلحة الحزب هو في توضيح الموقف القومي في كل شأن من الشؤون أو في كل حدث من الأحداث الجارية أو الطارئة.  إن عدم إعلان موقف من والسكوت بأي شأن يتطلب موقفاً قومياً واضحاً، هو الآخر سلوك مدانٌ يتناقض مع المبدئية التي يقوم عليها الحزب.

بدون مثل هذا الموقف يبطل الحزب أن يكون هو الحزب، ويفقد شرعيته المبدئية.  قل إنه يصبح مثله مثل غيره من الأحزاب أو الهيئات القائمة، لكنه يختلف عنها، أنه بينما تمارس تلك المجموعات المجموعات قناعاتها بصدقٍ وشفافية، فتكون مواقفها وإعلاناتها منسجمة مع ما تملكه من أفكارٍ وشعارات، يمارس هو ما يمكن أن نسميه الدجل أو النفاق السياسي مراعاةً لهذه الجهة السياسية أو تلك.  في حال كهذه، تضيع قيمة المبادئ، ويصبح التقوّل بها نفاقاً رخيصاً يُدِلّ على تفاهة أصحابه والقائمين به من أصحاب المصالح الذاتية والمنافع الخاصة.

لكن للموقف القومي أثمان قد تكون باهظة جداُ في كثيرٍ من الأحيان.  وهي تتراوح بين حرمان أصحابه أو الحزب بصورة عامة من مكاسب مادية، إلى تكبيد الحزب أو أعضائه خسائر مادية، إلى محاربة الحزب وملاحقة أعضائه وسجنهم، إلى اغتيال بعضهم.

سعاده كان مدركاً منذ بداية عمله القومي للأثمان التي يمكن عليه أن يدفعها نتيجة لهذا العمل.  وهو لم يقبل مطلقاً أن يتغاضى عن أي مسألة دون أن يعلن  موقفه القومي منها بوضوح وشفافية.  كان هذا شأنه منذ تأسيسه للحزب وحتى اغترابه ألقسري، كما كان شأنه يوم عاد إلى الوطن حتى تاريخ استشهاده. 

لم يكن سعاده يبحث عن مصلحة شخصية من أي نوع كان.  لم يكن يطمح للحصول على مقعدٍ نيابيٍ أو وزاري، ولا أن يكون له حظوة عند صنّاعِ القرارات في الداخل أو الخارج، ولا كان يطمح أن يبنى لنفسه قصراً أو بيوتاً فخمة، ولا أن يملك سيارات أو أية وسيلة من وسائل الراحة.  سعاده لم يرضَ أن يكون أقلّ من زعيمٍ وقائدٍ لنهضة أمته وشعبه، يمارس زعامته وقيادته بإخلاصٍ وعنفوانٍ وكِبَر، ويعبّرُ عن مصالح أمتنا العليا بصورة  ينتفي معها الجدل أو التأويل أو الشك. 

إذا كان هناك من انتقادٍ لموقفٍ من مواقف سعاده القومية بشأن أي حدثٍ مفصلي من تاريخ قضيتنا، إنما يصدر عن ضعفاء النفوس وأشباههم من "وظاوِظ" الفكر الذين يدّعون المعرفة والحكمة.  فكم سمعنا مثل هؤلاء ينتقدون موقف سعاده عام 1948 عندما رفض قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، معتبرين أن ذلك الموقف كان غلطة فادحة.  طبعاً، لا يمكن لمثل هؤلاء بما يغرقون فيه من جهالة وقصر نظر، إدراك القيمة العظيمة لذلك الموقف.  إن ضحالة تفكيرهم لا تسمح لهم بأن يروا أن ذلك الموقف أتى منسجماً مع مبادئ الحزب وغايته، وأن القبول بالتقسيم هو نحر لتلك المبادئ ونقض لها، وهو نقض للحزب ومبرر وجوده. 

إنّ مثل هذه الثقوب الذكية تؤمن "بالتكتكه" أو اعتماد المواقف المرحلية التي تسمح بقبول بما يمكن الحصول عليه الآن على أن تتم المطالبة بالمزيد عندما تسمح الظروف الموضوعية، مفترضين أن مثل تلك الظروف لا محالة آتية.  لكن "المتكتكون" ينسون أنه لو تمّ القبول بالتقسيم عام 1948 لحصلت الدولة اليهودية على شرعية هي في أمسِّ الحاجة إليها.  إن وصول المسألة الفلسطينية إلى هذا الوضع المأساوي، والقوة التي يتمتع بها المغتصبون لأرضنا في فلسطين، لا تغيّر من أهمية رفض قرار التقسيم في شيء.

نحن نسمع الآن بعض مواطنينا الجنوبيين يندبون حظوظهم بسبب عدم قبول الساسة "العرب" بذلك القرار اللعين، ولكن نحن نعرف أن مثل هذا الرأي إنما هو نتيجة درجة اليأس الذي وصل إليها مواطنونا الجنوبيين بسبب ما تعرضت له المسألة الفلسطينية من سمسرةٍ وتلاعب ومتاجراتٍ ومؤامرات.

أما إدارة القضية القومية فهو المقياس الأساسي للدلالة على قوة الحزب وفعاليته ودوره في حياة شعبنا ومدى تأثيره في كافة الشؤون والمسائل المتعلقة به.  أن يكون الحزب قادراً على إدارة القضية القومية فمعناه أنه في وضع يسمح له بمنع كل ما يتناقض مع مصالح شعبنا من قرارات، عن أية هيئة صدرت، داخلية كانت أم خارجية، وفرضِ القرارات التي تنسجم مع هذه المصالح.  هذا يعني أن الحزب قادر على تحريك الخيوط وشدِّها وأنه يملك زمام المبادرة والمبادأة في جميع القضايا والشؤون المتعلقة بشعبنا وامتنا. 

إن وصول الحزب إلى وضع يمكِّنهُ من إدارة القضية القومية مرهون بحيويته ووعي أعضائه، ومصداقيته، وتخطيطه، وبناء مؤسساته الضرورية لقيادة العمل القومي، والوصول إلى الشعب بصورة حاسمة، يكتسب عندها قاعدة شعبية واسعة، تحتضن قراراته وتدافع عنها.

إن وصول الحزب إلى هذا المستوى من القوة التي تسمح له بأن يكون موقفه فاصلاً في إحقاق الحق القومي أو إنكاره، إنما يتطلب كثيراً من الوعي والمعرفة والإيمان والتضحية والصدق والمثابرة والذكاء والقدرة على قراءة الأحداث وفهمها، واستشراف المستقبل والتخطيط له، والعمل المستمر لتأمين كلّ ما يتطلّبه التنفيذ من إمكانات ووسائل. إن الترجمة العملية لهذه المتطلبات، هي في بناء مؤسسات متخصصة فاعلة، تحتضن مختلف حاجات العمل القومي، تقوم كلٌّ منها بجميع الأعمال التي تقع في نطاق اختصاصها، بصورة متناغمة مع عمل باقي المؤسسات.  لقد حاول سعاده جذْبَ عقول المقبلين على دعوته لأهمية المؤسسات وطبيعة عملها، لكنّ قراءتنا لتاريخ العمل القومي، تكشف لنا ضحالة ما تكوّن عند هؤلاء من فهم في هذا المجال.  إن معظم القوميين اليوم، مثلهم مثل من سبقهم من أشخاص، يعتقدون أنهم يملكون فهماً للمؤسسات وطبيعتها، ويعتقدون أنهم يملكون مثل هذه المؤسسات.  لكن مثل هذا الاعتقاد لا يحتاج لأكثر من ثقافةٍ ابتدائية كي تظهر مدى زيفه وانخداع أصحابه بأنفسهم.

ليس هناك نموذج للدلالة على معنى إدارة قضية ما، أفضل من النموذج الذي يقدمه حزب الله.  نستطيع القول بأن هذا الحزب يملك القدرة على إدارة القضية التي يؤمن بها.  فهو قادر على رفض كل ما يتناقض مع هذه القضية، والمطالبة بإحقاق كلِّ ما هو من مصلحتها ومفيد لها.  عندما يتكلم حزب الله اليوم، تصغي الآذان للالتقاط كلّ كلمة من ذلك الكلام، وتحدّق العيون للالتقاط كل حرف منه، وتنشغل العقول لاستيعاب ذلك الكلام وفهمه وتفسيره ومعرفة والغرض منه.  حزب الله يمتلك القدرة على شدّ الخيوط، وهو لا يتّقن أصول اللعبة الدولية فحسب، بل هو لاعب ذكي، يعرف ما يريد، ويعرف كيف يحصل على ما يريد.

لو قيّض لسعاده، بل لو تمكّن سعاده، من الوصول بالحزب إلى المستوى الذي رسمه وأراده له، لكان تاريخ أمتنا خلال العقود الثمانية الماضية هو غير ما هو عليه.  إن الأصالة التي رآها سعاده في شعبنا وراهن عليها لإطلاق حركته القومية، طغت عليها قرون من التراجع والتخلّف حتى كادت أن تطمسها بالكامل. نعم، لم ينجح سعاده في تحقيق حلمه بالوصول في العمل القومي إلى الآفاق التي رآها له ولم يحظَ بامتلاك مفاتيح القضية القومية، لكنّه نجح في إطلاق عقليةٍ جديدة للعمل القومي كانت السبب والأساس لما حصل بعدها.  إن التضحيات والبطولات ومواقف العزّ التي شهدها شعبنا خلال العقود الثمانية الماضية، ما هي إلاّ نتيجة لتلك العقلية التي أرساها سعاده وكان لها مثالاً وقدوة. 

قمة الصفحة

 

حلقة رابعة

         عقيدة سعاده

كثيرون من المصنّفين، من قبل أنفسهم حيناً ومن قبل الناس أحياناً أخرى،  كتّاباً وأصحاب فكر، كتبوا أو يكتبون عن التغيير والحداثة والثورة دون أن يكون لهم أيُّ دورٍ في محاولة إِحداثِ التغيير أو تحقيقِ الحداثة أو القيامِ بثورة.  لذلك يقعون في متاهاتٍ من الفذلكة والتفلسف اللذين لا طائل تحتهما.  وفي الوقت الذي يعتقدون فيه أن لإنتاجهم أهمية وقيمة عظيمتين، نجد أن ذلك الإنتاج ليس سوى نوع من القمامة الفكرية التي تخلو من قيمة معرفية مفيدة.

سعاده لم يكتب من أجل الكتابة.  هو لم يكتب في أي حقل من حقول المعرفة والفكر كي يحصل على لقب المتخصص بذلك الفكر.  لم يكن همه أن يكون فيلسوفاً أو عالم اجتماع أو مفكراً تجديدياً يكتب في التجديد والحداثة، مدفوعاً برغبة أكاديمية أو طلباً لموقع وشهرة بين أهل العلم والفكر.

سعاده  كتب لأنه صاحب قضية.  فكان كلّ ما كتبه يدور حول التعريف بها وشرحها للناس ودعوتهم إليها.  ذلك أنه كان يدرك بصورة مطلقة أن نجاح قضيته يتوقف أولاً وأخيراً على معرفة الناس بها وفهمهم لها والاستعداد للصراع من أجلها.  فالقضية هي قضية الناس أنفسهم قبل كلّ شيء وفق كلّ شيء.  هي قضية حياتهم ومستقبلهم ونهوضهم ونقلهم من حالة يسودها التفكك والتفسّخ والضياع والتخلّف، إلى حالة مجتمعية جديدة نيِّرة تتوفّر لهم فيها فُرَصُ الحياة الكريمة العزيزة الشريفة، وتتساوى فيها الحقوق والواجبات بين الجميع، دون تمييز من أي نوعٍ كان.  لقد أراد سعاده من أبناء شعبه أن يعوا ذاتهم القومية وواقعهم القومي، وأن يدركوا أن وعيهم هذا هو طريق الخلاص الوحيد الذي يفتح لهم آفاق المستقبل بكل وعوده وأحلامه.

لم يرد سعاده أن يقوم  بدورِ المتفرّج من بعيد على آلام شعبه، فيكتفي بتقديم النصائح من برجه الآمن، دون أن يشعر هو بتلك الآلام أو دون أن يكون له موقف منها.  على العكس من ذلك، هو أراد أن يقود الشعب بنفسه في عملية إزالة تلك الآلام ومحوها، غير آبهٍ بما قد تطلبه من آثمانٍ وتضحيات، على صعيده الشخصي وعلى صعيد الشعب.  وهو لم يطلب من الناس أكثر مما كان يطلب من نفسه.  لقد أراد أن يكون قائداً حقاً، وهو يدرك تماماً أن القائد الحق يبقى في طليعة المسيرة ولا يهرب من ساحة المعركة للنجاة بنفسه تاركاً جنوده لما قد يكون لهم من مصير.

لكنّ النهوض بالشعب وتغيير حياته من حالة يسودها الضعف والتقهقروالإنحطاط، وتطغى عليها شتى الأمراض الاجتماعية، إلى حالة من القوة والتقدّم والازدهار، يتوِّجُها سلّمٌ من القيم الأخلاقية والمناقبية المعبّرة عن الحياة الجديدة، بحاجة إلى عقيدة توحّده في غاية واحدة وتدفعه إلى العمل بنشاطٍ وتعاونٍ ومحبة.  ذلك أن الشعب فقد اتصاله بجذوره الحضارية، فطغت عليه مفاهيم فاسدة، تكوّنت عنده خلال قرونٍ عديدة من فقدان الشعور بالشخصية المجتمعية في ظروفٍ سادتها عدم المساواة بين الناس والتمييز بينهم على أسس دينية ومذهبية وإثنية، إضافة إلى ما سيطر عليهم من مثالب أخرى كالعشائرية والقبلية وتغليب مصالح الأفراد على المصلحة العامة.  

أراد سعاده أن يمحو من ذهن الناس ونفوسهم تلك المفاهيم البائدة ليحِلّ محلها مبدأ وحدة الحياة ومبادئ الأخوة والعدالة والمساواة القومية.  وهذا يستدعي الحاجة إلى عقيدةٍ متينةٍ تنبع من حاجات الشعب وتطلعاته وتنسجم مع حقيقة الواقع الإنساني وما يتعلق به من مادةٍ وروح.  لكنّ سعاده حاذرَ أن يتقدّمَ من الناس بنظرياتٍ يصعب فهمها واستيعابها أو قابلةٍ للجدل العقيم، مما يصرف أنظارهم عن الغاية الأساسية.  لذلك قدّم لهم جملة من المبادئ الأساسية والإصلاحية التي يسهل فهمها من قبل الجميع على اختلاف مستوياتهم العلمية أو الثقافية.  ذلك أنه لا يصعب على أحدٍ مهما كان تحصيله الثقافي ضعيفاً أو متواضعاً، فهم مبدأ "سورية للسوريين والسوريون أمة تامة"، على سبيل المثال، كي يؤمن بالعمل القومي ويوّظف جهوده في هذا الاتجاه.  إذ كان غرض سعاده الأساسي هو توحيد الناس حول الفكرة القومية ووحدة الحياة القومية دون زعزعة أي إيمانٍ روحيٍ عندهم، مما يحدّ من اندفاعهم ويلغي عطاءهم القومي.  هذا بالرغم أن هذه المبادئ تحملُ في طيّاتها نظرةً متكاملة إلى الوجود تتخطى الفهم العام للناس، المتوارث جيلاً بعد جيل، والمأخوذ من صلب التعليم الديني الذي يدعو للإيمان بالأشياء بصورة استبدادية تمنع اللجوء إلى أيِّ منطقٍ أو برهان. 

لقد كان سعاده يلمّحُ إلى أسس نظرته إلى الوجود الإنساني بمكوّناته الروحية-المادية، دون أن يُشغِل نفسه بها كثيراً، ليس لأن شرحها بصورة كاملة غير ضروري، بل خوفاً من أن يبعده هذا الأمر عن تلبية حاجات العمل القومي وإدارة الصراع المتعدد الرؤوس والجوانب.  لكنّ فهم نظرة سعاده إلى الإنسان يشكّل حاجة أساسية للعمل القومي لأنه يساعد في إسقاط ما عَلِقَ في أذهان الناس من أوهامٍ وترهات لا يقبلها منطق أو عقل.  أليس هناك حاجة، على سبيل المثال لا الحصر، أن يبني الناس فهماً جديداً للدين لوضعه في نطاقه العقلي والمنطقي الصحيح، مما يساعدهم على فهم أن الدين "وجد لتشريف الحياة وليست الحياة لتشريف الدين".  ما قيمة أية نظرة عقائدية إذا لم يكن غرضها الأول والأخير تحسين الحياة الإنسانية؟

لقد انطلق سعاده في تفكيره من الوجود الإنساني كما هو، رافضاً فكرة اللجؤ إلى الغيبيات والماورائيات لفهم هذا الوجود وتفسيره.  إذ كيف يقبل العقل تفسير الوجود باللجوء إلى فرضيات غيبية لا دليل منطقي على صحتها سوى ما تحمله من استبدادٍ في الرأي؟  ثم ما الغاية أو الفائدة من البحث في الغيبيات وأيّ خيرٍ يمكن أن ينتج عنه تستفيد منه الإنسانية بصورة عامة؟

لقد رأى سعاده أن الوجود الإنساني هو وجود متعدد وليس واحداً.  فالوجود الإنساني يتوزع على مجتمعات يحمل كلٌ منها شخصية مادية-ثقافية تميزه عن غيره من المجتمعات.  لكن وجود المجتمعات كائنات مميزة، بما يحمله كلٌّ منها من صفات خاصة، لا يعني ولا يتضمن أن هناك مجتمعات متفوقة على غيرها في الجوهر والأساس.  إن قوة أي مجتمع، تعتمد على حركة الحياة في هذا المجتمع وما يبذله أبناؤه من جهد وعمل، وما يحصلون عليه من إنتاج في مختلف جوانب الحياة الإنسانية.  فالقوة بعنصريها المادي والروحي، هي التي تضع المجتمع في المرتبة المناسبة بين المجتمعات. 

يصعب على كثيرين من الرومانسيين قبول فكرة تعدد الوجود الإنساني، مفضلين القفز فوق الواقع والوقوع في وهم أن الإنسانية هي إنسانية واحدة.  إن وهمهم بوجود إنسانية واحدة، يقودهم إلى الاعتقاد أن القول بتعددية الوجود الإنساني هو شأن غير إنساني على الإطلاق.  إنهم بذلك يفوتون على أنفسهم وعلى الإنسانية فرص العمل باتجاه صحيح.  إذ أنهم لو تخلوا عن أوهامهم بوجود إنسانية واحدة ورؤية الواقع كما هو، لكان بإمكانهم العمل باتجاه إزالة الفوارق بين المجتمعات وتحقيق العدالة والمساواة بينها.    إذ كيف يمكن القبول بوجود إنسانية واحدة، بينما يغرق العالم في بحرٍ من الظلم والقهر وانتفاء العدالة والمساواة؟  من يملك الحق في تقرير ما هو عدالة ومساواة ومن يملك القوة لتحقيقهما؟

كيف يمكن لأي كان القول بإنسانية واحدة في الوقت الذي تمثل أمامه شواهد كثيرة تناقض ما يتقوّل به.  ليس هناك، في الأساس والمبدأ، مثل الدين في مقولته الكونية، التي تعامل الناس على أساسٍ متساوٍ دون تفريق أو تمييز.  أما عملياً، فنرى أن الدين لم يخفق في توحيد الإنسانية فحسب، بل زادها انقساماتٍ وجرّ عليها حروب وكوارث لا حصر لها.  هذا ينطبق بصورة خاصة على المسيحية والمحمدية سواءً بسواء.  وبالرغم من جميع الكوارث والويلات التي سببّها الدين، نجد أن كثيرين ما زاول يعوّلون عليه لبناء مستقبل أفضل لهم.  وهم يصرّون أن الدين شأن سماوي وليس شأناً إنسانياً خلقه الإنسان ثم سخّر نفسه في خدمته، بدل أن يجعل من الدين وسيلة لتحسين الحياة الإنسانية وليس الحياة وسيلة لخدمة الدين.

إن القول بوجود إنسانية واحدة لا يوازيه سوى القول بتصنيف العالم إلى طبقات، ومن ثم الدعوة إلى صراعٍ طبقي من أجل حلّ المشاكل الإنسانية.  إن تشابه المشاكل في المجتمعات، لا يعني مطلقاً أن الحلول لتلك المجتمعات هي واحدة.  قد تستفيد المجتمعات، بل يجب أن تستفيد، من تجارب بعضها بعضاً.  لكن الحلول العملية لمشاكل كلٍ منها، يجب أن تنطلق أولاً وأخيراً من المعطيات التي تحيط ذلك المجتمع.  فمشاكل الحياة الإنسانية في أي مجتمع من المجتمعات لا تشبه بشيء الأمراض التي تصيب الأفراد، وبالتالي لا يوجد دواء محدد للشفاء منها. إن المشاكل التي يمكن أن تحصل في أي مجتمعٍ من المجتمعات، إنما تنبع من طبيعة العلاقات الإنسانية فيه، وهي تستدعي إيجاد حلولٍ لها انطلاقاً من طبيعة تلك العلاقات لا من خارجها.

عندما يقول سعاده بتعدد الإنسانية، فهو إنما يعبّر عن الواقع، وهو حتماً لا يجد مانعاً من العمل باتجاه توحيد الإنسانية.  إذ أننا لا نرفض العمل باتجاه إنساني واحدٍ شرط أن لا يكون ذلك على حسابنا وهدراً لحقوقنا.  ثم أنه أي منطقٍ يسمح لنا كسوريين التقوّل بإنسانية واحدة وهدر الوقت والجهد في هذا المجال، بينما نعاني الأمرّين من ظلم المجتمعات الأخرى.  إن المنطق الذي يرى عكس ذلك هو ليس منطقاً ضعيفاً وعاجزاً فحسب، بل هو على درجة كبيرة من الغباء.

إن القومية الاجتماعية، التي تختصرها المبادئ الثلاثة عشر، الأساسية والإصلاحية، هي الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى الخلاص وبناء حياة جيدة لنا، وأن حاجة مجتمعنا إليها هي اليوم أقوى مما كانت عليه في اي وقتٍ مضى.  أي تفكيرٍ مخالف لا يبقينا في حالة التخلف التي نعيشها الآن، بل سيقودنا حماً إلى مهالك أدهى وأشد.  لا يمكن لأية فكرة دينية، مهما كانت، أن تنقذ شعبنا مما هو فيه.  ولا يمكن لأية فكرة عروبية وهمية أن تؤدي أي خدمة مفيدة لشعبنا.  وحدها القومية الاجتماعية، ووحدها العروبة الحقيقية التي تقول بها القومية الاجتماعية، قادرة على تقديم فرص الإنقاذ لشعبنا.  يبقى لشعبنا أن يختار بين طريق الوحدة والحياة القوميتين وبين الأوهام التي لن تقوده سوى إلى الهلاك.  

قمة الصفحة

 

حلقة خامسة

 

شروط النجاح وعوامل الإخفاق

كتب إليّ أحد الرفقاء الأحباء الذين يتابعون هذه السلسلة من المقالات، يشيد بمضمونها لكنه يحذرني من أني أخلق من خلالها أعداء كثيرين لي.  هنا إذ أشكر رفيقنا العزيز، لا بد لي أن أشير، وأنا على صراعٍ شديد مع المرض، هو يأبى أن يتراجع وأنا ارفض أن استسلم، ألأمر الذي يترك لي وقتاً قصيراً للكتابة، أن كتاباتي هذه ليس لها حسابات ربح أو خسارة.  لم تكن حسابات الربح والخسارة الشخصيين أي دورٍ في حياتي الحزبية، إذ كنت أمارس عملي الحزب بإيمانٍ كلي غير آبه لأية نتائج شخصية على الإطلاق. كان همي أن يكون الحزب هو الرابح الأول والأخير.  فكتاباتي هذه، سواء أوجدت من يفهمها ويحترمها، أو خلقت من يعارضها، إنما تعكس تجربة غنية لا أتواضع مطلقاً في الدلالة عليها والكلام عنها.  أقول للمعجبين بكتاباتي، شكراً لكم.  أما الذين اختاروا أن يكونوا أعداءً بسببها، فأقول إني أشفق على ما انتم فيه من جهالة وأوهام.  لكني أعد الجميع أني سأستمر في الكتابة، ما بقيت منتصراً في معركتي المستمرة مع المرض.  بعدها لن يكون هناك كلام آخر.

لا نأتي بجديد عندما نقول إن سعاده كان يدرك تماماً أنواع الصعوبات التي تقف في وجه إطلاق حركته ووضعها في مسارها الصحيح.  أبعد من ذلك، كان يدرك أن حظها من النجاح مرتبط بتوفّرِ شروط متعدّدة المصادر والأصول.  لكنه كان يدرك أيضاً أن النهوض بالشعب يوجب التحرّك والعمل مهما كانت النتائج أو العواقب.  ذلك أن أيَّ جهدِ يبذل في سبيل العمل القومي يبقى سجلاّ في تاريخ الشعب وشاهداً على أصالته وتوقه إلى الحياة الحرة الكريمة.  فإذا كانت الصعوبات والعراقيل تجعل من إطلاقِ العمل القومي في الظروف المعنية مغامرة، فالمغامرة في هكذا حالة أمرٌ لا مفرّ منه.

لكنّ الخطر الأجنبي على العمل القومي لم يتوقف في حدود ردة فعل سلطات الأمر الواقع الاستعمارية ولجوئها لملاحقة زعيم الحزب وأعضائه ومحاكمتهم وسجنهم، بل تخطاه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير وما هو أشدّ دهاءً وخطورة.  لقد أصبح الحزب موضع اهتمام دوائر المخابرات في دول كثيرة، خاصة منها تلك التي تطمع بأدوارٍ مستقبلية لها في بلادنا. 

ليس هناك الكثير من أدبيات العمل الحزبي ما يدلنا أن سعاده أعطى هذه المسألة ما تستحقه من اهتمام.  لذلك بقيت أبوابُ العملِ القومي مشرّعةً على مصارعها أمام الأخطار الناجمة عن هذه المسألة بالذات.  إننا نعتبر أن مناخ الأحداث التي حصلت بعد عودة سعاده من مغتربه ألقسري وحتى تاريخ استشهاده، هو من صنع المخابرات الأجنبية، وتحديداً، المخابرات الأميركية-الإسرائيلية.

لقد تنبّه سعاده إلى خطر الصهيونية على بلادنا وهو لم يبلغ الواحدة والعشرين من العمر بعد، وقبل ربع قرنٍ من نجاح اليهود في اغتصاب جزءٍ من فلسطين وإقامة دولتهم عليه.  لقد رأى سعاده أن الصهاينة أبدعوا في العمل المنظّم وما يحتاجه من سرية ووسائل سياسية-دعائية-مالية على مختلف المستويات، لذلك اعتبر دقة الخطة الصهيونية ونظاميتها قادرين على تأمين فرص النجاح لها بالرغم من غرابة أهدافها.  ما لم يتنبّه له سعاده بصورة كافية، هو ما يمكن أن يكون موقف الحركة الصهيونية منه عندما يدعو شعبه إلى إيجاد خطة نظامية معاكسة، تقف حائلاً دون تمكين الصهيونية من إقامة دولة لليهود في فلسطين.  في رأينا، أن الحركة الصهيونية تنبّهت باكراً إلى سلوك سعاده وكتاباته وهي أدركت ما يمثلّه من خطورة عليها بعد إطلاقه للحركة القومية الاجتماعية. وهي وصلت إلى قناعة تامة بخطورة الزعيم الشاب وحركته على الدولة اليهودية المقامة حديثاً، لذلك قرّروا التخلص منه كضرورة للتخلّص منها.  ذلك أن مشروع سعاده القومي كان وسيبقى المشروع الوحيد الذي ينقض ويهدد وجود الدولة اليهودية-الدينية على أرض فلسطين المغتصبة.  لا غرابة اليوم أن نرى أن السياسة الأميركية/الإسرائيلية تستميت لتقسيم أرضنا وشعبنا إلى دويلات مذهبية تكون مبرراً أخلاقياً وتاريخياً لوجود واستمرار الدولة اليهودية.

لم يكن موقف سعاده من هذه النقطة بالذات جهلاً لها أو إهمالاً منه، بل كان نتيجة لحقيقة مُرّة ومخجلة لمعظم الذين ادّعوا البطولات في تلك المرحلة من تاريخ الحزب.  لقد كان يعمل وحيداً.  إن المدقق في تاريخ تلك الفترة، فترة عودة سعاده من المغترب حتى تاريخ استشهاده، يجد أنه لم يكن حول سعاده كثيرمن السواعد المصممة على العمل والعقول الراغبة في التضحية وتحمّل المسؤوليات.  لذلك لم يكن هناك مجالٌ لإيجاد أجهزة فعّالة تمارس وظائفها وأدوارها على أكمل وجه، خاصة منها تلك المتعلقة بأمن الحزب وما يحتاجه من عمل استخباراتي قادر على جمع المعلومات وتحليلها والتصرف بشأنها بالطريقة المناسبة.   إن الذي يطّلع على الأدبيات التي أصدرها بعض العاملين في تلك الحقبة، لا بد أن يكتشف أن الصبيانية وحب الظهور والمصلحة الفردية حلّت محلّ الرجولة والعمل المسؤول الذي يضع العمل القومي في المقام الأول.  من يتساءل في هذا الأمر نحيله على نتاج بعض هؤلاء أمثال عبدالله قبرصي وجبران جريج وابراهيم يموت وغيرهم.  ففيها الكثير من المضحك-المبكي.

إن إعلان الزعيم بعد قرار تقسيم فلسطين المشؤوم، من أنه إذا كان الصهاينة يعملون على إعداد ضباطٍ وجنودٍ لتثبيت اغتصابهم لفلسطين، فإن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقوم بإعداد ضباط وجنودٍ من اجل التصدي لهم ومحاربتهم، لم يكن يعبّر عن حقيقة عملية وواقع جديٍ مسؤول، بل أن موقف سعاده ذاك كان يعبّر عن مسؤولية الحزب العقائدية والمعنوية في التصدي للمشروع الصهيوني واستعادة فلسطين.   فالزعيم كان قد توصّل إلى معرفة الضعف والهزال والهروب من المسؤولية من قبل معظم المحيطين به، وإلى معرفة أن ذلك النسيج من الناس غير مؤهلٍ لتخريج ضباط أو جنود.

أما الوجه الآخر للعراقيل التي كانت تنتظر العمل الحزبي الجديد، وهو الأهم، فكان ذلك المتعلق بالشعب وما هو عليه من "ضعف الأخلاق وانحطاط المناقب"، كما ورد في مقالة له بعنوان "اليمين" في جريدة "الزوبعة" ، العدد 65، 11 أيلول عام 1943.   ذلك أن مثل ذلك المناخ الأخلاقي ألمناقبي الذي يحيط بشعبنا، يقود إلى أضرارٍ عظيمة منها "فساد الحقيقة وذهاب الرجولة وفقد الأهلية وتفكك الاجتماع وتهدّم القضايا وركوب العار."

من أجل التخفيف من تأثير ذلك المناخ على الحزب، ارتأى سعاده أن يجعل نظامه فردياُ-مركزياً-تسلسلياً، "منعاً للفوضى في داخله واتقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب." (المحاضرات العشر، المحاضرة الثالثة)

من الواضح أن الهدف من جعل نظام لحزب فردياً-مركزياً-تسلسلياً كان إبقاء القرار الأول والأخير في الشؤون التشريعية والتنفيذية في يد سعاده من أجل حماية الحزب، حيث يكو الحسم في أي مسألة من المسائل الناشئة سريعاً  وقطعياً.  فسعاده لم يكن يخاف على الحزب من نفسه، وهو مؤسسه وباعث قضيته، بل كان يخاف عليه من "ضعف الأخلاق وانحطاط المناقب" التي تتغلب حتى على نفوس بعض المنتسبين إلى الحزب.  إن مثل هذه السلطة لزعيم لحزب، هي التي مكنته من الحسم السريع في جميع المسائل الإنحرافية التي رافقت الحزب منذ تأسيسه وحتى استشهاد سعاده.

لقد وضع سعاده ايضاً شرطاً دستورياً يوجب على المنتسبين إلى الحزب تأدية قسم يمين يربطهم بنظامه ربطاً أخلاقياً مناقبياً.  إن قسم اليمين إجراءٌ يعتمد في معظم المسؤوليات الأساسية في جميع الدول الراقية وفي المنظمات والأحزاب والهيئات والنقابات والمهن الحرة، خاصة مهنة الطب التي يعود نصُّ  قسمها الأساسي لأيام "هيبوقراط" (القرن الخمس قبل الميلاد).  فاحترام قسم اليمين والعمل بموجباته يمثّل أعلى درجة أخلاقية عند الذين يقدّرون دور الأخلاق في بناء المجتمعات.  فكلما ارتقت أخلاق الناس في المجتمع  وسمت مناقبهم، كلما ارتقى المجتمع وازداد تماسكاً وقوةً.

هنا نأتي إلى أهمية الأخلاق والمناقب في نجاح كلّ عملٍ جماعيٍ عام.  إذ مهما كانت الآلية النظامية لأيِّ مؤسسة عامة أو أي حزبٍ أو منظمةٍ محصنّةً دستورياً، فإنها لا تعني شيئاً على الإطلاق ما لم تكن الأخلاق والمناقب في أساس عملها.  في غياب الأخلاق أو ضعفها، لا تنفع أية آلية دستورية مهما كانت دقتها ودرجة إحكامها.  إذ أنه في هذه الحال، يكون الالتفاف على القوانين ومواد الدستور عملية سهلة، يلجأ إليها الانتهازيون والمستهترون بالشأن العام من أجل تغليب مصالحهم الشخصية وتحقيق مآربهم.

ولكن ما هي الأخلاق والمناقب؟

إن الأخلاق والمناقب، هي قيم إنسانية.  وهي مثلها مثل غيرها من القيم الإنسانية، هي شأن نسبي.  لكن النسبة هنا تعود للجماعة أو المجتمع وليس الأفراد.  وهي تعكس بصورة عامة القيم والمبادئ التي تؤمن بها الجماعة أو الشعب.  هذا يعني أن هناك علاقة أساسية بين الأخلاق والمناقب من جهة، والوعي والمعرفة من جهة أخرى.  فكلما كانت معرفة الجماعة ووعيها لمبادئها وقيمها كبيرة وشاملة، وكلما كان الإيمان بتلك المبادئ والقيم قوياً وصلباً،  كان النظام الأخلاقي- ألمناقبي قوياً وفاعلاً. والعكس هو صحيح. 

هكذا، نستطيع القول إن أية مجموعة من المبادئ والقيم تنتج نظاماً أخلاقياً – مناقبياً خاصاً بها.  على هذا الأساس، نحن نستطيع أن نتكلم عن أخلاق ومناقب قومية اجتماعية.  هذه الأخلاق والمناقب القومية الاجتماعية، إنما تعكس المبادئ والقيم التي تقوم عليها الحركة القومية الاجتماعية.  فكلما كانت المعرفة بهذه المبادئ والقيم عميقة وواضحة، وكلما كان الإيمان بها صلباً وقوياً، كان النظام الأخلاقي –ألمناقبي للحركة القومية الاجتماعية نظاماً منيعاً يصعب خرقه وتدجينه.  والعكس هو صحيح.

المعرفة، الوعي، الإيمان، والأخلاق، هذه هي الأعمدة الرئيسية التي يرتكز عليها نجاح أية حركة من الحركات.  وهذه هي الأقانيم الأساسية التي كرر سعاده الإشارة إليها في كل مناسبة، كشرطٍ لنجاح الحركة السورية القومية الاجتماعية.

إذا كانت الحركة القومية الاجتماعية قد أخفقت، فإن إخفاقها يعود إلى ما واجهته من ضعفٍ في مستوى المعرفة العامة، والوعي العام، والإيمان العام والأخلاق العامة عند المنضويين تحت لوائها.  ذلك أن التفاوت في المعرفة والوعي والإيمان والأخلاق بين المنضوين تحت لواء الحركة كان شديد الوضوح في مسيرة الحركة وتاريخها.

إن الحركات النهضوية الجديدة معرضة دائماً لمثل هذا التفاوت في المعرفة والوعي والإيمان والأخلاق، إذ أن المقبلين عليها لا يحملون هدفاً موّحداً للانضواء تحت شعاراتها.  بعض هؤلاء ينجذب إلى الحركة بسبب شعارٍ أو مبدأٍ معين، بينما ينجذب آخرون لشعارٍ أو مبدأٍ آخر.  إن تماسك أية حركة وقوتها وفرص نجاحها يعتمد أولاً وأخيراً على تماسك مبادئها وشعاراتها وشمولية الإيمان بهذه المبادئ والشعارات والإخلاص في العمل لها.

ما ينطبق على الحركات بصورة عامة، ينطبق على الحركة القومية الاجتماعية.  ذلك أن الدافع الأساسي عند الذين انتسبوا لهذه الحركة في جميع مراحلها،  لم يكن واحداً.  طبعاً، هذا يخالف طبيعة القسم الذي كان عليهم تأديته من أجل الانتساب للحركة، وهو يوجب الإيمان والعمل لجميع مبادئها وشعاراتها.  لكن ضعف الوعي والأخلاق يوجد استخفافاً بالقسم واحترامه، فيعتبر من قبل كثيرين بأنه مسألة إجرائية عابرة لا قيمة له.

لقد حملت الحركة القومية الاجتماعية مبادئ وقيم وشعارات كان لها صدىً مغايراً عند فئات الشعب المختلفة بأفكارها وولاءاتها السياسية والمذهبية بصورة خاصة.  بعض الفئات رفضت شعارات الحزب بالكلية، إما لسبب انعزاليتها أو إنفلاشيتها، والاثنتان لهما خلفية مذهبية، واحدة لها علاقة بالحماية والتشجيع الانتدابيين، والأخرى لها علاقة بالمد المحمدي السني.

فئات أخرى رأت في بعض شعارات الحزب ومبادئه ما ينسجم مع تفكيرها ومزاجها كما أن بعضاً لم يجد ضيراً من الانجذاب إلى شعارٍ ما أو إلى جزءٍ منه لما رأى فيه من اقترابٍ عملي لحل مشكلة من المشاكل القائمة.  إن كثيرين من الذين انتموا إلى الحزب من المذهب السني رأوا بأن "سورية للسوريين" يرضي بعض نقمتهم على الانتدابيين الفرنسي والإنكليزي.  لكنّ هؤلاء سرعان ما ابتعدوا عن الحزب بعد أن وجدوا في الجزء الثاني من المبدأ نفسه إحراجاً مذهبياً لهم.  فالقول بأن "السوريين أمة تامة" يتناقض مع أوهام "الأمة العربية الواحدة" من المحيط إلى الخليج، يجلب عليهم نقمة محيطهم الذي وجدوا صعوبة في تحديه أو الانفلات منه.  حتى أن كثيرين من المنضويين في الحزب من خلفية مذهبية سنية ومن الذين مارسوا مسؤولياتٍ مركزية عليا فيه، لم يستطيعوا أن يجاهروا سوى بقومية الحزب وليس بعلمانيته إذ أبقوا على سلوكهم المذهبي حتى مأمن بيوتهم.  أما العلمانيون منهم فبقوا محدودي العطاء بسبب تغليب مصالحهم الخاصة.  ربما كان محمد بعلبكي أبرز هؤلاء.  فهو مارس العقيدة القومية الاجتماعية كهواية وليس كمسلك عملي.  إذ أنه كان دائماً، وهو صحافي وصاحب جريدة، يراعي الأيدي السعودية التي تغدق عليه.  وهو لا ير حرجاً في الامتنان من الأيدي الحريرية، فنراه يحتفظ  في مكتبه في نقابة الصافة بأكثر من صورة لرفيق الحريري.

بالمقابل فإن بعض المسيحيين الذين انجذبوا إلى الحزب فعلوا ذلك لأنهم رأوا فيه بديلاً عن الانعزال والانفلاش، الفكرتين اللتين لم يتقبلهما تفكيرهم.  وقد رأوا في مبدأ "سورية للسوريين والسوريون أمة تامة" مبدأً عملياً قادراً على تقديم الحل الصحيح لنهوض الشعب وتقدمه.  لكن بعض هؤلاء سقط أو بسبب سيطرة الفكرة المذهبية عليه، أو لأن مصالحهم الشخصية تطلبّت تعديل تفكيرهم السياسي أو تغييره من أجل المحافظة على تلك المصالح.

بعض آخر من الذين انتسبوا إلى الحزب فعلوا ذلك بسبب شخص الزعيم لا أكثر ولا أقل.  كثيرون من هؤلاء سقطوا بعد اغتراب الزعيم ألقسري، خاصة أنهم رأوا أن الإعجاب بالزعيم أمرٌ مكلفٌ لهم قد يوصلهم إلى الاعتقال والسجن.  لكنّ هؤلاء كانوا في غالبيتهم من الناس العاديين الذين لا مصالح خاصة لهم يستطيعون تحقيقها من خلال الحزب.

إذا كانت هذه الحالات التي أشرنا إليها تقدّم لنا نماذج من الذين انتسبوا للحزب في مراحله الأولى وحتى عودة الزعيم من اغترابه ألقسري، فإنها لا تعدو غيضاَ من فيضٍ.  إذ أن الانتقال من الحالات الطائفية أو الاجتماعية أو السياسية التي كانت سائدة في المجتمع لمعظم المنضوين تحت لواء الحزب، لم يكن كاملاً وقاطعاً.  هذا يدلّ على أن الأخلاقية القومية الاجتماعية مورست بنسب معينة بين القوميين.  هذا لا يعني أنه لم يكن هناك من اعتنق العقيدة القومية الاجتماعية بإخلاص وإيمان  كليين، إذ أن مثل هؤلاء، مغمورين أو معروفين، من صنع في الحقيقة تاريخ الحزب.

لم يفهم الحزب على حقيقته من قبل الذين توسّم فيهم الزعيم قدرةً على قيادة الحزب بسبب تحصيلهم العلمي أولاً، ولما أبدوه أمامه من حماسة من جهة ثانية.  هم لم يفهموا أن الحزب ثورة ونهضة قبل كلّ شيء.  والثورة لها متطلباتها وطرق عملها، وتحتاج إلى أثمانٍ وتضحياتٍ وأعمال ٍ خلاّقة.  قليلون من هؤلاء من كانوا على استعدادٍ لدفع الأثمان أو التضحية أو العطاء.  الثورة بحاجة لكل شيء، لكنّ الكثيرين من الذين كانوا قادرين على التضحية أو العطاء لم يكن لديهم شعور بالتضحية أو العطاء.  كان الحزب بالنسبة إليهم مظاهر عامة تلفت الأنظار إلى أشخاصهم للإيحاء بأنهم ذو مكانة ومقدرة، ثم هم يتوارون بعد ذلك، بين المظهر العام والآخر، في انشغالاتهم الشخصية وصغائرهم.

كان من واجب سعاده إعداد قادةٍ للحزب ممن توسم فيهم استعدادات أولية.  لكنه لم يكن ذنب سعاده بشيء أن مراهنته على كثيرين من هؤلاء كانت خاسرة.  ربما كان هشام شرابي أسوأ مثل على بعض هؤلاء.  من يتابع سيرة هذا الشخص بعد استشهاد الزعيم، يدرك حقيقة ما نعنيه في هذا المجال.

إن إخفاق الحزب يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الأخلاق والمناقب التي تعكس إيماناً انتقائياً بالعقيدة القومية الاجتماعية.  لقد أنتج الحزب رجالاً أثبتوا شجاعةً مثالية في مواقف معينة، لكنه لم يستطع إنتاج قادة في مستوى غايته وقضيته.

قمة الصفحة

 

حلقة سادسة

من الإخفاق إلى الفشل

 قبل الاسترسال في الكلام عن الإخفاق والفشل لا بد من وقفة وتوضيح.  إن كلامنا في هذا المجال إنما يطال غاية المشروع الاستراتيجي القومي بكامل أبعاده وشموليته.  إن هذا المشروع هو من العظمة والخطورة بمكان، ما يجعل كثيرين يقولون إن سعاده قد أتى قبل زمانه.  سعاده نفسه كان يدرك أن هذا المشروع بحاجة إلى إنسان جديد، إلى عقلية إنسانية مجتمعية جديدة عن أبناء الشعب الواحد، لها ميزة الوعي والفهم والإدراك والخلق والإبداع، وتملك إرادة صلبة وتصميماً على الصراع والعطاء.

إن ما يجعل الكثيرين يعتقدون أن سعاده أتى قبل زمانه، هو أن خلق مثل ذلك الإنسان الجديد، أو المجتمع الجديد، من بيئة مجتمعية طغت عليها جميع أنواع الجهالة والإنقامسات والتنافرات والعصبيات، حيث بدت أن لا شيء يجمعها سوى وجودها على بقعة جغرافية واحدة، هو عملية مستحيلة.  لقد شكّل سعاده بمشروعه القومي تحدياً لا حدود له لتلك البيئة.  إن ذلك التحدي، مقارنة مع التحديات التي واجهتها المسيحية والإسلام في بداية انتشارهما، هو أقوى وأكثر تعقيداً. طبعاً، إن إشارة هذه لن تجرنا إلى مزيدٍ من المقارنة والشرح والتوضيح.  إذ هي خارج نطاق موضوعنا.

سعاده كان يدرك أنه ينطلق من ما دون الصفر في مشروعه القومي.  لكن هذا لا يعني أنه أتى قبل زمانه، بل هو أتى في اللحظة التاريخية المناسبة، سواءً كانت البيئة مؤهلّة لتحمّل مثل ذلك المشروع القومي أم لا.  فالأهمية القصوى والحاجة الملحة هي في إطلاق المشروع ووضع الشعب وجهاً لوجه أمام قضيته.  فإذا كان سعاده قد امتلك من الوعي والإدراك والمعرفة ما جعله يرى حقيقة شعبه وقضيته ويضع لها طريق الإنقاذ والنهوض، فالمسؤولية والواجب يقضيان عليه نقل كامل معرفته إلى شعبه، ووضع القضية بين يديه.  أما عظمة سعاده فهي لا تكمن في وعيه لقضية شعبه وإنجاز مشروعه القومي لمعالجة هذه القضية فحسب، بل في تصميمه على قيادة عملية بنفسه وتكريس حياته لها.

يتبين هنا أن كلامنا عن الإخفاق لا يلغي ولا يقلل من شأن النجاحات النسبية التي حققتها النهضة السورية القومية الاجتماعية.  إن هذه النجاحات هي عظيمة أيضاً بحد ذاتها.  أن يتمكن سعاده من خلق جماعةٍ موحدةٍ بعقليةٍ ومبادئ جديدة تتناقض مع حولها في الكثير من الأشياء، وأن تجد حضور تلك الجماعة في مئات القرى والمدن في الكيانين اللبناني والشامي بصورة خاصة، إلى جانب المغتربات، هو إنجاز عظيم بحد ذاته أيضاً.

لا يمكن لأي كلامٍ عن الإخفاق أن يطمس حقيقة أن الحركة القومية الاجتماعية خلقت أبطالاً كثيرين.  حتى الذين لم يرتقوا إلى مصافي البطولة الكاملة، أو الذين أظهروا ضعفاً وخوفاً في هذا الموقف أو ذاك، شكلّوا انجازاً عظيماً بحد ذاته، لأن خيارهم في الانتقال من المجتمع القديم إلى المجتمع الجديد كان تحدياً عظيماً من قبلهم، يتطلب كثيراً من الشجاعة والجرأة والإقدام.  إن الكلام عن الإخفاق، لا يلغِ حقيقة أن النهضة خلقت مناخاً فكرياً فلسفياً جديداً، كان وما زال من أغنى المناخات الفكرية على الإطلاق، بالإضافة إلى إرساء لغةٍ تعبيرية جديدة هي في تطورٍ مستمر.

من هنا يتبين أننا واعون لإنجازات النهضة والتغييرات التي أوجدتها في مجتمعنا، وواعون لعطاءات وتضحيات رجالها، على كافة المستويات.  فمشكلتنا ليست مع الإنجازات بالإطلاق، بل مع إنجازات المشروع القومي بكامله، مقارنة مع غايته الأساسية وأهدافه الرئيسية.

ثم نحن لا نقصد ظلماً، فكلامنا عن الإخفاق يتناول إخفاق الحركة القومية الاجتماعية في الكيانين اللبناني والشامي، وهما الكيانان اللذان انتشرت فيهما الحركة بصورة جيدة.  فلو كان من الجائز اعتبار الكيانات الأخرى، في فلسطين والأردن والعراق، إلى جانب الأهواز، لكان الإخفاق عنواناً لا يقبل الجدل على الإطلاق.  فانتشار الحزب في فلسطين والأردن بقي محدوداً جداً، كما كان شبه معدومٍ في العراق والأهواز.  ذلك أن مشروع سعاده ومن ضمن جميع المعطيات التي تشتمل عليها البيئة السياسية-الاجتماعية- الروحية للشعب السوري، كان مشروعاً طموحاً جداً.  إذ أن توحيد كامل الشعب السوري في إرادة واحدة، حول غاية واحدة، في كامل بيئته الطبيعية، شكّل نقيضاً للحالة التي كانت قائمة في هذه البيئية، وما زالت، بما فيها من فروقات دينية وانقسامات مذهبية وطائفية وإثنية وعشائرية.  إن مهمة كهذه برهنت حتى الآن على أنها ليست عملية في غاية الصعوبة فحسب، بل مستحيلة.  حتى أن هذه الصعوبة تنسحب على حزب البعث، الذي اعتمد مقاربة عقائدية متناغمة مع الواقع البيئوي السياسي-الاجتماعي-الروحي مع إضافة شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية إليها، والذي نجح في استلام مقدرات الحكم في الكيانين الشامي والعراقي. طبعاً، فإن فشل هذا الحزب في هذين الكيانين، يعود بصورة رئيسية إلى سلوكه السياسي العملي وانتهازية قادته وفرديتهم وميلهم إلى السيطرة والطغيان.

سعاده كان يعرف طبيعة مشروعه جيداً، وهو أدرك أنه إذا كان له نصيب من النجاح، فذلك لن يكون سوى من خلال أجيال مستقبلية قد يطول مجيئها.  أما حرص سعاده العملي، فكان في تقديم النموذج المثالي للنهوض الثوري القومي يكون ماثلاً أبداً أمام أي جيل يرتفع إلى مستوى المسؤولية المطلوبة للنهوض والثورة.

