إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال .

 

العرزال

 

   
  

 

      

الحزب السوري القومي الأجتماعي: أزمات أم متاهات

(2004)

بقلم منير حيدر

تطالعنا كتابات كثيرة عن الحزب السوري القومي الإجتماعي، بعضها صحافي بحت، غرضه الإستهلاك الصحفي، وبعض آخر من قبل قوميين أكثرهم يتحرقون ويعانون، بسبب الوضع المرذول الذي وصل إليه الحزب.  نحن لا تعنينا المقالات الصحفية كثيرا، فهذه لا تأثير لها سوى بما قد تعكسه من دقة وصدق فيما تقدمه من معلومات وأخبار.   أما المقالات التي يكتبها قوميون لغرض أو لآخر، فهذه تهمنا ونحاول أن نقرأها ونتابعها، لنتعرف الى الواقع الحزبي وكيف ينظر القوميون إليه، وكيف يفهمونه، وما هي رؤيتهم الشخصية لمستقبله وكل ما يتعلق بقضيته.  من ضمن هذه المقالات، قرأنا مقاليين للدكتور عمر فاضل، نٌشرا على موقع صدى النهضة، يتناول فيهما الكاتب طبيعة الواقع الحزب، ويضمنهما الإشارات التاريخية لهذا الواقع وبعض أشخاصه، ثم يشير الى بعض أشخاص الواقع الحالي والأدوار التي يلعبونا فيه. 

 ما لفت نظري للوهلة الأولى في المقال الأول، هو عبارة وردت في عنوانه: "هبطت "الوحدة" علينا فطار "الحزب" منا".  السؤال هو: عن أي حزب يتكلم الدكتور فاضل وعن أي وحدة؟

 نسأل هذا السؤال ونحن نعرف أن الدكتور فاضل لم يضع كلمة "الوحدة" وكلمة "الحزب" بين مزدوجين عبثا، بل هو يشك في ان ما كان عنده ليس حزبا، وإن ما حصل ليس وحدة.  فما طار من بين يديه في الحقيقة، لم يكن سوى هشاشة وتدجيلا، تقابلها هشاشة وتدجيل أخرى.  والوحدة لم تكن في الحقيقة إلا وحدة بين نفوس ضعيفة، جائعة الى كل ما هو شخصي، من مال ومركز ونفوذ وجاه، حتى ولو كان ذلك على حساب القضية القومية، وعلى حساب دماء وآلام المئات من القوميين، إذا لم نقل الآلاف. أي حزب هو هذا الذي يقوده أميّون من الناس، أميّون في العلم، أميّون في الفكر، أميّون في السلوك والأخلاق، اميّون في الثقافة، لكنهم مبدعون في الفساد والإفساد والتشبيح والأنتهازية والجريمة؟  هل يصدق الدكتور فاضل نفسه عندما يعتقد أن تجمعا بقيادة محمود عبدالخالق هو حزب يندم أنه طار من يده؟  أهكذا نأمل أن نبني نريد أن نصلح مسار الحزب أو نبنيه من جديد؟  هل هذه هي الرؤية التي نرسلها الى المستقبل؟

 إنه يؤلمنا كثيرا أن نرى أن المتنورين في الحزب، وأن المؤمنين الحقيقيين في قضية الحزب، يسكتون ويماشون هذه الزمر الغبية الجاهلة، الخبيثة، المؤذية، ويقبلون بها، قادة لهم ولحزبهم في أي مرحلة من المراحل.  كيف يسلم القوميون رقابهم لمثل هؤلاء؟  لماذا لا يسألون عن تاريخهم وسلوكهم الحزبي، ناهيك عن مؤهلاتهم الفكرية والعقائدية والقيادية؟  لماذا لا يسألون كيف تمكن هؤلاء وتحت أي ظروف من "العوم" أو "الفوش" على سطح العمل الحزبي والتحكم به وبإرادة القوميين؟  أليس القبول بهذا الواقع بإسم النظام – أي نظام – هو نوع من الغباء، أو ذر الأعين بالرماد، أو وضع الرؤوس في الرمال؟  أليس هذا هروب من المسؤولية القومية الكبرى، من قبل الذين يفترض أنهم يملكون طاقات وفهم وثقافة، على إفتراض أن عندهم مثل هذه الثقافة، وترك المسائل تجري بدون حساب أو سؤال؟

 شخصيا، ومنذ أكثر من ثلاث سنوات، وبعد أن رأيت أن ليس هناك من جهد بنّاء وواع يجري لوقف الإنهيار الذي يعانيه الحزب، بدأت أنبه، عبر الوسائل المتوفرة لي، الى خطورة هذا الوضع، فكان لي مقالات عديدة، حول مفهوم الحزب والأسس الحزبية الاخلاقية وغيرها، كي نشجع ونحرض القوميين على البحث والمقارنة بين الواقع والأصل، علهم يتحركون لإنقاذ حزبهم وإعادته الى سراطه المستقيم.  إن ما يسمى بالحزب اليوم، لا علاقة له، من قريب أو من بعيد، بما خطط وأسس له سعاده، وقدم نفسه قربانا في سبيله، في موقف تاريخ عظيم ونادر.

لقد تأسس الحزب السوري القومي الإجتماعي ليكون المعادلة التاريخية الصعبة في وجه الحركة الصهيونية ومخططاتها، وليكون طريقة حياة جديدة، تنهض بمجتمعنا من بؤر  التقهقر والتخلف والجهل والضياع، الى مراقي الحياة الحرة، العزيزة، الفاعلة، المدركة، الواعية.  لقد أدرك سعاده صعد خطورة هذه المعادلة والصعوبات والعراقيل المختلفة التي يمكن أن تقف في وجهها، لكنه فهم أيضا كيفية التغلب على تلك المصاعب والعراقيل مهما كان حجمها، وبنفس الحجم من الأهمية، عرف أن عليه أن يواجه الخطورة الناشئة عن وضع هذه المعادلة، بصلابة وعزم وأصرار وشجاعة.  هذا الوعي من قبل سعاده، لجاذبية ما يحاول أيجاده وتأسيسه، جعلته يخصص كل ثانية من حياته القصير، في سبيل بلورة وإرساخ تلك المعادلة، وجعلته ينشغل درسا وبحثا وتدقيقا وتخطيطا وكتابة وتعليما وعملا يشمل  كل متطلبات وحاجات القضية الكبرى.  هو لم "يقصد في الحياة لعبا".  لذلك أحرق جميع مراكب التردد والحسابات الشخصية والعائلية والفردية، ليقدم النموذج الحي والقدوة الحية، لمقتضيات العمل للقضية التي أسس لها،  وضروياته ومتطلباته. سعاده كان يدرك بإمتياز ما يعنيه إعلان موقف قومي، والثمن الذي يمكن أن يتطلبه ذلك الموقف، حتى لو كان ذلك الموقف يعني إستشهاده. هو أدرك أن الموت في سبيل القضية-الموقف، هو الحياة بذاتها، بكل ما فيها من تسام وعز. فما إرتجف، ولا إنزاح ولا تزعزع.  وهو طبعا لم يساوم لأن المساومة هي نهاية القضية.

 أين هو  الحزب-المعادلة الآن؟  أين كان الحزب-المعادلة بعد إستشهاد سعاده؟  متى كان عندنا الحزب المعادلة؟

 بالرغم من روعة النموذج الذي قدمه سعاده، وبالرغم من قدوته العظيمة، لم يستطع الكثيرون من المقبلين على دعوته، الى الإرتقاء الى رحاب العمل القومي بالمستوى الذي أراده سعاده منهم ودعاهم إليه.  لقد عانى سعاده من مساعديه الأمرين، عانى من تكاسلهم، وتخاذلهم، ولهوهم، وعقمهم، كما عانى من إدعاءاتهم وتظاهرهم بما ليس عندهم. لو قرأنا نتاج بعض هؤلاء من مذكرات وغيرها، لأدركنا ضحالة فهم أولئك لدورهم ولقضيتهم ولعملهم الحزبي.  لم يستطع الكثيرون من المحازبين لسعاده، أن يتخلصوا من خضرمتهم، وما تعنيه ذلك من حسابات شخصية وعائلية ومستقبلية على الصعيد الشخصي.  كان معظمهم إذا سار بإتجاه، يخطط دائما لطريق العودة السالمة، في حين أن طريق سعاده لها إتجاه واحد

 لم يوجد الحزب من قبل، وهو ليس موجودا الآن.  طبعا، الموجود هو قدوة سعادة الرائعة وتعليمه وفكره، وهناك حفنات من البطولة قام بها الذين أدركوا، بما ملكوا من نقاء نفسي وحس قومي، معنى الإتجاه الواحد وعظمة القدوة التي تركها لهم سعاده.  أن كان هناك من تاريخ للحزب فهو تاريخ هؤلاء، وليس تاريخ النفعيين، المتاجرين، الأنتهازيين، الذين لا يرون في العمل الحزبي سوا مصالحهم الذاتية.  عندما  يشير الناس الى تاريخ الحزب ويتكلمون عنه، أنما يتكلمون عن هذا التاريخ، وهم يفغرون أفواههم، لتناقض ما يشيرون إليه، مع الواقع الذي يدبّ أمامهم.

 ليس الواقع الحزبي الحالي إبن ساعته، ولا هو نتيجة "مجلس أعلى" و"طواريء"، او ما قبلهما وما بينهما.  نحن لا نستطيع أن نرجع عجلة التاريخ، لكننا حتما نستطيع أن نوقف عجلة التدهور إذا توفرت لنا الإرادة لذلك.  نحن نستطيع كتابة التاريخ، لتكون عظة لمن يتعظ، ودليلا، لمن يقصد الأستدلال، وهداية لمن يرغب في الإهتداء.  نكتب التاريخ لأننا لم نستطع المحاسبة.  فالمحاسبة المسؤولة، العادلة،الواعية، الملتزمة، كانت وما تزال هي الغائب الأكبر في عمل الحزب السوري القومي الإجتماعي.  الشعب الذي ليس عنده محاسبة، وليس عنده من يحاسب، مصيره الضياع والهلاك والفوضى.  ما ينطبق على الشعوب، ينطبق حتما على الأحزاب.  لأن المحاسبة غائبة عن الحزب وسلوكه، كان من الممكن أن يصبح اللص أمينا للمال الحزب ، والعميل أمينا لسره، والغبي الجاهل مقرر أمره.  لأن المحاسبة غائبة، كان من الممكن أن تكون مسألة الوصول الى قيادة الحزب، مسألة تشبيح وتشاطر وعمالة وسرعة فائقة في نقل البندقية من كتف الى كتف، حسب ما تفرضه المصلحة الشخصية على ضوء قراءة دقيقة لمجريات الأمور ونهاياتها.  لسنا بحاجة الى تقديم أمثلة في هذا المجال، فهي أكثر من أن تحصى، وواضحة لكل ذي بصيرة وبصر.

طبعا يمكن أن نعتبر الواقع الحالي، أنه نتيجة لما ترسب في سلوكنا القومي منذ إستشهاد سعادة، ونعيده الى مرحلة ما بعد الإستشهاد وما تبعها.  لكننا لن نفعل ذلك.  نحن نعرف أن الواقع الحالي هو نتيجة مباشرة لمرحلة أواخر الستينات وما بعدها.  نعرف ذلك لأننا كنا في خضم العمل الحزبي منذ ذلك الوقت.  كانت أحلامنا تشدنا وبشكل قوي الى بناء الحزب، لإستعادة دوره، مستفيدين من كل أخطاء المراحل التي سبقت.  كنا ممتلئين حماسا ونشاطا، وكنا نظن أننا نستطيع أن نصنع ما فشل الذين قبلنا من صنعه.  لقد كان التمسك بالنظام، والإنطلاق من الثقة وليس من الشك، العاملين الأساسيين الذين جعلانا، ننسى ونحن نقيّم مراحل العمل الحزبي، أن المحاسبة ضرورية وأساسية في العمل القومي، وأن هذه المحاسبة، يجب أن تكون مسؤولة وجدية، بعيدة عن السذاجة والعاطفية والإستخفاف. 

 لقد ذهبنا الى مؤتمر ملكارت، ونحن نظن أننا قادرون أن نضع الأسس العملية الجديدة لأنطلاقة الحزب، وبالكشل الضروري المطلوب.  لقد كنا من السذاجة في ذلك الوقت، أننا إعتبرنا أن جميع الذاهبين الى ذلك المؤتمر لهم ذات الأهداف وذات الأغراض، وذات المصداقية والنزاهة والإخلاص.  داخل المؤتمر صدمنا لما كان هناك من خبث وتشاطر وتطبيقات، كنت شخصيا أجهل أبعاده وأسبابها، وأستغرب حصولها.  لقد كان واضحا أن هناك شعوبية يريد لها أن تسيطر على أجواء المؤتمر، لغرض في نفس يعقوب، حسب إعتقادنا آنذاك، وأن وضحت تلك الأغراض لنا فيما بعد.

لم يكن يخطر في بالي، او بال الكثيرين من أمثالي، أن خلف الجهود التي نبذل، والأحلام التي نحاول أن نبني، يقف تنين الصراعات الشخصية، لأباطرة العمل الحزبي، الذين منحناهم ثقتنا، ونظرنا إليهم نظرة تقدير وإحترام، بدون نقد أو تمحيص أو مناقشة.  لقد كانت المياه تمر من تحت أرجلنا، في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أننا نمارس عملية البناء الجدية. فمن إستعراض أسماء أعضاء أول مجلس أعلى أنتخبناه بعد مؤتمر ملكارت، يتضح حجم عملية التشاطر والتلاعب وبراعة البعض في تلك العملية.  إن معظم الأعضاء المنتخبين الى ذلك المجلس، كانوا من الذين أبرزهم عبدالله سعاده بطريقة أو بأخرى خلال فترة تسلمه الرئاسة المؤقته بعد خروجه من السجن وقبل وخلال وبعد مؤتمر ملكارت.  إن أي ديمقراطية لا تعتمد فيها السير الذاتية للأشخاص، ويعتمد فيها التدقيق في تلك السير، تدقيقا مسؤولا ذات مقاييس للعمل القومي معينه، هي ديمقراطية فاشلة حتما.  لقد ظننا أن ذلك المجلس الأعلى سيكون قادرا على "التقليع" بالحزب وإجراء المحاسبة الضرورية للمحاولة الأنقلابية، التي كنا طالبنا بها في مؤتمر ملكارت.  لم تكن تلك المحاسبة ضرورية فحسب، بل كانت ملحة أيضا.  ذلك أن الرفيق الراحل عبدالله سعاده كان إأتخذ تعهدا على نفسه، ألزم به جميع من إشترك معه في تقرير المحاولة الأنقلابية، بعدم الترشح للمجلس الأعلى أو تسلم أية مسؤوليات حزبية من أي نوع كان.  كان ذلك يبدو للمدركين في مجريات الأمور، نوعا من ذر الرماد في العيون.  إذ ألم يحاور الأمين عبدالله سعاده، والأمين أسد الأشقر بتلكيف منه، ياسر عرفات لعقد إتفاق تاريخي بإسم القوميين، ينعكس على جميع القوميين بدون إستثناء؟  (للمزيد من المعلومات حول هذا الأمر، يمكن قراءة، "أوراق قومية" صفحات 221 – 224 ).  ثم ألم يشجع ويحرض من وصفهم بالشباب في المجلس الأعلى على الحرتقه والتمييع لقرارات ذلك المجلس، وفي طليعة تلك القرارات قرار المحكمة الحزبية بشأن المحاولة الأنقلابية؟

لقد إستبق المتضررون من قرار المحكمة الحزبية، ذلك القرار، فبدأوا بالقوطبة عليه، في محاولة لتعطيله قبل أن يصدر، ولو صدر، فلا يكون أكثر من قرار لقيط لا معنى له ولا تأثير.  لقد كان المتخوف والمتضرر الأكبر من ذلك القرار إنعام رعد.  ألم يكن أنعام رعد هو من جبن وخان رفقاءه في المحاكمات وقبلها التحقيقات التي جرت بعد المحاولة الأنقلابية؟  ألم يساوم إنعام رعد على رفقائه لحماية رأسه؟  ألم "يسقط" عليه الأيمان الديني فجأة، فيغرق في الصلاة صبحا وظهيرة ومساء؟  ألم يرفض ان يناديه رفقاؤه بالأمين أو الرفيق، متنكرا لهم ومحاولا قطع أي صلة بهم؟  (للمزيد من المعلومات أقرأ "أوراق قومية" صفحات 123 – 124 المثبته في أخر هذه المقالة)

أغرق إنعام رعد جريدة البناء بمقالاته التي "يفلسف" فيها يسارية الحزب وثوريته، كما كان المتحلقون حوله يؤمنون له إلقاء المحاضرات التي لم تخلتف فيها لهجته عن تلك التي يضمنها مقالاته.  فساهم في نشر غوغاء فكرية في الحزب أثارت كل فاهم ومؤمن بالفكر القومي الإجتماعي.   ثم هو لم ينسى أن يسعى لمد جسور من الصداقات جديدة مع أشخاص ماركسيين، خاصة في تنظيم العمل الشيوعي، مثل محمد كشلي ومحسن إبراهيم وغيرهما.  كان يسعى للتسلح بكل ذلك "لتخويف" وردع المحكمة الحزبية من تجاوز خط أحمر كان يقض عليه مضاجعه.  هو لم يكتف بذلك، بل عرف أن عليه أن يكسب عبدالله سعاده، ويتظلل به.  لذلك أسرع قبل ذلك وبعد خروجهم من السجن، ألى الذهاب لعند الرفيق عبدالله وأنبطح على الأرض أمامه وقبل قدميه، طالبا منه الغفران والمسامحة.  لقد إستطاع إنعام رعد، بما ملك من ثقافة وذكاء ودهاء وتقلب وتمثيل دور المظلوم أبدا، أن يقنع عبدالله سعاده بمقولاته النظرية، وبأن تلك المقولات لا تخالف العقيدة القومية الإجتماعية، وبأنها الطريق الوحيد لنشر الحزب وقبوله من الآخرين على الساحة القومية. 

 لم يستطع المشاغبون المتأثرون بإنعام رعد من أعضاء المجلس الأعلى، منع صدور قرارات المحكمة الحزبية، وأن كانوا إستطاعوا أن يسقطوا منها قرار طرد إنعام رعد من الحزب.  لكنهم وبالرغم من ذلك إلتحقوا بالتنظيم السري، بعد أن شعروا بحراجة موقفهم وبأنهم منبوذون من غالبية القوميين.  لقد كان  أنعام رعد منظّر ذلك التنظيم السري كما كان عرابه عبدالله سعاده ومعه بعض الأشخاص الذين كانوا يدورون في فلكهما.  كان يحاول إنعام رعد أن يبقى وراء الستار وأن يوهم الناس والقوميين بأن ما يحدث أنما يحدث بسبب رغبة أشخاص لهم مصداقيتهم أمثال عبدالله سعاه ومنير خوري،  أما هو فليس سوى منظّر مطيع.  لقد كتب إنعام رعد عدة رسائل بإسم ذلك التنظيم، كانت ترسل بشكل مغفل  الى بعض القوميين، كلها كانت تشهد على إنحراف تلك المجموعة عقائديا وأخلاقيا.  لقد بدأ أعضاء ذلك التنظيم بإطلاق الشائعات من كل نوع، ينشرونها في كل مكان.  لقد كان الواحد منهم يتلقى "خبرية" ما، فيزيد عليها من عندياته، ثم يخبرها الى غيره، الذي يضعها بدوره في قالب جديد، وهكذا دواليك.  لقد حاولوا إطلاق كل ما في نفوسهم من قاذورات.  فمن إتهام أعضاء المجلس الأعلى الذين كانوا وراء إصدار قرارات المحكمة الحزبية بالتآمر على قيادات فلسطينية، الى أتهامهم بأنهم يحملون جوازات سفر أردنية، الى غير ذلك من بشاعة تعكس الحقارة المعتمدة في تلك الإشاعات.  لقد وضع إجتماع "ألأكروبول" في جل الديب حدا لتلك الإشاعات، وفضح مصدرها، حيث إرتدت بالفعل على أصحابها.   كان ذلك الإجتماع نهاية التنظيم السري، وإن لم يكن نهاية تخريب تلك المجموعة ما أستطاعت الى ذلك سبيلا.                                               

لم يستطع ذلك التنظيم من التحول الى حزب، بسبب رفض وتسفيه معظم القوميين له.  سبب آخر لذلك أن أشخاصا مثل عبدالله سعاده تهيب الموقف ورفض إنشاء أي تنظيم بغير أسم الحزب السوري القومي الأجتماعي.  لقد إنتهى عدد من أعضاء ذلك التنظيم أو أعضاء في فتح، أمثال شمعون عيسى وزوجته سلوى فرح، أو عملاء لفتح يقبضون معاشاتهم الشهرية منها، أمثال محمود عبدالخالق ورضا كبريت وجمال فاخوري في مرحلة لاحقة(؟).   

لم ينته الأمر عند ذلك الحد، فقد بقي عبدالله سعاده، بتحريض "وعسعسة" من إنعام رعد، يحاول المره بعد الأخرى للسيطرة على قيادة الحزب، كان أولها، وكان التنظيم السري لا يزال قائما، محاولة الإستلاء على مركز الحزب، في غياب رئيس مجلس العمد ، المكلف برئاسة الحزب، الأمين مسعد حجل، في الكاميرون.  شعر ناموس عمدة الدفاع حينها الرفيق الراحل داوود باز (لم يكن داود حينها قد أصيب بعد بالمرض"الرعدي") بالأمر، وأتصل بالأمين مسعد الذي عاد مسرعا وأفشل العلمية.    لكن ما عجز عبدالله سعاده ومن ورائه إنعام رعد من تحقيقه في كل تلك المحاولات، قدمه لهم وعلى طبق من فضة، يوسف الأشقر.  كان عبدالله سعاده يعتبر أن الصراع في الحزب هو بينه وبين عائلة الأشقر.  لقد كان عبدالله سعاده أن عائلة الأشقر تريد الهيمنه على الحزب، فكان همه تحريض الرفقاء ضدهم ومحاربتهم.  ربما كان أسد الأشقر أو يوسف الأشقر يبادل عبدالله سعاده نفس الشعور، لكن ليس بين يدي ما يثبت ذلك. لقد فهم أباطرة الحزب، العمل الحزبي صراعا على السلطة والنفوذ في الحزب وليس عملا تعاونيا، تعاضديا، يوظفون فيه كل طاقتهم وقدراتهم لتحقيق أهداف الحزب وأغراضه.  لقد نجح عبدالله في إجتذاب تأييد عدد من أعضاء في المجلس الأعلى الذي إنتخبناه بعد مؤتمر برمانا.  لقد إنتخبنا جميع أولئك لأنهم كانوا يمثلون وجهة النظر الحزبية المتطابقة مع قناعتنا، ومن المسفهين لتنظيرات إنعام رعد وإنحرافاته.  كان من بين هؤلاء الذين إجتذبهم عبدالله سعاد الى جانبه: الراحلان بشير عبيد وداود باز وعارف فياض.  إذ لم يمض وقت  طويل على إنتخاب ذلك المجلس وإنتخابه بدوره أسد الأشقر رئيسا للحزب، حتى تغير موقف أولئك أو كشفوا عن وجههم الحقيقي.  كان ذلك بعد ان إرتكب أسد الأشقر  تلك الحماقة عند زيارته لسليمان فرنجية، بعد إصطدام بين الجيش ومجموعات مسلحة فلسطينية.  أقيل أسد الأشقر، وأعلن عن قبول الترشيح لرئاسة الحزب.  ترشح يوسف الأشقر لرئاسة الحزب، وهو كان عضوا في المجلس الأعلى.  أنتخب يوسف رئيسا للحزب وأعلن عن ذلك الأنتخاب في الصحف.  لكن أعضاء في المجلس الأعلى "إكتشفوا" أن ذلك الإنتخاب لم يكن قانونيا، إذ ان مهلة الخمسة عشر يوما التي حددها الدستور لم تراع.  قبل يوسف الأشقر ذلك على أن يعود الى عضوية المجلس الأعلى، لكن "أزلام" عبدالله سعاد في ذلك المجلس إعترضوا بحجة أنه أنتخب الى رئاسة الحزب، وهو بالتالي لم يعد عضوا في المجلس الأعلى.  كان جواب يوسف الأشقر أنه أذا لم يكن رئيسا للحزب، فهو حتما عضو في المجلس الأعلى.  بقي ذلك المجلس الأعلى في تلك المشادة العقيمة حوالي الشهرين، أثبت بعدها أنتخاب يوسف الأشقر كرئيس أصيل للحزب، حيث كان القوميون يعانون الإحباط، بسبب الصراعات في القيادات الحزبية.                                                          

حاول يوسف الأشقر الأنطلاق من جديد بالحزب، وكان الأمين عصام المحايري داعما له بكل ما يستلزمه الدعم.  عندما قرر الأمين عصام زيارة الأرجنتين والبرازيل، كانت اكثرية المجلس الأعلى مع يوسف الأشقر، وإقالته غير ممكنه في حال تآمر أولئك الأعضاء في المجلس الأعلى من أتبعاع إنعام رعد، ضده.  لقد نبه الأمين عصام،  يوسف الاشقر أن عليه أن يكون شجاعا وصلبا وأن لا يخاف أو يرتهب من التشويش أو التهويش أوالتهويل.  لكن الشجاعة لا يمكن أن يهبها أحد الى أحد.  لقد كان يوسف الأشقر يعاني من تسريب وقائع جلسات المجلس الأعلى الكاملة، الى فتح بواسطة جمال فاخوري وآخرين.  جاذبية ذلك الواقع أرهبته، فقدم إستقالته وعصام المحايري لم يصعد الى طائرته بعد.       

 غضب القوميون من إستقالة يوسف الأشقر، و"أحتل" المنفذون العامون مركز الحزب في جل الديب.  لم يوفر الأعضاء الخمسة، المؤيدين لعبدالله سعاده، أي جهد، إذ سرعان ما تداعوا الى جلسة بينهم، "إنتخبوا" على أثرها عبدالله سعاد رئيسا للحزب. طبعا إنتخاب عبدالله سعاد لم يكن قانونيا على الأطلاق، وهو لاقى كل الرفض من قبل القوميين، إذ أن عدد الذين كانوا يسيرون في فلكه لا يتعدون المئتين أو الثلاثة.  عندما قمت بمادرتي كرئيس للمجلس القومي، وتسلمت مركز جل الديب من المنفذين، ثم دعوت الى مؤتمر، عقد على مدى يومين، حوالي المايتي رفيق لتدارس الوضع الناشيء.  لم يكن بين المدعوين، طبعا، عبدالله سعاده أو من يمثله. ظهرت في ذلك المؤتمر اصوات كثيرة، لكننا قررنا بالنهاية تكليف الرفيق نواف حردان برئاسة الحزب وإدارة شؤونه.  كان يبدو لي بوضوح أننا وصلنا الى وضع هش يصعب تخطيه بسهولة، وبناء أنفسنا بشكل يمكننا فيه من مواجهة ما كان يبدو أنه آت من أحداث، بشكل ينقذ الحد الأدنى من المصلحة القومية.

 عندما سألني الرفيق مفيد القنطار إذا كنت أريد الأنضمام الى ثلاثة عشر رفيقا ينوون القيام بحركة داخل الحزب، رفضت بسبب تمسكي بالنظام القومي وعدم موافقتي على تلك الأعمال بالرغم من الإلتقاء مع أولئك الرفقاء على الموقف القومي.  بعد أيام قليلة، أعلن الرفيق أبو واجب حركته، التي أطلقت تيارا وحماسا بين القوميين، بينهم كثيرون من الرفقاء العاملين في تنظيم عبد المسيح.  لم اتعاون كثيرا مع أبو واجب، وإن كنت شجعت الكثيرين من الرفقاء على التعاون معه.  إلتقيت الرفيق أبا واجب عشية مؤتمره الصحفي الذي لم أوافقه عليه، حيث أختلفنا بسبب ذلك، ولم أره بعد ذلك إلا قبيل إغتياله ببضعة أيام، في رحلة قمنا بها، الى الجنوب ومشغره.                                            

جاء إغتيال أبو واجب كضربة معلم للطامعين بالسيطرة على الحزب.  فهم بما ضمنوا من مساعدات "فتحوية" وبسبب ما آلت إليه الأحداث، تمكنوا أن يكونوا صوتا فاجرا، متزلفا، متزحفطا، مجندا كل ألابواق المتربصة بالحزب وعقيدته.  كل كلمات أنعام رعد، وتلاميذه في زمن الحركة الوطنية، كانت تحمل هذا الوصف وهذا المعنى.  هو أراد أن يبرهن لإعضاء الحركة الوطنية أنه نادم على مواقفه في الخمسينات، لائما نفسه والحزب معه عليها. لو تسمع تأبنيه لمعروف سعد في صيدا، وأغمضت عينيك، عفوا من سعيد تقي الدين، لخلته يزحف على بطنه زحفا.  أيضا، أراد إنعام رعد أن يبرهن لعبدالله سعاده وأمامه، أن يستطيع أن ينجز ما لم ينجزه عبدالله سعاده، وأنه أطول باعا منه.  لا بل هو أراد الأنتقام من عبدالله سعاده الذي قبل منه أن ينبطح أمامه ويقبل قدميه.  لقد كان جبانا خبيثا، لا يجرؤ على الإنتقام إلا عندما يعرف أنه سينجح بذلك.  ربما كانت أشارة منير خوري الى تلك "الميزة" في أخلاق أنعام رعد كافية للتعريف به وإن أتت متأخرة جدا.   هو أراد أن يظهر أنه بطل، ليطرد صورة الجبان الذي رسمت عنه في أذهان القوميين وأذهان الناس.  لا غروه بذلك، إذ أن أخي جاءني يوما يروي لي بطولة أنعام رعد الذي رافق المقاتلين الى مواقع امامية، تهيّب من الوصول إليها جورج حبش بالذات، الى ما شابه ذلك من كلام فارغ.                                                        

تحت شعار "عسكرة الحزب وعقدنة العسكر"،  وبغياب العناصر المقاتلة عنده التي تكفي لتغطية إلتزامه بالحركة الوطنية، عمد إنعام رعد الى "تجنيد" عاطلين عن العمل كمقاتلين عنده بدون أن يكون لهم أي علاقة بالحزب أو العقيدة، مقابل بدلات شهرية تدفع لهم.  لقد رسخ أنعام رعد موقعه في الحركة الوطنية، بعد أن عمد أن يكون رأس الحربة الرافضة للمبادرة السورية في لبنان، أن كان من إشتراك بعض مقاتليه في التصدي للجيش الشامي في صيدا، أو من خلال مقالاته حول حرب البدائل.  فهو كان يعتبر أن الرئيس حافظ الأسد يحارب في لبنان كي لا يحارب في الجولان، واصفا أياه بالنعوت المختلفة.  لقد أقنع إنعام رعد أتباعه فيما بعد، أن النظام السوري لم يحاسبه على مواقفه لأنهم بحاجة إليه.  فهو عندما كان يقوم بعمل توثيقي معين في الشام ويقيم بأحد فنادقها، كان أنصاره يعتبرون أنه مأسور هناك من قبل النظام ولا حول له ولا قوة.                                      

لقد جمع إنعام رعد حوله جميع الأشخاص الذين كانوا قد لفظهم الحزب، مثل مروان فارس وغيره، مستغلا تساقط الأموال عليه، ضمن تساقطها على الحركة الوطنية.  ثم إستطاع لاحقا، وبسبب غياب التنظيم الآخر وإنعدام التنظيم الحقيقي عنده وإفتقاره الى المال، أن يجذب إليه عددا من القوميين، بينهم عددا من المقاتلين في التنظيم الآخر، حيث كانوا مجبرين على فعل ذلك بسبب حاجتهم للمال.                                         

بعد "الوحدة" الحزبية، صار واضحا، أن الحزب قد فقد وحدته الروحية كليا، كما أنهارت الأخلاق القومية أنهيارا مريعا.  لقد تحول الحزب الى زمر ومراكز قوى تعمل على تهديم بعضها البعض، وتكيد لبعضها البعض، وتكره بعضها البعض.  لقد إتخذ كل من هؤلاء موقعا له، تحصن فيه بمقاتلي يقاتلون معه وله.  فأصبح كلا منهم فاتحا "دكانا" على حسابه، يساوم بإسمه، ويدير تجارته الرابحة منه.  كل محاولات الأصلاح، والكلام عن الدستور وتعديل الدستور، في تلك المرحلة، كانت هراء بهراء.  إذ، بينما كانت حقيقة المرض الحزبي، هو إنعدام وحدة الروح وإنعدام الأخلاق، وإستزلام كل من تلك الزمر الى قوى خارجية تحتمي بها، كان يرى الكثيرون من الذين يرون في العمل الحزبي كرسيا وطاولة في مكتب دافء، أن العلة في الدستور وأن العلة في كيفية أنبثاق السلطات.        

الواقع الحزبي اليوم هو نتيجة لما حصل في الأمس من تدمير متواصل للنفسيات والأخلاق والقيم. هؤلاء "الفائشون" على سطح الضجيج القومي، ولا أقول العمل القومي، هم أعجز من أن يكون بمقدورهم بناء الحزب.  فالعقم لا يولد الا عقما، والجهل لا يولد الا جهلا، والفساد لا يولد إلا فسادا.  هؤلاء سقطوا من زمان.  سقطوا أخلاقيا ومناقبيا وسلوكيا وأيمانا.  ثم أن بعضهم من النوع المهتريء كليا الذي لا يصلح في شيء أو لشيء.  مرحلة الأمس هي التي تبرر وجود تلك التيارات، واللقاءات، والتكتلات، دون ان يرف لأصحابها جفن، ظنا منهم أنهم ملكوا ناصية الفهم الحزبي وانهم فعلا يعرفون.            

  بإختصار، الحزب ليس موجودا.  لم يكن موجودا بالأمس وهو ليس موجودا الآن.  المطلوب هو بناء الحزب من جديد، والمطلوب هو بناؤون جدد، لم تتشوه نفسياتهم ولا أخلاقهم، يملكون المقدار الكافي من العلم والفهم والأيمان، فيجهدون ويتعاونون في عملية البناء الجديدة، مستفيدا من سعادة وتعاليمه وقدوته.  هل يوجد مثل هؤلاء، وهل هم أهل للقيام بهذا العمل الكبير؟                                                                  

 من "أوراق قومية" لعبدالله سعاده:

إستدعاني ذات مرة الأستاذ نقولا كفوري وسألني: "بماذا كلفت نقولا طراد في فرنسا؟" إجبته: لم أكلفه بشيء.  فأستدعى على الفور الأمين أنعام رعد، وتابع يسألني: "ألم تذهب ومعك إنعام رعد الى بيت نقولا طراد في اليرزه لتكلفه بالاتصال مع السلطات الفرنسية وتأمين إعتراف بكم في حال نجاح الانقلاب؟" فأجبته: بلى.  ولكننا بسبب بقاء الضيوف في بيبته حتى ساعة متأخرة من الليل رجعنا دون تكليفه.  فعلق قائلا: "صح، هذا ما قاله إنعام رعد".  ولكنه تابع: "في اليوم التالي ذهبت اليه وحدك، ونقلت الى إنعام وسواه أنك كلفته بالأمر".  قلت: "أجل، نقلت هذا الأمر أليهم، ولكني لم اكلفه".  فقال: "وهل كذبت عليهم؟" .  قلت: كلا، لقد انكشف لي في اليوم التالي أن الرفيق نقولا طراد لا يحسن ضبط السر، فخفت أن أطلعه على سر الأنقلاب، وطلبت أليه أن يظل مستنفرا امام الهاتف لا يبارحه دقيقة واحدة مدة يومين كاملين أبتداء من فجر 1/1/1962، لأنني سأتصل به لأمر مهم جدا.  وعندما سألني الرفيق نقولا ما هو الأمر، أجبته: لا اسمح لك بهذا السؤال، وعليك أن تنفذ ما أطلبه منك.  فوافق بطواعية ونظامية كاملتين.  أما إنعام وسواه فلقد اخبرتهما بأنني كلفت نقولا طراد.                                                         

وصل الأمين أنعام الى غرفة التحقيق فسأله كفوري فورا: "الدكتور سعاده يقول إنه لم يكلف نقولا طراد بشيء" ... فأصر إنعام على أنني كلفت نقولا طراد.  قلت لأنعام: وهل كنت معي حين كلفته؟  أجاب: "كلا، ولكن متأكد من ذلك".  ورغم حواري معه امام المحقق بقي مصرا على تأكيده، رافضا أن يستفيد من إنكاري. فأحسست بخجل عميق من موقفه هذا، لم أكتمه عليه عند خروجنا من غرفة المحقق.  وكنت قد علمت بأن أنعام قد سلم نفسه للسلطات، وأن النائب العام المرحوم نبيه البستاني هو أخو صهره من أمه وليس من أبيه، وأن إنعام ينعم برفاهية في المستوصف.  وقد أدركته نعمة الأيمان الحاد فهو يسجد مصليا على سريره ساعات طوالا، في مقابل مكاتب المكتب الثاني.  وكان يرفض أن يناديه الرفقاء بالأمين أو الرفيق.                                                       

وفي مقابلة ثانية مع قاضي التحقيق كفوري سألني: " وبماذا كلفت الأستاذ عيسى سلامه؟".  فأجبته: لم أكلفه بشيء.  لقد جاء الي الأمين عيسى سلامه لما علم بالأنقلاب في المكتب السياسي وهو عضو فيه، وقال: " أنا سوري الجنسية وفي حال فشل الانقلاب فأن مصيري سيكون النطع"، وأشار الى أنه لا يستطيع الأفادة بشيء، واستأذنني بالسفر خارج لبنان، فأذنت له.  وتركني ولم أعد اراه.  فأستدعى المحقق الأمين أنعام رعد مرة أخرى، وطرح عليه السؤال مجددا، فأكد إنعام أنني كلفت الامين سلامه بالسفر الى الولايات المتحدة ليجري اتصالاته هناك، بالتعاون مع شارل مالك، وتأمين اعتراف الولايات المتحدة بالسلطه الجديده في حال نجاح الأنقلاب.  فسألت الامين رعد: هل كنت معي حين كلفته؟ أجاب: كلا، ولكنك أنت نفذت توجيها في هذا الشأن، وأخبرتنا انك فعلت" .  قلت: نعم، كان هناك طلب من هذا النوع، ولكنني لم أنفذه.  ولكي أسكت المطالبين به، قد أكون قلت لهم إنني رتبت الأمر.  ولكنني في الحقيقة لم أكن مرتاحا الى هذا المسعى، ولم أكلف به عيسى سلامه.                                                                            

 فعاد إنعام يؤكد ويكرر صحة إفادته ويكذب أفادتي.  عندئذ قال كفوري: "ولكن عيسى سلامه، لم يسافر من لبنان لا من البر ولا من البحر ولا من الجو؟" فأجبته: أستأذنني بالسفر، فاذنت له ولا أعلم ماذا فعل بعد ذلك.  ربما كان موجودا في بيروت، فتحروا عنه بانفسكم.                          

وهنا أنبرى إنعام  قائلا: "لا، لا، لا، إن لدى عيسى سلامه جواز سفر أردنيا بأسم مستعار هو فلان، ففتشوا عن هذا الأسم أن كان قد سافر أم لا".  هنا أصبت بذهول، إذ لا مبرر إطلاقا لكشف هذا الأمر الصحيح للمحقق.  وفي لقاء ثالث، وكان أنعام حاضرا، قال الأستاذ كفوري موجها كلامه اليه: "صحيح، لقد سافر عيسى سلامه بجوازه الأردني واسمه المستعار من المطار يوم كذا، كما قلت يا أستاذ إنعام".  فرد عليه بلهفة قائلا: " أرجو أن تدون ذلك في المحضر فتخفف علي سنتي سجن"! فانتابني موجة من القرف والأستياء لم أستطع كتمانها امام القاضي كفوري.  وأصبح واضحا لدي أن إنعام وصبحي أبو عبيد يتعاونان مع المكتب الثاني في التحقيق بالأنقلاب.        

وفي أول لقاء بانعام، وكان يقابل محاميه وأنا محامي في غرفة واحدة، رفض أن يكلمني، مبتعدا عني متنكرا لي.  كما التقاني في غرفة المحامين الرفيق بشير عبيد فأخبرني بأن أنعام رعد يعرض مشروعا على المكتب الثاني قوامه الموافقة على قتل رفقائنا العسكريين الثلاثة والأمينين أسد الأشقر وعبدالله سعاده، لقاء الأفراج عن القوميين الاجتماعيين وحل قضيتهم في الانقلاب واستعداد الحزب بعد ذلك للتعاون مع المكتب الثاني والنظام اللبناني.  وأضاف بشير يقول إنه وجه شتائم "بيت شبابية" الى أنعام عندما فاتحه بهذا المشروع.  

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة