|
إن مجرد ذِكر الثوابت في أيّة حركة تغييرية، لا يعني مطلقا
أن هذه الحركة هي جامدة كما يُخيَّل للبعض. فلكلّ شيء في
الوجود قاعد ثابتة، سواء أكان هذا الشيء وجودًا ماديًا
فيزيائيًا، أم فكريًا إنسانيًا . الثوابت هي المرتكزات
التي ينطلق منها الفكر في عملية التطوير والتغيير نحو
الأفضل، ووجود الثوابت يعني رسوخ القواعد التي تحكم
التطوّر بحيث يعتبر عدم وجودها، سببا لتداعي الحركة وتعدد
اتجاهاتها.
الذرّة وجودٌ فيزيائي متحرِّك وفاعل، ولا يمنع حركتها أن
يكون لها ثوابت، كأن تتكوّن من إلكترونات ونواة، تدور
الإلكترونات حول النواة المكوّنة بدورها من كهيربات
(نيوترونات/بروتونات) في نظام إذا اختلّ، زال سبب وجود
الذرّة، وكأن يكون عدد الإلكترونات ثابتًا في النوع الواحد
من الذرّات. هذه ثوابت، لا تعني أن الوجود المتحرّك الفاعل
الذي هو الذرّة جامد. تطوّر أية مادة وتحوّلها لا يلغي
ثوابتها. والكون كله يتألف من
نظام إذا اختلّ، تحوّل إلى تهديد للوجود كله، ولا
يمنع وجود الثوابت في الكون، أن يكون الكون متطوّرًا
متغيّرًا ومتحوِّلاً.
في الحركة السورية القومية الاجتماعية ثوابتٌ ترتكز عليها
لتطوّر الأمّة السورية، ونقلها من الفوضى إلى النظام ومن
الجمود إلى الحركة، ومن السكون إلى الفعل، ونحن السوريين
القوميين الاجتماعيين لا تؤثر فينا اتهامات العبثيين بأن
لنا ثوابت لا نتخلى عنها، لأن هذه الثوابت هي الأساس
والمرتكز الذي نستند إليه في عملية الانتقال من الفوضى إلى
النظام ومن الجمود إلى الحركة، ومن التلاشي إلى الحياة
الجديدة الخيّرة لأمتنا.
ولعلنا نرد الاتهام لعديمي التبصّر في الأمور، فنقول لهم:
إن عدم وجود ثوابت لديكم لا يعني أبدًا أنكم "متطوّرون"
و"متقدّمون" و"متحرّرون" بل قد يعني العكس تمامًا، قد يعني
أن حركتكم لا تصل بكم إلا إلى الفوضى في الفكر والعمل،
وإلى شلّ الفعالية لدى شعبنا وتبديد قوّته وتعدّد وميوعة
النظرات والاتجاهات.
وسعاده نفسه يقول لنا إن المبادئ هي مرتكزات الفكر، وهي
الثوابت التي لا بدّ من الإجماع عليها لتجديد حيوية الأمّة
وبعث النهضة فيها، ولم يكن من وبالٍ أقسى من التضارب
والتفسّخ والتأويلات الفاسدة التي قد يفهم بعض سقيمي النظر
والعقل أنها "ثروة" في الوقت الذي تفعل فيه هذه التعددية
زيادة في الضعف والانحلال. وليس أدلّ على ما نقول مما
نشهده اليوم في لبنان من انقسام حول كافة الأمور التي،
وفيما لو كان هناك إجماع عليها، لما كان من خطر على الوحدة
الوطنية.
هذا أمر لا يحتاج إلى جدلٍ كقول المتنبي:
وليس يزيد في الأفهام شيئا إذا احتاج النهار إلى
دليل
الثابت الأول: الهوية
في رسالته إلى المحامي حميد فرنجية، ورد أن أوّل ما لاحظه
الفتى أنطون سعاده هو أن لا إجماع بين أبناء الأمّة على
الهوية القومية. وهذا ما دعاه في بداية تفكيره بالإصلاح،
إلى حسم مسألة تحديد الهوية والانتماء ليصير الإجماع عليها
من أجل إلغاء كافة العصبيات الأخرى من دينية وإقليمية
وفئوية وغيرها. كان السؤال الذي طرحه أنطون سعاده الفتى
على نفسه: من نحن؟. ولا مشاحة في أن تحديد الهوية كان
بالنسبة إليه أوّل خطوة، أوّل ركيزة ثابتة. لم تقنعه كافة
التبريرات التي كانت تشدّ بالشعب السوري في اتجاهات
وعصبيات متنافرة تبعد كلّ فئة عن الأخرى . فلجأ إلى العقل
والعلم الذي أكّد أن بإمكانه وحده أن
،
يعيّن الهوية.
لم يلجأ سعاده إلى التاريخ لتحديد الهوية، بخلاف ما يعتقده
الكثيرون ممن أساؤوا فهمه (وبعضهم
مَن دخلَ حزبَه) . لم
يكتشف أنطون سعاده هوية السوريين من تاريخ هو بمعظمه هوىً
وتزوير واصطلاح. المؤرّخ يدون ويكتب التاريخ على نسبة فهمه
لأنه بشر ذا مستوى معيّنٍ من الإدراك قد يكون ساميًا وقد
يكون محدودًا، وعلى كلّ حال، فحتى المعلومات تكون متضاربة
أحيانًا، ولا تصحّ أن تكون مرجعًا لمعرفة الحقيقة. فلو لجأ
سعاده إلى التاريخ في تحديد الأمّة مثلاً،
لأشار التاريخ إلى أن
الأمّة امتدت إلى خارج حدودها الطبيعية لتشمل بحيويتها
التي تعدّل حدودها كافة المتوسط (وقد أكّد سعاده، أن
الحدود تتبع حيوية
الأمّة، فقد تتمدّد أو تتقلص تبعًا لهذه الحيوية)، أو
لأشار التاريخ إلى تقلصها إلى حدود الدولة-المدينة.
لقد خلط المؤرّخون بين الأمّة والدولة. لغاية اليوم، وفي
أدبيات الغرب كله، من فرنسا وإنكلترة إلى الولايات
المتحدة، لا فرق بين الأمّة والدولة، وأحيانًا لا فرق بين
الديانة والدولة. كلمة (Nation)
يطلقها الأميركان مثلاً
على لبنان وعلى الشام وعلى العراق أو مصر؛ وحتى على الدولة
اليهودية التي لا تمتلك من مقوّمات الأمّة شرطًا واحدًا،
ولا أكثر من شرط، إذ
ليس اليهود وحدة شعب ولا وحدة أرض قامت عليها دورة
حياة، ولا قامت لهم حضارة واضحة، بل مجرّد ديانة يجتمع
حولها لفيف من مصدّقيها، يستخدمونها سببًا ومبرِّرًا
لإقامة دولة وجيش ونظام. ومع ذلك يطلب الغرب الإقرار
بكونها "أمّة".
لا يمتلك لبنان ولا الشام ولا الأردنّ ولا العراق مقوّمات
الأمّة، لأن وجود هذه"الدول" الكيانات، كان نتيجة لاتفاقات
بين مستعمرين شاؤوا أن تكون حدود هذه الكيانات حدودًا
لمصالحهم هم، لا لمصالح الناس الذين يحيون في داخلها. ومع
ذلك، هناك خلط بين مفهوم
الأمّة التي هي "هوية" وبين
مفهوم الدولة التي هي مظهر سياسي وحقوقي وقانوني
لبقعة أرضية أو لفئة من الناس معينة.
حتى جاء سعاده، فعلّمنا أن الأمّة هي واقع اجتماعي بحت،
وكلمة واقع اجتماعي تعني أن لا علاقة للسياسة بالأمّة، ولا
للمصالح المؤقتة ، بل ان هذه الأمور لها علاقة بالدولة أو
الكيان، وإن دولاً قد قامت في الماضي كانت تضمّ أكثر من
أمّة في داخلها، وكذلك نشأت في الأمّة الواحدة عّدة كيانات
أو دول، وأكثر من مظهر سياسي وحقوقي واحد.
فإذا كان سعاده لم يستند إلى التاريخ في تحديد الهوية، فقد
استند إلى معطيات علم الاجتماع لأنه أداة الاختصاص في علم
نشوء الأمم لا الدولة ولا المصلحة ولا التاريخ وما حشي به
من أساطير وآراء وأهواء. ولأجل ذلك، ترك لنا مؤلفا أسماه
"نشوء الأمم" حدّد لنا فيه معنى "الجماعة" ومعنى "الدولة"،
بكافة أشكالها وعلاقة الناس بالأرض التي تكيّفهم بظروفها
وإمكاناتها، فيردّون التكييف فعلاً حضاريًا موازيًا لنوعية
الأرض ونوعية البشر الذين يحيون فوقها، ولا يوجد مقياس
واحد يمكن سحبه على كافة البيئات والجماعات، بل كان واضحًا
بأن ردة الفعل البشرية ليست بالضرورة نفسها في كلّ بيئة،
بل تتبع حيوية السلالات
البشرية في البيئة، وقال لنا أن ليس هناك "حتمية جغرافية"
أي أن العلاقة ليست علاقة ثابتة بين السبب والنتيجة، ولكن
متحوّلة ومحكومة بظروف الأرض والبشر.
لم يكن أنطون سعاده دوغماتيًا، ولا أفهم كيف فهمه الكثيرون
على عكس ما اكتشفه. وما يعزينا هو أن لا أحد ممن أساؤوا
فهمه استطاع أن يقدّم لنا مؤلفًا موازيًا في الأهمية لكتاب
نشوء الأمم، لكي نقيس به الرأي الآخر المضاد. لقد كان
انتقادهم لسعاده كالمفرقعات التي يتلهى بها الأطفال تدوي
وتحدث جلبة، ولكنها لا فعل لها سوى ذلك.
حدد سعاده بالعلم أننا سوريون، ليس لأننا سلالة أو عرق كما
يقول النازيون، ولا لأننا ديانات متقاربة في معتقداتها،
ولا لأننا نتكلم لغة واحدة (ونحن السوريين لا نتكلم لغة
واحدة بل عدّة لغات)، ولا لأن لنا آمالاً وآلامًا واحدة،
بل لأننا أبناء دورة حياة تجمعنا في وحدة لآلاف من السنين
حتى اليوم، أدّت وما تزال إلى تشابهنا في الذهنية والصفات
الاجتماعية، المادية والنفسية على بقعة الأرض التي لا
موانع طبيعية تحول دون تواصلنا ودون استمرار حضارتنا
المميزة طوال هذا الزمن.
