|
رابعاً: عروبة شوقي خيرالله
رجعية وهمية اتكالية، سفهها سعادة منذ ستين سنة
لم يستطع
شوقي خيرالله ان يقدِّم ايّ مثلٍ او ايّ اسمٍ أو اي حَدَثٍ
يشير الى ان هناك من ينكر عروبة سورية من القوميين
الإجتماعيين. وحسب علمنا، انه في تاريخ الحزب كله، قبل
استشهاد سعاده وبعده، لم يوجد احد من القوميين قد انكر
عروبة سورية، فهذه الجبهة هي جبهة مفتعلة، مفبركة، فتحها
شوقي خيرالله لنفسه وعلى حسابه كي يحارب فيها وحده على غير
طائل. إنه جدال في غير محله ومن طرف واحد وحيد هو شوقي
خيرالله، كأنه يجادل نفسه او ظِلّه. يقول:
"إن
الجدل البيزنطي حول عروبة سورية او لا/ عروبتها..... (هو)
موضوع آبق هارب وعقيم...." (ص 207)
فطالما هو
جدل بيزنطي وموضوع آبق وهارب وعقيم، لماذا إذاً، يشترك فيه
شوقي خيرالله، بل لماذا يفتعله بينه وبين نفسه، وفي كتاب
قصة الحزب؟؟!
شوقي خيرالله
لم يكن موفقاً ابداً في تصويره خصماً وهمياً، هو ناكر
عروبة سوريه، لأن قصة شوقي ليست مع ناكري عروبة سورية
الذين لا وجود لهم بين صفوف القوميين، بل ان قصته هي مع
ناكري عروبته هو، وهي العروبة الوهمية، الإتكالية، غير
الواقعية، وغير الحقيقية، وغير العلمية، هي العروبة التي
سخّفها سعاده تسخيفاً منذ ستين عاماً.
إن سعاده هو
الذي اقام الحد الفاصل بين العروبة الحقيقية الواقعية وبين
تلك الوهمية الرجعية الإتكالية.
يبدو ان شوقي
خيرالله لم يقرأ ردود سعاده على الأخوين محي الدين وأنيس
النصولي، ولم يقرأ لسعاده مقالة "حاربنا العروبة الوهمية
لنقيم العروبة الحقيقية" سنة 1949. وشوقي لم يقرأ المبدأ
الأساسي الرابع وبالتحديد حول معنى عروبة الأمة السورية،
والذي يكرره في شرح غاية الحزب في المحاضرة العاشرة!
إن شوقي
يتخبّط في عروبته الوهمية تخبطّاً. ساعة يشيد بسعاده
وعروبته الحقيقية الواقعية بديلاً عن العروبة الوهمية
العاطفية الإتكالية، وساعة ينكِر، نعم يُنكِر، ان يكون
هناك عروبتان واحدة حقيقية واقعية واخرى وهمية رجعية.
يقول في الصفحة 306 ما يلي:
"...ثمة
تنظير موروب ومجَعْلك عن "الفرق بين العروبتين"!!. التنظير
غير الرسميّ في الحزب عن مواصفات العروبتين الحقيقية
والوهمية لم يلغِ القرابة اليعربيّة. وإلاّ فكيف نحن أمم
شقيقات؟ التنظير المفتعل ليس وارداً في المباديء ولا في
المحاضرات العشر ولا في مذكّرات من كتبوا. فالشروح
الشعوبيّة – المدسوسة لا ريب – لم تلغِ يوماً القرابة
اليعربية الجيوسياسية المصيرية والتاريخية ما بين الأمم
العربية الشقيقات."
ويتابع شوقي:
"هكذا
تنشّأ تيّار توفيقيّ فاعل وحاسم وغير خجول، في الحزب،
يجرؤون أن يعيدوا قراءة النهضة بذهنية غير شعوبيّة. ولكم
يجدر بعمدة الثقافة في الحزب لو تأرشف نموّ السوسة
الشعوبية لكي تستأصلها. فلعلّها تبني جسوراً عقدية
وإدارية مسؤولة مع ابناء العمومة والخؤولة بغير عُقَد ولا
دونية ولا استعلاء..."