الحقيقة أني أميل إلى الاعتقاد بأن سعاده كان يملك أملاً كبيراً عند إطلاق حركته في أوائل الثلاثينات في قدرتها على الانتصار في الكيانين اللبناني والشامي على الأقل.  لكنه بعد عودته من المغترب ألقسري ومتابعته لسير العمل الحزبي في غيابه، وفشل مساعديه في قيادة الحزب من الارتفاع إلى مستوى المسؤولية القومية، أدرك أن الإخفاق هو العنوان الأكبر للحركة لغاية تلك الفترة الشديدة الخطورة والتغيرات.  عندما رأى سعاده أن الإخفاق وصل إلى درجة استهدافه شخصياً في محاولة للقضاء على مشروعه القومية برمته، رفض إلاّ أن يكون منسجماً مع نفسه وتعليمه، في وقفة عزٍ تصدت لكل مواطن الضعف والتخاذل في شعبنا.  لقد خسر سعاده حياته لكنه ربح قضيته وأبقاها شعلة مضيئة إلى الأبد.

إن الأشخاص الذين تولوا قيادة الحزب بعد استشهاد سعاده هم أنفسهم الأشخاص الذين فشلوا في الارتفاع إلى مستوى المسؤولية القومية، وهم أنفسهم الذين فشلوا في مساعدة سعاده بأي شيء، حيث كان على سعاده أن يعالج المسائل التي هي من مسؤولياتهم، وهم أنفسهم الذين فشلوا في حماية سعاده وتركه يصارع وحيداً تنين الصهيونية وعملائها.  كان يمكن لأولئك الأشخاص أن ينهاروا بالكامل لولا ذلك المناخ التاريخي الرائع الذي خلقه سعاده باستشهاده.

إن أغرب ما يلاحظ عن أولئك الأشخاص، تصنيفهم لأنفسهم وتصنيف القوميين لهم بأنهم قياداتٍ تاريخية للحزب.  وهم بدون استثناء، مع بعض التفاوت طبعاً، لم يكونوا مؤهلين بأي صورة من الصور لأن يكونوا قادة حقيقيين، يملكون مهارات حقيقية في القيادة، ويملكون الصفات القيادية التي تستطيع تحويل العمل القومي إلى عمل منتج.

لم يكن جورج عبد المسيح استثناءً، بل كان يملك من النشاط والقوة والالتزام والتصميم، الصفات التي افتقدها الآخرون من "القياديين التاريخيين"، ما يكفي لأن يفرض نفسه على الآخرين.  لكن الحزب بقيادة عبد المسيح لم يأتِ بشيء جديد، بل استمر بالعقلية الإخفاقية عينها التي توّجت بالتآمر على سعاده واغتياله.  فالعمل على انتشار الحزب وكسب أعضاء جدد سواء من بين المواطنين العاديين أو في صفوف الموظفين والعسكريين، كما كان يحصل في الشام، يمثل جزءً بسيطاً من حاجات العمل النهضوي.  إن العقلية التبشيرية بحد ذاتها لا تحقق نهضة ولا ثورة.  النهضة والثورة يحققهما العمل النهضوي الثوري.  العمل النهضوي الثوري هو عمل واعٍ مدرك، يعرف من أين ينطلق، وإلى أين يريد أن يصل، ويجد الوسائل والطرق المناسبة لتمكينه من الوصول إلى غايته.  العمل النهضوي الثوري هو عمل مؤسسات متخصصة ديناميكية فاعلة، مسؤوليتها تنظيم العمل القومي بكل جوانبه وحاجاته ومتطلباته وزيادة إنتاجه، وحمايته مما يحيق به من أخطار.

إن العمل المهرجاني السياسي، بكل وسائله الإذاعية-الدعائية ليس عملاً نهضوياً بحد ذاته.  قد ينجح هذا النوع من العمل في جذب المواطنين وتأليبهم حوله، لكنه لا يمكن أن يشكّل قوة لها وزنها في إدارة القضية القومية ومراقبة سيرها.

طبعاً أن فشل عبد المسيح وغيره من القيادات المساعدة له أو المتناكفة والمتخاصمة معه، في إيجاد المؤسسات عينها التي كان مطلوباً إيجادها خلال زعامة سعاده المباشرة وفي حياته، ليس أمراً مستغرباً.  فهي فشلت قبلاً لأنها فاقدة لقوى الإرادة والخلق والإبداع المطلوبة في حالٍ كهذه.

كما كان استشهاد سعاده دليلاً على تقاعس مساعديه ودليلاً على إخفاق العمل الحزب، كذلك كان اغتيال المالكي دليلاً على هشاشة العمل الحزبي وفشله.

إن الصراعات التي نشأت قبل اغتيال المالكي وبعده بين ما يشار إليهم بقيادات الحزب، ما هو سوى دليل صارخ على العقم الذي كان معششاً في نفوسهم، إضافة إلى ما كان في نفوس بعضهم من غايات وأهداف شخصية، حيث وجدوا في ركوب الحزب الطريقة المثلى للوصول إلى تلك الأهداف.  لقد حول أولئك الأشخاص الحزب إلى مطية للقوى الخارجية وألعوبة في أيدي القوى السياسية التقليدية.  فمن المشاركة في إطاحة بشاره الخوري، إلى القبول الضمني بحلف بغداد، إلى حشر النفس والانغماس غير المبرر في أحداث 1958، إلى المحاولة الإنقلابية، إلى الانبهار الفائق بما سمي الثورة الفلسطينية،  كلها دلالات على صبيانية "القيادات التاريخية" وفشل الحركة في إيجاد قادة في مستوى القضية القومية.

إننا إذ نمر بصورة سريعة على تلك الأحداث، دون تطويل أو توضيح أو تفسير، فذلك لأننا تناولنا بعضها في كتابنا من "من حنايا الذاكرة"، الذي يمكن الرجوع إليه لكل طالب معرفة. 

قمة الصفحة

 

حلقة سابعة

 
من الفشل إلى السقوط
 

 بناءً على ما ورد في الحلقة السابقة من هذه الإضاءة على واقع الحزب السوري القومي الاجتماعي، اتصل بي عدد من الرفقاء والأصدقاء المتابعين لهذه الحلقات، مشيرين إلى أنني لم أعمل على شرح طبيعة الفشل ومظاهره، كما أني لم أحاول تحديد المسؤوليات أو ربطها بأشخاص معينين، ضماناً لوضوح المشهد وكماله لدى جميع القراء بدون استثناء، مهما كانت درجة اطلاعهم والمستويات العلمية والثقافية التي عندهم.

  ذلك صحيح.  فأنا لم أشأ أن أشرح مواضع الفشل ومظاهره هرباً من التوسّع والإطالة، الأمر الذي لم يكن وارداً في ذهني عندما قررت كتابة هذه الحلقات.  لكني أعترف أني غالباً ما أرتكب خطأ الافتراض أن جميع القراء يملكون إطلاعاً كافياً على تاريخ الحزب ويعرفون تفاصيل كلّ الأحداث التي مرّ بها، وهو افتراض يفتقد كلياً إلى ما يبرره.  الحقيقة، أني أعرف مدى فداحة خطأ هذا الافتراض، عندما ندرك أن القراء المحتملين لهذه المقالات هم من الذي يروّجون أنهم قوميون اجتماعيون، وهؤلاء على درجة كبيرة من التنوّع والاختلاف في  درجات اطلاعهم لتاريخ الأحداث، وفي مستويات ثقافتهم وتحصيلهم العلمي، وفي حيوية تفكيرهم ودقته.  لذلك عمدنا إلى الشرح والتوضيح بصورة أطول مما كان في بالنا مبدئياً، أملنا في أن نكون قد راعينا الخلفيات الثقافية والمعرفية لجميع القراء.

لذلك، سأحاول هنا، قدر الإمكان، توضيح صورة الفشل ومظاهره بصورة وافية، مع تجنّب الإطالة غير الضرورية، استكمالاً للصورة وتعميماً للفائدة. 

بدايةً، لنسأل أنفسنا: ما هو الفشل؟ 

التحديد المتعارف عليه للفشل هو عدم الوصول إلى الغاية المرجوّة أو المقصودة.  كي نزيل أية حاجة للجدل أو الاختلاف حول هذا التعريف، أرى وجوب وضعه بالصيغة التالية:  الفشل هو عدم الوصول إلى الغاية المرجوّة أو المقصودة، بعد مرور زمن كافٍ على العمل لتلك الغاية، وبعد تلاشي الأمل بتحقيقها في المدى المنظور.

قياساً مع هذا التحديد، نستطيع أن نقول إن الحزب فشل من زمان في تحقيق غايته.  إن صورة هذا الفشل تبدو مريعةً جداً، عندما ندرك أن العمل الحزبي ابتعد كثيراً عن أن يكون عملاً هادفاً لتحقيق تلك الغاية. لقد اصطبغت طبيعة العمل الحزبي في مراحله المختلفة، بصبغة القيادات التي توالت عليه، وما كان لها من طرق تفكيرٍ، وما سيطر عليها من طموحات أو اعتبارات شخصية.

هذا الكلام لا يحتمل الجدل وينتفي معه أي مبرر للاجتهاد أو التنظير.  بالرجوع إلى دستور الحزب، الذي يتضمن مبادئه الأساسية والإصلاحية، إلى جانب غايته، وبالمقارنة المباشرة، يتبين لنا أنه لم يتم تحقيق أي هدف من أهداف الحزب على الإطلاق.

لا نريد أن نأخذ عدم تحقيق الوحدة السياسية بين الكيانات السورية كحجة أو برهانٍ في هذا الصدد.  فعدم تحقيق الوحدة السياسية بين كيانات الأمة السورية ليس لها تلك الأهمية في موضوعنا هنا.  لذلك سنركّز فيما يلي على ما نعتبره أساسياً وجوهرياً:

·        غالبية الشعب السوري لا تعتبر أن الأمة السورية أمة واحدة. بعضهم يرى فيها عدة أمم. بعض آخر يراها جزءً من أمة عربية.  جماعات أخرى من شعبنا تضع نفسها في أمم مذهبية أو أثنية عددها عدد المذاهب والإثنيات المكوِّنة له.

·        ما ينطبق على المبدأ الأساسي الأول ينطبق على المبدأ الأساسي الثاني.  فالقضية السورية ليست ماثلة سوى في عقول وأذهان عددٍ قليل نسبياً من أبناء شعبنا.  والاختلاط الحاصل عند شعبنا بالنسبة لمفهوم الأمة السورية يقابله اختلاط في مفهوم القضية السورية وإذا ما كانت مستقلة عن أية قضية أخرى أو ما إذا كانت عبارة عن قضايا متعددة لا يربط بينها سوى المجاورة والقرب من بعضها بعضاً.  فكم هو عدد الذين يعتبرون أن المسألة الفلسطينية، على سبيل المثال لا الحصر، هي جزء من قضية متكاملة، مستقلة عن أية قضية أخرى؟  أليس هناك أعداد كبيرة من أبناء شعبنا يعتبرونها قضية عربية أو إسلامية.  ثم أليس هناك أعداد مماثلة ممن يعتبرونها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم دون غيرهم.  استناداً إلى هذا الواقع، أي نجاح للحزب نستطيع أن نشير إليه على هذا الصعيد؟

·        إن شعبنا اليوم يغرق في فوضى مخيفة من المفاهيم التي لا تحمل أي خير له في مستقبله القريب أو البعيد.  وهي إلى جانب تناقضها مع مبادئ الحركة السورية القومية الاجتماعية، دليل على فشل الحزب في غرس مبادئه في عقول الناس وإزالة ما تحمله تلك العقول من مفاهيم مهترئة،عفنة.  فمن ضمن هذا الواقع لا تبدو الأمة السورية على أنها مجتمع واحد، بل إن فيها من المجتمعات المتنافرة ما يفوق التصور والمنطق. إن شعبنا اليوم، يمر بحالة من الانقسام والتنافر والكراهية والخوف لم يرَ لها مثيلاً منذ وصول الدعوة المحمدية إليه. إن الأقليات الإثنية والطائفية تعيش حالة من القلق والخوف، ليس بسبب وجود تهديد خارجي لها، بل بسبب طغيان الشعور المذهبي الحاد وما ينتج عنه من كرهٍ للآخر، حتى ولو كان الآخر شريكاً في المواطنة والحياة الواحدة. إن الصراع المذهبي السني-الشيعي هو من أشد الأخطار التي تواجهها أمتنا اليوم.  إن هذا الصراع إن دلّ على شيء، فهو يدل على فهم خاطئ للدين المحمدي من قبل المذهبيين المحمديين أنفسهم.  إن فهم هؤلاء بأن الإسلام دين ودولة، هو فاهم يتناقض مع جوهر الإسلام.  فإذا كان يصح اعتبار الإسلام دين ودولة في بداية الدعوة المحمدية، وفي المجتمع الصحراوي البدوي البدائي التي وجدت فيه، فإن هذا لا يمت بصلة إلى الإيمان الديني وضرورات الدولة المعاصرة. إن الصراع بين المذاهب لا علاقة له بجوهر الدين، بل ناتج عن صراع سياسي طويل بينها، هذا الصراع الذي تغذيه وتتحكم فيه أحقاد تاريخية قديمة واعتبارات دنيوية لا علاقة لها بالدين. إن الصراع المذهبي السني-الشيعي بصورة خاصة، ليس له مبررات دينية، ولا هو ناتج عن إرادة ألاهية، بل أن مبرراته  سياسية أوجدتها رغبات وإرادات إنسانية شخصية، حيث حلّت أحكام الإنسان والعدالة الإنسانية محلّ أحكام الله وعدالته. فالإنسان غلّب إرادته على إرادة الله، وهو فعل ويفعل ذلك باسم الله ودفاعاً عنه.  إن في هذا السلوك الإنساني الغريب، كمٌ هائل من الكفر وقلة الإيمان، لكننا نحجم عن تقديم الحجة والبرهان على ما نقول لأنه خارج غرضنا هنا.  إن حجم الصراعات المذهبية اليوم وقوتها اليوم، هو دليل على فشل الحزب في الوصول إلى الناس ودعوتهم إلى البدائل النهضوية التي تكفل صهرهم في بوتقة صراعٍ واحدة ضد الأخطار الحقيقية التي تهدد وجودهم ومصيرهم. لقد أدرك سعاده الجوهر الأساسي لمعركة الحزب عندما حدد أن الغاية لهذه المعركة هي "الوصول إلى الشعب".  شخصياً، لا أرَ أفضل وأقوى من هذا التعريف لطبيعة معركة الحزب وغايتها.  إنه في منتهى البلاغة والدقّة والشمولية.  إن اعتماد هذا التعريف للحكم على نجاح أو فشل الحزب، هو أمر جائز وضروري.  ثم لنعتبر، على سبيل الجدل لا غير، أن المقصود بالأمة السورية هو الكيانان اللبناني والشامي.  بعدها لنسأل أنفسنا: هل وصل الحزب إلى الشعب في هذين الكيانين؟  وإذا لم يصل حتى الآن إلى الشعب بعد ما يقارب الثمانية عقود من الزمن، فمتى يصل؟  هل يصل بعد مزيدٍ من المجازر المذهبية بين الشيعة والسنة من شعبنا، أو بين السنة والعلويين، أو بين المسيحيين والدروز، أو بين الدروز والشيعة أو السنة أو الاثنين معاً، أو بين المسيحيين والشيعة أو السنة أو الاثنين معاً، أو بين أبناء شعبنا من الإثنيات المتعددة مع غيرهم من أبناء المذاهب أو الإثينات الأخرى؟  ثم ما هي الطرق الجديدة التي يعتمدها الحزب مستقبلاً كي يكون له مصداقية افتقدها لوقت طويل؟

لقد رأينا أن ثورة عام 1949 أخفقت في تحقيق أهدافها المباشرة، لكنها أسست لنموذج ثوريٍ رائع يمكن الاحتذاء به في أي زمنٍ ومن قبل أية جماعة نهضوية ثورية تمتلك الأهلية والجدارة اللتين يتطلبهما العمل الثوري النهضوي النزيه.  من ميزات تلك الثورة الرائعة، أن سعاده قرر القيام بها رغم معرفته باختلال توازن القوة بين قوة الثوار القوميين وقوة الدولة اللبنانية.  أبعد من ذلك، قرر سعاده الاستمرار في الثورة رغم اكتشافه أن السلاح الذي أرسله حسني الزعيم له كان سلاحاً فاسداً، وأن مشاركة القوميين بتلك الثورة كانت أدنى بكثير من الوعود التي تلقاها سعاده من مساعديه ومعاونيه.  فاللحظة هي لحظة الثورة، والثورة يجب أن تنطلق مهما كانت النتائج ومهما كان الثمن.

هناك ميزة مهمة أخرى من ميزات تلك الثورة، أنها باستثناء طلب التزوّد بالسلاح من الحكومة الشامية، لم يطلب سعاده أية مساعدة من أي جهة سياسية أو طائفية أو عشائرية كانت، مفضّلاً الاعتماد كلياً على النفس لإبقاء الثورة على نقائها وفي الاتجاه المرسوم لها.  هناك أكثر من تصريح لسعاده يرفض فيه أن يكون الحزب مطية للحكومة أو المعارضة، ويشدّد فيه على استقلالية الحزب والقرار الحزبي.

