|
لم يأتِ قبل
زمانه... ولم يرحل قبله او بعده...
لقد جاء في
الوقت المناسب وذهب في اللحظة الحاسمة...
عظيم هو...
وُلِدَ عظيماً، عاش عظيماً، واستشهد عظيماً....
العظماء لا
ينتظرون الأزمنه المناسبة كي يكشفوا عن مضامين عظمتهم...
فهم لا تخلقهم الأزمنة العظيمة، بل أنهم يولدون من رحم
المآسي والمعاناة....
شامخ هو...
لم ينحنِ أمام المصاعب أو الأخطار، ولم يَنَل من شموخه
إنحطاط الزمنِ ورداءته...
أبيٌ هو...
لم يتنازل عن إبائه لأي شيء، ولم تبهره إغراءات العيش مع
كل ما كان يمكن ان يحصد منها لنفسه...
ولا يقلل من
عظمته وشموخه وإبائه انه أراد تغيير مجرى تاريخ أمته
وانتشال شعبه من براثن الزمن الرديء، فإذا بشعبه قد اعتاد
على رداءة الزمن وصار يستطيب العيش في مستنقعاته وركام
نفاياته....
صاحب رسالة
هو... رسالته لا شك مرتبط بالمكان، لكنّها اعمق وأقوى من
يحدّها زمن أو تغمرها أوقات... رسالته باقية في ضمير
التاريخ وعقله بانتظار وصولها الى أجيال تدرك قيمتها
وفعاليتها وتملك الشجاعة والقوة والإبداع لحملها والسير
بها.....
صاحب قضية
هو.... أنه وقضيته توأمان لا ينفصلان... لقد اوجد قضيته
فتحولت الى كل وجوده.... قضى حياته يصارع من اجلها واستمر
في الصراع الى أن صُرِعَ وهو في حلبته.....
لقد كانت
قضيته قضية حياة او موت بالنسبة له... لا مهادنه ولا
مساكنه ولا تعب ولا استسلام... الإستشهاد او الموت هو شعار
العظماء.... فالعظماء لا يتراجعون ولا يهادنون ولا يهربون،
والمواجهة هي خيارهم الوحيد...
العظماء لا
يختارون النجاة بحياتهم عندما يعني ذلك موتاً لقضيتهم...
فإنقاذ الأجساد البالية ليس من أخلاقهم ولا من تفكيرهم أو
شيمهم...
ليس صحيحاً
أن سعاده لم يوجد في الزمن المناسب... فأي زمنٍ هو اكثر
حاجة لمجيئه من ذلك الزمن الذي فقد فيه شعبه هويته وغرق في
متاهات المفاسد والفرقة والتصادم والإستسلام لإرادات
الغير؟...
وليس صحيحاً
أن سعاده لم يكن يملك الخيار بين النجاة او الإستشهاد...
"عندما ينجو الزعيم بنفسه يبطل الزعيم أن يكون زعيماً"،
قالها الى الرفيقة أدال صعب زوجة الامين السابق معروف صعب
قبيل تلبيته "دعوة" حسني الزعيم....
لقد كان
يدرك أن النجاة بنفسه يعني انهاء قضيته، وكان يدرك ان موته
يبقي شعلتها ما بقي الزمان، وما بقي التاريخ، وما بقيت
هناك أجيال ترفض العبودية والذل وتتطلع الى الكرامة والعزة
والحرية والإرتقاء....
لو اختار
النجاة لنفسه لكان مثلاً لكل المتخاذلين الذين اختاروا
النجاة بانفسهم وتقاعسوا عن القيام بواجباتهم التي طالما
اعلنوا له عن استعدادتهم للقيام بها... لذلك حافظ هو على
شموخه وعظمته وبقوا هم أقزاماً "تتناوط" لاستنشاق
الهواء...
كذلك ليس
صحيحاً أن نجاة سعاده بنفسه كان أفضل لحزبه ونهضته
وقضيته.... فحماية القائد وحياته ضرورتان، اساسيتان،
مفيدتان عندما يكون في مقدوره الانتقال من معركة الى
معركة، ومن جولة قتال الى جولة قتال اخرى... عندها يكون له
جنود الذين يقاتلون معه ومن اجل قضيته... عندها يكون عنده
جنود يسهرون على حمايته ويعملون المستحيل من اجل امنه
وحياته...
أما سعاده
فقد كان وحيداً ولم يبقَ معه سوى عظمته وكبريائه وعنفوانه
وشموخه وشجاعته... لقد ادرك ان النجاة بنفسه لا تعني ابداً
انه يستطيع يقوم بمعركة جديدة... لقد أدرك أن معظم من كان
حوله لم يرتقوا الى مستوى قضيته ومعركته... لقد كان يراهن
دائماً على الأجيال التي لم تولد بعد...
ثم أنه ليس
صحيحاً ان سعاده قد أعلن قضيته بسبب إيمانه بإصالة
شعبنا.... فإعلان قضية شعبنا لم يكن لها اية علاقة بنجاحها
او موتها، فهو كان يدرك تماماً المصاعب والعراقيل
والتضحيات والمعارك التي يحتاجها نجاح قضيته... لكن الواجب
واجب فلا مناص من القيام به، والرسالة رسالة ولا سبيل سوى
اعلانها وابلاغها الى اصحابه، والمسؤولية مسؤولية لا يتهرب
منها سوى الجبناء والضعفاء....
لقد تكلم
سعاده عن إصالة شعبه استناداً الى الومضات الكثيرة في
تاريخ حياته السابقة لانحطاطه وتراجعه وتقهقره... وهو جعل
من الكلام عن تلك الإصالة منارة يمكن الإستضاءة بها، لكنه
لم يبني عليها يوماً آمالاً خارج الواقع وخارج التاريخ...
سعاده لم
ينخدع بأحد... ولم يدخل الأوهام في ذهن احد... ولم يكذب
على احد... لقد كان صادقاً مع نفسه وقضيته وشعبه، وكان
منسجماً مع مسؤولياته ودوره.... هكذا عاش، وهكذا صارع،
وبسبب ذلك كانت شهادته... |