إن شوقي في
ما يقول يضع نفسه في مواجهة سعاده، ضد سعاده وجهاً لوجه.
إن شوقي خيرالله في ما كتب يضيف صفة جديدة الى العروبة
الوهمية الإتكالية الرجعية، هي صفة الفوضوية. إن عروبة
شوقي هي فوضوية لأنها بالنسبة له ساعة هي عروبة الحسب
والنسب، أبناء الخؤولة والعمومة، وساعة هي عروبة اللسان
فقط، وساعة هي عروبة اللسان والحياة (؟؟)، وساعة هي عروبة
لا تحتاج الى شرح، وساعة هي عروبة دينية، وساعة هي عروبة
لا يعرف مستقَرّاً لها فتشمل شمال المتوسط اي اوروبا بغض
النظر عن اللسان، فأوروبا هي عروبة عند شوقي.
إن شوقي يهذي
في عروبته، فهو ساعة يعتبر الآراميين كلهم عربَ قبل
الفتح، "الآراميون عرب
حضارمة"، اي اصلهم من حضرموت حسب زعمه،
وساعة يقول إن العرب كانوا أكثرية في سورية قبل الفتح،
وساعة يقول إن السوريين تعرّبوا بواسطة الفتح وإن الفتح
جمع لساناً عربياً مع عقلٍ سوري (اي ان العقل السوري ليس
عربياً)، وإذا ما أعجزه البيان يستعين بجبريل (رئيس
الملائكة)، فجبريل بالنسبة لشوقي لم يخطيء حدسه وهو الذي
جمع ووحّد العرب والسوريين.
سنورد فيما
يلي نصوصاً من الهذيان والهلوسة اللذين نجدهما في كتاب
شوقي، والشاطر يفهم المعنى الذي يقصده شوقي في عروبته:
"مشروع
اتحاد جنوب المتوسط بشماله: ذلك هو مشروع العروبة الآرامية
الكنعانية القرطاجية والعروبة الراهنة مع الشمال السلتي
واللاتيني وسواهما. أوروبة، أي عروبة، استقت اسمها من
اميرة صيدون اخت قدموس وليّ العهد الذي انتخى لاسترجاع
اخته عروبة المخطوفة، ومن خطفها؟ الإله اليوناني الأكبر".
(صفحة 34)
"روح
العقيدة يبت بتّاً اننا سوريون عرب آراميون".
(ص 110)
"....أن
نخطو نحو انجاز المهمة الجيوسياسية العظمى: تحقيق الإتحاد
المحتّم ما بين الجزيرة والهلال الخصيب والنيل والمغرب
وبالتالي ما حول المتوسط..." (ص 115)
ويتابع شوقي
تخريفه وتجهيله وهذيانه:
"وأما
الإسلام فقد كتب عليه ان يوحِّد الجزيرة مع عرب الهلال
الخصيب وقد اضحى العرب أكثرية فيه طوال ألف عام، اي قبل
المسيح بخمس مئة عام. بلى كان العرب أكثريّة في الهلال
الخصيب ويتكلمون عربيتهم، ويعرف نخباتهم العربية القرشية
والتميمية وسواهما المنتشرات مع الهجرات المتفرّقة منذ
الجزيرة نحو الحواضر والبوادي. هؤلاء – التنوخيون
الغساسنة والمناذرة وتغلب وبكر وعجل وشيبان وعشرات من
مقاحيم الله غداً – هم من أزد اليمن، وزراعيون من قبل،
وهجّرتهم كوارث طبيعية واقتصادية – مثل انهيار سدّ مأرب
وسواه – من جنوب قارتهم المنكوبة الى شمالها الخصيب وذي
الماء، بغير ما حسّ بالغربة ولا بقصد غزو، بل كما ينزح
النازحون الى أهل قرباهم من خؤولة وعمومة. فليس ثمة غزو
ولا احتلال ولا إبادة. ولكنه ترحّل خلف ماء وكلاء، من
ناحية منكوبة الى أخرى شقيقة كان قد سبقهم اليها نزوحٌ
حميَريّ كنعانيّ (عربي) الى الهلال الخصيب ومنه الى كريت
ثم الى شمالي افريقية وقرطاجة ذاتا، اي حول المتوسط
والعالم الكنعاني البحري."