إن ما يتوقعه أي امرئٍ يمتلك حدّاً أدنى من الفهم والمنطق السليم، هو أن يصبح هذا النموذج الثوري الرائع، منارة تهتدي بها الحركة السورية القومية الاجتماعية.  أكثر من ذلك، أن الحركة مُلْزِمَة بالاحتذاء بتلك الثورة وطهارتها وصفائها وما تخللها ونتج عنها من بطولات مميزة.  لم يقف سعاده ذلك الموقف التاريخي العظيم لأنه يمتلك الرغبة في الموت أو الانتحار، ولا وقِفَهُ بسبب ما أشيع عن لسانه كذباَ وفبركةً وتدجيلاُ من أنه "كتب رسالته وسيختمها بدمه".  لقد أقدم سعاده على ما أقدم، لأنه كان يواجه أحد خيارين لا ثالث لهما: أو الانهزام والرضوخ للطغيان والظلم، أو الانسجام مع الذات بكل ما تعبّر عنه من مبادئ وقيم وأخلاق ووقوف الموقف الذي طالما بشّرّ به، منتظراً اللحظة المناسبة لإعلانه ووقوفه. ولا يضيره بشيء أن اللحظة التي أعلن فيها ثورته لم تكن اللحظة التي أرادها هو.  حسبه أنه وجد في تلك اللحظة المفروضة عليه، فرصة لتقديم نموذجاً ثورياً لحزبه وأمته، يمكن أن يحتذيا به في الأزمنة التاريخية الفاصلة.

لقد صدم سعاده بحالة الترهل التي سيطرت على معظم من كان حوله من أعوانٍ ومساعدين، خاصة، أنه صرف كثيراً من الوقت والجهد من أجل إعداد أولئك الأشخاص كي يكونوا قادة فاعلين للحزب.  إن حالة الترهل تلك، هي التي منعت الحزب من الاستفادة من الزخم الذي خلقته عودة سعاده من مغتربه ألقسري. لقد أشرت إلى هذا الأمر مع بعض التفصيل في مذكراتي التي جعلت لها عنواناً "من حنايا الذاكرة"، حيث يمكن الرجوع إليها من قبل الذين يريدون مزيداً من المعلومات بهذا الخصوص.  من التفاصيل التي ذكرتها في تلك المذكرات، أن سعاده رأى، أمام ذلك الترهل، أنه من الأفضل تسليم قيادة الحزب لهم وأن يتفرغ هو للكتابة في المواضيع التي كانت النهضة بأشد الحاجة إليها، كما ورد في مذكرات الأمينة الأولى.  لكنّ تسارع الأحداث وتلاحقها، ونشؤ تطورات جديدة بفعل المؤامرة على سعاده وحزبه، منعته من تنفيذ رغبته.

لقد سمعنا مراراً أشخاصاً من المصنفين ك"قادة تاريخيين" للحزب، يصرحون بمرارة من أنهم نصحوا سعاده بعدم القيام بتلك الثورة، مما يخلق انطباع عند سامعيهم من أنهم كانوا أبعد نظراً منه وكانوا أكثر حكمة وتعقلاً.  مصيبة أولئك الأشخاص أنهم لم يفهموا سعاده، ولم يفهموا نهضته ولا معنى النهوض والثورة بصورة عامة، وهم لم يدركوا الحاجات الحقيقية للنهوض والثورة والتغيير.  بينما كان سعاده يعرف منذ بداية تفكيره بتأسيس الحزب، قيمة الأثمان التي يجب أن يدفعها أي شعب يريد النهوض والارتقاء من أجل تحقيق إرادته، كان أولئك الأشخاص ينظرون إلى النهضة على أنها رفاهية فكرية يعيشونها تنظيراً من أبراجهم العاجية.  من أولئك الأشخاص محمد بعلبكي الذي، بما أصابه من خرفٍ وما عنده من ارتهان، يطيل كثيراً في الكلام عن النصائح التي قدمها لسعاده بهذا الخصوص، ويتمنى لو أن سعاده أصغى إليه وأخذ بنصيحته.  في الإشارة إلى خرف محمد بعلبكي وارتهانه، لم نندهش أبداً عندما أدان أبطال عملية عمان الثلاثة، في معرض الإشادة بتوفيق رافع حمدان، بطل محاولة اغتيال رياض الصلح الاولى.  إن محمد بعلبكي وأمثاله، يظهرون لنا من خلال تصاريح مشابهة، مدى جهلهم للقضية القومية الاجتماعية ومتطلباتها وضرورياتها، ويقدمون البراهين القاطعة أنهم كانوا عبئاً على الحزب الذي لم يستفد كثيراً من وجودهم فيه. 

لقد كان النموذج الذي قدمه سعاده من الروعة والقوة الكافيتين لإيقاظ وجدان أية جماعة لها حدٌ أدنى من الأصالة والوجدان.  وهو حتماً كان كافياً لإشعال روح الثورة في نفوس وعقول من يشار إليهم ك"قيادات للحزب" في تلك الفترة.  لكن، حتى ذلك النموذج الرائع لم يكن كافياً لدفع تلك القيادات للتخلص من خمولها وكسلها وحساباتها الشخصية وعدم جدية التزامها بالقضية، وإعادة النظر في نهجها وسلوكها الحزبيين، والاستفادة من تجربة الحزب السابقة لوضع خطة عمل جديدة تتناسب وحجم القضية القومية الاجتماعية وخطورتها ومتطلباتها.  ذلك لم يحدث.

لقد أشرت سابقاً إلى أن سعاده توصل إلى قناعة تامة بأن الحزب يفتقر إلى قادة على مستوى القضية والمسؤوليات الناتجة عنها.  إذ أن معظم الأشخاص الذين تولى إعدادهم بصورة مباشرة لمسؤوليات قيادية منذ تأسيسه للحزب ولغاية سفره ألقسري عام 1938، لم يرتقوا في وعيهم للقضية القومية والتزامهم بها إلى المستوى المطلوب، هذا إلى جانب أن كثيرين منهم كانوا قد أصبحوا خارج الحزب، كصلاح لبكي وزكي النقاش وفخري المعلوف، أو انحرف عقائدياً وأصبح بدوره خارج الحزب، كفايز صايغ ونعمة ثابت ومأمون أياس.  وهو بالرغم من انشغاله الكبير بعد عودته من المغترب، استمر بمحاولته الاهتمام بأشخاص توسم فيهم الاستعداد الأولي لأن يكونوا قادة للحزب، أملاً في أن يملأ تلك الثغرة الكبيرة. إن وجود تلك الثغرة، لا بد أنه شكّل خيبة أملٍ لدى سعاده بفرص الوصول إلى أي انتصارٍ سياسي عملي في المدى المنظور.  هذا الأمر جعل سعاده، حسب رأينا، يكثر الإشارة إلى "الأجيال التي لم تولد بعد" تأكيداً لصوابية قضيته وثقته بها. إن هذه الإشارة من قبل الزعيم دفع بكثيرين من السذّج للإيمان بأن القضية القومية منتصرة لا محالة، دون أن يعوا أن القضايا العظيمة لا تنتصر إذا لم يحملها أشخاص عظماء، مؤهلون للعمل لمثل تلك القضايا، ومستعدون للبذل في سبيلها كثير من الجهد والتضحيات.  إن مثل هذا الإيمان عند غالبية القوميين يقدّم دليلاً آخر على مستوى العقم الذي يغرقون فيه.

لقد كان هشام شرابي أبرز الأشخاص الذين حرص الزعيم أن يخصص لهم كثيراً من وقته من أجل تقديم كل الشروحات الضرورية الكافية لهم حول القضية القومية الاجتماعية، بكل جوانبها القومي والسياسية والاجتماعية والفلسفية. وقد بدا هشام شرابي على أنه تلميذ نبيه لم تنقصه الحماسة، مما دفعه للعودة إلى الوطن ليكون جنب سعاد، بعد أن سافر إلى الولايات المتحدة للحصول على "الدوكتورا" بتشجيع من الزعيم نفسه.  لكن هشام شرابي، الذي انهار بعد استشهاد سعاده، لم يكن ضعيفاً فقط، بل كان تافهاً، عديم الوفاء، فاقداً لأية مصداقية على الإطلاق، قام بما قام به بدافع المصلحة الشخصية لا غير.

إن هشام شرابي يقدّم مثلاً صارخاً على حقيقة عدم نشؤ قيادات في الحزب على مستوى القضية نفسها.  إذ لم يكن ذلك تقصيراً من قبل سعاده، بل أن هذا الأمر يعكس مدى تغلّب المصلحة الفردية وسيطرتها على سلوك الأشخاص في بلادنا.

لقد كان الهدف من اغتيال سعاده هو اغتيال القضية السورية القومية الاجتماعية والقضاء عليها نهائياً. إذ أن هذه القضية كانت وستبقى الرد العملي والمنطقي الوحيد على الحركة الصهيونية وما لها من أطماع وطموحات. 

في مثل ذلك الواقع الحزبي، الذي كان خصوم الحزب وأعدائه على معرفة تامة به، بدا اغتيال سعاده على أنه كافٍ لاغتيال القضية نفسها.  ولم يكن اغتيال القضية يعني اغتيال الحزب لدى أعدائه.  فهم كانوا على ثقة بأنهم يستطيعون تدجين الحزب وإدخاله في اللعبة السياسية التي تجعل من التكلم عن القضية وفيها مجرد لهوٍ وذرٍ للرماد في العيون.

الحقيقة، أن تشكيل قيادة للحزب بعد اغتيال الزعيم، كان يمكن أن يكون في منتهى الصعوبة لولا مبادرة جورج عبد المسيح وجهوده.  لقد كان جورج عبد المسيح نموذجاً فريداً بين أمناء تلك المرحلة.  فهو إلى جانب فهمه العقائدي وتحصيله العلمي، كان شجاعاً يملك إرادةً صلبة وجسداً قوياً. إضافة إلى ذلك لم يكن يعيش في برج عاجي، بل كان على اتصال دائمٍ بالناس. لذلك كان عبد المسيح الوحيد من بين أمناء تلك الفترة الذي شارك في الثورة القومية الاجتماعية، حيث خاض معركة سرحمول، بغض النظر عن فعالية تلك المعركة ونتائجها.

إن ما يمكن ترجيحه، هو أن الصفات التي كان يملكها جورج عبد المسيح كانت سبباً من الأسباب التي دفعت بعض القوميين، من أمناء وغير أمناء، للحقد عليه بصورة قوية.  فهم ربما كانوا يغارون منه ويخشونه في الوقت نفسه. لذلك لا نستغرب كيف تطورت المماحكات فيما بعد لتأخذ صورة تراشق باتهامات مضحكة من شتّى الأصناف.

بعد استشهاد سعاده، بادر عبد المسيح للانتقال إلى دمشق، ومن هناك بدأ العمل لتشكيل قيادة حزبية، حيث كان له ما أراد. بالرغم من الحاجة الملحة لتشكيل قيادة للحزب في تلك المرحلة الحرجة، وبالرغم من أن معظم القوميين ارتاحوا إلى تلك النتيجة، لم يخلُ الأمر من انتقاداتٍ وجدلٍ فارغ من أن تشكيل تلك القيادة لم يكن دستورياً.  ذلك الأمر المضحك-المبكي، كان بداية لتقليد يعكس الخلافات والمماحكات بين القوميين في كل أزماته اللاحقة.  فبينما عكست الأزمات مآزق شديدة الخطورة في طبيعتها ومدلولاتها، لم يجد القوميون من طريقة لمعالجتها، سوى إدانة بعضهم بعضاً بدستورية أو لا دستورية مواقفهم.  لقد كان معظم القوميين ينظرون إلى مشاكلهم على أنها مشاكل دستورية، في الوقت الذي عكست فيه تلك المشاكل أزمة أخلاقية تشمل الوعي للقضية والالتزام بها والإخلاص لها ومجمل القيم التي تشكّل القاعدة الأساسية للعمل القومي الاجتماعي.

في حالة مبادرة عبد المسيح تلك، كان رد عبد المسيح من أن الزعيم كان قد أصدر قراراً بتعيينه رئيساً لمجلس العمد وعين العمد المساعدين في ذلك المجلس.  لا أحد يستطيع أن يتكهن ماذا كان يمكن أن يحصل لولا مبادرة عبد المسيح تلك.  فالحزب الذي خلق انطباعاً عند الناس بأن فيه قادة كثيرون، لم يكن يمتلك في الحقيقة، باستثناء زعيمه، قادة حقيقيين على الإطلاق. هذا بغض النظر كيف كان ينظر البعض إلى أنفسهم من أنهم قادة عظماء.  ذلك أن أعمالهم وممارستهم للمسؤوليات التي كلفوا بها، كشفت عن حقيقة أهليتهم ومقدرتهم في هذه المسؤولية أو تلك.

لقد نجح عبد المسيح في تشكيل قيادة تقود العمل في مرحلة ما بعد استشهاد سعاده، لكنه لم يستطع الاستفادة من الدفع الروحي الذي أوجده ذلك الاستشهاد خارج تنظيم صفوف القوميين التي هزّها استشهاد سعاده.  إذ بقي العمل الحزبي على روتينيته وأساليبه دون القيام بعملية مراجعة ونقد للفترة السابقة التي أدّت إلى استشهاد سعاده.  فالعاملون في تلك الفترة لم ينتبهوا إلى أن الاستمرار في العمل بالأساليب والطرق أنفسها، يؤدي دائماً إلى نتائج متشابهة. إن أساليب العمل الحزبي في مرحلة ما قبل استشهاد سعاده، مع فشل معظم القوميين، خاصة كوادر الحزب القيادية، في الوصول إلى مستوى المسؤولية القومية وأخلاقياتها، أدت إلى ضرب الحزب واغتيال زعيمه.  فكيف يمكن لأي امرئٍ أن يأمل، من أن استعمال الأساليب نفسها، مع بقاء مستوى الكوادر العملي والمعرفي والأخلاقي هو هو، سيؤدي إلى نتائج مختلفة؟

لم ينجح عبد المسيح، ومعه مؤيدوه ومعارضوه، في القضاء على المماحكات والاصطفافات الفئوية في الحزب، ونشر روح التعاون والمحبة القوميين مكانها.  على العكس من ذلك، فأن تلك المماحكات والاصطفافات الفئوية، الغير قومية اجتماعية، نمت وتوسعت وأخذت منحى الكراهية والعداوة.  أليس من المضحك أن يتهم عبد الله سعاده جورج عبد المسيح بالعمالة للأميركيين، وأن يتهم عبد المسيح عبد الله سعاده بالتهمة نفسها؟  إن هذا لم يكن سوى مثل على درجة الأحقاد المتبادلة بين القوميين منذ تلك المرحلة.  كيف نستطيع أن نشير إلى أشخاص إلى أنهم قوميون اجتماعيون وهم يملكون مثل تلك الأحقاد الغير مبررة؟

ماذا ينفع أن يصبح للقوميين في الجيش الشامي عشرات الضباط وصفوف الضباط، أو أن ينتشر الحزب في القرى والأحياء والدساكر، بينما يسود قيادات الحزب هذا النوع من الحقد والكراهية وتبادل الاتهامات؟  هنا لا نستطيع أن نتكلم عن فشلٍ للحزب، بل عن سقوطه.

لقد سقط الحزب عندما سمح للأخلاق والمفاهيم الغريبة عن الطبيعة المفترضة لنهضتنا وعقيدتنا أن تدخل إلى صفوفه وتصبح بديلاً عن الأخلاق القومية الاجتماعية.  وسقط الحزب عندما سمح للمؤامرة أن تنال منه للمرة الثانية وبعد فترة قصيرة نسبياً.  إن اغتيال المالكي لم يكن سوى استمرار للمؤامرة نفسها التي بدأت باغتيال سعاده.

لقد كان اغتيال المالكي فرصة لتفجير الأحقاد بين عبد المسيح ومريديه وبين الآخرين في الحزب.  إن حجم تلك الأحقاد لم تزل تجر أذيالها إلى اليوم. لم يكن اغتيال المالكي سوى حلقة أخرى من حلقات المخطط القاضي بمنع الحزب من النمو والوصول إلى حجمٍ يمكّنه من التأثير على مجريات الأمور، سياسيةً كانت أم اجتماعية.  إن تبسيط اغتيال المالكي على أنه حصل نتيجة طلب عبد المسيح من الشهيد يونس عبد الرحيم بتنفيذ عملية الاغتيال ومن ثم الانتحار، هو أمر تافه، وهو استخفاف بعقول الناس.  الغريب في هذا الأمر، أن هناك كثيرون من القوميين ما زالوا مقتنعين بهذا السيناريو المضحك، بينما هم يعرفون أن تلك العملية هدفت إلى القضاء على الحزب أو تحجيمه في أقل تقدير. كيف يصحّ أن يكون اغتيال المالكي مؤامرة على الحزب وأن يكون وراء اغتياله جورج عبد المسيح؟  هذا يصحّ في حالة من اثنتين: أو أن يكون عبد المسيح عميلاً حقيراً أو أنه في منتهى الغباء؟

فإذا كان عبد المسيح عميلاً، فالعمالة لها أثمان لا بد أن يكون قد حصل عليها عبد المسيح.  يبقى السؤال: ماذا كانت تلك الأثمان وأين ذهب بها عبد المسيح؟  هل يمكن أن تكون للعمالة أثمان غير المال؟  فإذا كان عبد المسيح قد حصل على المال، فلماذا لم نرَ تأثير ذلك المال على نمط حياته أو حياة ورثته؟  ثم من يعرف عبد المسيح يعرف أنه لم يكن غبياً.

إن حقيقة اغتيال المالكي لا يعرفها الأشخاص الذين كانوا بعيدين عن مسرح الجريمة كائناً من كانوا، قوميين أو غير قوميين، مسؤولين في الحكومة الشامية أو غير مسؤولين.  عبد المسيح لم يعرف تلك الحقيقة، وعصام المحايري لا يعرفها، ولا يعرفها، بصورة خاصة، بشير موصللي، الذي يدعّي معرفتها إدعاءً.  تلك الحقيقة لا يعرفها سوى الأشخاص الذين نظموا مسرح الجريمة بالشكل المناسب لتسهيل ارتكابها وتمييع الحقيقة، بالإضافة إلى السفيرين الأميركي والمصري. 

لا نورد هذا الكلام دفاعاّ عن عبد المسيح، فالقضية القومية الاجتماعية وحدها هي همنا الأول والأخير.  إنّ جُلّ ما يهمنا أن نعرفه عن اغتيال المالكي أنه كان عملاً مدبّراً من أجل خلق ذريعةٍ لضرب الحزب وتحجيمه، بعد أن أخذ حجماً لا تسمح به المخابرات الأميركية والمصرية، خاصة بعدما رفض الحزب مضمون رسائل هشام شرابي التي أقترح فيها أن يتعاون الحزب مع الأميركيين في محاربة الشيوعية مقابل فوائد تتعلق بالمسألة الفلسطينية.  لقد كان رفض الحزب لتلك المقترحات بدافع وإصرار من عبد المسيح نفسه. (راجع كتاب مصطفى عبد الساتر أيام وقضية – صفحة 122-123)

ما رفضه عبد المسيح من تعاونٍ مع الأميركيين، تلقّفه بشغف ومقابل ثمن رخيص، الذين تسلموا بعده قيادة الحزب بعد أن طردوه منه.  لقد بدا بعض الكتبة القوميين وكأنهم جزء من الكورس الغربي في محاربتهم للشيوعية.  عوضاً أن تكون الكتابة عن الشيوعية من قبل الكتاب القوميين كتابة موضوعية تبين بالمنطق والبرهان عدم صلاحيتها لمعالجة شؤون حياتنا ومجتمعنا، مع تقديم البديل القومي الاجتماعي وتوضيحه وشرحه، جاءت كتاباتهم لتعكس الدعاية الغربية ضدها وضد الاتحاد السوفياتي.  ربما كانت أسخف "تهمة" للشيوعية يسوقها الغرب في حربه ضدها ويتلقفها من كتب معهم من القوميين الاجتماعيين، هي أن الشيوعية تقود إلى الإلحاد.  لقد كان حليم بركات أحد أولئك الكتبة.  أذكر هذا الشخص لأنني قرأت له كتيباً لا أذكر عنوانه بدقة، ولكن أذكر انه كان يتوجه فيه إلى الشباب من شعبنا الذين اتخذوا من الشيوعية عقيدة لهم، يهاجم فيه الشيوعية بأسلوبٍ رخيصٍ مأجورٍ ليس فيه شيء من القومية الاجتماعية.  لقد تبين لاحقاً، كما كشف عبدالله سعاده في مذكراته، أن ذلك الكلام لم يكن مجانّاً، بل كان كلاماً مدفوع الثمن.

لقد سقط الحزب عندما اتخذ من العمل السياسي بديلاً من العمل القومي النهضوي.  العمل السياسي له حساباته الخاصة، وهي تختلف بطبيعتها عن العمل النهضوي. مع العمل النهضوي تكون السياسة فنَّ "خدمة الأغراض القومية".  مع العمل السياسي تكون السياسة هدفاً دفاً بحد ذاتها.  أما ممارسة قيادات الحزب السياسة فكانت في مراتٍ أمراً مضحكاً وفي مراتٍ أخرى مشكوكاً بخلفياتها.  فالحزب لم يكن مستقلاً في معظم مواقفه السياسية، خاصة في أواخر الخمسينات، بل كان تابعاً لمواقف جهات سياسية من خارج الحزب.  أما ما كان يحصل عليه مقابل تلك المواقف فهو دائماً أثماناً بخسة.  هذا ما  حدث تماماً عام 1952 عندما حشد الحزب عدداً كبيراً من القوميين في مهرجان دير القمر الذي أقامته الجبهة الوطنية التي ضمت بصورة رئيسية كميل شمعون وكمال جنبلاط.  لقد كان لذلك الحشد دوراً مهماً في إظهار قوة الجبهة الوطنية وبالتالي, في عملية عزل بشاره الخوري.  صحيح أن ذلك الحشد كان أول ظهور علني للحزب في لبنان بعد اغتيال سعاده، لكن الحزب لم يحصل مقابل دوره في إزاحة بشارة الخوري سوى على حرية العمل. هذا في الوقت الذي كان أمامه فرصة لا تفوّت في المطالبة بإعادة محاكمة سعاده، الأمر الذي لم يحصل. 

لقد كان الحزب مطية المطيات، بصورة خاصة، لوصول حزب الكتائب إلى الحكومة عام 1958.  قبل ذلك التاريخ، كان حصول بيار الجميل على مقعد وزاريٍ في الحكومة اللبنانية حلماً عند صاحبه يصعب تحقيقه.  لقد شارك الحزب برئاسة أسد الأشقر في أحداث 1958، حيث خاض معارك شرسة وسقط منه شهداء كثيرون.  الكتائب بالمقابل، لم يخوضوا أية معارك، بل اكتفوا بحمل السلاح في زواريب الأشرفية، عرضاً للعضلات وإثباتا للوجود.  ثم لماذا يقاتلون طالما كان هناك من يقاتل عنهم؟   لقد دفع القوميون ثمناً باهظاً في تلك الأحداث، دون أن ينالوا أية نتيجة سياسية أو غير سياسية.  على العكس من ذلك، لقد ظهر الحزب وكأنه حزب طائفي يدافع عن المسيحيين ويحارب المسلمين.  فكان من نتيجة ذلك أن انتسب إليه كثيرون من الشباب المسيحيين، بينما ظهر شعور قوي ضده عند الشباب السني بصورة خاصة.

إن موقف الحزب عام 1958 لم يكن سوى نتيجة لانجراره وراء السياسة الأميركية وموافقته على تأييد حلف بغداد.  لقد كان حلف بغداد أحد وسائل الحرب الباردة التي استخدمها الأميركيون للوقوف في وجه التمدد الشيوعي. وكان الحلف يضم بريطانيا والعراق وتركيا وعدداً من البلدان الأخرى، حيث كان دور الأميركيين الدعم المادي له. 

إن انجرار قادة في الحزب للسير في ركاب الأميركيين هو الذي جعلهم يديرون آذاناً صماء لعبد الناصر ويفضلون مخاصمته على محاورته والتعاون معه.  إن ذلك الخيار هو الذي جرّ الحزب للوقوف ذلك الموقف المعيب عام 1958. 

إن تأييد الحزب لحلف بغداد هو الذي سهّل له مسألة الحصول على السلاح من العراق، تمهيداً للقيام بحركة انقلاب في الشام عام 1956.  لقد كان ذلك الانقلاب المفترض الرد السياسي من قبل الحزب على الضربة التي تلقّاها من قبل النظام في الشام.  والردود السياسية هي دائماً ردود مجتزأة موتورة تفتقر إلى الرؤية الشاملة.  إذ ماذا كان يمكن أن يحقق الحزب من وراء ذلك الانقلاب؟  كيف يمكن لانقلاب يدعمه حلف بغداد ويشارك فيه رجال عشائر، أن يلقى نجاحاً وتأييداً من قبل المواطنين في الشام؟  ثم حتى لو نفّذ ونجح فهل كان من الممكن أن ينجح الحزب في إقامة نظام قومي اجتماعي أو نظام له توجّه قومي اجتماعي؟  لا أظن أن قيادة الحزب وجميع الذين كانوا متحمسين لذلك الانقلاب قد طرحوا على أنفسهم مثل هذه الأسئلة.  لقد كانت السياسة تعمي بصائرهم فمنعتهم من مواجهة الحقيقة ورؤية الواقع كما هو لا كما تصوروه.  تجدر الإشارة إلى أنه صرف النظر عن الانقلاب بسبب توقيته عشية العدوان الثلاثي على مصر.

لو كانت قيادات الحزب بالمستوى المطلوب الشام ، ولو كانت تعرف كيف يمكن الوصول إلى الشعب، لكان الحزب عرف كيف يستغل وجود قومي اجتماعي في رئاسة الجمهورية في الكيان الشامي، حيث كان يمكنه أن يوّجه الأحداث بالاتجاه الذي يريد ويمنع كثيراً من الانزلاقات التي حصلت خلال حكم أديب الشيشكلي.  ليس أقل تلك الانزلاقات الصدامات التي حصلت بين الشيشكلي وأبناء جبل الدروز وما تخللها من دعاية طائفية.

لم يكن الانقلاب الذي نفّذه الحزب صبيحة الأول من كانون الثاني عام 1962، سوى عملٍ سياسيٍ آخر.  لقد كان قادة الحزب قد انغمسوا في العمل السياسي حتى فوق رؤوسهم.  كانوا مستميتين للوصول إلى المجلس النيابي.  لا أدري أي هدف نهضوي كان يمكن أن يحققه وصولهم إلى ذلك المجلس المهتريء كي يبرر، ليس صرفهم لمبالغ طائلة فحسب على حملاتهم الانتخابية، بل ليصل بهم الأمر للقيام بمحاولة انقلاب صبيانية مع كل ما كان لها من نتائج مدمرة على القوميين.  يذكر عبدالله سعاده في مذكراته أنه صرف في إحدى حملاته الانتخابية مبلغ مئة وستين ألف ليرة.  لو أن مثل ذلك المبلغ وظّف في العمل النهضوي الهادف، كم كانت الفوائد  التي كان يمكن أن تجنى من ورائه؟

لقد كان عبدالله سعاده يشير إلى المحاولة الانقلابية بالثورة الانقلابية الثانية.  إن مثل تلك الإشارة تحمل في طياتها جهلاً تاماً للثورة القومية الاجتماعية الأولى أو تزويراً لطبيعتها حين يُربَطُ عملٌ صبياني نزق بها. كيف يمكن مقارنة محاولة انقلاب غير مبررة، يستشار بشأنها كميل شمعون وسليمان العلي وهنري فرعون وغيرهم من السياسيين التقليديين، وبين ثورة قومية اجتماعية صادرة عن قرار قومي اجتماعي، إتّخذه سعاده تحت ضغط الأحداث، حيث كان لا بديل له سوى الاستسلام؟   ثم أي نظام قومي اجتماعي كان يمكن للحزب أن يقيمه مع تكليف الإقطاعي سليمان العلي برئاسة الحكومة وإشراك أمثاله من أهل السياسة البائدين في الحكومة؟

إن الأمثلة على سقوط الحزب هي أكثر من أن تحصر في مقالة واحدة. ذلك أن الذين سمحوا بفشل الحزب، هم أنفسهم الذي ساهموا في سقوطه بسبب عدم فهمهم له أو انعدام الإرادة عندهم في فهمه فهماً صحيحاً والارتقاء إلى مستوى المسؤولية المطلوبة له.  لقد مارسوا مسؤولياتهم الحزبية بكيدية وحقد وكراهية ضد بعضهم بعضاً، حيث كانوا دائماً يتكتلون ضد بعضهم بعضاً.  وغالباً ما كنا نجد أصحاب الأمس قد تحولوا إلى خصوم اليوم والعكس بالعكس.  لقد عملوا من الحزب خنادق يتربصون فيها لبعضهم بعضاً. 

عندما أقول إن "القادة التاريخيين" للحزب لم يفهموا القضية القومية الاجتماعية ولا طبيعة الحزب، إنما أسعى للتخفيف من الجرم الذي ارتكبوه بحق حزبهم، على أساس أنهم فعلوا ما فعلوا بسبب جهلهم.  لكن الحقيقة غير ذلك.  لم يكونوا جميعهم على هذه الدرجة من الجهالة.  معظمهم على سبيل المثال كان يفهم معنى رتبة الأمانة ودورها في تقديم الحل الدستوري لانبثاق السلطات في الحزب.  لكن عندما ننظر إلى ممارستهم بهذا الشأن نرى مقدار استعمالهم الخاطئ لهذه الرتبة ومخالفتهم جوهر الدستور وأخلاقياته.   جميعهم استعملوا هذه الرتبة لاستقطاب المحاسيب حولهم دون أي رادع دستوري أو أخلاقي.  كان يكفي أن يكون قد مرّ على انتساب الشخص للحزب خمس سنوات، وأن يكون ذلك الشخص مرضياً عنه من سلطان المرحلة، حتى يبادر ذلك السلطان إلى منحه رتبة الأمانة.  معظم الذين منحوا رتبة الأمانة تنطبق عليهم هذه الحالة اللادستورية.  الحقيقة، أنه بينما أوجدت رتبة الأمانة لتشكّل حلاً عملياً لانبثاق السلطات في الحزب، تبين بالممارسة أن البيئة البشرية، بما انطبعت عليه من مناقب وأخلاق ومدارك، لم تكن مهيأة لاعتماد مثل هذا الإجراء. 

لقد تبين بالتجربة عدم كفاءة ذلك الحل الدستوري لانبثاق السلطات في الحزب حتى خلال زعامة سعاده وقيادته المباشرة له.  رأيي الشخصي أن سعاده نفسه لاحظ هذا الأمر، لذلك حاول أن يقدم نموذجاً آخر بهذا الخصوص يمكن أن يقتدى به.   لقد كان الياس جرجي يردد دائماً أن الزعيم قبل استشهاده بعدة أيام سلمه مرسوماً يجرد فيه رتبة الأمانة من سبعة قوميين يحملونها.  لكن الياس جرجي أضاع المرسوم حسب زعمه.  هذا الإجراء من قبل الزعيم إن دل على شيء، فهو يدل على أنه في أساس شروط رتبة الأمانة هو أن يحافظ حاملها على أهليته لها، ولكن إذا ما أخلّ بشروطها، فمن الواجب أن يجرد منها.

يروي منير خوري كيف منح رتبة الأمانة من قبل المجلس الأعلى خلال رئاسة عبدالله سعاده للحزب عام 1960.  خلال زيارة له لعبدالله سعاده لتهنئته بانتخابه لرئاسة الحزب، سأله هذا الأخير إن كان يقبل أن يكون عضواً في المجلس الأعلى، حيث كان جواب منير خوري بأنه يقبل شرط أن لا يكون مقيداً.  لكن عضوية المجلس الأعلى تقتضي أن يكون العضو حاملاً لرتبة الأمانة، فكان على عبدالله سعاده أن يتدبر ذلك الأمر.

هذا يقدم مثلاً فاضحاً على العقلية التي عمل بها جهابذة الحزب بدون تردد أو رادع أو حياء.  هنا يوجد أستاذ جامعي، كل مصداقيته ومصدر تقديره من قبل مَن حوله ومن قبل المجتمع بصورة عامة، هي في كونه أستاذ جامعي مثقف، يملك مهارات لشغل كثير من الوظائف في القطاع الأكاديمي أو القطاعات المتخصصة، لكن أن يكون ذلك الشخص مؤهلاً للحصول على رتبة الأمانة وقيادة الحزب، فهي موضوع آخر لا علاقة كبيرة له في الموضوع الأول. هل كان عبدالله سعاده يعرف ذلك عندما "طهمز" على الدستور وطلب من المجلس الأعلى منح منير خوري وأسعد رحال رتبة الأمانة ليعودا وينتخبا إلى عضوية المجلس الأعلى؟

إن عرضنا لهذا المثل ليس لأنه حدث يتيم في الحزب، بل إن جميع قرارات رتبة الأمانة كانت كلها "طهمزة" على الدستور.  إن عرضنا لهذا المثل، هو أننا نعتقد بقوة إن منير خوري لا يفهم القومية الاجتماعية ولم يكن قومياً اجتماعياً أبداً.  لقد كان شخصاً مؤذياً، كل همه أن يشيّع أن سعاده ارتكب أخطاء كثيرة.  إننا إذ نشك بقومية هذا الشخص، فنحن نعترف وبقوة أنه بعلاقاته الشخصية مع الناس كان يمثل مستوى عالٍ من الأخلاق.  فنحن لا ندين السلوك الشخصي العام لمنير خوري، ليس هو من يدان في هذا الشأن، ولا نملك نحن أي حقٍ بذلك.  لكننا نملك كل الحق عندما تأتي المسألة للعضوية القومية الاجتماعية وممارستها.

لقد سقطت تلك القيادات وأسقطت الحزب معها.  الغريب في الأمر أننا لم نجد أية عملية نقدية من قبل أي من أولئك القادة.  إن كل ما صدر عنهم من إنتاج، كان لتبرير سلوكهم الحزبي والدلالة على صوابيته، دون أن ينسوا الغمز من قناة الآخرين.

قمة الصفحة

 

حلقة أخيرة

الكارثة

هناك ميزة أساسية تشمل جميع القوميين الاجتماعيين بدون استثناء. وهي أنهم جميعاً يتميزون بالحماسة الزائدة لمبادئهم وحزبهم، وإن كان فهم الواحد منهم للمبادئ وطبيعة الحزب مختلفاً عن فهم الآخرين لها.  نعم، أن فهم القوميين لمبادئ حزبهم ولطبيعة حزبهم نفسها ليست واحدة. وهذا شيء طبيعي نظراً أنهم ينتمون إلى خلفيات متنوعة ثقافياً واجتماعياً، كما هناك اختلاف في الأسباب التي دفعتهم أساساً للانتساب إلى الحزب.  حتى أن كثيرين منهم لا يعرفون الحزب سوى شعارات يرددونها دون وعي أبعادها الحقيقية.  أما حماستهم فغالباً ما كانت لها نتائج معكوسة.  فهي بدل أن تعكس وضعاً صحياً يتميز بالحضور والجهوزية الكاملين عند الأعضاء واستعدادهم الدائم لتنفيذ ما يطلب منهم من أعمال، لا تتعدى كونها مظاهر فارغة عند أكثريتهم.  ثم أن الحماسة الزائدة في مناخ التأكيد على الثقة بين القوميين، وغياب النقد البنّاء لمواقف الحزب السابقة وعدم المساءلة في طبيعة تلك المواقف وفيما إذا ما كانت صواباً أو خطأ، والتعامل مع مواقف وقرارات الحزب السابقة على أنها جميعها كانت في الاتجاه الصحيح، والانشغال الكامل بالمعطيات السياسية الحاضرة دون الالتفات إلى الماضي، وفهم القوميين السطحي لمسألة النظام والدستور، كل ذلك أفسح في المجال أمام القوميين بقبول الأمر الواقع قبولاّ لا يقبل إعادة النظر أو المساءلة بالنسبة إليهم، شأنهم في ذلك شأن أي جهلة في أي شأن آخر.  ينطبق عليهم في هذه الحالة المثل العامي الشائع: "مين ما تزوج أمي صار عمي".

بسبب حماستنا الكبيرة، وبسبب حرصنا على أن نرى دور الحزب في معالجة المشاكل والقضايا المصاحبة لعملنا الحزبي، ومنها الكفاح المسلح ضد إسرائيل، في طليعة الأدوار التي تؤديها مختلف القوى السياسية والعسكرية، ومنها المنظمات الفلسطينية، قبلنا الوضع الحزبي كما هو ولم نطرح الأسئلة التي كان من المفروض علينا أن نراها ونطرحها.  لقد كنا جهلة.  صفة الجمع هنا تطالني شخصياً وتطال كثيرين من الرفقاء الذين لهم نظرتي اليوم، وهم اليوم ينظرون بحرقة كبيرة إلى ما آل إليه الحزب.  

لقد رددنا مع عبدالله سعاده أن المحاولة الانقلابية التي قام بها الحزب في مطلع عام 1962 لم تكن سوى ثورة قومية اجتماعية ثانية، واعدين النظام اللبناني بثورات قومية اجتماعية قادمة.  لقد ارتكبنا جريمة المماثلة بين العمل العظيم الذي تمثله الثورة القومية الاجتماعية الأولى، بالعمل الصبياني الذي يمثلّه ذلك الانقلاب المشؤوم.

أكثر من ذلك، لقد قبلنا أن يرأس عبدالله سعاده الحزب وجعلناه فوق الشبهات بالنسبة لسلامة العمل الحزب، والمؤهلات التي يمتلكها كرئيس للحزب، وانعدام الطموحات الشخصية عنده، وخضوعه للنظام الحزب خضوعاً تاماً.  لقد أخفقنا في أن نرى حقيقة ما كان يجري وراء الكواليس والصراعات التي كانت قائمة، والأحقاد التي كانت تتحكم في علاقات أولئك الأشخاص أنفسهم الذين أوليناهم ثقتنا.  لقد كان عبدالله سعاده ومن معه يقودون عملية شرذمة الحزب وجذب الأنصار والمؤيدين وتصنيف القوميين بين يميني ويساري.  حتى عندما انتبهنا إلى ما كان يحصل وندرك تلك الحالة من الشرذمة، انغمسنا فيها دعماً للنظام والشرعية، بدل الخروج من اللعبة برمتها وتقييم ما كان يحصل بروية وهدوء. ثم أننا لم نحاول أن نساهم في الإنتاج الفكري، معتبرين أنه مضيعة للوقت، فالزمن هو زمن عمل وزمن كفاح مسلح وليس زمن كلام، خاصة أننا اعتبرنا أن هناك من يمثل وجهة نظرنا كتابياً وهم يمكنهم القيام بتلك المهمة.  لذلك قبلنا كل ما كان يكتبه هنري حاماتي وعبود عبود دون مساءلة أو تقييم، كما رفضنا كل ما كتبه إنعام رعد وسواه من الفريق الآخر.

الحقيقة، أن الكلام عن فريقين في الحزب مطلع السبعينات هو تبسيط للواقع.  فقد كان عدد كبير من القوميين يقومون باتصالات مع المنظمات الفلسطينية المختلفة لإقامة علاقة مباشرة معها.  لأن الشيء بالشيء يذكر، رأيت أن التاريخ يكرر نفسه، إذ أنه كان هناك أشخاص ومجموعات من القوميين يحاولون القيام باتصالات مباشرة مع حزب الله عارضين خدماتهم عليه.  أحد هؤلاء الأشخاص روى لي أنه كان يحاول جهده للحصول على لقاء مع السيد نصرالله.  ولما سألته عن سبب رغبته تلك وماذا يملك لتقديمه لرجل في موقع السيد نصرالله ومسؤوليته، أجابني أن هناك أكثر من مئتي شخص يأتمرون بأمره وجميعهم على استعداد لمساعدة حزب الله.  إن صاحبنا لم يكن سوى نموذج للانخداع بالذات والفلتان والتفكك الذي أصاب الحزب منذ زمن طويل.

 لقد كان القوميون الاجتماعيون يتوزعون على ولاءات متعددة تنقض وجودهم كحزب من أساسه. كان كل منهم يحاول تغليب وجهة نظره داخل الحزب، الأمر الذي نتج عنه كثير من قرارات الفصل والطرد في حينها.  لقد توصّلت منظمة فتح لشراء أعضاء في المجلس الأعلى للحزب، حيث كان ابرز هؤلاء جمال فاخوري وبشير عبيد.  لقد كان جمال فاخوري ينقل ملفات المجلس الأعلى ووقائع الجلسات التي يعقدها بصورة فورية ودائمة لمنظمة فتح.  أما عرّاب التعامل مع فتح وعميلها الأكبر فكان محمود عبد الخالق، ليس بسبب علمه وشهاداته ومعرفته ومركزه الاجتماعي أو شجاعته، فهو لم يملك شيئاً من كل ذلك، بل لأنه كان قوّاداً لهم بامتياز،  تمكن من تسهيل أشياء كثيرة لهم داخل الحزب.  من الغريب أن كلمة هذا الشخص كانت مسموعة داخل فتح أكثر من غيره من عملائها القوميين.

إن وصف تلك المرحلة بالسقوط، يفتقر إلى الدقة، إذ أن الحزب آنذاك بدأ السير نحو الكارثة.  إن الأفكار الكبرى التي كان يطرحها يوسف الأشقر كانت في غير محلها، فلا الحزب كان حزباً ليقف وراء تنفيذها، ولا المجتمع كان مؤهلاً لقبولها وحملها. لقد كانت نوعاً من الغناء في المكان والزمن غير المناسبين.  لقد كثرت بعد استقالة يوسف الأشقر الثانية عمليات "الزعبره الدستورية"، وعمليات القوطبه، والاحتلالات، والانقلابات، والتكتلات من جميع الأنواع.  فمن انتخاب عبدالله سعاده بصورة غير دستورية ومحاولته الدخول إلى المركز في جل الديب بالقوة، إلى احتلال المنفذين العامين للمركز، إلى تكليفنا الرفيق نواف حردان (أبو قاسم آخر)، رئاسة الحزب، إلى حركة أبو واجب، كل تلك الأحداث التي لم تكن تعبّر عن أية قيمة من قيم العقيدة القومية الاجتماعية، ناهيك بالخطة النظامية التي تفترض للحزب، أظهرت أن الحزب كان يتجه بوضوح نحو الكارثة.

ولم يكن الوصول إلى الكارثة ليحصل فعلياً لو لم يكن المناخ السياسي العام ينذر بأحداث تساعد على نشر الفوضى ودفع جميع الناس إليها.  بدأ لبنان في أن يكون مسرحاً لأحداثٍ جديدة منذ حرب الأيام الخمسة عام 1967.  فبعد ذلك التاريخ بدأ نجم الكفاح المسلح الفلسطيني بالصعود بصورة مطردة، حيث رافق ذلك وجود قوي وعلني له في الأردن.  أما وجوده العلني في لبنان فكان مقتصراً بصورة خاصة على المخيمات الفلسطينية.  لكن بعد مجزرة أيلول الأسود عام 1970 في الأردن كثفت المنظمات الفلسطينية من وجودها المسلح في لبنان حيث حصلت احتكاكات عدة بينها وبين الجيش اللبناني، الأمر الذي كانت نتيجته جملة اتفاقات بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الفلسطينية لتنظيم وجود وعمل هذه الأخيرة في لبنان، كان آخرها اتفاق القاهرة. 

لقد كان لكثافة وجود المنظمات الفلسطينية في لبنان وتزايده، سبباً لتكثيف حزب الكتائب اللبنانية استعداداته العسكرية بإشراف الجيش اللبناني، حيث كان يقوم بتدريب أعضائه بصورة متواصلة منذ العام 1969.  لكن الكتائب لم تكتفِ بمساعدة الجيش اللبناني لها، بل كان لها مساعدة أردنية وإسرائيلية.  إن ادّعاء السيد جوزيف أبو خليل في كتابه "قصة الموارنة في لبنان" من أنه لم يكن هناك اتصال سابق بين الكتائب وإسرائيل قبل الاتصال الذي قام به هو شخصياً، أمر يفتقر إلى المصداقية والدقة.

لقد بدأ الغليان في لبنان منذ ذلك التاريخ حيث كان من المتوقّع أن ينفجر الوضع في أي وقت.  لقد كثر الكلام عن الصيف الحار، خاصة في إعلام الحزب، فكان هناك احتمال كبير أن يكون كل صيف قادم صيفاً حاراً.  من المخجل لجميع الناس في لبنان، خاصة الحزب السوري القومي الاجتماعي، أن أحداً لم يحاول أن يمنع حصول الصيف الحار بصورة من الصور.  لقد بدا أن كل فئة في لبنان كانت تتوقع أن يأتي الصيف الحار لمصلحتها.  لذلك كانت كلّ فئة في لبنان، أكانت حزباً أو تنظيماً، ترسم لنفسها دوراً في مثل ذلك الجو الحار دون أن تعي إلى أين يمكن أن يقودها ذلك الدور.

كان حادث "بوسطة عين الرمانه" في الثالث عشر من شهر نيسان 1975، الذي ارتكب فيه  مسلحون كتائبيون مجزرة ضد فلسطينيين، الشرارة التي جعلت من صيف عام 1975 الصيف الحار المنشود.

على صعيد الحزب، كان هناك حركة أبو واجب التي كانت تستقطب معظم القوميين، كما كان هناك بضع عشرات من المؤيدين لإنعام رعد الذي اختارته تلك المجموعة لرئاستها بدل عبدالله سعاده في مطلع عام 1975. 

لقد شكّل انفجار الوضع في لبنان في منتصف ذلك العام، فرصة ذهبية لإنعام رعد كي يعمل على تثبيت وجوده.  ذلك أن الحشرات أكثر ما تتكاثر وتنمو في المستنقعات، وتلك الأحداث العبثية لم تكن سوى مستنقع كبيرٍ نمت فيه حشرات بشرية من جميع الأصناف والأشكال، بعضها استمر وبعضها اندثر ومات. 

كان إنعام رعد يعلم أنه إذا أراد أن يكون له دعم من قبل عدد كبير من القوميين عليه أن يتخلّص من أبو واجب.  لم يكن بشير الجميل ومن ورائه جميع القوى الانعزالية موضع إزعاج لإنعام رعد، وحده أبو واجب كان العقبة الكبيرة في وجهه.  ولم يكن له ذلك لولا مساعدة محمود عبد الخالق له، الذي أراد أن يقوم بعمل يفرض نفسه به على إنعام رعد كي يكون في صف القياديين الكبار في الحزب.  لقد استغل محمود عبد الخالق نفوذه لدى منظمة فتح التي لم يكن يسرها وجود أبو واجب الذي رفض التعامل معها سوى بطريقة الند للند.  لقد كلفت منظمة فتح نفسها أحد القوميين المتعاملين معها لتنفيذ ذلك الاغتيال.  يقال أن ذلك الشخص كان م. ج.

لقد استطاع إنعام رعد بالفعل أن يوهم حلفاءه في "الحركة الوطنية" بكل ما امتلك من الألاعيب والأكاذيب والزعبرات أن هناك أكثرية من القوميين يأتمرون بأمرته. وقد كان لتوفّر المال بغزارة بين يديه سبباً في جذب كثيرين من الانتهازيين وشراء مرتزقة لا علاقة لهم بالحزب من قريب او بعيد.  من أجل التغطية على هذه الموبقات وغيرها تفتقت قريحته عن الشعار العبثي المدمر "عسكرة الحزب وعقدنة العسكر".  على الذين يهتمون بالإطلاع على تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع أن يعودوا إلى كتابنا "من حنايا الذاكرة".

لقد سمحت ظروف الحرب العبثية وما تلاها من سلوك وأفعال، لظهور حالة جديدة في الحزب، كما في جميع الأحزاب والمنظمات الأخرى، وهي ظهور القادة العسكريين الذين أصبحوا ينافسون المسؤولين السياسيين في تلك الأحزاب والمنظمات.  أكثر من ذلك، لقد أصبح للقادة العسكريين نفوذا كبيراً حيث كان باستطاعتهم إملاء إرادتهم على المسؤولين السياسيين في معظم الأحزاب والمنظمات. 

أما في الحزب فقد كان الوضع أكثر سوءً بعد دخول قوات الردع إلى لبنان، وذلك بسبب الصراع الفئوي الذي كان قائماً بين فريق يوالي بقايا الحركة الوطنية ومنظمة التحرير، وفريق يوالي جهاز الأمن الشامي في لبنان.  الأخطر من ذلك أن القادة في كلا الفريقين كانت تسلِّم أمرها للعسكريين لأنهم هم الذين كانوا الأكثر حركة على الأرض، وهم الذين يقودون الصراع الذي كان دموياً في عدة مرات، كما كانوا هم الذين يقومون بالاتصالات مع القوى الأمنية التي يخضعون عملياً لها. 

لقد كان الفريق المتمثل بإنعام رعد ومحمود عبد الخالق ومروان فارس ومحمد سليم يؤيدون عرفات ويراهنون على أن نفوذه سيبقى في لبنان.  أما الفريق الآخر الذي كان يتمثل بصورة رئيسية بعصام المحايري وأسعد حردان، فقد كان يراهن على استمرار نفوذ جهاز الأمن الشامي.  فكان كل فريق يعمل باتجاه أن الكلمة الأخيرة ستكون له، حتى لو أدى ذلك لتصفيات جسدية.  من هنا كان أسعد حردان سبّاقاً إلى التخلص من محمد سليم خوفاً من أن يسبقه محمد سليم ويتخلص منه.  أما حبيب كيروز فكان رقماً زائداً بالنسبة لأسعد حردان فلم يوفر له الحماية اللازمة مع علمه بالمخاطر المتربصة به.

إن السيناريو الذي عرضناه، على بشاعته ودلالاته على انعدام الأخلاق والمناقب القومية الاجتماعية عند جميع الأشخاص المشتركين فيه بدون استثناء، يبقى مفهوماً لدى المتابعين له.  أما ما يصعب فهمه، فكانت الزئبقية التي تطبع تصرفات وسلوك الانتهازيين الذين كانوا يعرفون من أين تؤكل الكتف، والكتف في هذه الحال هي الفوائد التي يستميتون للحصول عليها.

لم يستطع الفريق العرفاتي في الحزب أن يبني كثيراً على مقتل محمد سليم، فنار الكيدية والحقد والثأر بقيت جمراً تحت الرماد بانتظار الفرصة الملائمة.  لكن تلك الفرصة أتت أخيراً بعد مرور سنة ونصف تقريباً على مقتل محمد سليم.  قصة ذلك أن الجهاز الأمني الشامي بقيادة غازي كنعان والذي كان يسيطر على جزءٍ من لبنان، كان مستميتاً للعودة إلى بيروت بعد أن كان انسحب منها عشية العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982.  فالسيطرة على لبنان دون السيطرة على بيروت نفسها، يضعف كثيراً من دور ذلك الجهاز وتأثيره في مجرى الشؤون اللبنانية الداخلية.  لكن العودة كانت شبه مستحيلة في غياب المبرر القوي لها.  فالقوى السياسية التي كانت تفرض هيمنتها في بيروت الغربية، خاصة حركة أمل والجنبلاطيين، كانت ترفض مثل تلك العودة، إذ أنه يقلّص من هيمنتها وسطوتها على المواطنين.  إن إيجاد مثل ذلك المبرر كان يتطلب كثيراً من التخطيط والإبداع بحيث يكون من القوة ما يدفع بجميع القوى السياسية للمطالبة بتدخل الجهاز الأمني الشامي لحل المشاكل الحاصلة.  هنا تفتقت عبقرية ذلك الجهاز وعميلهم المدلل أسعد حردان عن فكرة تقود إلى مثل ذلك المبرر.  تلك الفكرة كانت ارتكاب جريمة بحق شبانٍ دروز على مثلث خلده بحيث تتهم حركة أمل بقتلهم مما ينتج عنه اقتتال بين الجنبلاطيين وحركة أمل.

لقد نفذت مجموعة تابعة لأسعد حردان بالفعل تلك العملية التي ذهب ضحيتها الشابان ياسر وأنور ذبيان.  لكن حقيقة العملية انكشفت ولم يتوافق حساب "حقل" غازي كنعان وأسعد حردان مع حساب "بيدر" الجنبلاطيين وحركة أمل. 

كانت تلك العملية فرصة للفريق العرفاتي بالتمرد وأخذ المبادرة، خاصة أنه كان يعوّل كثيراً على تأييد وحماية وليد جنبلاط له.  لقد بادر مروان فارس على الفور إلى إصدار بيان يدين فيه الحادثة ويطالب عصام المحايري بالاستقالة والخضوع لقرارات المجلس الأعلى.  لقد كان مروان فارس هو لولب ذلك التحرك الذي أدى من جديد إلى انقسام الحزب إلى فريقين: "طوارئ"، ويمثله ويقوده عصام المحايري، و"مجلس أعلى" الذي كان يمثله الفريق العرفاتي. 

لحد الآن السيناريو واضح ومفهوم.  لكن ما يصعب فهمه، هو أنه لم يمضِ على ذلك الصراع بضعة أشهر، حتى رأينا مروان فارس إياه يقفز من "المجلس الأعلى" إلى "الطوارئ".  نعم، مروان فارس نفسه الذي شهر سيف المراجل في وجه عصام المحايري وأسعد حردان، قبل وقت قصير، يعود عن مرجلته ويرمي نفسه في حضني عصام المحايري وأسعد حردان.

الأكثر غرابة، أن مروان فارس لم يكن الوحيد الذي فعل ذلك بل كان يرافقه عدد كبير من الانتهازيين أمثاله بينهم توفيق مهنا وعبد الله حيدر.  فما هو السبب الذي جعل أولئك الأشخاص يقدمون على ما أقدموا عليه؟

عندما يبان السبب يبطل العجب.  كان نضوب المال عند إنعام رعد سبباً قوياً من قبل الانتهازيين الذين يسيرون وراءه للتفكير بعدم جدوى الاستمرار معه، لكنه لم يكن سبباً كافياً للقيام بمثل تلك القفزة النوعية.  إن السبب الرئيسي الذي دفعهم للقيام بمثل تلك الخطوة هي أنهم أدركوا حقيقة المشهد السياسي للسنوات القادمة في لبنان.  لقد فهموا بصورة قاطعة أن السيطرة في السنوات التي ستلي، ستكون لجهاز الأمن الشامي بدون منازع وأن عرفات أصبح من الماضي في لبنان.  لقد فعلوا فعلتهم وبتلك السرعة الضوئية مخافة أن يفوتهم القطار.

لقد كان من نتيجة عملية انتقال مروان فارس ورفاقه من الفريق العرفاتي إلى الفريق الآخر، أن بقي محمود عبد الخالق على رأس ذلك الفريق محاولاً إثبات الوجود وعدم الخروج من اللعبة صفر اليدين.  أما حمايته فكان يؤمنها له وليد جنبلاط.

 لم يكن لمحمود عبد الخالق والأشخاص المتعاونين معه البقاء والاستمرار على الساحة السياسية وهم يعانون الإفلاس بجميع جوانبه، لكنّ الجهاز الأمني المسيطر في لبنان، بقيادة غازي كنعان، كان حريصاً أن لا يترك أي انتهازي أو قوَاد خارج الحزب، فهو كان حريصاُ على تحويل الحزب إلى الصورة التي يراها له، حيث يصبح رهينة بين يديه.  لذلك فرض غازي كنعان مصالحة شاملة بين تلك المجموعات الانتهازية من القوميين وأصبح الحزب حزباً موحداً بقيادة أسعد حردان، بداية من وراء الكواليس، ولاحقاً بصورة مباشرة.

كان غازي كنعان يسعى إلى ترتيب البيت اللبناني على قياسه وما يتناسب مع طموحاته بحيث تبقى السيطرة على القرار السياسي في لبنان في يده.  لذلك استعمل نفوذه لإقرار قانون انتخابي جديد ما زال يعمل به في لبنان ويعرف باسمه.  وبسبب مقاطعة بعض القوى المسيحية لأول انتخابات في لبنان على أساس ذاك القانون، استطاع غازي كنعان أن يمنح الحزب ستة أو سبعة مقاعد في المجلس النيابي.  نعم يجب أن يصدّق القراء أن أسعد حردان أصبح نائباً، كما أني لا أمزح إذا ذكرت أن أنطوان خليل أصبح نائباً أيضاً.  وإذا كان أسعد حردان مدعوماً بصورة استثنائية من قبل الجهاز الأمني كي يضمن مقعداً نيابياً له في دورات لاحقة، فإن ما يدهش أنه تهيأ لأنطون خليل أنه رجل المرحلة وسيدها وأن الندوة النيابية لا يمكن أن تستغني عنه أبداً. لقد كان من المضحك أن ترى له في بعض الأمكنة في المتن يافطات ترحب به وتبجّل نيابته.  مثل تلك الأوهام لم تساور أنطون خليل وحده فقد ساورت قوميين كثيرين غيره، إذ كانوا جميعهم ينطلقون من فكرة "إذا استطاع أنطون خليل أن يكون نائباً، فلماذا لا أستطيع أن أكون أنا نائباً؟"  وقد وصل الأمر أن يختلف أنطون خليل وأنطون حتي حول من يترشح عن الحزب في منطقة عاليه والحزب لم يكن يملك فرصة النجاح بتلك الانتخابات بعد ما شهده العمل الحزبي من تراجع في تلك المنطقة.

بالطبع لم تكن حظوظ جميع الانتهازيين متساوية، فقد كانت حظوظ أسعد حردان ومروان فارس وعلي قانصو ممتازة، إذ حافظ الأولان على مقعديهما النيابيين، بينما كان الثالث يحصل على مقعد وزاري كلما سنحت الظروف السياسية في لبنان، كما حصل على تقديمات مالية ضمنت له بيتاً في بيروت وبيتاً في بلدته يليقا مع صفته الوزارية أين منهما بيته القروي عندما كان مدرساً في وزارة التربية.  وهؤلاء الثلاثة لم يفوتهم أن يضمنوا مستقبل أولادهم من خلال توظيفهم في البنك المركزي.  أما بقية الإنتهازيين فقد اكتفوا بما يدفع لهم شهرياً من معاشات التفرغ. الأكثر حظاً بينهم أمنت له وظيفة حكومية.

أما ماذا كان من أمر نواب الحزب السبعة في  أول مجلس نيابي يشكله غازي كنعان، فهو أمر يدل على هول الكارثة التي وصل إليها الحزب.  إذ أن هيمنت رفيق الحريري على بيروت وتأسيسه لشركة سوليدير والقوانين المتعلقة بها، حصلت خلال ولاية ذلك المجلس.  وتعيين عميل إسرائيل كمدير عامٍ في وزارة المهجرين حصل تحت أنف ذلك المجلس.  ونهب أموال وزارة المهجرين حصلت تحت أنظار ذلك المجلس.  فماذا كان موقف أولئك الجهابذة السبعة من كل ما يحصل؟  لقد كانوا جزءً من عملية الفساد والإفساد.  فهم لم يكن يهمهم سوى الحصول على بعض المكاسب لأنفسهم وكان الله يحب المحسنين.  لقد كان ذلك ما أراده غازي كنعان، وهؤلاء المذكورين لم يكونوا سوى أدوات بيدي غازي كنعان.  بينما كان النائب نجاح واكيم يوثّق الفساد ويجمع كل الدلائل والإثباتات حوله، حيث أصدرها في كتابه: "الكتاب الأسود"، كانوا هم جزءً من الفساد.

لقد ارتكب جهاز الأمن الشامي في لبنان ما لا يمكن إحصاءه من القباحات والمخزيات، لكن أقبح عمل قام به على الإطلاق هو توزيره لمحمود عبد الخالق.  لقد أظهروا بذلك الاختيار كم كانوا يحتقرون مدارك الناس وكم كانوا  يضربون بعرض الحائط بجميع الاعتبارات المهمة في حياة المواطنين اللبنانيين.

لم تكن تلك التغييرات في الحزب تمر بدون اعتراضات من قبل بعض القوميين، خاصة أولئك الذين كانوا يتسلمون مسؤوليات مركزية، ليفاجأوا أن أسعد حردان كان يعمل على تعطيل كل ما يحاولون القيام به لفرض إرادته وهيمنته.  هذا مع العلم أن المعارضين له أنفسهم هم من الجيل الذي ساهم بسقوط الحزب وهم لم يتعلموا إطلاقاً من تجاربهم أو تجارب الحزب السابقة. لذلك كانوا يرون أن المشكلة هي مشكلة أسعد حردان فقط، بينما هي أعمق من ذلك بكثير، كما رأينا فيما سبق من هذه الحلقات.  أما بالنسبة لأسعد حردان فلم يجرؤ أحد منهم أن يضع له حداً أو أن يحاكمه ويطرده من الحزب.  فالرجل كان خطاً أحمر عند جهاز غازي كنعان.  كيف لا وهو الذي كان ينفّذ كل ّ الأعمال الوسخة التي كان يخطط لها ذلك الجهاز. 

لقد كان أسعد حردان مثال الشخص الذي يحتاج إليه غازي كنعان، فهو بالإضافة إلى أنه شجاع لا يخاف ركوب المخاطر، هو أيضاً سارق ولص يحب المال والحصول على الثروة بأية وسيلة من الوسائل أو أية طريقة من الطرق.  وقد كان مستقبل الرجلين واعداً بهذا الخصوص.  فالرجل الذي بدأ حياته الحزبية بسرقة سيارات المواطنين، كما حدث في سوق الغرب عند سرقته سيارة المواطن قشوع بحجة أنه كتائبي، لم يتوانَ عن المتاجرة بدماء القوميين عندما كان يقبض خمسين مليون ليرة شهرياً من بري لمساعدته في مقاتلة حزب الله، ثم كان شديد القابلية إلى المال عندما كان يسرق وزارة العمل ويتقاسم مغانمها الأسبوعية مع غازي كنعان.  لا نعجب بعد ذلك أن يحصل حريق في الطابق الأول من وزارة العمل خلال مظاهرة عمالية، من أجل إخفاء دلائل السرقات التي حصلت في تلك الوزارة على مدى سنوات.

لقد تحول الحزب بقيادة أسعد حردان إلى مجرد ميليشيا لا علاقة لها بالناس، ولا تعرف شيئاً عن عقيدة الحزب وأخلاقه ومناقبه سوى ترديد شعارات فارغة لا يفهمون معنى لها.  ومع أسعد حردان وجوقته لم يبقَ شيء من عقيدة سعادة على الإطلاق.  إن كل ما صدر ويصدر عن تلك الجوقة يدل على مدى تعمدهم الإساءة إلى سعاده وعقيدته وكل المفاهيم التي قام عليها الحزب السوري القومي الاجتماعي أساساً.  إن أشد ما يظهر جهل هؤلاء لعقيدة سعاده ولنظام حزبه، ومدى تعمدهم تدمير المفاهيم الدستورية والأخلاقية والمناقبية التي قام عليها الحزب السوري القومي الاجتماعي، هو توزيعهم لرتبة الأمانة دون حسيب أو رقيب. إذ كيف يمكن للص وسارق في الأساس أن يحدد من هو أمين ومن ليس صاحب أمانة؟  أن يجد أسعد حردان وجوقته أنهم في وضع يسمح لهم بمنح رتبة الأمانة، فهذا أمر طبيعي لأشخاص تجاوزوا كلّ الخطوط الحمراء وارتكبوا جميع أشكال الموبقات.  أما أن ترى أناساً يدّعون أنهم قوميون اجتماعيون وفاهمون لحقيقة حزبهم وعقيدتهم، يخضعون لنفوذ أولئك اللصوص، فذلك ما يبعث على الدهشة والاستغراب.  إن سلوكهم هذا يظهر مدى جهلهم لحقيقة حزبهم وجوهر نظامه وعقيدته.  لو كان عند هؤلاء جزء يسير من الفهم للحزب وللعقيدة لما كانوا قبلوا السير بركاب أسعد حردان ولما كانوا قبلوا أن تمنح لهم رتبة الأمانة من قبله.  إذا كان بينهم من يفهم الحزب ويفهم العقيدة، فهم حتماً أشخاص وصوليون انتهازيون لا يهدفون سوى تحقيق رغباتهم الذاتية.

من حق أسعد حردان وجوقته أن يكون لهم تنظيم، وأن يكون لهم حزب، وأن يكونوا لهم وزراء ونواب إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأن يسرقوا ويقبلوا الرشاوات، فهم في تلك الحالة جزء من النسيج العام الذي يتكون منه الحكم والحكومة في لبنان، ولا عجب في ذلك.  ما لا يحق لأسعد حردان وجوقته هو أن يدعي العمل باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي، بينما هم لا يمتون إلى جوهر هذا الحزب بأية صلة من الصلات.  

إن أسعد حردان يتكلم ويفاخر لمسؤوليته عن انتشار الحزب مجدداً في الشام.  إن الأحداث التي تحصل في هذا الكيان العزيز تؤسفنا كثيراً، لكن حصولها يظهر تفاهة إدعاء أسعد حردان وبطلانه.  إذ أن انتشار الحزب في الشام لم يكن سوى على شاكلة أسعد حردان نفسه.  إن حزب أسعد حردان هو عالة على النظام في الشام بدل أن يكون داعماً له.  لو كان هناك حزب سوري قومي اجتماعي حقيقي، لكان شكّل دعماً قوياً للنظام من خلال تقديم النصح والإرشاد له في كيفية بناء الأوطان وكيفية الحصول على ثقة الناس وتأليبهم حوله، ومن خلال توعية الشعب بصورة متواصلة على حقيقة الأمور وواجباته القومية.  لكن من أين لجهلة عملاء أن يدركوا مثل هذه الأفكار الكبيرة! 

لو كان هناك حزب قومي اجتماعي صحيح في الشام، لما كان هناك مثل هذا الوجود للحشرات المذهبية المؤذية التي تريد أن تأخذ الناس إلى أزمنة بائدة. إن حزب أسعد حردان في الشام لا يختلف عن حزبه في لبنان، كلاهما يقدمان صورة عن الكارثة بأعنف مظاهرها.

إن استمرار حزب أسعد حردان هو استمرار للكارثة وتأكيد على وجودها.  إننا نأسف أن نعلن أننا لا نرى أية خطوات عملية لوقفها وإزالتها.  هذا بالرغم من وجود المئات، بل الآلاف، من القوميين في الوطن وعبر الحدود من الذين يرفضون هذه الحالة ويمقتونها.  ذلك أن اليأس قد دخل إلى نفوسهم فلا يرون أي جدوى لأي تحرك أو عمل لوقف هذه الحالة.

في لبنان بصورة خاصة، نرى مئات القوميين الذين يملكون أي مقدار من الوعي والفهم، يبعدون أنفسهم عن هذه الميليشيا ولا يتعاونون معها،  بل نراهم موزعين في جمعيات وهيئات، كالمرأة المقاومة، ولبنان المقاوم، ومنتدى إنسان، إلى ما هنالك من تجمعات تعكس الفراغ الذي يخلقه غياب حركة علمانية قادرة على توظيف طاقات الشباب بصورة منتجة وفاعلة.

هل يستطيع القوميون من إزالة هذه الحالة ووقف التراجع والسير بالاتجاه الصحيح؟

أتمنى لو كنت أملك جواباً يقنعني لهذا السؤال كي أقنع به الآخرين. إن لا أعرف. 

 

قمة الصفحة

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة