|
فعلتها إسرائيل. لا
فعلها ذلك الجزء المهتريء من اللبنانيين الذي يبيع نفسه
وكرامته وحياته في سوق النخاسة السياسية ويطلب ثمنها ابخس
الأسعار.
نصف اللبنانيين هم برسم
البيع. العاديون منهم أثمانهم بخسة جداً. مئة دولار.
مئتين، ثلاثة، تذكرة سفرة. مهما يكن. المهم إلا يفوتهم
موسم الإنتخابات دون ان "يلحسوا" أصابعهم. هم من الجهالة
بمكان انهم لا يدركون أنهم سيأكلون هذه الأصابع نفسها
ندامة. هذا ليس تهديد ولا وعيد. إنه المصير الذي عملوا
له.
الناس الذين يعتبرون
انفسهم غير عاديين لهم أثمان مختلفة. ذلك الصحافي
المهتريء، على سبيل المثال لا الحصر (ما اكثر الأمثلة
المشابهة)، لا تكفيه عدة مئات من الدولارات، انه يحتاج الى
الكثير منها. من أجل ذلك بانت حقيقته. كان يحب ان يقوم
بدور البطل، فإذا به يتخلى عن الدور ويظهر للملء انه ليس
أكثر من "شرشوح فاسد".
أما ثمن ذلك المتزعِّم
لطائفته فهي عالية جداً. جميع معارفه، أكانوا اصدقاءً له
أم خصوم، يعرفون ذلك. واحد من "أصدقائه" يصِرّ على
مصادقته ما بقيت السماء زرقاء. هو يعرف أهمية هذه الصداقة
وهو لا شك يدرك أنها مكلفة جداً، وهو لا شك انه على
استعداد للدفع مهما كانت المبالغ كبيرة، حرصاً على إبقاء
هذه الصداقة.
خصوم الرجل يعرفون ذلك
ايضاً، ويعرفون ايضاً الثمن الذي يجب ان يدفعوه كي ينتزعوه
من بين أصدقائه الحاليين. والثمن هنا ليس أموالاً فحسب،
بل إنهاء الكوابيس الذي ترافقه في يقظته ونومه وانتزاع
مسبباتها.
لقد عاد عملاء اسرائيل
الى المجلس النيابي باكثرية ملحوظة. عاد العملاء بجميع
الوانهم واشكالهم، الظاهرون منهم والمستترون. عاد الحاخام
مروان. العميل نور أصبح اكثر "شرعية". هو ترشّح الى
الإنتخابات غصباً عن إرادته. في الواقع انه لا يملك اية
إرادة. الإرادة إرادة اسياده. هم يقررون وهو ينفذ. لا
يستطيع أن لا ينفِذ.
لقد اثبت رجال الدين
الذين لا يهمهم الدين نفسه من قريب او بعيد، من جديد، انهم
الأكثر حقداً والأكثر لؤماً والأكثر خبثاً والأكثر تخريباً
للنفوس، لذلك جاءت نتائج الإنتخابات على حجم حقدهم ولؤمهم
وخبثهم. لا هنيئاً لهم ولا مريئاً.
لقد ربحت
إسرائيل الإنتخابات في لبنان، ولا نقول الإنتخابات
اللبنانية، إذ ليس هنا سوى القليل من لبنانيتها، مقدمة
لربح معارك قادمة هي مصيرية بالنسبة لها. بل هي مصيرية
بالنسبة لجميع المعنيين.
ليس سراً ان
إسرائيل تريد رأس حزب الله، وتريد رأس السيد نصرالله من
خلال هذه الإرادة. لذلك فإن قصة الإنتخابات في لبنان لن
تنتهي بإعلان النتائج ولا بانعقاد المجلس الجديد، بل أن
إعلان النتائج هو مجرد مقدمة بسيطة بالنسبة لأمور عظام
ستحدث في لبنان.
إننا نسوق
هذا الكلام على سبيل التحذير. تحذير جميع اللبنانيين،
العملاء منهم او المقاومين، الطائفيين وغير الطائفيين،
رجال الدين المؤمنين أو أولئك المارقين على الدين
والمتمظهرين به، البسطاء والعاديين منهم أو الأكثر تعقيداً
وغير العاديين، الذين يبيعون انفسهم في سوق النخاسة من اي
نوع ولا يعرفون اية كرامة او الذين يضعون كراماتهم قبل كل
شيء وفوق كل شيء. إننا نحذر الجميع من خطورة اتجاه
الأحداث قبل فوات الأوان.
لا نريد ان
نرى المزلغطين اليوم فرحاً بنتائج الإنتخابات، يزرفون
دموعاً غداً نتيجة للمآسي التي يمكن ان تجتاح حياتهم.
إن إسلوب
التشاطر الذي يسلكه قسم كبير من اللبنانيين، هو اسلوب لا
يؤدي سوى الى الخراب والدمار. كثيرون منهم يجتهدون كي
يكونوا ثقوباً ذكية. يمشون في هذا الإتجاه أو ذاك، ظناً
منهم أن هذا الإتجاه او ذاك يؤمن لهم النفوذ او المصالح
التي يحلمون بها. إنهم لا يعرفون أنهم ذاهبون الى المحرقة
التي صنعوها بأياديهم القذرة ونفوسهم الحقيرة.
الى متى يبقى
اللبنانيون على هذه الحال؟ الى متى يستمر اللبنانيون في
السير بإتجاه "مزبلة التاريخ". أم انه صحيح ما عبر عنه
الرفيق جيمس حرب أن شعباً مثل الشعب في لبنان، يسمح
باغتيال انطون سعاده لا يستأهل الحياة وان ليس له مكاناً
سوى مزبلة التارخ نفسها.
إن الشعب الذي سمح باغتيال أنطون سعاده
والذي لم يحاسب المخططين والمشرفين والمنفذين لتلك العملية
التي حرمت الأمة السورية من مخلِصها الوحيد، هو نفسه الذي
سيمهد الطريق لأغتيال المقاومة في لبنان. إننا نأسف
كثيراً أننا لا نرى هناك ما يمكن أن يخفف من قلقنا
وهواجسنا. قلوبنا عليكم أيها اللبنانيون، بجميع صورك
واشكالكم والوانكم. وقاكم الله شر الشياطين.
|