"ألا
ذلكم تاريخنا الحق ونواميسه الجيوسياسية"
(ص 121-122)
"وتدليلاً
واشارة الى اصول صور وحمْير اليمنية، بنت قرطاجة الجديدة
ايضاً مرفأ احتياطياً قرب قرطاجة وعمّدته "حضرموت".
الآراميون هم حضارمة حميريون..." (ص 122)
ولأن تخريف
شوقي وهلوسته وتجهيله وجهله ليس لهم حدود فهو يتابع:
"وذلكم
تأويل قومي إجتماعي لقصة الفتح ولتعريب سورية(عالحساب كانت
سورية عربية؟!) ولما اصبح العالم العربيّ. وهذا التأويل
هو الأصح منطقاً مدرحياً وإدراكاً لنواميس التاريخ ولصُلب
العقيدة القومية الإجتماعية لقوم يفقهون."
(لا أحد يفقه سبب هذه الهلوسة والتخريف والتشويه
عند شوقي!!) (ص 167)
"الفتح
كان مهراسنا التاريخيّ على بيدر التاريخ الطالع. وحدسْ
جبريل لم يخطيء أولاً ولا ثانياً لا مع مريم ولا مع محمد.
وذلكم من اعمق المرتكزات العملانية لمعنى العقيدة
العلمانية، القومية الإجتماعية."
"...قيام
الدولة بعد غدٍ في المدينة، وبعده في دمشق، سيكمل القدر
المنزل، (كم هو ساذج شوقي في قراءة الأحداث والتاريخ
وتفسيرهما؟!) وسيحوّل الفتح الى عملية انصهار/قومي لغويّ
اولاً، فإلى عملية توحيد إداريّ وتوحيد عسكريّ وبالتالي
ثقافيّ...." (ص 169)
"....العروبية
بديهية فينا جميعاً وفي كلّ مواطن من الخليج الى المحيط
وبدون فلسفة وبدون شروح، كما هو الألماني إلماني والفرنسي
فرنسي. ..... "العروبة هي عروبة اللسان، قال النبيّ".
فليس ثمة عرق عربي ولا عرقية. والعربي آرامي كما الأشوري
والبابلي والكلداني والكنعاني والفينيقي. واللغة العربية
عربتنا جميعاً..." (ص 207)
"نحن
اولئك الراشدين.... آمنا بكلمة سواء بين عرب وعرب،
ومَجَجنا غلوّا مضرّا في إدّعاء زعامة مخصوصة. أتكون
القومية السورية العربية نقيضاً للقومية المصرية العربية،
او لأي عروبة أخرى؟...." (ص 307)
إننا لن
نناقش شوقي في ما كتبه آنفاً، بأنفسنا، فمشكلته
ليست معنا، بل أن مشكلته هي مع سعاده نفسه.
سنورد ههنا مختارات لسعاده، ففيها ما يكفي لإيضاح العلاقة
بين القضية السورية والصفة العربية، وفيها ما يكفي لتسفيه
جميع محاولات التلاعب والتدجيل والتشويه كائناً من كان
صاحبها، او كائناً من كان يقف وراءها.
"سورية
للسوريين والسوريون امة تامة" (المبدأ
الأساسي الأول)
"إن
هذه التعاريف المبلبلة التي جزأت حقيقتنا القومية او
أذابتها ومحتها: نحن اللبنانيين، نحن الفلسطينيين، نحن
العراقيين، نحن العرب، لم يمكن ان تكون أساساً لوعيّ قوميّ
صحيح ولنهضة الأمة السورية التي لها دورتها الإجتماعية
والإقتصادية في وحدة حياة ووحدة مصير" (من
شرح المبدأ الأول)
"القضية
السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الإستقلال
عن أية قضية أخرى" (المبدأ الأساسي
الثاني)
"بناءً
على هذا المبدأ يعلن الحزب السوري القومي الإجتماعي أنه لا
يعترف لأية شخصية او هيئة غير سورية بحق التكلّم باسم
المصالح السورية في المسائل الداخلية او الأنترنسيونية او
يحق إدخال مصير المصالح في مصالح امة غير الأمة السورية"
(من شرح المبدأ الثاني)
"القضية
السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري"
(المبدأ الأساسي الثالث)
"كل
فكرة قومية بلا اساس من وطن، تيخرج الأمة عن وضع واقعها
الإجتماعي، فالتأويلات السلالية القائلة مثلاً إننا عرب
لان قسماً منا اتى من العرب ان أننا فينيقيون او كنعانيون
لان قسماً منا تحدر او انتسب الى الفينيقيين الكنعانيين،
او اننا اشوريون فقط هي تأويلات مخالفة لواقع المجتمع."
"فالعرب
هم سكان العربة كما ان السوريين هم سكان سورية وليس لهم جد
دعي بهذا الأسم، بل لأنهم يسكنون سورية ووحدوا حياتهم
فيها."
"واصل
اللفظة أخذ من اشور كما يرجح وسميت البلاد سورية والسوريون
ينسبون الى البلاد وكذلك العرب ينسبون الى بلادهم العربة."
"أما
العلاقة والقرابة الدموية بين سكان سورية وسكان العربة،
فقد قام عليه الدليل، ولكن من اخذ من الآخر اكثر؟ يمكن ان
يكون السوريون المستعربون اكثر من العرب الذين دخلوا سورية
وتسرينوا، وان كثيراً من العرب الذين دخلوا سورية بالفتح
المحمدي هم عرب مستعربة اي انهم سوريون كنعانيون في الأصل
تحولوا الى البداوة بعامل جفاف الأرض وقطنوا العربة
(الصحراء) واكتسبوا الطابع العربي (الصحراوي). من هذه
الحقيقة تظهر لنا اهمية الوطن الفاصلة في تقرير شخصية
المجتمع وحقيقة الأمة" (من شرح المبدأ
الثالث)
"الأمة
السورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع
إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي."
(المبدأ الأساسي الرابع)
"إن
مدلول الأمة السورية يشتمل على هذا المجتمع الموحد في
الحياة، الذي امتزجت أصوله وصارت شيئاً واحداً وهو المجتمع
القائم في بيئة واحدة ممتازة عرفت تاريخياً باسم سورية
وسماها العرب "الهلال الخصيب" لفظاً جغرافياً طبيعياً محض
لا علاقة له بالتاريخ ولا بالأمة وشخصيتها. فالأصول
المشتركة: الكنعانية ــ الكلدانية ــ الآرامية ــ الآشورية
ــ الآمورية ــ الحثية ــ المتنية ــ الأكادية التي وجودها
وامتزاجها حقيقة علمية تاريخية لا جدال فيها هي أساس اتني
ــ نفسي ــ تاريخي ــ ثقافي، كما أن مناطق سورية الطبيعية
(الهلال الخصيب) هي وحدة جغرافية ــ زراعية ــ اقتصادية ــ
استراتيجية."
"لا ينافي هذا المبدأ، مطلقاً، أن
تكون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي، أو إحدى الأمم
العربية، كما أن كون الأمة السورية أمة عربية لا ينافي
أنها أمة تامة لها حق السيادة المطلقة على نفسها ووطنها
ولها، بالتالي، قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل
الاستقلال عن أية قضية أخرى. الحقيقة أن الغفلة عن هذا
المبدأ الجوهري هي التي أعطت المذاهب الدينية في سورية
المدية التي قطعتها بين نزعة محمدية عربية ونزعة مسيحية
فينيقية ومزقت وحدة الأمة وشتتت قواها."
"فالسوريون الذين يشعرون أو يعرفون
أنهم من أصل آرامي لا يعود يهمهم إثارة نعرة دموية آرامية
ضمن الأمة والبلاد ما دام هنالك اتباع لمبدأ الوحدة
القومية الاجتماعية والتساوي في الحقوق والواجبات المدنية
والسياسية والاجتماعية، بدون تمييز بين فارق دموي أو سلالي
سوري. وكذلك الذي يعلم أنه متحدر من أصل فينيقي (كنعاني)
أو عربي أو صليبي لا يعود يهمه سوى مسألة متحده الاجتماعي
الذي تجري ضمنه جميع شؤون حياته والذي على مصيره يتوقف
مصير عياله وذريته وآماله ومثله العليا. هذا هو الوجدان
القومي الصحيح، فإذا كانت النعرة الفينيقية هي الـ
These والنعرة العربية هي الـ
Antithese أو بالعكس. أي إذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان
نظريتين متعارضتين فممّا لا شك فيه أن مبدأ وحدة الأمة
السورية المؤلفة من سلالتين أساسيتين مديترانية وآرية، من
العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السوري والطابع
السوري النفسي والعقلي، هو المبدأ الذي يقدم الـ
Synthese أو المخرج النظري من تعارض
النظريتين، مذهباً واحداً هو القومية." (من شرح
المبدأ الرابع)
”ماذا
نعني بكون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي أو إحدى
الأمم العربية؟ هل نعني أن السوريين هم جزء متمم للعرب
(أهل العربة أو الصحراء) يشكلون معهم شعباً واحداً خاصاً
يجب أن يرجع إلى الأصل؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف نوفق بين
أن سورية أمة تامة ولها "قضية مستقلة كل الاستقلال عن أية
قضية أخرى"؟"
"يوجد
عالم يدعى العالم العربي. والسبب في دعوة هذا العالم كذلك
هو سبب لغوي ديني في الأساس. فهنالك عالم عربي باللسان،
ويمكن أن نتدرج ونقول عالم عربي بالدين الذي يحمل كثيراً
من بيئة العرب وحاجاتها ونفسيتها والذي هو أهم عامل يصل
بين أمم العالم العربي اللسان. أما من حيث وحدة الحياة
التي هي حقيقة وجود الأمة فلا يوجد لهذا العالم وحدة يمكن
أن تجعل من مجموع الكتل الموجودة ضمنه كتلة واحدة أو شعباً
واحداً أو أمة واحدة أو دولة واحدة قائمة على الإرادة
العامة."
"فنحن
حين نقول العالم العربي نعني هذا العالم الذي يتكلم اللسان
العربي ونحن منه. وهذا التفسير يوضح كيف أن سورية يمكن أن
تكون إحدى الأمم العربية وتبقى أمة متميزة بمجتمعها
وتركيبها الاثني ونفسيتها وثقافتها ونظرتها إلى الحياة
والكون والفن. ويجب منطقاً وعلماً، قبول هذا الواقع كما
يجب قبول أن الأرجنتين هي إحدى الأمم الإسبانية في أميركا
الجنوبية وكما أن كندا هي إحدى الأمم الإنقليزية أو
الانقلوسكسونية باعتبار امتداد اللسان. وأن بين الأرجنتين
وإسبانية وبقية الأمم الإسبانية من روابط اللسان والدم
والثقافة والنفسية، وبين كندا واسترالية أو أميركانية
وبقية الأمم البريطانية أو الانقلوسكسونية من الروابط
المذكورة، أكثر مما بين سورية وبقية أمم العالم العربي أو
مثلما بينها، على الأقل."
"بهذا
المعنى إذاً وبدون أي تعريض لمبدأ القومية السورية يمكننا
أن نسمي سورية إحدى أمم العالم العربي، على أنها أمة
مستقلة تتكلم اللسان العربي العزيز عليها ليس لأنه اللسان
الذي فرض عليها بعامل الفتح الديني بل لأنها أنتجت من
نفسيتها وعقلها وغذته بإنتاجها وثقافتها فهو عزيز عليها
بما يشتمل عليه من فكر ونفسية وأدب سوري." (من شرح المبدأ الرابع)
"الوطن السوري هو
البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة
السورية. وهي ذات
حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من
جبال طوروس في
الشمال الغربي وجبال البختياري في
الشمال الشرقي إلى قناة
السويس والبحر الأحمر في الجنوب،
شاملة شبه جزيرة سيناء
وخليج العقبة، ومن البحر السوري في
الغرب، شاملة جزيرة
قبرص، إلى قوس الصحراء العربية وخليج
العجم في الشرق (وتوصف بالهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة
قبرص)
".
"هذه
هي حدود هذه البيئة
الطبيعية، التي حضنت العناصر الجنوبية والشمالية
المتجانسة
التي نزلت واستقرت فيها واتخذتها موطناً لها تدور فيه
حياتها ومكنتها من التصادم ثم من الامتزاج
والاتحاد وتكوين
هذه الشخصية الواضحة، القوية، التي هي الشخصية السورية،
وحبتها بمقومات
البقاء قي تنازع الحياة." (من شرح
المبدأ الخامس)
"غاية
الحزب السوري القومي
الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية
اجتماعية تكفل تحقيق
مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية
حيويتها وقوتها، وتنظيم
حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية
استقلالاً تاماً
وتثبيت سيادتها وتأمين مصالحها ورفع
مستوى حياتها والسعي
لإنشاء جبهة عربية".
"وإن
إيجاد جبهة
من أمم العالم العربي تكون سداً ضد
المطامع الأجنبية
الاستعمارية وقوة يكون لها وزن كبير
في إقرار المسائل
السياسية الكبرى هو جزء متمم لغاية
الحزب السياسية من
الوجهة الخارجية."
"إن
سورية هي إحدى أمم العالم العربي وإنها هي الأمة
المؤهلة لقيادة العالم العربي، وما
النهضة السورية القومية
الاجتماعية إلاّ البرهان القاطع على
هذه الأهلية".
"إننا لن نتنازل عن مركزنا
في العالم العربي ولا عن رسالتنا
إلى العالم العربي. ولكننا نريد، قبل
كل شيء، أن نكون
أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية
رسالتنا. يجب على سورية
أن تكون قوية بنهضتها القومية
الاجتماعية لتستطيع القيام
بمهمتها الكبرى".
"شرط
التعاون في العالم العربي هو أن نقدر على تقديم
شيء ولكي نقدر على تقديم شيء يجب أن نكون نحن أولاً شيئاً."
"لا
يمكننا أن نقدم شيئاً ونحن لا شيء. لا يمكن لسورية أن
تخدم العالم العربي في شيء وهي مبعثرة، مجزأة نفسياً
واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وليس لها كيان أو ذات أو
حقيقة أو نفسية."
"لذلك
نحن نرى هذه النهضة مقربة لنا للعمل والتعاون في
العالم العربي لا مبعدة، لأنه حين لا تكون هذه النهضة لا
نكون متعاونين في العالم العربي بل نكون منساقين في تيارات
في العالم العربي."
(من شرح غاية الحزب)
"...إدِّعاء
المتعربين ان حمورابي ملك عربي مع انه سوري مقيم في سورية
من الشق الأموري من السوريين، ولم يكن حمورابي ينتسب في
العرب أو إليهم. ولكن السفسطة النايورجعية تريد ان تقيم
نظرية غير ثابتة تقول إن الشعوب السامية خرجت موجات من
العربة – اي الصحراء – وهي لا تجيز حتى في حال صحتها،
اعطاء اي صحة منطقية لتحويل الساميين كلهم الى عرب لانهم
خرجوا من العربة ساميين وطلقوا العرب والعروبة، وتقوم
نظرية تناقضها وهي المرجحة اليوم القائلة بأن سورية هي مهد
الساميين تؤيدها تقاليد العرب انفسهم الذين يثبتون ان
العرب العدنانيين هم هجرة سورية الى العربة او تحو لجزء من
الشعب الكنعاني الى حالة البداوة والضرب في الصحراء،
فيسمونهم في تقاليدهم العرب المستعربة، اي التي لم تكن في
الأصل عربية. ولو كان العرب يعدون السوريين عرباً منهم
لما نعتوا هؤلاء العرب الدخلاء عليهم بالمستعربين. فواضح
من هذا الشرح الوجيز مقدار الخبط على غير هدى في آراء
الرجعيين المتجددين العروبيين وفي مسخهم وتشويههم للحقائق
العلمية." (من مقالة "آن للشباب ان يدرك")
"إن
العروبة الواقعية التي تقول بها الحركة السورية
القومية الاجتماعية هي عروبة العالم العربي. وهي
تختلف
كل الاختلاف عن عروبة "الأمة العربية
والقومية العربية والوطن العربي والوحدة العربية
والخمسين مليون عربي" الوهمية. إننا واقعيون في
الوجود، نرى العالم العربي في واقعه لا في تخيلات
الواهمين، والعالم العربي في واقعه عالم بيئات
وشعوب
وأمم فلا نحاول إيهام الناس انه يمكن تحويل
هذه
البيئات المختلفة والشعوب والأمم إلى بيئة
واحدة
وشعب واحد وأمة واحدة، بواسطة رابطة اللغة
والدين..."
"يمكن
العروبيين النايورجعيين المولعين بجمع شعوب
العالم العربي مجتمعا واحدا وجذب بيئاته المنتشرة
في
قارتين حتى تصير بيئة واحدة إن يقضوا حياتهم
وينفقوا ما في أيديهم في هذا السبيل. ليذهبوا
ويهتموا بضم العربة إلى اليمن وتحضير العرب،
ليذهبوا ويجمعوا المغاربة والمصريين ليصيروا شعبا
واحدا
وأمة واحدة ويمدوا سكك الحديد بين القطرين
أو
لينشئوا المراكب البحرية الكبيرة لنقل الناس
مجانا
بين ذينك القطرين ليتعاشروا ويتزاوجوا
ويعالجوا المصالح والقضايا والأهداف معا. إننا لا
ننكر
عليهم شيئا من ذلك إذا كان من ثروتهم الخاصة. ولكننا ننكر عليهم
أن يغرروا بشباب الأمة السورية
في
مثل هذه المحاولات عملا بالعروبة النايورجعية."
"ولكن
هل هذه العروبة هي كل العروبة؟ كلا، إن هناك
عروبة
أخرى هي العروبة الواقعية. التي تقول أن في
العالم العربي أمما وشعوبا لكل منها خصائص ومقومات
ووحدة
حياة وإمكانيات فعلى كل أمة أن تعي وجودها
وحقيقتها وأهدافها ومصالحها وان تنهض معتمدة على
نفسها
ثم تعمل على التعاون مع الأمم الأخرى – هي
عروبة
الحركة السورية القومية الاجتماعية."
"إن
بناء النفوس في القومية السورية ينهض بسورية
وبالعالم العربي"
(من مقالة "حاربنا العروبة الوهمية لنقيم العروبة
الواقعية")
"إن
القومية الإجتماعية هي وعي الأمة وجودها. والأمة ليست لغة
ولا ديناً بل هي واقع إجتماعي، هي مجتمع إنساني وارضي.
فلو أطلقت لغة واحدة في العالم كله لما جمعت امم العالم
امة واحدة، ولو اطلقت مذهباً دينياً واحداً في العالم كله
لما صار امة واحدة. فلا اللغة ولا الدين ولا الإثنان معاً
يجعلان الناس امة واحدة." (من مقالة
"انتصار القومية السورية يحقق الجبهة العربية القوية")
نكتفي بهذه
الإشارات من تراث سعاده ففيها الحد الفاصل بين العروبة
الواقعية وبين تلك الوهمية الإتكالية الفوضوية الرجعية
والنيورجعية. وقبل ان نختم، نروي ما حدث لنا في مقابلة
شخصية مع شوقي خيرالله منتصف السبعينات من القرن الماضي.
كان شوقي يبث
من إذاعة دمشق حديثاً يومياً الساعة الثامنة صباحاً بعنوان
"يا سامعين الصوت". وكن يحاول ان يزاوج بين قواعد التفكير
القومي الإجتماعي العلمية وبين رغبته في ممالأة ومسايرة
العروبيين الوهميين الفوضويين. في إحدى الحلقات تكلم شوقي
عن اهمية تحديد هويتنا القومية وضرورة الإجابة العلمية على
سؤال "من نحن"، وإذ به يقوم بقفزة بهلوانية ويقول بسرعة
خاطفة: "نحن عرب سوريين". ثم أخذ بعدها يتكلم، لا عن
الوطن السوري، بل عن الوطن العربي.
كنا بضعة
رفقاء من منفذية بيروت التقيناه في شتورا، فناقشناه في
"الوطن العربي" وفي "نحن عرب سوريين". بعد ان أضجرنا
حوالي ساعة من التقريع والهجاء المتواصل، سمح لنا بالكلام،
فأعدنا الى اسماعه أن العروبة صفة للامة وليس للافراد،
فالأفراد السوريون هم مزيج متجانس من عدة اصول وان في
سورية هجرات متعددة أتت من الشرق والغرب والشمال والجنوب
والتقت بالشعب السوري الأصلي منذ العصر الحجري وتصادمت ثم
تفاعلت وكونت المزيج الحالي الذي ضاعت اصوله العرقية ولم
يعد ينطبق عليه سوى تسمية البيئة الطبيعية التي حضنته
وجبلته وحبته بمقومات الحياة، سوريه، فنحن سوريون والهوية
السورية هي الوحيدة الجامعة لكل افراد الشعب. وبعد ان سمع
منا بأن تعبير "الوطن العربي" هو خطأ شائع وان الصحيح هو
العالم العربي، وأن الوطن السوري هو سورية، أما الوطن
العربي فما هو؟ إنه لا اسم له، انه وهم، لا يوجد بيئة
واحدة من المحيط الى الخليج.
في صباح
اليوم التالي، وفي "يا سامعين الصوت"، إذ بشوقي يتحدث عن
"عروبّا" أسماً للوطن العربي، على غرار سوريا أو فرنسا او
اسبانيا...ألخ. أما عروبا هذه، التي ظن شوقي انها فتح
وابداع سوف يُحْدِث له في "الوطن العربي" طنة ورنة، فلم
ينتبه له احد!!
أما اليوم
فها هو شوقي يبدع ويخلق اسماً جديداً ليس للوطن العربي، بل
للقارة ألأوروبية: عروبة. اوروبة هي عروبة (ص 34) فهل
تصدقون؟
ثم ان شوقي
لا يكتفي بتغيير اسم العقيدة القومية الإجتماعية باضافة
كلمة العربية إليها، ولا "باتهام" سعاده بان ليس أهلاً
لشرح المدرحية، بل ينبري هو لشرح المدرحية فإذا بها
"متعلقة عقدياً بمعنى الفكر الإتحادي والقدر الإتحادي ما
بين الكيانات السورية وما بين الأمم العربية" (صفحة 139)
إنه حقاً
كلام سطحي، سخيف، لا يستحق الإعتبار، لكن المضحك المبكي ان
شوقي ينسبه زوراً وبهتانا وكذباً وتجديفاً ووقاحة الى
سعاده.
ولشوقي
ابداعات أخرى لا تقل اهمية عن ابداعاته المذكورة فوق، فهو
يكرر عبارات "العقيدة الجيوسياسية" والمهمة "الجيوسياسية"
وتعابير "النواميس التاريخية والنواميس السياسية والنواميس
الجيوسياسية. يبدو انه التقط كلمة "جيوسياسيي" فأعجبته
فصار يستعملها كيفما كان وفي غير مكانها ومعناها. ويبدو
ايضاً أنه لا يعرف معنى كلمة الناموس وبانه لا يوجد شيء
اسمه نواميس سياسية او تاريخية. هو لا يعرف ان النواميس
هي فقط نواميس طبيعية نستعملها للدلالة على قانون طبيعي لا
علاقة للإنسان فيه سوى انه يكتشفه اكتشافاً، كأن شوقي لم
يقرأ كتاب نشؤ الأمم.
إن شوقي فاشل
كمؤرّخ وكعقائدي ومفكر قومي إجتماعي، لكنه ناجح ربما كراوي
وقصصيّ. فحبذا لو يشتغل بما يجيده ويترك الباقي لأصحاب
المعرفة.
أخيراً، اننا
ننصح بقراءة كتاب "قصة الحزب" لشوقي خيرالله، ففي قراءته
فائدة.... ومتعة! |