وجد سعاده هويتنا في هذه الوحدة الحياتية
الاقتصادية-الثقافية التي ولدت الذهنية العملية التي
نسميها "الحضارة السورية" والتي ذابت في داخلها كافة
الهويات السلالية واللغوية والعرقية وكافة العصبيات، التي
يجهد من يريدون شرذمة وتلاشي هذه الأمّة لإعادة إحيائها
مجدَّدًا كسبب للتصادم والتمايز
والتضارب والاختلاف والتشظي. هذه النفسية العامة
وصلت بتأثيرها إلى أقاصي الأرض، بدءًا من أثينا ومرورًا
بروما وانتهاء ببلاد المايا وأوستراليا ومجاهل أفريقيا .
ويكفيكم أن تراجعوا كتاب "الغصن الذهبي" لجيمس فريزر، فصل
"أدونيس في سورية" الذي ترجمه جبرا إبراهيم جبرا إلى
العربية ونشرته دار النهار لتقفوا على مدى تأثير أمّتكم في
بناء حضارة العالم القديم.
جاء سعاده ليقول إننا سوريون وإننا أمّة تامة (الثابت
الأول) وحين نسمّي أنفسنا سوريين، يبطل أي انتماء آخر. لم
نعد لبنانيين ولا شاميين ولا عراقيين ولا أردنّيين، ولا
فلسطينيين، ولا بدوًا، ولا عربًا، ولا مسلمين ولا مسيحيين
ولا دروزًا ولا اسماعيليين ولا علويين..، بل أصبحنا ما هو
مشترك بين جميع هؤلاء، أبناء هذه الأمّة المميزة، هذه
البيئة الطبيعية المميزة، وبناة الحضارة السورية المستمرة
منذ عصور ما قبل التاريخ.
يخطيء الكثير من السوريين القوميين الاجتماعيين حين يسمّون
أنفسهم أبناء الهلال الخصيب. الزعيم قال إننا "سوريون لا
هللخصبيون"، لأن تعبير الهلال الخصيب تعبير
جغرافي سياسي غامض في
تحديده، يمدّه البعض إلى خارج حدود سورية الطبيعية، ويقلصه
آخرون إلى حدود دنيا لا تتجاوز الساحل وسلسلة الجبال
المحيطة بالحدود، خاصة وأن الإنكليز الذين ركبوا على أكتاف
الشريف حسين وأولاده في مطلع القرن العشرين، كانوا يعدونه
بتمليكه وذريته على "الهلال الخصيب" (الغامض في تحديده)
مكافأة له على السخرة التي أبداها في تنظيف المشرق من
الاحتلال التركي، ولكنهم عادوا وكعادتهم، فنقضوا وعودهم له
بعد اتفاقهم السيء مع الفرنسيين (معاهدة سايكس- بيكو) على
اقتسام تركة الترك فيما بينهم.
قد تسمعون من البعض أن مبدأ سورية للسوريين يشبه مبدأ
مونرو القائل"أميركا للأميركيين" ويستعملون هذا للإدعاء
بأن سعاده مقلّد لا مجدِّد ولا محدِّد. لكن العاقلين
يدركون جيدًا الظروف التي أملت على مونرو إطلاق مبدأ
"أميركا للأميركيين"، لأنه رأى أن اشتغال الولايات المتحدة
بالقضايا الأوروبية أخّر في نمو
أميركانية وأن تدخل بريطانيا وغيرها في سياسة
الولايات المتحدة كان يجب وضع حدٍّ له. فقال "إن أميركا
للأميركيين" قاصدًا أن لا إرادة سوى إرادة الأميركيين في
أميركا.
أنطون سعاده أوضح أن إطلاق مبدأ سورية للسوريين لا يعني
فقط أن إرادة السوريين هي التي يجب أن تقرّر مصير الأمّة
السورية، ولكنه يعني من الوجهة الداخلية أن سورية لجميع
السوريين دون امتيازات أو مفاضلة، كما أنها ليست لأفراد
سوريين يقامرون بمصيرها ويتكلمون باسمها في المحافل
الدولية دون أن يتسنى لها إعلان إرادتها العامة. وهو يعني
أيضًا أن سورية ليست وقفا على منتدب أو على إقطاعي يعتبر
الوطن إقطاعه الخاص.
إن إعلان الهوية السورية هو الثابت الذي يجب أن ترتكز عليه
السياسة في الأمّة السورية. وهذا يلغي أي تصنيف أو تسمية
تطلق اعتباطًا من هنا وهناك، لأن الهوية ترتكز إلى العلم
وحده.
في كلام اليهود عنا، يقولون مثلا في إعلامهم، وفي حديثهم
عن شعبنا في فلسطين، العرب والمسيحيون، أو العرب والدروز،
أو المسيحيون والمسلمون، وما إلى ذلك من تصنيف. تصنيفهم
يرتكز على نظرتهم الدينية المنطلق إلى باقي البشر. هم
يعتبرون أنفسهم "يهودًا" في مقابل ديانات أخرى. أي أن
الهوية عندهم هي الهوية الدينية. هذا ما قامت علية
ادعاءاتهم بـِ"الحق في ملكية فلسطين" – أرض الميعاد-
المزعوم. إنهم يسعون لدى قادة العالم للاعتراف بـِ"يهودية"
الدولة، كما حصل مؤخَّرًا مع الرئيس الأميركي بوش. السبب
يعود إلى أن يكون حق المواطنة محصورًا باليهودي فقط في
فلسطين، التهجير القسري وارد خوفًا من "القنبلة السكانية"
الفلسطينية، ولتحقيق الحلم اليهودي الديني.
نحن السوريين موجودون
على هذه الأرض باستمرارية ترجع إلى بداية الاستقرار البشري
في العصور السحيقة من التاريخ. وتتكشف يومًا بعد يوم ملامح
هذه الاستمرارية، وكنا سوريين في زمن الوثنية، وبقينا
سوريين في زمن المسيحية، ثم في زمن الإسلام المحمّدي، ومع
توزّع المسيحية إلى مذاهب، وتوزّع الإسلام المحمّدي إلى
مذاهب، بقي السوريون أصحاب هذه الأرض، وحاملين الهوية
السورية نفسها، واليوم، وبعد اتفاقات الأجانب في سايكس ـ
بيكو، وسان ريمو، وقبلهما معاهدة كوتاهية، وبعدهما في
فرساي وغيرها، تعدّدت "التصنيفات" و"الهويات" الكيانية،
لكن هويتنا الاجتماعية ما زالت سورية مهما حاولوا تشعيبها
إلى لبنانية وشامية وعراقية وأردنّية وعربية ومشرقية
وآرامية وآشورية وكردية وغيرها من التصنيفات التي لم تنتج
سوى التفسّخ والتباعد والتمايز والتعدّد واختلاف المصالح
بدلاً من النهضة السورية العامة.
الثابت الأول- الهوية- لم يكن لمجرد المعرفة فقط. المعرفة
بدأت ترتّب حقوقًا لأصحابها، وقبل أن أشرح لكم كيف ترتّب
المعرفة حقوقًا، أود أن أشرح لكم أن الحقوق نوعان: طبيعية،
ومكتسبة. الحق الطبيعي هو ما ينشأ بحكم الوجود الطبيعي،
كحق الفرد في تنشق الهواء أو شرب الماء، والسلامة مثلاً.
هذه حقوق "طبيعية" لأنها لا تنشأ بقانون، ولا يوجد قانون
ينظمها، أو يضبطها، أو يحدّ منها. على العكس، فالحق
المكتسب هو الحق الذي تضبطه القوانين . فاذا كان حق العيش
في الوطن حقا طبيعيًا لكلّ الأفراد المولودين في وطن ما،
فحق استئجار شقة مثلا، ليس حقا طبيعيًا بل مكتسب. ذلك لأن
هناك قوانين تنظمه. فلا يستطيع شخص ما أن يلزم مالك منزل
بتأجيره منزله بحجة أن له حقا طبيعيا في السكن لأنه مواطن.
حق سيادة الأمّة على أرضها التي تشملها دورة حياتها هي حق
طبيعي لا جدال فيه، ولا شراكة فيه لأحد غير الأمّة
المعنية. فبعد تحديد سعاده الثابت الأول- الهوية- تولد
الثابت الثاني ألا وهو القضية القومية.
انتقِلُ الآن إلى إعطاء مثالٍ عن ولد فقد أهله قبل أن يصبح
فتى، ثم تبين للناس فيما بعد أن أهله أحياء يرزقون. بعد
حصول هذه المعرفة، ألا ترون أن لحظة اكتشاف أن لهذا الطفل
والدين أحياء، يرتب لهذا الطفل حقوق "البنوة" ومنها حقوق
التربية والتعلم وحق المأكل والمشرب والنشأة الصالحة
والتعلم والميراث وما إلى ذلك من حقوق؟ بالطبع نعم، وكذلك
يترتب حقّ للأبوين في تربية ولدهما الذي كان مفقودًا وكافة
الحقوق المتعلقة بالتربية.
نحن أمّة تشبه هذا الطفل الضائع، فوجدت على يد أنطون سعاده
هويتها الحقيقية، وعليه يترتب لأمتنا حقوق من لحظة معرفة
الحقيقة-حقيقتها-، والحقوق التي أنشأ منها أنطون سعاده
قضيّة الأمّة هي الثابت الثاني.
الثابت الثاني: القضية القومية.
لقد استعملنا مثال الطفل الذي اكتشف هويته لمشابهة وضع
أمتنا وضعه. فمن اللحظة التي تبين فيها سعاده حقيقة
الهوية، ترتبت لهذه الأمّة حقوق هي أكثر من حقوق مُلكية أو
سيادية.
من نافل القول، أن القانون الطبيعي الذي لا حاجة لبرهانه
هو أن مالك منزل ما، هو وحده صاحب الحق الشرعي والقانوني
الطبيعي في السيادة على ملكيته. وينصّ القانون على أن مالك
عقار معين يملك أيضًا ما فوقه وما تحته، ولا منازع له في
ملكيته ولا في سيادته عليه.
هذا يعني للنهضة السورية القومية الاجتماعية أن الأمّة هي
صاحبة الملكية والسيادة على كامل بيئتها الطبيعية التي
نشأت فيها، وهي وحدها صاحبة الحقوق على كافة أنحاء هذه
البيئة الطبيعية. نقول ونؤكد هذا الكلام، لأن الحزب أنشيء
في العام 1932 وكانت أجزاء من وطن الأمّة السورية قد سلخت
عنه: سيناء كانت قد استبيحت منذ أيام محمد على باشا،
وكيليكيا كانت قد "أهديت" لتركيا (من المنتدب على سورية،
الذي كان من الواجب عليه المحافظة على انتدابه) لضمان
حيادها في الحرب العالمية الثانية، قبرص كانت مستعمرة
إنكليزية، والأحواز كانت قد اجتيحت من قبل شاه إيران
وبُدّلت أسماء مدنها وقراها، وهجر معظم أهلها إلى الداخل
الإيراني. [كما خسرت الأمّة السورية لواء الإسكندرون في 15
أيار 1939 وخسرت فلسطين في 15 أيار 1948]، فهل يترجم نشوء
الحزب في العام 1932، بأن تنسى الأمّة السورية هذه الأراضي
التي خسرتها قبل نشوئه؟ وبالتالي خسارة حقها بالمطالبة
بها؟
في القوانين المرعية الإجراء حاليًا لا يحق لأي كيان سياسي
بالسيادة سوى على الحدود التي رسمت له بعد الحرب العالمية
الثانية وعند إعلان استقلاله. هذا هو أساس "السلام
العالمي" الذي قامت منظمة الأمم المتحدة من أجل صيانته
والحفاظ عليه. القوانين والمنظمات الدولية لا شأن لها ولا
عمل، في تحديد حقيقة المجتمعات من الوجهة العلمية، بل لها
علاقة وعمل في الحفاظ على الخارطة السياسية التي نشأت بعد
الحرب العالمية الثانية . ليس من شأن القانون الدولي أو
الأمم المتحدة تقرير ما إذا كانت الهند وباكستان أمّة
واحدة. إن عملها يقتصر على الحفاظ على استقلال باكستان
واستقلال الهند.
نحن في قضيتنا، أعلنا الثابت الأول لنا، وهو هويتنا
القومية والاجتماعية الثقافية والحضارية واكتشفنا كما في
حال الطفل الذي كان فاقد الهوية أن أمتنا هذه واحدة تمتد
أرضها ما بين زغروس والبحر، وطوروس والصحراء، وبالتالي فإن
كلّ شأن يرتبط بهذه الأمّة هو من قضيتها الكبرى
والمتشعبة، وهو شأنها وحدها سواء أكان اغتصاب الأرض
والحقوق سابقا لكشف هذه الحقيقة أم لاحقا لها.
هذا هو الثابت الثاني – الركيزة الثانية – وهو ما ترتبه
معرفة الأمّة لهويتها الحقيقية، وعليه، فإن هناك أراضٍ لم
تكن يومًا جزءًا من أي كيان من الكيانات السورية الحالية،
ولم تكن يومًا موضوع مطالبة، أو تشكل قضية لكل الحكومات
المتعاقبة في كيانات الأمّة. إن تحديد الهوية القومية جعل
من هذه الأراضي جزءًا من القضية السورية القومية الكبرى.
منها مثلاً الأراضي الواقعة جنوب طوروس وحتى الحدود
الشامية الحالية، فهي لم تكن في يوم موضوع مطالبة من أحد
من السوريين أو العرب، وهي عبارة عن سهول واسعة على ضفتي
دجلة والفرات، وقد أقام الاحتلال التركي فيها سد "أتاتورك"
على الفرات وتسبب في أزمة بعد انخفاض منسوب المياه في
الفرات، وقد أتى وقتٌ ادعى فيه الترك أن التحكّم بالفرات
من حقهم لأن منابع الفرات هي من الأراضي التركية، وهذا من
منطق التقسيم الكياني الذي ترك تركيا تتحكم بالأرض جنوب
طوروس دون أن يرفع أحد صوته. بمجرد إعلان الهوية السورية
والقومية السورية، أصبح كلّ سوري قومي إجتماعي يعتبر ديار
بكر وأورفه ونصيبين وأضنه ومرسين أملاكًا قومية مغتصبة.
لكن القضية القومية ليست قضية أراض مغتصبة فقط. وليست قضية
ناسٍ هم أهلنا وناسنا فقط. القضية، بالإضافة إلى كلّ ذلك،
هي قضية اقتصادية – ثقافية – سياسية كذلك. الاقتصاد عصب
الحياة في المجتمع. كلّ ثروات الأمّة في كياناتها وفي
الأراضي المسلوخة عنها، أو التي تنتمي إليها، هي من ثروتنا
القومية السورية. بناء النهضة لا يكتمل إلا بالسيادة على
كافة الموارد الاقتصادية القومية. والقومية الاجتماعية
ليست نظرية عصبية، بل حركة عملية تتنكب استعادة الموارد
الاقتصادية من أجل "توزيع الغنى" الذي كتب عنه سعاده.
وبدون السيطرة على الموارد القومية، تكون القومية نظرية
رومنسية وتوزيع فقرٍ على السوريين.
كثيرون غيرنا وعدوا العامل والفلاح والجندي والمعلم
والصناعي والتاجر بالغنى القائم على "تشليح" الرأسمالي
رأسماله، والمالك ملكيته، والإقطاعي إقطاعه وتوزيعها.
هؤلاء ليسوا جديين في وعودهم، لأن كلّ ثروة هؤلاء
الرأسماليين ليست بشيء يذكر، ومآلها إلى التبدّد. انظروا
إلى ما فعلته الاشتراكية في دول الاتحاد السوفياتي ودول
الستار الحديدي، وكلّ الأنظمة التي صادرت الرأسمال المنتج
(والرأسمال حافز للإنتاج) وبدّدتها تحت غطاء خدمة الطبقة
العاملة، وكيف تحوّل الوضع إلى جوع مزمن تغيب فيه الحوافز،
لأن الملكية الفردية أصبحت منزوعة عن الجميع.
القوميون الاجتماعيون ليسوا جماعة "تشليح ومصادرة"،
والنظام القومي الاجتماعي هو تنظيم الإنتاج الذي لو سار في
مساره الصحيح، كان غنى فعليًا لقوى الشعب المنتجة كلها.
النهضة لم تعِد بنزع المُلكية الفردية للرأسمال، ولا
المُلكية العقارية من أحد، (باستثناء الإقطاع الذي دعت إلى
إلغائه) بل إلى تنظيم عملية التكامل بحيث لا يطغى أي من
القطاعات على حساب الآخر، أي أن الاقتصاد الاجتماعي هو
اقتصاد موجّه من الدولة التي من واجبها دراسة الأوضاع
المعيشية ومواءمة الإنتاج مع الحاجة، وضبط الفائض لتصديره،
وتنمية أو حجب القوة عن قطاع إذا كان يهدد سلامة نمو
القطاعات الباقية. العامل الأساس في الاقتصاد القومي هو
الإنتاج الذي بدون وجوده لا يوجد ثروة توزَّع. كلّ مواطن
يجب أن يكون منتجًا بطريقة أو بأخرى ليشارك في الثروة.
من أجل ذلك، فالأمّة بحاجة إلى مواردها وثرواتها الطبيعية
المستباحة من الغريب والقريب على حد سواء. يجب أن تكون
ثرواتها تحت سيطرتها وخاضعة لتنظيمها، ونحن لا نعِد الأمّة
بثروة وهمية، بل نقول إن جهدنا يجب أن يتركز على استعادتها
لأنها حقنا الطبيعي.
اتهمونا بأن القومية عندنا قبل الخبز. هذا اتهام صحيح، لأن
لا خبز بدون قوميتنا . قوميتنا تعني لنا أن تكون كلّ ثروة
الأمّة تحت سيادتها المطلقة. يجب أن ننتزعها أولا من
مستغليها.
هل تعلمون لماذا حضرت جيوش أكثر من عشرين دولة لتطرد الجيش
العراقي من الكويت بعد أن اجتاح
صدام حسين الكويت في بداية التسعينيات من القرن
الماضي؟ هل يتعلق الأمر بسيادة الكويت كما يقولون؟ كلا. هل
يتعلق الأمر بحقوق الكويتيين؟ كلا. هل كان ذلك كرمى لعيون
السلام والمحبة والسيادة والاستقلال؟ كلا لقد اجتمعوا لأن
سيطرة العراق على نفط الكويت يحوِّل أكثر من أربعين بالمئة
من بترول العالم ليد العراق الذي يجب ألا يقوى وألا يتحوّل
إلى دولة عظمى تمارس سيادة على النفط، ولأن القوة
الاقتصادية تحوّل العراق إلى دولة عظمى، اجتمعوا لقتال
العراق وإخراجه، وبعدها
لتجريده من مظاهر القوة . فكيف إذا كان بترول الكويت+
بترول العراق + بترول الشام + بترول سيناء + بترول الأحواز
+ مناجم سيناء من النحاس + أملاح البحر الميت + الفوسفات
من الأردن + الثروة المائية للأنهار السورية كافة + الثروة
المناخية + الثروة الزراعية اجتمعت كلها في الاقتصاد
القومي السوري، ساعتها فقط يمكن الحديث عن توزيع الغنى
الفعلي لا الوهمي كما يعِد مناضلو "الطبقة العاملة".
نعم القومية قبل الخبز لأن لا خبز بدونها.
القضية من الوجهة السياسية – الحقوقية أشبعها الحزب السوري
القومي الاجتماعي في أدبياته، وهو الذي كان أوّل من أعلن
الانتفاض على الاتفاقات الاستعمارية الدولية التي جزأت
أمتنا إلى إثنيات متنافرة متباعدة، وأرضنا إلى كيانات غير
قابلة للبقاء. سعاده أعلن أن كلّ اتفاقية أو معاهدة لم
يكن للأمة السورية إرادة في قيامها، هي باطل تحاربه النهضة
القومية الاجتماعية، حتى ولو كانت صادرة عن جهات
إنترنسيونية معترف بـ"شرعيتها"، ومنها "الأمم المتحدة" ومن
قبلها "عصبة الأمم". هذا تمرّس بـِ"الحق الطبيعي" الذي
ذكرناه، ولا يعترف الحزب لأية جهة غير سوريّة بحق التقرير
في أي شأن يتعلق بالأمّة السورية . لا نعترف بشيء اسمه
"الشرعية الدولية". لا شرعية إلا لما نقرّره نحن بإرادتنا
وحريتنا. لذلك، فلا نعترف بالقرارات التي تصدر عن أية هيئة
غير سورية ونعتبر التماشي معها أو الالتزام بها خروجًا على
مبدأ الإرادة القومية. لا يعني لنا قرار تقسيم فلسطين
شيئا، ولا قرار إعادة "النازحين" أو التعويض عليهم، ولا
الـ242 ولا الـ338 ولا الـ1559 ولا الـ1701 ولا ما سيصدر
لاحقا، شيئا. وقد قال حكيم من الهند (أظنّ أنه غاندي) أن
القانون الدولي هو شبكة عنكبوت، لا يعلق فيها إلا الحشرات،
أما الأقوياء فيمزقونها.
أما القضية من الوجهة الثقافية، فإن الحزب السوري القومي
الاجتماعي ينفرد دون باقي الأحزاب والمنظمات بثقافة تثبيت
حق هذه الأمّة التي كانت بالفعل أمّة الإبداع والعطاء منذ
نشوئها وحتى اليوم. بوجه من؟ أنتم تعرفون جيدًا من الذي
اشتغل في الماضي وما زال يشتغل اليوم، وسيبقى يشتغل غدًا
على تجريد أمتكم من مزية الإبداع، ومن إبداعات عظمائها
وتقديماتها للحضارة البشرية. إنهم اليهود دائمًا. لقد أتى
سعاده على ذِكر الإغريق والرومان لأن تاريخ سورية المكتوب
لم يكتبه سوريون، وفي حال كان السوريون كتبة تاريخهم، كان
ينكره هؤلاء عليهم.
-
من الذي حوّل الإنسان المتوحش من الصيد إلى الاستقرار
والزراعة والتدجين قبل الأمّة السورية؟
-
من الذي بدأ بتنظيم الحواضر السكنية والمدن قبل الأمّة
السورية؟
-
من الذي أحدث الثورة الزراعية قبل السوريين؟
-
من الذي وضع حساب الزمن – الفصول- تقسيم الليل
والنهار- تقسيم الساعة إلى دقائق وثوانٍ-اكتشف السنة
الشمسية- المنقلبات الشتوية والربيعية قبل السوريين؟
-
من الذي اكتشف الكواكب السيارة
[7 من أصل تسعة]
ونظمها، وميّز بينها وبين النجوم قبل السوريين؟
-
من الذي وضع خارطة للفلك قبل السوريين؟
-
من الذي بنى المراصد قبل السوريين؟
-
من الذي سخر البحار والمحيطات قبل السوريين؟
-
من الذي اكتشف اليابسة في كلّ العالم قبل السوريين؟
-
من الذي وضع علوم الرياضيات والهندسة والكيمياء
والجغرافيا وفيزياء الذرّة قبل السوريين؟
-
من الذي استخرج المعادن وصهرها قبل السوريين؟
-
من الذي أوجد الرقم والحرف قبل السوريين؟
-
من الذي أنشأ أوّل مدرسة قبل السوريين؟
-
من الذي ابتكر النسيج بدلاً من الجلود للباس قبل
السوريين؟
-
من الذي وضع قانونًا لتنظيم حياة البشر قبل السوريين؟
-
من الذي اخترع الصابون (وهو يوازي النار في وضع أسس
التمدّن) قبل السوريين؟
-
من الذي أوجد الفلسفة قبل السوريين؟
-
من الذي أسس للديانات المعاصرة قبل السوريين؟
-
من الذي وضع أنظمة التداول النقدي والسلعي قبل
السوريين؟
-
من أسس للفنون قبل السوريين؟
-
من ابتكر الموسيقى وآلاتها ومقاماتها وسُلمها قبل
السوريين؟
-
من ابتدع الأساطير والملاحم الشعرية قبل السوريين؟
-
من ابتكر نظمًا بنائية
عَقدية
والقناطرقبل السوريين؟
وهل هناك من حضارة [متمدّنة]
لا تقوم على هذه الأسس في الدنيا؟ ومع ذلك نرى مؤرّخين من
العالم (ويماشيهم وللأسف بعض سقيمي العقل من المشتغلين
بالتاريخ من عندنا) يسخرون من السوريين ومن تاريخهم
ويسفِّهون كلّ زعمٍ
بالسبق. لماذا؟ لأنهم (أي الإغريق والرومان) لم يستطيعوا
التخلص طوال تاريخهم من التأثير السوري الذي أسس أثينا
وكريت عاصمتهم ومصدر إلهامهم، وطبَعَ الحضارة الإغريقية
والرومانية بطابع السوريين الذهني والفلسفي العملي،
السوريين الذين استطاعوا التغلب حضاريًا عليهم مع أنهم
غلبوا عسكريًا.
أما اليهود، فالقصة معهم طويلة ولا حاجة لتكرارها، لأننا
ما زلنا حتى اليوم وفي المستقبل سنعيش فصولها مآسٍ وكوارث.
كرهُ اليهود عائد إلى "السبيين"، الآشوري والكلداني ,وإلى مقاومة الذهنية السورية المنفتحة
والعالمية لوثنيتهم. ( نعم، اليهود وثنيون لمن يدقق في
طبيعة الوثنية ومعنى التوحيد) . كتاب اليهود الذي صاغوه
(ولا أحد في الدنيا حتى اليهود يقول إنه منزل) يقول إن
كنعان "ملعون" وإن البابليين أعداء الدين (اليهودي)
والدنيا. فكيف يعترف العالم الغربي لنا بالتفوق والإبداع
والعالم الغربي يستمد تراثه من اليهودية؟ أيعملون بعكس ما
تأمرهم به التوراة؟
أما إذا أتى مؤرخ أو مكتشف ووقف على حقيقة تراثنا
وتاريخنا، رأيت اليهود يشترونه (كما فعلوا مع أرنست
رينان)، أو يخفون ما توصل إلى كشفه، أو يهددونه بلقمة عيشه
( كما فعلوا مع طوماس طومسن)، أو" ينتحرونه" كما فعلوا مع
جيمس فريزر.، أو يطردونه من الجامعات كما فعلوا مع لمكه
وغيره من مراجعي التاريخ، أو يسرقون الآثار لإخفائها كما
فعلوا في بغداد مؤخَّرًا.
مَن غير الحزب السوري القومي الاجتماعي يتولى بإمكاناته
المتواضعة إعادة كشف حقائق التاريخ أمام شعبنا؟ طبعًا هناك
من المؤرِّخين من يراجع المسلمات التاريخية ويدحضها،
وهؤلاء، يقومون بعمل قومي بامتياز رغم أنهم من خارج صفوف
الحزب، ولكن لا أحد يهتم بالقضية القومية من الوجهة
الثقافية أكثر وأدق وأعمق
من حزبكم العظيم، (وهو عظيم لأنه على قلة عدد أفراده وضعف
إمكاناتهم ورغم محاربة القريب قبل الغريب استطاع إنجاز
الكثير الكثير في هذا المضمار).
من أجل ذلك، كرّس أنطون سعاده المبدأ السابع من مبادئ
النهضة السورية القومية الاجتماعية، جاعلاً النهضة تستمد
من تراث الأمّة وتاريخها الثقافي القومي روحية الفعل
والتغيير والتقدم والابتكار، فوضع من خلال هذا المبدأ
السوريين القوميين في مقدمة صفوف المقاومة ضد من يعملون
على محو فضل الأمّة السورية على الحضارة البشرية، ولأجل
بناء الثقة بالنفس وبالأمّة وقدرتها على تكوين الحضارة
البشرية من جديد.
الثابت الثالث: الوطن السوري
للوطن تحديد واضح عندنا، وهو البقعة الجغرافية التي جرت
وتجري عليها دورة الحياة السورية الواحدة المستمرة عبر
التاريخ، الذي يمتد رجوعًا إلى عصور ما قبل التاريخ
المكتوب بكثير. وستستمر عليها دورة الحياة إلى يوم تزول
فيه الكرة الأرضية. والوطن عندنا يتداخل بالأمّة نفسها،
كسبب من أسباب نشوئها. لا أمّة من دون أرض ("نشوء الأمم").
ولا يُسمّى الشعب شعبًا دون الأرض. التراب في حضارتنا
السورية له بُعدٌ روحي مختلف عن باقي الحضارات في الدنيا.
في اللغة الإنكليزية، يسمى التراب (dirt
) بالتعبير العامي المتداول و(soil
) بالمعنى الرسمي، والكلمتان ذات مدلول مادي بحت (لا بل
ومهين اذا استعملنا كلمة "وسخ" للتراب).
التراب عندنا يعني "الوطن" نفسه. سمعت مرّة امرأة مهجّرة
من الجبل [الشوف]
تطالب بالعودة إلى قريتها فتقول"بدّي ترابي".
التراب لصيقٌ روحيٌّ أكثر منه ماديًا، ونحن نستعمل لتراثنا
العائلي والاجتماعي كلمة "تراب" فنقول: الوطن تراب الآباء
والأجداد.
واذا شئنا الإفادة أكثر، قلنا إن حضارتنا السورية حفظت
للتراب مكانة تسمو إلى مكانة "الأمومة" . تذكرون عنوان آخر
فصل من "نشوء الأمم" حيث يذكِّرنا سعاده بـِ"الإثم
الكنعاني" وهو ما اعتبره بعض فلاسفة الإغريق إثمًا سوريًا
لأن السوريين كانوا
يعلمون أولادهم أنهم مولودون من الأرض. ولا ننسى أن عشتار
كانت الإلاهة الأم، وإلاهة الأرض في الوقت نفسه.
الأرض في ذهنيتنا العامّة
هي "أمّنا" جميعًا ونحن "أبناء أرض" واحدة. وأضيف أن عشتار
كانت تلقب بـ"إثرت" أي إلاهة في الوقت الذي تمثل كلمة
"إثرت" مصدر كلمة" الثرى" أي التراب. كما أن "الثِري" في
اللغة العامية تعني التراب
الرطِب الخصب الذي ينتج غلالا.
فالوطن هو الأرض والأمّ والخصب والثروة، وهذا هو البُعد
الروحي الذي أقصده بالتراب المادي. الوطن عندنا هو البقعة
التي نشأت فيها الأمّة السورية (وليس الحضارة السورية، لأن
الحضارة السورية امتدت إلى كافة أنحاء الكرة الأرضية) وكلّ
حبة تراب مرتبطة روحيًا بالسوريين القوميين الاجتماعيين.
ومحاذرًا أي تأويل أو تحوير، حدّد سعاده البقعة الجغرافية
أو الوطن بحدود ثابتة ونهائية هي بالنسبة لنا نحن السوريين
القوميين الاجتماعيين وطننا وترابنا.
على طلب الانتماء إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي تذكير
بكافة أرجاء الوطن المستباحة والمغتصبة ليتذكرها القوميون
في كلّ آن. وأيضًا تلك الأرجاء التي تجاهلها غيرنا والتي
تنازل عنها غيرنا كالإسكندرون (بدون مسوِّغ قانوني، وهذا
نسنده إلى تأكيد سعاده في كتاب المبادئ أنه لا يحق لأية
شخصية سورية، التنازل عن أي شبر من الأرض السورية، ولا
لحكومة ولا لكيان، ولا لطبقة، ولا لجيل ولا لإثنية، لأن
الوطن ملك عام لجميع السوريين.
ولنفترض أن استفتاءً ما أجراه مسؤول ما سوري أو إنترنسيوني
حول التنازل عن أرض معينة تعود للوطن السوري، وأن كافة
الناس المستطلعة آراؤهم قبلوا بالتنازل عن هذه الأرض، فإن
هذا الاستفتاء،على "ديمقراطيته"، وسلامته من الوجهة
العملية هو بالنسبة للسوري القومي الاجتماعي غير شرعي وغير
قانوني وباطل لا قيمة له. ذلك لأن الوطن ملك عام لأجياله
المتعاقبة، وليس للجيل الحالي فقط (المستفتى) أي أن الوطن
ملك للأجيال السورية
التي سبقت والتي ستأتي فيما بعد.
هذا ما يجعل الوطن أو الأرض ثابتا أساسيًا في عقيدتنا وفي
نهضة أمتنا. لا يجادلك عالِم في أن الإسكندرون مثلا هي أرض
سورية، بالأساس وبالانتماء. لواء الإسكندرون سُمي بهذا
الاسم نسبة إلى مدينة إسكندرون قرب العاصمة أنطاكية، بُنيت
على أنقاض مدينة الدفنة السورية العريقة. وجعل السلوقيون
منها عاصمة إمبراطوريتهم التي امتدت إلى الصين شرقا، أي أن
أنطاكية هي العاصمة السورية لأربعمئة سنة متواصلة تقريبًا.
وبقيت بعد الاحتلال الروماني (عام 69 ق.م.) عاصمة لإقليم
سورية الروماني وقلب سورية النابض حضارة، خاصة في زمن
الدولة البيزنطية حيث كانت مركزًا لكرسي بطريركي (أنطاكية
وسائر المشرق).
لو تابعتم تاريخ اللواء والحركات السياسية والمسلحة
لمقاومة فصله عن سورية، لتوضحت لكم الصورة أكثر للاندماج
الحياتي والثقافي والاقتصادي لهذا الوادي الحيوي الشديد
الخصوبة. تابعوا مؤلف محمد علي زرقة "قضية لواء الإسكندرون
– وثائق وشروح" والدكتور زرقة هو من اللواء السليب وخبير
عارف بكافة الحركات والظروف التي أحاطت بخسارة اللواء.
لقد تخلى [ جميل مردم]،
رئيس وزراء الشام في الثلاثينيات عن المطالبة باللواء،
ولسببٍ تافه كما أفادنا زعيم النهضة سعاده. لأن معظم سكان
لواء الإسكندرون من المسيحيين والعلويين . وقد تنبأ مردم
بأن اللواء سيكون عبئا ثقيلا على تركيا لهذا السبب، في
معرض تبرير مردم لتنازله الخياني. أما كيليكيا، فلم يطالب
بها سوانا نحن السوريين القوميين الاجتماعيين لأن أنطون
سعاده كشف أنها جزء حيوي من دورة الحياة السورية وينبغي أن
تتصل بالدورة الحياتية السورية من جديد. مسألة سيناء أيضًا
مسألة تنازل، لأن المغتصب هنا ليس تركيا، بل شقيق "يمون
على الدمّات" عند البعض من أبناء أمتنا.
سيناء ذهبت بموجب اتفاق دولي أبرم إثر انسحاب محمد علي
باشا والجيش المصري بعد أن استقوى (بفرنسا أيضًا) على
"أبناء دينه" من الدولة العثمانية الأمر الذي لم يكن
حاصلاً عندنا، بل الحاصل كان استقواء "أبناء ديننا" من
الأتراك علينا وتخاذلنا تجاه طغيان "أبناء ديننا".
لقد حرّض الفرنسيون محمد علي باشا (وهو ألباني الهوية وليس
مصريًا ) على الدولة العثمانية ودربوا جيشه ودفعوه لاجتياح
سورية، وقليلون يعلمون أن هذا الاجتياح كان بسبب فشل
نابوليون في تحقيق حلمه بإعادة اليهود إلى فلسطين كما
وعدهم في ندائه الشهير، ليقوم محمد علي بالمهمة، وفي
اجتياح محمد علي تسرّب أوّل اليهود إلى فلسطين وأسسوا
المستعمرات التي بدأت تستقبل اليهود بعد ذلك، كما لتحقيق
حلم الموارنة في لبنان بالاستقلال عن الدولة الإسلامية.
(نابوليون بونابرت في التاريخ الذي يدرسه أبناؤنا في
مدارسهم، كزوجة القيصر، فوق الشبهات) ولم يتنبه أيّ من
أحزابنا (الكيانية وليس الوطنية، لأننا لا نعترف بوجود حزب
"وطني" سوري سوى حزبنا) أن هذه الأرض هي نهب من سورية.
في خرائط فلسطين التي كانت قد رُسِمت قبل النكبة عام 1948،
كانت سيناء جزءًا من فلسطين. تغيّر الوضع بعدها لأن مصر
"تمون". في الخرائط اليهودية للدولة اليهودية المزعومة،
سيناء جزء من "أرض إسرائيل" وفيها نزلت "التوراة" على موسى
كما يدّعي اليهود، (وهي لم "تنزل" كما قلنا)، وليس في باقي
الخرائط من يعترف بمُلكية الأمّة السورية لسيناء.
اليوم، وبعد اتفاقية كمب ديفد، سيناء تعود للخارطة
المصرية، ولكن بدون سيادة مصرية وغير مسموح للمصريين فيها
إلا بحمل سلاح خفيف. التراث الشعبي في سيناء لم يزل يسمّي
آخر حاضرة سكنية "عريش مصر" لأن بعدها تبدأ حدود مصر، وهذا
دليل من الأدلة على أن شبه الجزيرة ليس مصريًا بالأساس.
أما الأحواز، فقد أصدرت عمدة الثقافة كرّاسا خاصًا بها،
وفيه مراحل انتماء الأحواز للحضارة الرافدية ولدورة حياة
العراق منذ العصور السومرية وحتى اليوم، وكيفية خسران هذا
الجزء الغني بالمياه والبترول والمناجم، ولا يفيدنا كثيرًا
ترديد ما أتى فيه. وفي الشمال قطعة من الأرض السورية تابعة
لتركيا اليوم، وهي منطقة ديار بكر جرى فيها ما جرى في
الأحواز من تهجير وتغيير الهوية واستبدال سكاني. هذه
البقعة التي لم تعد إلى دورة حياتها الطبيعية السورية، لم
يطالب بها "العروبيون" الذين يفتخرون بانتماء بكر (قبيلة
حجازية) للعرب، وقد سميت المنطقة باسمها. نحن القوميين
الاجتماعيين نتذكر أن مدينتي الرها ونصيبين كانتا مركزًا
دينيا مسيحيًا، منهما انطلقت المذاهب المسيحية السورية
الأولى (المونوفيزية والسريانية اليعقوبية، ومن قبلها
المانوية) . وفيها أيضًا السوريون الصابئة الذين ما زالوا
حتى اليوم يحفظون طقوس أدونيس السوري، خاصة في مدينة حرّان
التي هي مدينة سورية منذ مملكة بابل وفيها سكن آخر ملوك
آشور.
لم يكن غيرنا متنبِّها إلى أن هذه الأرض الواقعة جنوب
طوروس وضعت فيها الأسلاك الشائكة الحدودية في غير مكانها
الصحيح، وقد أفادني أحد مواطني إدلب بأن القوات التركية ما
زالت حتى اليوم تنقل الشريط الشائك جنوبًا كما يحلو لها،
دون أن يثير هذا العمل نخوة "معتصم" يضع له حدًا. وما زالت
عين الأتراك على حلب لأن فيها قبر السلطان سليم فاتح سورية
عام 1516 . والمؤسس للفتح التركي في مصر والحجاز.
ونصل إلى قبرص، نجمة الهلال، وقد قابل الجميع، دون
استثناء، بسخريةٍ قولَ
سعاده أنها جزء من الوطن وعدوّه
أمرًا غريبًا. وكأن النهضة السورية القومية
الاجتماعية تتجاوز حدود العلم والمنطق والمعقول حين
تعتبرها كذلك. ومما يزيد الأمر صعوبة، أن لا تواصل حاليًا
بين قبرص وسورية، إلا ضمن ما هو متعارف عليه بين الدول
المستقلة. كذلك هناك غياب للتفاعل المباشر واختلاف في
اللسان في قبرص عنه في سورية.
نحن في الحزب لا نعتبر الأمر سياسيًا أبدًا. أمر قبرص علمي
واجتماعي بحت، ولم تخرج قبرص من الدورة الحياتية سواء في
المجتمع السوري أو من الدولة السورية في استمرارها إلا
حديثا، وفي الماضي لفترات وجيزة. وننظر إلى موضوعها بعكس
ما ينظر إليه الآخرون. نحن نعتبر أنه خروج عن المنطق
والمعقول أن تبقى قبرص خارج الدورة الحياتية السورية،
وخارج إطار الدولة السورية القومية.ّ ذلك، لأن هذه
الجزيرة، ولمن يعرف تاريخها معرفة عميقة، فإن بعض الكيانات
السورية افتقرت في الماضي إلى الروابط الاجتماعية
والسياسية أكثر من قبرص. ولكن الشك لم يرقَ إلى درجة
استغراب اعتبارها غريبة عن الأمّة. أما اختلاف اللغة، فإن
في داخل جسم الأمّة السورية والدورة الحياتية، فئات إثنية
لها لغات خاصة مجهولة من معظم السوريين، ولكن متكلميها لا
يرقى الشك إلى سوريتهم. الآراميون (السريان) والأكراد
والتركمان والشركس والأرمن منهم. الأرمن حديثو العهد في
"المشرق العربي"، لم يكونوا موجودين قبل العام 1916.
واليوم يشكِّل الأرمن جزءًا من الحياة الاجتماعية
والسياسية في لبنان والشام والأردنّ بحيث يتساوى عدد
نوابهم في لبنان مع عدد النواب الدروز مثلاً، ونِسب
أعدادهم في الوظائف العامة كذلك. أما في الشام فلا تمييز
بين الأرمن والشاميين بحسب الدستور. فلماذا يقال
إن قبرص ليست جزءًا من الوطن
والقبارصة
ليسوا سوريين في الوقت
الذي يُعتبر فيه الأرمن جزءًا هامًا لا يتجزأ من الشعب
السوري؟
نحن ننظر إلى الموضوع كما قلت من الوجهة العلمية لا من
الوجهة السياسية أو الإثنية أو اللغوية. من وجهة نظرنا،
نقول إن الأرمن الحديثي العهد في كياناتنا ليسوا جميعًا
أرمينيي القومية، خاصّة الذين نزحوا إلى لبنان والشام
والعراق والأردن من مدن أضنة وأنطاكية ومرسين وسيس وغيرها،
بعد مذبحة الأرمن التي ارتكبها الجيش العثماني عام 1916.
لقد سمّى الأرمن النازحون مخيماتهم بأسماء المدن السورية
التي نزحوا عنها. فمعظمهم سوريون بالانتماء القومي (لا
العرقي) . طبعًا، الذين يرون أنفسهم "عربًا أقحاحًا" يرون
في الإثنيات غير "العربية" أغرابًا. ويشملون بهذه التسمية
السريان والآراميين والآشوريين والكلدان والصابئة
والأكراد، وهذه الفئات كانت موجودة على هذه الأرض قبل أن
يطأ أعرابي ترابها بآلاف السنين. نظرة الحزب العلمية
المستندة إلى حقائق علم الاجتماع البشري ترى في كافة هذه
الفئات شراكة مجتمعية تتجاوز عقدة اللغات والأصل العرقي.
ومن هذا الباب نرى قبرص جزءًا من الحياة السورية.
هل ندرك الآن الفرق بين نظرة الحزب ونظرة غيره إلى هذه
المسألة ؟ وهل يمكننا التمييز بوضوح من هو العنصري والعرقي
والسلالي ومن هو العلمي الواقعي؟
نعلم أن قبرص مشدودة اليوم بين اتجاهي "التتريك"
و"الأغرقة"، ولكن لاعتبارات محض لغوية. لم تقف أمّتكم بعد
على أرجلها
لتحسم موضوع قبرص. المستقبل القريب سيشهد انشداد
قبرص أكثر إلى اليابسة السورية، خاصة بعد بروز أزمة المياه
فيها وحاجتها إلى "حليب الأم" السورية. ولعل في نشر
المبادئ السورية القومية الاجتماعية في قبرص مخرج للقبارصة
أنفسهم وهم الذين يتوقون للانعتاق من لعبة شدّ الحبال
التركية – اليونانية.
سمعنا في السنتين الماضيتين من يترأس تنظيم الانحراف وهو
ج.ع. يقول في تصريح له لمجلة الأفكار، وعندما سئل إذا ما
كان "حزبه" ما زال يعتبر قبرص جزءًا من الأمّة السورية،
يقول بما معناه إن سعاده لو عاد اليوم لغيّر رأيه في موضوع
قبرص، وبرّر الأستاذ ع. المذكور انحرافه بقوله إن سعاده
نفسه يقول بأن ليس هناك "حتمية جغرافية" وأن الأمّة
السورية "ليست وطنًا نهائيًا" وما شابه من
الادعاءات. وقد ردّت
عمدة الثقافة في حينه على التصريح المذكور، ويمكن الرجوع
إليه في أعداد
النشرة الرسمية للحزب.
ما يهمنا هو التالي: لم يصدر من الأستاذ ج.ع. ما ينفي أو
يكذب هذا التصريح، وعليه نعتبر أنه صحيح.
لا يمكن البناء على كلمة "لو" (عاد سعاده لـ ...الخ.)
"زرعنا لو طلعت يا ريت" كما يقول المثل العامي. لا يمكن
البناء على فرضية أن سعاده لو عاد حيًا لغيّر أو بدّل ما
دعا إليه.
إن قبرص ما زالت إلى جانب سيناء والإسكندرون وكيليكيا
والأحواز وفلسطين، على طلب كلّ طالب انتماء إلى الحزب،
والمنتمي إلى الحزب إنما ينتمي لتثبيت إيمانه وعمله لحق
أمّته في استعادة هذه الأجزاء السليبة والمغتصبة والمسلوخة
عنها.
الحتمية الجغرافية التي تكلم عنها سعاده هي بكل تأكيد غير
ما يفهمه منها السيد ج.ع. ولا تندرج في السياق الذي تكلم
عنه. الحتمية الجغرافية التي ننفي وجودها والتي أعلن سعاده
أنها ليست موجودة، هي القانون أو العرف الذي يقول إن
الشعوب التي تنزل مناطق جغرافية خصبة،
لا تنتج "بالضرورة" أو بالحتمية
حضارة متفوقة
وأعطانا سعاده مثلا عن انتفاء هذه الحتمية، من الهنود
الأميركيين الحمر الذين نزلوا أرضًا خصبة ولكنهم لم
يتمكنوا من إنتاج حضارة متفوّقة، لأن المزيج السلالي هناك
ليس بالجودة والنوعية الجيدة التي هو عليه في سورية. ولأن
البشر يشكلون العنصر السلبي الفاعل في إنتاج الحضارات،
والأرض هي العنصر الإيجابي الذي يقدّم الإمكانات والتي
تكيف والإنسان يرّد التكييف فعلاً حضاريًا، تأتي الحضارة
على مستوى الاستعداد البشري لردّ التكييف.
هذه هي الحتمية الجغرافية التي نفاها سعاده، وليست التحديد
النهائي للموطن وللأمة كما فهمها السيد ج. ع.
إن الأمّة السورية ليست "الوطن " السوري كما يورد السيد
ج.ع. فالإشارة سبقت إلى أن الأرض هي البيئة الطبيعية
(الإيجابية)، وأن الأمّة بسلالاتها هي العنصر السلبي،
وعليه، فالأمّة غير الوطن رغم
أن الأمّة لا تقوم بلا وطن.
وعلى كلّ حال، فنحن في الحزب نؤمن أننا أمّة تامة –
نهائيًا – وأن وطننا سورية الطبيعية – نهائي- وغير صحيح
القول أن الأمّة السورية "ليست وطنًا نهائيًا" .
نحن ندعو الجميع إلى الإقلاع عن الافتراض عما يفعله سعاده
فيما لو "عاد" حيًا بيننا. إنه حي في ما ترك وكتب ونصّ
وخطب. إنه حيّ في النظام والعقيدة والأخلاق التي أنشأ
عليها حزبه، ونحن لا ننتظر "عودة" سعاده، بل ننتظر من
الجميع" العودة إلى سعاده" . نحن نضلّ الطريق أحيانًا،
وليس سعاده هو الذي ضلّ الطريق. سعاده هو "الطريق". والقول
أو الإيحاء أن سعاده ضال، هو كطعنة "بروتوس" التي آلمت
يوليوس قيصر أكثر من طعنات المتآمرين الباقين.
الثابت الرابع: وحدة الحياة
تحت هذا العنوان، يندرج كلّ تدبير إصلاحي وكلّ ثابت فكري
ابتداءً من النظر إلى المجتمع السوري كوحدة حياتية، كجسم
حيّ، وانتهاءً بكلّ ما يؤمّن لهذه الوحدة الحياتية من
تماسك وإجراءات تحافظ على تماسكه، كفصل الدين عن الدولة
وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج وإلغاء الاقطاع وإنشاء
القوة الرادعة التي تحمي الوطن ووحدته وسلامة أراضيه .
كل هذه الأمور واضحة ومنصوص عنها في مبادئ الحزب، منها ما
هو أساسي ومنها ما هو إصلاحي، لكنها كلها تؤمن مصلحة
الأمّة والمجتمع.
إن مصلحة الأمّة هي في أن يكون مجتمعها واحدًا يتساوى فيه
أبناؤه أمام قانون واحد، وتكون حمايتهم مضمونة وأمنهم
مضمونًا. ووحدة المجتمع، هي في أن يكون مفهومًا لدى الدولة
ومؤسساتها، أن لا مفاضلة بين الإثنيات المتعدّدة التي
تكونه.
وضع سعاده شرط الاشتراك في الحياة أساسًا لتكون المجتمع
وهو واعٍ لتعدّد الفئات الإثنية داخل المجتمع. والاشتراك
في الحياة أمر طبيعي كما ورد في "نشوء الأمم". ليس هناك من
أمّة إلا وتتكون من مزيج إثني متنوّع.
ولاحظ أن الاجتماع يتفوق في المجتمعات التي تتعدّد فيها
الإثنيات معطيًا مثالا عن مدينة أثينا التي تفوّقت على
إسبارطة الأحادية الإثنية. فالتنوّع في فهمنا نحن السوريين
القوميين الاجتماعيين هو سمة غنى وقوّة، لا سمة فقر وضعف،
أما عدم إدراك البعض لهذه الحقيقة واعتقادهم بتفوّق عنصرهم
على باقي العناصر، أو بوجوب هيمنة عنصرهم على باقي
العناصر، أو لغتهم على باقي اللغات الأخرى داخل المجتمع،
فهو فهم عنصري سقيم لا يؤدي إلا إلى الانقسام والتشرذم،
لأن كلّ فئة إثنية تنشدّ عندئذ إلى عصبيتها الخاصة خوفًا
من اندثار قوّتها وتبدّد ذاكرتها.
قد يسأل سائل: ما مصير اللغة الكردية مثلا اذا انتصرت
النهضة السورية القومية الاجتماعية؟ أو ما مصير الآشورية
أو الآرامية؟ نجيب: رغم أن وجود لغة واحدة في الأمّة أقوى
لتسهيل التفاعل، فإن اللغات واللهجات الموروثة والتي نشأت
في البيئة السورية، هي ثروة ثقافية يجب أن يتمسّك الحزب
بها ويحافظ عليها من الاندثار.
ومن باب تحصيل الحاصل أنه لا يمكن بشكل من الأشكال، القضاء
على ثقافة. إذ قد يزول شعب بكامله كما حصل مع السومريين
مثلاً، وقد أتى زمن اختفوا فيه من الساحة، إلا أن ثقافتهم
بقيت حيّة في الشعب البابلي الأكادي الذي خلفه في الوجود.
وما زالت ثقافتهم حيّة حتى اليوم (تذكرون بحث الإرث
البابلي الذي نشرته عمدة الثقافة في
نشرة الحزب الرسمية،
عودوا إليه) التعددية الثقافية والتنوع اللغوي هو مظهر من
مظاهر حيوية الأمّة، ومن الجريمة أن يفكر واحدنا في طمس أو
نحر هذه الحيوية لسبب أو لآخر.
هذه هي أحد مظاهر وحدة المجتمع من الوجهة الاجتماعية،
ومن الوجهة السياسية، وقد
أشار سعاده كما أسلفنا القول إلى أن الدولة قد تحوي أكثر
من قومية، فتسمّى أمبراطورية، وقد يكون في داخل الأمّة
الواحدة أكثر من دولة، وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء وحدة
المجتمع، (كما هو حاصل في أمتنا السورية اليوم). هناك صيغ
سياسية متعددة معاصرة كالفيدرالية والكونفيدرالية
والمركزية والحكم الذاتي وغيرها من الصيغ التي تلجأ إليها
المجتمعات لحلّ مسائل داخلية، دون أن يعني ذلك أن المجتمع
ليس واحدًا. في مرحلة استكمال المجتمعات لوحدة شخصيتها، قد
ينشأ صراع بين فئات المجتمع الإثنية، فان الصيغة السياسية
التي تلجأ إليها المجتمعات، ليست نهائية بل متغيرة وخاضعة
للظروف الداخلية.
من الضروري أن نوضح أن الوضع السياسي في الكيانات السورية
لم يولد بإرادة سوريّة، بل بفعل الإرادات الأجنبية،
بالتآمر مع طبقة سياسية داخلية، وضعت في بداية القرن
العشرين بعناية من قبل الأمم الكبرى لغاية واحدة وحيدة:
إبقاء الأمّة السورية في حالة ضعف دائم وتشرذم دائم، الأمر
الذي يتيح للكيان الاغتصابي اليهودي الذي وعد به بلفور
شراذم اليهود، في حالة أمن دائم.
الثابت الذي نقدمه في الحزب السوري القومي الاجتماعي لا
يقتصر غلى رفض الأمر المفعول، بل يتعدّاه إلى تكوين الوعي
السياسي في كافة الكيانات السورية والمغتربات، والذي يجب
أن يقوى ويمتدّ في شعبنا كله، من أجل إعادة صياغة الوحدة
السياسية . ألفت الانتباه إلى أن مبادءنا شدّدت على وحدة
المجتمع لا على وحدة الدولة، لأن الثابت هو المجتمع
والمتحوّل هو الدولة التي هي المظهر السياسي– الحقوقي
للأمّة. من الأفضل أن يقتنع السوريون جميعًا أن المظهر
السياسي – الحقوقي يجب أن يكون واحدًا، ولكن وجود أكثر من
مظهر سياسي لا يعني بالضرورة أن مجتمعنا ليس واحدًا. هناك
من السياسيين في أمّتنا من ينادي بالتعددية، ليس السياسية
فقط، بل والاجتماعية، وهنا مكمن الخطر في الدعوات
الانفلاشية والانعزالية. قد يعود القرار بالتعددية
السياسية للبشر في ظلّ ظروف محدّدة تقتضي المصلحة ذلك، لكن
التعددية الاجتماعية ليست قرارًا سياسيًا، لأن المجتمع
"واقع طبيعي" كما قال سعاده وشأن أو درس اجتماعي وليس
شأنًا سياسيًا.
اعترف الحزب السوري القومي الاجتماعي على لسان سعاده بأن
الكيان اللبناني نشأ لظروف كانت صحيحة تاريخيًا في زمن
معيّن. لكنه قال إن النهضة أوجدت المناخ لإسقاط هذه
الظروف، وهي ظروف طائفية استغلتها فرنسا للدخول دخولاً
استعماريًا إلى المشرق . وفي العام 1942 كتب سعاده أن
الحزب لم ينشأ بغرض هدم الكيان اللبناني، بل للقضاء على
الظروف الطائفية التي أوجبت انعزال المسيحيين في هذا
الكيان. وفي العام 1947، ولدى اتهامه بأنه يريد ضمّ الكيان
اللبناني إلى سورية، قال إن الكيان اللبناني هو وقف على
إرادة اللبنانيين أنفسهم، فكان هذا المخرج الذكي لا يناقض
إيمانه بوحدة المجتمع السوري، وفي الوقت نفسه لا يضع أيّة
حتمية أمام احتمال اقتناع اللبنانيين أنفسهم أن خير هذا
الكيان هو في انتمائه إلى محيطه الطبيعي.
الأمر نفسه يحصل اليوم في العراق، والحلّ نقدمه جاهزًا
للعراقيين. الأميركان، ومن مبدأ عدم وجوب قيام دولة قوية
في العراق قد تهدد أمن اليهود، يسعون وتحت ستار
الديمقراطية، إلى شرذمة العراق إلى دول إثنية ومذهبية. نحن
نقدم لهم هذا الفهم الثابت للدولة وللمجتمع إلى أن يأتي
يوم يقتنع فيه السواد الأعظم من العراقيين أن الخير هو في
وحدة مجتمعهم على حساب الشعور الطائفي أو الإثني فتكون
نهضة العراق جزءًا من نهضة الأمّة كلها.
في فلسطين، يدهش الكثيرون لعدم ذكرنا في أي بياناتنا
موقفنا من الحكم الذاتي، أو الدولة أو السلطة الفلسطينية،
أو الجدار العازل. نحن لا نذكر أيًا من هذه الأمور، لأن
تأييدنا للحكم الذاتي هو خيانة لما ندعو له من وحدة. لا
نعترف بكيان جديد يضاف إلى الكيانات – المعاقل التي نسعى
لدمجها في وحدتنا. وتأييدنا للسلطة الفلسطينية المنبثقة من
إرادة دولية هو تنكّر واعتراف
بشرعية الاتفاقات الدولية. والجدار العازل لا نستطيع أن
نرفضه، فنبدو وكأننا نقبل بمبدأ فتح الحدود بين الضفة وغزة
والكيان الاغتصابي اليهودي، ولا نستطيع أن نقبله فنبدو
وكأننا نريد أمن الكيان اليهودي.
لنا موقف مبدئي قاطع، هو أن الدولة اليهودية يجب أن تمحق
بشكل أو بآخر. يجب أن
تزول وتزول معها كلّ مفاعيلها السياسية والحقوقية
والأرضية. وبما أننا نتكلم عن محق الدولة اليهودية، فيجب
أن يُفهم أن هذا ليس موقفا عنصريًا أبدًا. نحن نقول إن
الدولة يجب أن تمحق، وأن اليهود يجب أن يعودوا من حيث
أتوا، إلى بلدانهم التي هجروها إلى فلسطين. وإلا، فكلّ
وجود يهودي استيطاني هو اغتصاب يجب أن يزال. يتحمل اليهود
وحدهم نتائج وجودهم في فلسطين. هذا هو القطع الواضح ولن
يستطيع أحد إلهاءنا بمسائل الحكم الذاتي أو الدولة
الفلسطينية، أو الجدار العازل، أو المستوطنات أو غيرها.
نحن لا نتعامل بهذه العملات مطلقا. ولا يعني هذا الموقف
عداءً للمنظمات الفلسطينية أو للمقاومة فيها. على العكس،
نحن نرى أي عمل مقاوم يصب في خانة محق الدولة اليهودية يجب
أن يلقى منا كلّ دعم. وعلى العكس، فكل طرح وكل صيغة تكرّس
الكيان الاغتصابي أو تساعد على تثبيته هي مسألةٌ واجبٌ
إسقاطها.
إن وحدة المجتمع من الوجهة السياسية تعني التقاء السوريين
من كافة الكيانات على عدم التنازل أو التخلي عن أي حق قومي
عام، وعدم اعتبار الأمور المفعولة التي فرضتها القرارات
الدولية علينا من تقسيم وموجبات، أمورًا باطلة من أساسها.
نحن نعمل لا لنكون كالحشرات التي تعلق في شِباك "الشرعية
الدولية"، بل نعمل لنمزّق هذه الشِباك ولتكون إرادتنا نحن
هي القرار.
وهذا يوصلنا إلى وحدة المجتمع من الوجهة الحقوقية.
فبالإضافة إلى ما قلناه في الحقوق السياسية، ففي مسألة
الحقوق المدنية يجب أن تكون للسوريين عامة حقوق متساوية
واحدة. يقفون أمام دستور واحد وقوانين واحدة. إن التشريعات
الدينية على سموّها وإنصافها لم تستطع توحيد السوريين من
الوجهة الحقوقية. تكلمنا عن أن مسيحيي لبنان كانت لهم
مطالب صحيحة في يوم من الأيام، وهذه المسألة هي واحدة
منها. كان المسيحي في الدولة الإسلامية "ذمّيا" ليست له
الحقوق نفسها وليست عليه الموجبات نفسها في تلك الدولة
بعهودها الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية. كان
يفرض على المسيحي ضريبة كانت تسمى "ضريبة الرأس" لأن عضوية
الدولة كانت على أساس الانتماء الديني. وتنوعت معاملة
المسيحيين بين خليفة وآخر حسب فهمه للنصّ الديني والتأويل،
تسامح الإمام علي مثلا، مع النساطرة، وتسامح يزيد ومعاوية
من قبله مع اليعاقبة الروم. لكن عمر بن عبد العزيز (عمر
الثاني) فرض على المسيحيين لباسًا محدّدًا، يميزهم عن باقي
مواطني الدولة، ومنعهم خلفاء آخرون بالإضافة إلى عمر بن
عبد العزيز، من ركوب الخيل أو حمل السلاح للدفاع عن النفس.
وأدهى ما لاقاه المسيحيون في عهد العثمانيين، حرمانهم من
التقاضي مع المسلم في المحاكم التابعة للدولة، الأمر الذي
حرمهم من حقوق طبيعية. هذا جزء من الأمور التي ولدت قناعة
بالانعتاق من هذا النير وإلى مطالبتهم بالانعزال في كيان
يشعرون فيه بالحماية والأمن. وليس المسيحيون وحيدين في هذا
الوضع ولا أريد الاسترسال.
لكن هذا يطرح ضرورة التساوي أمام قانون مدني قومي. وعلمنة
المجتمع ومن ثم علمنة الدولة. علمنة المجتمع تمّت في الحزب
ومبادئه، لكن علمنة الدولة ما زالت موضوع صراع بين الحزب
والدساتير الكيانية من جهة، وبين الحزب والمؤسسات المذهبية
الدينية من جهة ثانية. وقد يبدو هذا الصراع قاسيًا لجهة
بعض المذاهب، لكنه منصف في النهاية للجميع.
لا وحدة في المجتمع طالما أن القضاء "مطيف" و"ممذهب" داخل
الطوائف و"متدين" داخل المجتمع الواحد. أما من يسأل : وما
مصير التشريعات الدينية في حال صار الحزب دولة الأمّة
كلها؟ نردّ ونقول له: تطلع إلى فرنسا التي كانت المدافع
الأول عن المسيحيين وعن "الكثلكة" تحديدًا، كيف استطاعت أن
تفصل بين القضاء والتشريعات الدينية دون أن يسيء ذلك إلى
الدين، وتطلع إلى بريطانيا التي أوجدت الـ(Civil
Law)،
القانون المدني دون أن تسيء إلى التشريعات والمذهب
الأنغليكاني، وإلى الولايات المتحدة التي علمنت الدولة دون
أن تسيء إلى مذاهبها البروتستنتية، وإلى عشرات الدول التي
تحترم الدين وقد علمنت نظامها القضائي.
الثابت الخامس: المصلحة
المصلحة كلمة مطاطة جدًا لأن تشخيصها وتحديدها يعود إلى
صاحب العلاقة فقط. وهي تبرير يقف خلف كلّ عمل قومي أو
إنترنسيوني. وهي حصول الخير العام للجماعة – المجتمع وما
يؤدي إلى تقدّم الحياة في المجتمع وما يحمي بكافة الوسائل
أمن الحياة في الأمّة. ومن هنا تأتي مصلحة الأمّة في إزالة
الحواجز المتنوعة من طبقية وطائفية، ومن هنا تأتي أهمية
تنظيم الاقتصاد في المجتمع لأنه يؤدي إلى حصول الخير
والارتياح العام والنمو والازدهار في المجتمع. وأيضًا تأتي
أهمية إنشاء جيش قوي يكون فاعلاً في تقرير مصير الأمّة
والوطن.
والمصلحة هي مصلحة الأمّة تقرِّرها هيئاتها الدستورية
والشرعية ومجالسها وقوانينها ومؤسساتها.المصلحة ليست مجموع
مصالح الأفراد ولا مجموعة مصالح النقابات ولا مجموعة مصالح
الطبقة ولا الطائفة ولا الديانة ولا الإثنية، والأمّة
مجموع هؤلاء. لكن الجزء ليس الكلّ. الكلّ يتمثل في الهيئات
الدستورية والقانونية وهي التي تعبِّر عن كلّ هؤلاء.
إن التوسع في تفصيل المصالح أمر لا يزيد على حديثنا شيئا،
لأن المصلحة أمر بدهي لا يحتاج إلى مناقشة . لكني سأعطي
مثالاً أو مثالين عن المصلحة لنرى أهمية توحّد النظرة نحو
المصلحة القومية العليا.
المثال الأول، نأخذه من الولايات المتحدة التي تفرض
مناهجها الجامعية نظرية خاصّة في الفن، هي نظرية التعبيرية
التجريدية. الفن الكلاسيكي غير مرغوب فيه في الولايات
المتحدة. تلاحظون أيها الرفقاء أن اللوحات الفنية
الأميركية والمنحوتات تركز على التجريد الذي لا يصوّر
الموجودات من طبيعة وبشر ومادة، إلا بطريقة أدقّ من
الفوتوغراف، إذا كان موضوع اللوحة تصويرًا لنموذج معين.
لكن معظم اللوحات لا ترتبط بمعنى أو، بفلسفة، أو بقضية. بل
إن اللوحات عبارة عن "صَرْعات" . وقد يثور الفنان
الأميركاني إذا سألته ما"معنى" ما ترسمه، لأنه يرسمه ولا
يربطه بمعنى محدّد. لذلك فمعظم الفنون التشكيلية في
الولايات المتحدة "مجرّدة" ومرتبطة بالمخيّلة فقط ومنها
يأخذ الفنان الأميركاني موضوعه.
لماذا هذا الاتجاه الذي يفرض هناك فرضًا؟ والذي يشدّد على
كلّ ما هو "مبتكر" و"جديد" و"غير اعتيادي" و"صادم"
و"اعتباطي" و"مرتجل" . الفن هناك لا يعبّر عن حالة
اجتماعية محدّدة ولا هو نقد أو تعبير إلا عن شعور فردي
استبدادي . الفن عندهم لا علاقة له بالمجتمع، بل بالفرد.
نظرًا للفلسفة الفردية التي تربّى عليها المجتمع
الأميركاني. لذلك لا يرتبط الفن عندهم به، وبالتالي
فالأميركان ضد كلّ ما هو "ملتزم" في الفن.
السبب وراء ذلك كله هو المصلحة القومية الأميركانية .
فأنتم تعلمون أن الشعب الأميركاني مكوّن من هجرات شعوب
عديدة من مختلف أنحاء العالم، ولم يمضِ بعد الوقت الكافي
لتجعل دورة الحياة منهم مجتمعًا متماسكًا له قضية واضحة.
هناك كما قال سعاده، تراخٍ في الحياة الأميركانية سببه
عزلة البيئة الأميركانية البعيدة عن أي تهديد مباشر أو خطر
داهم.
هذه الفئات الإثنية التي تكوِّن الشعب الأميركاني، وفيما
لو تمسّكت كلّ فئة إثنية منها بتراثها الذي تحمله معها من
حيث أتت لتحوّلت الولايات المتحدة إلى فسيفساء ثقافية
عددها عدد هذه الفئات الإثنية.
لذلك، فإن فرض الاتجاه التعبيري التجريدي الذي ذكرته منذ
قليل يجعل من هذه الإثنيات القادمة إلى الولايات المتحدة،
تنسى تراثها وتقاليدها وأساليبها التعبيرية في الفن
التشكيلي وتنسى فولكلورها لتتحوّل إلى مجموعة أفراد يعبِّر
كلٌّ منهم عن ذاته وانفعالاته وأحاسيسه الفردية الذاتية.
وبذلك يتساوى جميع القادمين إلى أميركانية بترك تراثهم
القومي خلفهم للبدء بنظرة جديدة واحدة إلى الفن.
هذه هي مصلحة الدولة الأميركانية من الوجهة الإبداعية
الفنية. والدولة تفرض هذا الاتجاه الفني في جامعاتها لصهر
جميع القادمين في الـ""Melting
pot
كما يسمّونه (البوتقة) أي المجتمع الأميركاني.
المثال الثاني الذي أريد أن أورده في هذا الحديث هو
التالي: يدور اليوم في محيطنا وعالمنا صراع خفي بين إيران
وباقي العالم حول البرنامج النووي الإيراني. إيران تعمل
على برنامج نووي تقول إنه سلمي، غير عسكري. هدفه التنمية
وتوليد الطاقة الكهربائية وتقوية الصناعة والتبادل. إلا أن
العالم من جهة أخرى يرى أن إيران تريد فعلا صناعة القنبلة
النووية وتتحول بعدها إلى قوة عظمى إقليمية تفرض بقوتها
مصالحها على الجيران والعالم.
شعبنا اليوم منقسم حول "حق" إيران في امتلاك السلاح
النووي، وهي مسألة سياسية شائكة ربطها البعض عندنا
بالانقسام الحاصل بين فريقي"المعارضة والمولاة
اللبنانيين"، كون حزب الله اللبناني (الإيرانيّ الوجهة
والولاء) هو أحد أطراف هذا الانقسام السياسي. ما موقفنا
نحن السوريين القوميين الاجتماعيين؟ هل أن مصلحتنا التي
تبارك وقفة إيران – الجمهورية الإسلامية – ضد الكيان
اليهودي الغاصب لأرضنا، تتوافق مع مصلحة إيران في امتلاك
القنبلة النووية؟ يبدو الأمر محرجًا بعض الشيء،
فلم نكد
نصدّق أن شاه إيران محمد رضا بهلوي شريك اليهود
الأول قد ولى على يد "آيات الله" من القادة الإسلاميين،
وأن إيران أصبحت خزان دعم ضخم للمقاومة في جنوب لبنان
تمدّها بالسلاح والمال، حتى برز التهديد بامتلاك القنبلة
النووية، خاصّة وأن الأحواز التي ما زالت في ضميرنا نحن
السورين القوميين دون غيرنا، ولا مؤشرات على أن إيران
ستتخلى عن الأحواز أو حتى عن الجزر الثلاث التي احتلها شاه
إيران عام 1972 من الإمارات العربية المتحدة الشقيقة. لنا
مصلحة في عدم قطع الإمداد عن المقاومة، وكذلك في أن لا
نتخلى عن الأحواز.
نحن نفهم أن القنبلة النووية الإيرانية تعني لنا نحن
السوريين القوميين الاجتماعيين تهديدًا لكل الأمّة
ولعالمنا العربي، بقدر ما هي تهديد لدولة الاغتصاب
اليهودي. لا بل إن تهديد الأمّة والعالم العربي بها مؤكد
أكثر من تهديد "إسرائيل"، لأنه حتى ولو سلمنا جدلا بأنها
تهدِّد الدولة اليهودية، فما الضمانة النهائية لنا أنها
ستبقى في أيادي من يعادون الدولة اليهودية اليوم، من
الإيرانيين؟ ماذا إذا انتهى حكم الدولة الإسلامية وأتى إلى
الحكم في إيران من هو صديق لليهود، وهذا احتمال وارد في
كلّ لحظة، فليس هناك من دولة قامت إلا ودالت .
ثم إنّ قضية فلسطين هي قضيتنا وليست قضية إيران في
النهاية. ما يهمّ إيران هو الخليج الذي تعمل جاهدة لإعادته
"فارسيًا"، أي أن تصبح إيران فيه الدولة الأقوى والخليج
منطقة نفوذها. على حساب من سيكون هذا؟ أليس على حسابنا
نحن؟
لذلك، فإننا ضدّ أن تحوز إيران القنبلة النووية، حتى ولو
كانت صادقة في عداوتها لدولة الاغتصاب اليهودي، لأننا لا
يسعنا إلا أن نكون نحن إلى جانب مصلحة أمّتنا النهائية.
ثم إن "المقاومة" في جنوب لبنان ومهما طالت مدّة وجوب
بقائها ( وفي رأينا يجب أن تبقى طالما أن هناك احتلال ليس
لأراضٍ لبنانية فقط، بل طالما بقي لبنان مهددا بأمنه من
العدوّ)، فإنها تبقى ظرفية. مسؤولية تخليص الأمّة من
الاحتلال اليهودي هي مسؤولية كلّ المجتمع وليست مسؤولية
جزء منه، المسبب يزول بزوال السبب. نقصد أن الدعم الإيراني
للمقاومة الإسلامية هو أيضًا ظرفي، وكما قال الفرنسي
تاليران: ليس في السياسة صداقات دائمة ولا عداوات دائمة،
ولكن الذي يدوم هو المصلحة. فلا نلام نحن السوريين
القوميين الاجتماعيين اذا وقفنا هذا الموقف من امتلاك
إيران القنبلة النووية، لأننا نتطلع إلى مصلحتنا دائما.
لا يمكن أن يفهم هذا الموقف أبدًا أنه دعم لموقف "إسرائيل
من القنبلة الإيرانية لأننا أعلنا ونعلن دائما أن صراعنا
مع اليهود لا ينتهي إلا بمحق دولتهم وإزالتها عن جسم الوطن
السوري. وقد يسأل سائل: ماذا لو أزالت إيران "إسرائيل من
الوجود؟ ألا يكون هذا إزالة عائق من أمام الأمّة السورية؟
بالطبع نعم، لكن نردّ السؤال: إذا كانت إيران حريصة على
إراحة الأمّة السورية من تهديد لسلامتها، وعلى مصالحنا
وحقوقنا، فلماذا لا يتركون الأحواز ويعيدونها إلى الوطن
الأم؟ هذه هي العدالة كما نراها وقضيتنا كما أسلفنا ليست
ضياع فلسطين فقط، بل كافة الأجزاء المسلوبة والمقتطعة
والمتنازل عنها، ومنها الأحواز.
خاتمة
أيها الرفقاء: هذه هي الثوابت التي أرى أن العقيدة والحزب
يتنكّب مسؤليتها ويلقي دعائم النهضة عليها. ويجب أن يكون
واضحًا أن الثوابت هي كالأساس في البنيان، إذا كان الأساس
مائعًا أو منحرفًا، ننتهي ببناء كبرج" بيزا" آخر، ينتظر
سقوطه بين لحظة وأخرى. الثوابت تعني "نهائيات" ولا ضرر
أبدًا من أن يكون للحركة ثوابت، لمن يفقهون المعنى الفلسفي
للأمور. نحن جماعة لا تلعب على الحبال وتسمّي نفسها "أصحاب
قضية" . نحن أصحاب قضية واضحة تميز بين ما هو ثابت وما هو
ظرفي أو آني. لا تسمحوا حتى لمن يدّعون اتباع سعاده
وفلسفته أن يحرفوكم عن ثوابتكم عندما يخلطون بين الثابت
والمتغيّر، فليس لماكيافيلي مكان بيننا.
عميد الثقافة
بعقلين في 7 تموز 2008
|