|
نظرية النظام
الاقتصادي القومي الاجتماعي
ان أول ما يجـب
ان نـنطـلق منه وبه وعلى ضـوئه هـو الوعي. فاذا
انعـدم الوعيّ فلا سبـيـل الى الاهتـداء الى بـداية
صحيحة مفيدة ونافعة.
فالغفلة والغفاوة حالة نوم ، واكثر ما يستطيعه النائم او
الغافي هو الهذيان واضغاث الاحلام .
النهضة القومية الاجتماعية هي يقظة ووعيّ ومعرفة وليست
غفوة وهذيان وجهل . انها حالة نـورانية جديدة وجيّدة
اخرجتـنا من البلبلة والشك الى الوضوح واليقين .
الجهل مهوار غدار يشدنا الى السحيق العميق المظلم .
والعلم منار كشـَّاف ينيـر امامنا الطـريق الآمنة ،
ويسهـل علينا السير والتقدم فنميّز بين ما هو مفـيـد
وما هـو مضر. وما هو ثابت وما هو متـغـيـر . وما هــو
اساسي في الوجــود وبين ما هو ثانوي. فاذا صح
التبديـل والتغيـيـر في الثانـويات دون ان يـؤثـر
على مســيـرة الحـيــاة الصاعــدة ، فان أي
تـغـيــيـر أو تـبـديـل في الاســاســيـات يعـطـل
مسيرة الحياة ويقـودنا الى ما لا ينفعنا ولا يساعـدنا
على النهوض بحياتـنا .
لذلك كان المبدأ الاقـتصادي في المفهـوم القـومي
الاجتماعي هـو من ضمن المباديء الاصلاحية التي يمكن ان
يجـري عـليها التبديل والتغيير والتعديل ، وليس مـن ضمن
المبـاديء الاسـاسـيـة على الر غـم مـن ان
المبـاديء الاساسية والاصلاحية وغاية الحركة السورية
القـومية الاجـتماعية تشكل فلسفة قائمة بذاتها، وعلى
الرغم من اهمية الاقـتصاد في حياة الامم.
وبناء على ما تقدم ،علينا ان نميز بين النظام الذي هو شيء
عميق جــدا ً في الحـيـاة وبيـن التـنظيم الخاضع
للتبـديل والتغيـيـر والتعـديل والتحسيـن.
وبهـذا نكتـشف ان مفهـوم المعـلم سـعادة للاقـتـصاد هـو
مفهـوم تــنظيمي اقـتـصادي ينبثـق من الفـلسفة
القومية الاجتماعيـة المجتمعية ، ويستند الى النظرة
الانسانية الجديـدة الى الحيـاة والكـون والفـن التي قال
بها ســعاده.
ولأن الاقتصاد هو شأن انساني ثقافي فانه يتحتم علينا
ان نفهم اولا ً نظرة سعاده الى الحياة الانسانية
وفلسفـته لنتمكن من فهم نظريته الاقـتصادية أو مذهبه
الاقتصادي بوضوح وجلاء .
لقد سمعنا مرارا ً من داخل الحزب ومن خارجه " انه ليس
للحزب نظرية اقتصادية. وكل ما عندنا في الحزب هو
افكار ومباديء اولية في الاقتصاد مستـنديـن بذلك
الى كلام سعاده في ختام محاضرته الثامنة التي شـرح
فيها المبـدأ الاصلاحي الرابع حيث قـال : " ان ما
أعـطيَ الآن هو قـواعد عامة ومعـلومات أســاسية لا غنى
عنها فيما بعـد الى النظـر في أمـور اخـتصاصية "
متـغافليـن عن قوله في المحاضرة نـفسـها ان
المحاضـرات الاختصاصية في كل باب وناحية من نواحيه
انما هي لإعطاء "صـورة حـقـيقـية عن النظام القومي
الإجتماعي الاقتصادي" وهذا لا يجعل مجالا ً للشك في ان
للحزب نظامه الاقتصادي الخاص المنبثق من فلسفته. فلسفة
الانسان ـ المجتمع المدرحية التي تسير نحوها البشرية بخطى
حثيثة ،ولا شــك ان الشـعـوب المتمدنة واصلة الى هذه
الفلسفة وآخذة بها وعاملة بنظامها الاقتصادي . لأن هذه
الفلسفة تشيـرالى ارقى ما توصل اليه العقل البشري من
ثورات اجتماعية .انها القمة التي نشرف منها على العالم
القادم عالم الإنسان ـ المجتمعي ـ العالمي العادل
الـراقي.
الفلسفة القومية الاجتماعية
الانســان هو مبدء هذه الفلسفة وغايتها . ومفهـومها
للإنسان هو مفهـوم واقعي لا ينكمش فيكون فردا ً،ولا
ينفـلش فيصبح عالما. انه كما هـو على حقيقـتـه انسان
ـ مجتمع. انسان ـ أمة. في مجتمعيته تكمن انسانيته . وفي
امته تتألق مدنيته وحضارته. والانسـان ـ المجتمع ـ
الأمة هــذا لا ينشأ ولا ينمو ولا يستمر الا في بيئة
طبيعية ، وعلى أرض معينة تقـدم لـه امكانت العيش
والحياة هي وطنه الذي هو مسرح حركته واعماله عبر
الزمن حيث يصنع تاريخه بابـراز مـواهبه وبلورة شخـصيته
الاجتماعية انه الانسان ـ المجتمع ـ الامة الذي تمتد جذوره
في اعماق الماضي السحيق الذي يعـود الى ماقبـل التاريخ
معبـرة عن اصالته . وتسـتمـر عطاءاته في المستـقبل الى ما
لا نستـطيع ادراكه. هذا الانسان ـ المجتمع هـو القادر على
استـيـعاب كل ما في الوجـود من عـلم واسـرار ، وهـو
القـادر على تحسـيـن الحياة ومستوى الحياة باجمل ما يمكن
ان يكون من الابتكارات والابـداعات،
وهو هونفسه الذي لامعنى ولا قيمة لأي شيء او فكر او نظام
او حال ان لم يكن بهدف تقدمه ورقيه ، ورفاهيته وسعادته.
الاقتصاد لغة
قـصـد : استهدف . سار او عمل بقصد وهدف قصد قصدا في مشيه
يعني مشى مستويا. وقصد في الامر يعني ضد افرط.
اقتصد في الامر: ضد أفرط أي اتزن.
اقتصد في الانفاق : توسط بين التقـتير والافراط
اقتصد في الامر: استقام
اقتصاد: ضد التفريط والهدر أي الإتزان ما بين الإدخار
والتبذير
اقتصاد: تدبير النفقة . والتوسط او التوازن بين التبذير
والتقـتير
بعد هذه المقـدمة يمكـنـنا ان نباشـر بشـــرح وتـوضيـح
التــنـظـيم القـومي الاجتماعي الاقتصادي.
في حلقة سابقة لمجمـوعة من طلبة البكالـوريا والفلسـفة
كانـت مخـصصة لشرح مبـدأ الاقتصاد القومي الاجتماعي
،حاولت فيها ان تكـون المحاضرة دراسة مقارنة بين
النظامين اللذين يقومان على أساس النظرة الفردية الى
الحياة الانسانية : الرأسمالية والاشتراكية الماركسية
، وبين النظام القومي الاجـتماعي الذي يقـوم على اساس
النظـرة الاجـتماعـية . اي بـيـن فـلسـفة الانسان ـ الفرد
وفلسفة الانسان ـ المجتمع.
وفي نهاية المحاضرة شـكـرني احـد الطـلبة الحضـور على
شرحي للنظرية الاقـتصادية الماركسية وقـال بانه درسها
قـبلا ، ولكنه لـم يفهـمها بـهـذا الوضوح الذي تميز به
شرحي وتوضيحي لها . ولهذا لن اكرر ما حصل في تلك المحاضرة
لأن مهمتـنا الاساسية هي توضيح فكرنا وفلسفتنا
وتـنظيمنا ومسؤوليتنا الكبرى هي شرح وتفسير وتوضيح
نظرتنا الى الحياة والكـون والفـن وكـل ما له عـلاقـة
بها ، وما نـتج عنها ، وما يمكن ان ينـتـج من تنظيمات
وتـشـريعات ونظـريات . لقد استـنفـدت النـظـرة
الفـرديـة جـميـع مضامينها ، واصبحت شـيئا من
التاريخ ولم يـبـق منها ســوى الامـراض التي سببتها ،
والكوارث المدمرة للإنسانية التي تعاني منها الانسانية
اليوم منتـظرة الخـلاص الآتي على ضـوء وهـدى فـلسـفة
الانسان ـ المجتمع الذي يقول بالأساس المادي ـ الروحي أي
المدرحي للإرتقاء الانساني.
ولهـذا بالضبط سأبـدأ محاضـرتي بقـراءة المبـدأ
الاصلاحي الرابـع الـذي يلخص نظريتنا ومفهومنا
للاقتصاد وتنظيمه
"الغاء الاقـطاع ، وتـنظيم الاقـتصاد القـومي
على أســـاس الانـتاج ، وانـصـاف العـمـل،
وصيــانــة مـصـلحــة الأمـــة والـدولـة . "
ان المبـدأ الاقـتصادي الاصـلاحي ليس منـفـصلا عن
المباديء الاصلاحية الاخرى، ولا المباديء الاصلاحـيــة
مســتـقـلة عن المـباديء الاســاسيـة. بل ان جـميع
المبـاديء الاســاســيـة والاصلاحية ومعـها غايـة الحـزب
تـعـبـركلها عن حقـيقة جـوهـرية واحـدة هي حقيقة جعل قضية
الامة السورية هي محور ومرتكـز جميع المسائل والاغراض
والمقاصد . ولذلك فان كل تنظيم سـواء كان اجتماعيا او
سياسيا او اقـتصاديا او اداريا او ثـقافيا او قانـونيا او
عسكـريا ... يجب ان يكـون لخـدمة قـضية الامة واعلاء
شأنها وتحقيق رفاهـيتها . وهـذا ما عبـَّرت عنه وهـدفـت
اليه العـقـيـدة السـورية القـومية الاجتماعية وقد ظهر
كل ذلك جليا في تعاليمها منذ بداية التأسيس.
وقــد أكـد ســعاده في مـؤلفه " نشـوء الأمـم " أن
الرابطة الاقتصادية هي الرابطة الاجتماعية الأولى في
حياة الانسـان الأساس المادي الذي يـقـيم الانسان عليه
عمرانه " ولذلك "لا نستطيع ان نـتصور مجتمعا يقـوم
على غير أساس التعاون الاقـتصادي لسـد الحاجة مـداورة
تعـويـضا عن نـقـص وجود المادة المحتاج اليها." وقال
ايضا بهذا الخصوص في نفس المصدر " ان كيفية تركب
الانسان تجعـل حياته تـتـوقـف على سـد حاجاته مـداورة أي
بالعمل والواسطة . فهو دائما مضطر لأرضاء دافع الارتقاء
والتعـويض عما فقده من سرعة الجولان وقوة الوثب ....
وهذا يتطلب منه التعاون في الصنـاعة وفي السعي
لمطاردة الفريسة والايقاع بها وفي الزراعة " وقد
أشار الى ذك ابن خلدون في مقـدمته الشهيرة قائـلا ً : "
ان الاقـتصاد هـو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع"
ولما كان " التطور الاجتماعي هـو دائما على نسـبة
التطـور الاقتصادي " كما ذكر سعاده ، فان الاهتمام
بموضوع الاقتصاد وتنظيمه على اسس علمية سليمة ، كان من
الامور المهمة التي لاغنى عنها، ولا يجوز ان تبقى خارج
تعاليم النهضة ومبادئها المحيية التي فيها وفي تحقيقها
كل الخير والرفاهية للأمـة.
أول ما يلفت الانتباه بعد الاطلاع على المبدأ الاقتصادي هو
الفعل الهجومي الذي تميزت به الحركة السورية القومية
الاجتماعية أي الثورية والهجومية وهذه الثورية تظهر جليا
في العبارة الاولى التي هي :" إلغـاء الإقـطـاع".
إلغـاء الإقـطـاع
ان الحزب السوري القومي الاجتماعي كما عبر عنه مؤسس الحزب
سعاده هو " فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها "وهو كما
قال ايضا:"الحزب هــو نـور الامـة " وهذا الحزب هو نهضة اي
خروج من البلبلة والشك الى الوضوح واليقين . ورسالة
هذا الحزب ومهمته الاساسية هي رفع مستوى حياة الامة
واصلاح حالها . ولما كان الاقتصاد هـو في طليعة
الامـور التي يجب اصلاحها وتنظيمها لمصلحة حياة الامة
وقضيتها ورقيها ، فقد اقتضت البداية ان يزال الحيف والظلم
عن قسم كبير من ابناء الامة يـرزحون تحت وطأة الاقطاع .
النظام الفردي الموروث من العهـود الجائـرة التي سبـبت
للأمة الكثير الكثير من الويلات والمآسي . ان الامـة هي
ابناؤها وابناء الامـة هم الامـة ولا يعـقـل ان
تقبل النهضة الجديدة باستعباد ابناء الامة لأبناء
الامـة . ان نهـضة الامـة هي نهـضة حـق وعـدل لكـل
ابنـاء الامـة . ومباديء نهضتها لا يجوز ولا يحق ان
تكون الا لخير ورفاهية وحرية جميع ابنائها. ومبدأ
الغاء الاقطاع هو مبدأ تحرير وتحرر . تحريـر قسم
كبير من الناس من الظلم والحيف والعوز . وتحرير
الاقطاعيين المتسلطين المستبدين من نفسية الاستكبار
والاستبداد . لتحل بين الجميع روح الاخوة القـومية التي
هي العامل الفعال والافعل في ازالة كل اسـباب
الكراهية والجفاء بين الاخــوة الذين يجب ان
يعـملوا جميعا من اجـل خيـر الامـة ورفاهيتها وتحقيق
مثلها العليا التي تنطوي على اجمل مثلهم واهدافهم .
لقد ذكر سعاده في مؤلفه نشــوء الامم : " انه اذا كانت
الرابطة الاقـتصادية اساس الرابطة الاجتماعية البشرية ،
فالعمل ونظامه التعاوني مصدر نظام الاجتماع وأساس بناء
المجتمع . " لذلك فان العمل و نظام التعاون هو الاساس
الذي يجب ان يقـوم عليه ليس نظام الاجتماع وحسب ، بل
نظام الاقتصاد ايضا ، وكل نظام او تـنظيم له مساس بالحياة
الاجتماعية ، وبناء المجـتمع المتمـدن الراقي . من هـذا
نفهم ان جـميع المبايء الاساسية والاصلاحيـة وغـاية
الحزب هي متـرابطة فيما بينها، ولا يمكن الفصـل
بـيـنها ، بل هي متكاملة. وهي تصبح مبتـورة مشلعة غير
ذي قيمة او فائدة حين تنفصل عن بعضها . فالمجتمع وحدة
حياة . وابناؤه يشتركون في حياة واحدة . واي امتيـاز
للبعـض منهم يـؤدي الى خـلخـلة الوحـدةالاجتماعية. كما
ان اي تنافر بين ابناء المجتمع الواحد يؤدي الى التشرزم
المفتت المدمر المميت. لذلك كان المبـدأ الاصلاحي
الثالث الـذي يقــول بازالة الحواجز بين مختلف
الطوائف والمذاهب هو مبدأ من صميم مبدأ الاقتصاد
القومي الاجتماعي.
ان مبدأ الغاء الاقطاع يعني الغاء الاستبداد
والطغيان والظلم ، ويعني ايضا مكافحة الخوف
والجبن والذل . وعندما تسقـط روحية الاستبداد وروحية
الجبن في ابناء الامة تبدأ الحياة الجديدة الجيدة العزيزة
ليستقيم قول المعلم سعاده : " ان الحياة هي وقفة عز فقط
."
ان وقفة العـز لا تكون فـقـط في مواجهة الموت ، بل تكون
قبل ذلك وفوق ذلك في اختيار الحياة العزيزة وممارســة
الحياة العزيزة حتى ولـو أدت الى مواجهة الموت
والاستشهاد.
هكذا تـتضح لنا بجلاء غاية الهجومية الثورية في
مبدأ الغاء الاقطاع التي هي العــدالـة
الاقـتصاديـة – الحـقـوقية والتي لا تـنفـصل ابدا
عن العـدالة الاجـتماعيـة – الحـقـوقـيـة . لأن في
العـدالة الاجـتـماعـية – الاقـتصادية – الحـقـوقـيـة
يكمن ويتجلى مـبـدأ العــز القــومي الاجـتـماعي
والرفـاهـيـة الـقــومـيـة الاجـتـمـاعـيـة.
وليكن معلـوما انه بـدون ازالة جميع الحــواجز بين
ابناء الامة ، وبدون القـضاء على حالة البـؤس والحيف
وجميع المفاهيم المرضية الماديـة والنفسـية ،
وبـدون الهـوية الجامعـة لأبناء الامـة ، وبـدون
ممارســة حياة العـز القـومي ،لايمكن ان يكـون لنا
اقتصاد سليم ، ولا يمكن فهم نظرية النظام الاقتصادي
القومي الاجتماعي وتحقيقه في حياتنا العملية.
لقـد كانت ثـورة سـعاده واضحة ، بمبدأ الغاء الاقطاع، على
عيشة العبودية الزرية التي يعـيشها ابناء امتنا من
المزارعين تحت سيطـرة الاقطاعيين ، وهدفه كان دائما
هو ازالة الحيف عنهم وتصفية وتغيـيـر حالة الرق
هـذه التي تشمل الالوف والالوف من الفلاحين، وتحرير
الاقطاعيين من روحية الاستعلاء واستعباد اخوانهم ابناء
أمتهم.
2ـ تنظيم الاقتصاد القومي
قال سعاده في محاضرته الثامنة التي تناول فيها شرح
المبدأ الاقتصادي القومي الاجتماعي : " نحن نعتقد ان
النظام السياسي الذي نحيا فيه ليس نظاما قوميا
بالمعنى الصحيح . وان درسا اقتصاديا صحيحا من الوجهة
القومية على اساس نظام سياسي لاقومي صحيح، هو درس
عـقيم لايمكن ان يعطي نتائج صحيحة " لذلك فان الارتباط
وثيق بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي .
فالنظام السياسي القائم على النظرة الفردية للإنسـان قد
يـصـلح في مطلق الحالات لقيام تنظيم اقتصادي فردي او
عائلي او قبلي اوفئوي او طائفي او مجمـوع اكثري او اقلي
. لكنه ابدا لايمكن ان يصلح اساسا لقيام تنظيم اقتصادي
قومي . وقد كان واضحا سعاده ومصيبا حين قال : ان
الاقتصاد كموضوع لأمـــة وشـعـب ، لايـمكن ان
يـنظـر اليه الا بالمنظار القـومي ، الا بمنظار المجتمع
الموحد ـ الأمة . أي بوجـوب توفـر النظام السياسي
القومي الذي يقوم على اساس النظرة المجتمعية للإنسان .
وعندما نقـول بالنظـرة المجتمعية ، فانـنا نقـول بحقيقة
لا لبس فيها ولا تشـويش . لأن النظام السياسي
المنبثـق عن النظـرة القـومية الاجتماعية هو نظام
قومي اجتماعي . نظام يقوم على وحدة المجتمع ـ الامة
ويهــدف الى تحقيق خيـر الامة ورفاهيتها ، وان النظام
الاقـتصادي في هذه الحالة هو نظام قائم على اساس وحـدة
المجتمع . وليس نظاما اقتصاديا فرديا او عائليا
اوفئويا مجزئا وحـدة المجتمع في الداخل ، ولا هــو
نظـام اقتصادي تحالفي بين عـدد من الشعـوب والدول
أو عالمي على الصعيد الخارجي .انه نظام اقتصادي قـومي
يشمل القـوم كلهم في وطنهم . يشمل المجتمع بكـليته
الـذي لـه دورته الاجتماعية الاقتصادية الحياتية
التامـة . اي ان قاعـدته وحـدة المجـتمع ، ونطاقه دورة
الحياة على كامـل ارض الـوطن ، وغايـته مصلحة المجـتمع
التام التي هي الاعلى والاهـم والتي تـشمل جـميع
المصالح الاخرى من فردية وعائلية وقـروية
وفئـوية واقلية واكثـرية ... كما انها في الـوقـت
نفســه مصلحة متــناغـمة مع مصـالح المجـتـمعات
الاخـرى التي لا تــتطاول ولا تعـتـدي على مصالح
غيـرها من المجـتمعـات ، ولا تـقبل اعتـداء
المجـتمعـات الاخرى عليها . ورسالتها الانسانية هي
رسالة التعاون مع غيرها من الأمم افـادة واستـفادة .
عـطـاء واخـذا ً . لتوطيد العـلاقـات الـدولية
وتحسينها وترقـيتها للوصول الى طـور عالمي انساني تمدني
يكون محطة متقدمة للإطلال على حيــاة انسانية افضل.
ان النظـام الســياسي القائـم على النـظـرة الفـرديـة
لا يصـلح بالمـطـلـق لقـيام نظــام اقتصادي قومي
اجتماعي . لقـد صلح ويصلح لقيام انظمة اقـتصادية
رأسماليـة فـرديـة واقـطاعيـة وشـركاتيـة
واشـتـراكـيـة عـنـدما تحـل الـدولة مكان الفـرد
الرأسمالي او الاقطاعي او الشركة . والنـزاع القائم
حاليا هـو بيـن رأسمالية شــركة الـدولة
الاشـتـراكـية ورأسمالية الشركات المـتعـددة
الجنسيات التي باتت تحكم سيطرتها على الدول وخاصة
الدول الضعـيفة الفـقيـرة . لقد حلت اقطاعية الـدول
الاستعمارية محل الاقطاعية الفردية.
وما دامت الفلسفة الفردية هي المسيطـرة في العالم، فان
نشـــوء النظام القومي الاجتماعي هـو بعـيـد التحقيق
. لأن الفلسـفة الفرديـة لا تؤدي الا الى نظـام سـياسي
فـردي ونظــام اقــتـصادي فـردي،يسيـطـر فـيه الأفـراد
الراســـماليـون الفـرديـون في داخـل المـجـتـمـع او
عصـابـة الرســماليــيـن الفــرديــيـن الـذيـن
يســيـطــرون على ســلطـات الــدولة ، او شـــركات
الــدول الرأســمالية الاسـتعـمارية القائمة على اسـاس
الفلسـفـة الفـردية الانانية.
اما ما يسمى بالـدول الضعـيـفـة الفـقيـرة فانها ليسـت
الا فـروع ومكاتـب لشــركات اقـتـصادية احـتكارية
اقـطاعـية طـبقـية اســتـبـدادية تســلطـية .
ونـظـرية ســعاده القـومـية الاجـتماعـية في الاقـتـصاد
هي مفـهـوم تحـرير الناس في كـل الامـم من
السـيـطـرة البغـيـضة المشحـونـة بالاطـماع وحـب التسـلـط
الذي جعـل الكـثيـريـن من الناس في كـل
المـجــتـمعـات يـرزحـون تحـت نيـر البـطـالـة ،
ويعـيشـون عـيشــة الـرق والعـبـوديـة في مـزارع
ومـصانـع ومكاتـب ومـتاجـر وبـيـوت المـتسلطيـن على
الثـروات القومية والمـوارد الطـبـيـعـيـة والرساميـل
والآلات الصناعية لمنافـعـهم الفـئـوية والشـخصية ،
وليس لمصلحة المجـتـمع القـومية . وقد سـخـروا
اجهـزة الـدول المـتسلـطيـن عليها بدساتيـرها
وقوانينها وقضاتها وجـيـوشــها واجهـزتها المالية
والامنية والمخابـراتية لتسكت كل صوت حـر ، وتقمع
كل حـركة اصلاحيـة تحـاول اصلاح او تـغيـيـر انـظـمة
الفســاد الفئـويـة بايجاد نظام قـومي اجـتماعي
هـدفـه تحسين مستـوى جميع ابناء المجتمع.
3
ـ تنظيم الاقتصاد القومي على اساس الانتاج
لا يكفي بان يكـون الاقـتـصاد قـوميا لكي تعـم البحبـوحة
والرفاهـية في المجـتـمع . فالقـلة او الفـقـر القـومي
لا يحـل مشـاكل الناس بل يزيد الناس فــقــراً وعـوزا
وتأخـرا ، ويجعلهم عبـيـدا ارقــاء للميسورين.
ان الاقـتصاد القـومي السليـم هـو الاقـتصاد القـومي
الاجـتماعي القائـم على أساس الانتاج ، والعمل الانـتاجي .
وكل اقـتصاد لايقـوم على اساس الانتاج هو اقتصاد فاسد
وباطل يقـول ســعاده في شرحه للمبدأ الاقـتصادي : "
الانتاج هـو الاسـاس الهام للاقـتصاد القـومي . وبـدون
الانتاج لا يمكننا مطلقا التفكيـر برفاهية الشعب. اذا
كانت الثـروة قليلة والناس كثـر لم يـفـد الناس
كثيـرا توزيع كمية قليلة عليـهم ، بالكاد تسـد
رمـقهم. فالانتاج هـو المفتاح للقضية الاقتصادية كلها "
وحيـن وجه سعاده نداءه الشهـيـر في الاول من أيـار
للأمة السـورية
بـدأه بقـوله:
"أيها العمال والفلاحون السوريون
يا أصحاب الفنون والحرف
أيها المنتجون علما ً وفكرا ً وصناعة ً وغلالا ً
أنتم أوردة الحياة وشرايين القوة في جسد الأمة السورية
الحيّ .
أنتم الأمة خلقا ً وانتاجا ً وتشيـيـدا . "
ماذ يمكن ان نفهم من هذا الكلام ؟وماذا يمكن ان نستـنتج؟
لقـد اعلن سعاده منـذ تلك اللحظة وبهـذا الكلام الـواضح
البليغ نهاية عصر مفاهيم النظام السياسي القائم على اساس
الفلسفة الفردية التي هي فـلسفة الانسان ـ الفـرد،وبـداية
عـصر مفـهـوم نظام سـياسي جـديـد يقـوم على اسـاس
فلسفة قومية اجتماعية هي فلسفة الانسان ـ المجتمع . ومع
بزوغ هذه الفلسفة الجديدة ، انتهى عصر مفاهيم الاقتصاد
السابقة من رأسمالية واشتراكية وشيوعية، وبـدأ عصر
مفهـوم الاقتصاد المجـتمعي. اقـتـصاد مجتمع ـ الأمة .
أمـة العامليـن لا الخامليـن . أمة المنتجيـن لا
المتسـوليـن .أمةالواقعيـيـن المعتمديـن على أنفسهـم لا
المقـامـرين المراهنين الحالمين .أمة المبـدعيـن لا
المعتـوهيـن . أمة البنائيـن لا المخربيـن انه
اقــتـصـاد الانسان ـ المجتمع الواعي القوي المنتج
المبدع .
والانتاج كما فهمه سعاده انواع وليس نوعا واحدا . واهم
انواع الانتاج الذي تقول به فلسفة الانسان ـ المجتمع
الجديدة في
ميادينه المتعـددة والمتنوعة
هي التالية :
*ـ ميدان الانتاج المعرفي
*ـ ميدان الانتاج العلمي
*ـ ميدان الانتاج الفكري
*ـ ميدان الانتاج الفني
* ميدان الانتاج الزراعي
*ـ ميدان الانتاج الصناعي
*- ميدان الانتاج التجاري
* - ميدان الانتاج الاستكشافي
( أ ) ميدان الانتاج المعرفي
يقـول سعاده : " المجتمع معرفة والمعرفة قوة " فاذا
فُقدت المعرفة انعدمت القـوة . وبانعـدام القـوة يحل
الضعـف . ونصيـب الضعـفاء في الحياة هـو الفقـر
والعـوز والشـقاء . لـذلك فان الانتاج المعـرفي يبقى في
طليعـة انـواع الانـتاج الـذي يحـرر المجـتـمع من الجهـل
والتـخلف، ويحميه من البؤس والمذلة . لكن المعـرفة التي
قصدها سـعاده ليست اية معرفة ، بل هي معرفة ما يفيد
المجتمع ويرفع من مستواه ومعرفة ما يضر المجتمع وما
يحط من شأنه. فيعزز معـرفة المفيـد ويطـورها ويحسنها .
ويصون نفسه من المضر ويتجنبه ويحاربه.
وأهـم معرفـة في الحياة هي ان يعي المجتمع نفسه:وجوده
،حياته، مصيره ، امكانياته ،حاجاته ، مطامحه ، دوره في
الحياة ، مكانته بين الأمـم ، مثله العليا ورسالته في
هذا الـوجود. فاذا تحـقـقـت له هـذه المعرفة ، فـقـد بدأ
الخطوة الاولى في الانتاج السليم المفيد.
لذلك بـدأ سعاده حركته بالسؤال الفلسفي الخطير : " من نحن
؟ "
ولم يكن الســؤال من أجل الســؤال ، بل كان
الســؤال من اجل تحقيق أول انـتاج معـرفي . وكان
الجـواب على الــسوءال هـو الانـتاج الاول الذي هو
نظام إجتماعي سياسي قومي اجتماعي مناقبي اخلاقي
جديد . انبثق عنه النظام الاقتصادي القـومي
الاجــتماعي القائم على اســاس الانتاج ، والهادف الى
تحقيق العدل الاجتماعي السـياسي الاقـتـصادي الحـقـوقي
.ان المعـرفة هي مفتاح الانتاج والدخول
الى اقتصاد قوي . والمعرفة التي نعني ليست معلومات
ولا هي تراكم معلومات وخبريات ومرويات وقصص على ما
في هذه الامور من الفوائد والمنافع . انها المعرفة
الفاضلة التي هي الوعي الفاضل الذي ينمو باستمرار من
جهة وتـنمـو مناقبـيته واخلاقـه باطـراد من جهة
ثانية بحسب نمـو الانسان وتطوره وتقدمه ورقيه .
الانسان ـ المجتمع ـ الامة المتعاقب جيلا بعد جيل،
والمتوسع وعيه طـورا بعد طـور، ومستوى بعـد مستـوى.
ولما كان المجـتمـع ـ الامـة هـو افـراده في دورة حياتهم
الذيـن هم امكانياته الاجتماعية وفعالياته
الحياتية المتعاقبة والمتنامية ، فقد كان واجب كل
فـرد مـؤهل من ابناء المجتمع ان يكـون منتجا في الحقـل
المعرفي الذي يـزيـد الامـة غنى ومنعـة وحضارة ،
ويجعـل ابناءها اكثر تقدما ورقيا . فالتـفـوق الحقيقي
هـو التـفـوق في الـوعيّ السليـم والمعـرفـة الفاضلـة
وممارسة كل ما هو صالح ويساعد على حياة افضل .
(ب ) ميدان الانتاج العلمي
والى جانب الانتاج المعـرفي فان العلم ايضا هـو انتاج
.وهـو ثروة تصغـر امامها ثروات كثيرة . والمجتمع الذي
يتخلف في انتاجه العلمي هو مجتمع متخلف فقير يعيش على
التسول . والتسول لا يبني وطنا ولا يسـعـد أمـة .
ان العلم المقصود هو العلم النافع للإنسان ـ المجتمع
،
وليس العلم المؤذي ولا العلم الـذي لا يـفـيـد . لذلك
قال سعاده : " العلم الذي لا يفيد كالجهـل الـذي لا
يضر. " انه العلم النظـري والاخـتباري الـذي
يُـسـَهـِّـل الصعوبات امام ابناء الامة ، ويكتـشف
النـواميس الطبـيعية ، ويـرسم الخطـط الـراقية من
اجـل مستـقـبـل سعيـد ، ويطور وسائل الانتاج وادواته
وآلاته ، وينمي الثـروة القـومية ، ويخلق الظـروف
المساعـدة على تحسيـن الانـتاج في حقـول الانتاج
الاخـرى ، ويحـد من المعـرقلات التي تـربك مسيرة المجتمع
ويساعد على بلوغ ارقى المستـويات لمصلحة الكل .
مصلحة العـموم التي هي مصلحة الجيل الحاضر والاجيال
الآتية التي هي ترجمة للمثل المعروف والمشهور:" زرعوا
فأكلنا ونزرع فيأكلون"فالعلم غنى والجهل فـقـر . فمن
اكتفى بجهله فـقـد خاب وافتقـر وتقهقر . ومن سعى بعلمه
فقد فاز واغتنى وتقدم .
بالعلم كل الانتاجات الاخرى الضعيفة تتطور وتتحسن و
تقوى . وبالجهل كـل الانتاجات القـوية تـتراجع وتسوء
وتضعـف . وهنا تبرز قيمة العلماء وطلبة العلم ، وتكبـر
مسؤوليتهم التي تـرتب عليهـم واجب انتاج العلـوم
النافعة المحققة مصلحة الامة في الاستقرار والنموّ
والازدهار.
(
ج ) ميدان الانـتاج الفـكـري
ولا يقـل الانتاج الفكـري اهمية عن الانـتاج المعـرفي
والانـتاج العـلمي بل ان جميع انواع الانتاج تتكامل
وتكمل بعضها بعضا ًفي دورة انسـجامية تناغمية كاملة
تـتـواصل وتـتصل بكل حاجات الانســـان المادية
والنفـسية والروحية بشكل لا انفصال ولا انفصام فيه .
ومخطيء من يظن او يـتـوهم ان الانتاج الاقتصادي يتوقف
فقط على الجانب المادي وحــده . لأن الانسـان لا
يعيش وينمو ويتطور كأنسان بالطعام والشراب والكساء
والهواء فـقـط ،بـل لا غـنى له عن المعـرفة والعلم
والفكـر وكـل القـوى الروحيـةوالنـفسية وانتاجاتها حاجية ً
كانت ام ضرورية ًام حتمية ً لنمو ومناعة ورقي المجتمع
ماديا وروحيا . والاصح ان نقـول مـدرحـيا دون
ثـنائية او تجزيء . واهم انـتاج يستـقـر عليه الفكـر
الراقي ويطمئن اليه الشعــور السليم هـو محبـة
الحـقـيـقـة الاسـاسـية لتحقيـق عالم افضل ، وممارسة
المعـرفة الفاضلة لتـحـصيـن ذلك العالـم ، وابـراز اجـمـل
ما يتـوصل اليه العـقـل من افـكــار ،والتعـبـيـر عن
الطـف ما يعـتـمل في المشاعـر من احساسات وعـواطـف.
ومسـؤولية هـذا الانـتاج العـظيم الفكـري من فلسـفة وادب
وتشريع وغـيـر ذلك ، تـقـع في الـدرجة الاولى على
المفكـرين المؤهليـن المـوهـوبـيـن من ابناء الامـة
الـذين يستـطـيعـون ان يستـلهمـوا افكـارهـم من روح
الامـة، ويستـمـدوا روح نهـضتهم من تـراثها ومواهبها
وعطاءاتهـا وتاريخهـا المليء بالانجـازات والابـداعات.
وفي هـذا الانـتاج الفـكـري يتألـق تراث الامـة، وتـفيض
ثـروتها ، ويـزداد غـناها جـمالا ً وخيـرا ً. وينعـكس
ذلك على اقـتـصادها فـيتحسن ويـرتـقي نوعا ، ويـرتـفع
قيمة ، ويزداد كمية ً ويلبي حاجات المجتمع ، ويلبي كل
ضروريات ابنائه ، وكـل ما يساعدهـم على التحسن والجودة
والاتقان والرفاه.
( د ) ميدان الانتاج الفني
يقول سـعاده : " ان العـظـمة التي تـقـف عـنـد حـد ليست
عظمة حقيقية ." والنفسية العـظيمة ليس لانتاجها حـدود، ولا
تقـف عند مستوى معـيـّن من مستويات الانتاج. انها نفسية
مبدعة، ودرجات الابداع لا تنتهي.
ومجالات الفـنون ومستوياتها بالنسبة للنفسية العـظـيمة
تـتســع وتـرتـقي باســتـمـرار . وكما يكون الفن نتاج
النـفســية الراقية ، فانه ايضا يحـرك عوامل النفسية،
ويطلق روح التجدد والتجديد في الأمة ، فترتقي اساليـب
حياتها ، وتـتـنـوع مجالات انـتاجها ، وتـتسـامى
مستـويات تفكيرها ، وتمتـد وتـتســع آفـاق نظـرها .
فيـتـوفـر للأمة فـن راقي قـال عـنه ســعاده بأنـه :
"يـوحـِّد العـواطـف ويـجـمعـها حـول مطـلب أعلى حتى تـصبح
ولها ايـمان اجتماعي واحد قائم على المحبة ، المحبة التي
اذا وجدت في نـفـوس شعـب بكامله أوجدت في وســطه
تعـاونا ً مخلـصا ً ، وتعاطـفا ً جميلا ً يملأ الحـياة
آمـالا ً ونشاطا ً.
"
وحيـن تمـتـليء حياة الأمة بالآمال والنشــاط يحصل
لها الانتاج الكـبـيـر وتـتـوفـرلها الثــروة الـوافـرة
، المادية منها والروحية . والفن لا يتوقف فـقـط على
حـقـول معـينة دون سواها كالشعر والرسم والنحت
والتصوير والغـناء والـرقـص والمـوسيقى والتمثيل والكتابة
والخطابة وغيرها من الفـنـون المعـروفة او الممكن
التـوصل الى خلقها او اكتشافها ومعرفـتها ،بـل يتـصل
بكل نـوع من انـوع الانـتاج، ويشــكـِّل روح التجـدد
فيه التي لا تـقـبل بالجمود، ولا ترضى بالركون الى
واقع الحال الساكن او المفعول.
انـه الروح المحركة في كـل
حقـل من حقـول الانتاج لتحقيق الافـضل مـن النتاج
ســواء كان روحيا كـنـتاج المعـرفة والعلم والفكـر
والفن والتشريع والتـخـطيط . أو كان ماديا كنتاج الـزراعة
والتـربية الحيوانية والصناعـة والتجارة .
واننا نستطيع الجزم بثقة ان كل
انتاج لا يكون الفن او الروح الفنية عاملا محـرّكا ً فيه
هو انتاج سكوني مكتوب له الجمود، ولا يصلح للحياة
الناميـة المتطورة الراقية .
ان الانـتاج الفني هـو نـتاج نـفسية
راقـية ناهضة مبـدعة متفـوقة ثائـرة تـرفـض الجـمـود
والخـمـول وتـطمح الى ما هـو ارقى وابقى وأكثـر نفعا ً
للإنسـان ، وأدوم تقدما ً وتساميا ً لأجياله الآتية.
( هـ ) ميدان الانتاج الزراعي
ان الانسان العصري المتمدن كما اشار اليه سعاده في مـؤلفه
العلمي نشـوء الامم هـو : " نتيجة أو حاصل الثقافات
المتـوالية على الانسان التي ولـّـدها التفاعل المستمر
بين الانسان وبيئته ." من نتائج هـذا التفاعل بين
الانسان والبـيئة كان حصـول الانتاج
الـزراعي الــذي استـوجب
الســعيّ وراء الــرزق ، والاعـتـماد على الـذات
للحـصـول على الغــذاء وســـد الحاجـة واستصلاح
الارض وزراعتها حبوبا ً واشجارا ً مثمرة.
فالـزراعة هي الميـدان الانتاجي الاول
الذي لا يمكن الإستغـناء عنه للأمـة التي تـريـد ان
تـعـيـش بكرامة وبحبوحة " وويل لأمة تأكل مما لا تـزرع
، وتشرب مما لاتعصر وتلبس مما لاتنسج. " كما قال جبران
خليل جبران.
لقد عرف الانسان الـزراعة منذ القدم ، وما زالت
الـزراعـة حتى هـذا العـصر ، وســوف تستـمـر مـع
الانســان الى ما لانهـايـة لأنهـا العنصر الاساسي
من عناصر الاقتصاد . ولا يمكن ان يحل محلها أي عنصر
آخـر مهما تطـورت الحياة ، ومهما طرأ عليها من
المتغيرات .
ان التفاعل بـين الانسان والارض هو تفاعل ازلي
ابـدي ، وهو عماد الحياة فاذا توقف هذا التفاعل انتهت
مسيرة الحياة الانسانية . فلا كيان للإنسان إلا على
الارض . ولا قيمة انسانية للأرض إلا بوجود الانسان .
وقـد تطـورت الـزراعة كثيـرا بتطـور الانسان ونمـوه
وتقـدمه من زراعة المعـزق الى زراعة المحـراث
فـزراعـة البسـتـان حتى زراعـة المحاصيـل الكبـيـرة
وانشاء الصناعات الضخـمة القائمة
على الـزراعة . وسوف يستمر التطور الزراعي ما دام
الانسان يتطور . وترتقي وســائل الزراعة وأساليبها
وآلات زراعـتـها وحصادها وتصنيعها وتحسين مواسمها
ونوعياتها ما دام الانسان يـرتـقي ويتـقـدم . ولكن
الـزراعة لا تصيـر مـوردا قوميا اجتماعيا للأمة
بتمامها وكمالها إلا بتحـقيق قـضيـة الأمـة ،
وخـدمـة مصلحتها العليا التي تـشـمـل ملايـيـن
الملايـيـن من الناس الـذيـن هـم الأمـة والأمـة هـم .
ان الانتاج الزراعي الذي عـناه المبـدأ الاصلاحي القـومي
الاجتماعي هو انـتاج زراعة الأمة كـل الأمة .ولخدمة
مصالح الأمة كـل الأمة . ولرفاهية الأمـة وازدهارها
كلها . فلا يسيطـر عليه اقطاعي ، أو راســمالي فردي
أو شــركة خصوصية ، أو محتـل استعـماري حتى ولا
رجال الحكومة . لأن تفويض الأمة الوحيد لدولتها او
حكومتها هي أن تكون الدولة دولة رعاية مصالح الشعب
كل الشعب في جيله الحاضر وأجياله الآتية ، فضلا عن
الاعتناء بكل تـراث الشـعب التاريخي و الحضاري . وكذلك
ايـضا فان التفويض الوحيد للحكومة ان تكون مؤتمنة
وساهرة على اعداد وتحسين وصيانة وحماية مشاريع زراعة
ألأمة . والاهتمام بتحسين مستوى حياة الفلاحين العاملين
في جميع حقـول الزراعة ، والذين يشكلون القـوى الأهـم
التي تـنـتج غذاء الأمة طعاما ً وشرابا.
وبما ان العلاقة متينة بين الـزراعة
وتـدجين الحيـوانات وتربـيتها للحصول على الغـذاء اللحمي
وعلى ما يمكن استخراجه والحصول عليه من الحيـوان كالحليـب
وألألبان والأجبان والمواد الدهنية والـزبد والبيض ،
فان تربـية الحيــوانات والطيـور والأسماك هي عـمل
انـتاجي هـام يجـب الاهـتمام بـه ورعايته
والاعتـناء بـه وتسهيـل كـل الوسائـل التي تساعـد
على تقـويـته وتعـزيزه، و توفيـر كل الضروريات
والحاجات التي تجعل منه ثروة غذائية قـومية اجتماعية
تلبي حاجة أبناء ألأمة ، ولا تضطـرهم الى استـيـراد
هـذه المواد الغذائية من الخارج.
( و ) ميدان الإنتاج الصناعي
ان التطور الاجتماعي الذي حدث بعد اختراع الحروف الهجائية
التي أدت الى تفـوق القـوى العقلية في الانسان كان
تمهيـدا لظهورثـورة صناعية هائـلة وطـور جـديـد هو طـور
الآلة التي حلت مكان الكثير من العمال ،وجعلت الانتاج
يـزداد بشكل كبيـر.ويوفر الجهد والوقت لليد العاملة
المنتجة .
فتـفـوق القـوى العـقـلية في الانسان على القـوى
الغريزية أدى الى تفتح المـواهب الانسانية الابـداعية
التي اختـرعت المحرك والآلة بعد ان كان يعتمد على
المعـزق والمحراث والأدوات البسيطة والعضلات .
وباختراع المحـرك والآلات اصبحت سيطـرة الانسان على
العـوامـل الطبيعية وعلى البيئة أكبر وأقوى ، فكانت
الثورة الصناعية فاتحة لعصر جديد ، ودرجة جـديـدة في
حـركة التـقـدم البشـري ، حـيـث قامـت المعـامـل
والمصانـع والصناعات الكبيرة التي جمعت مئات بل آلاف
العمال في شتى الصناعات ، فنشــأ عن ذلك نظام جـديـد
هـو النظام الـرأسمالي الفـردي الذي سـخـَّر
ويُـسخـَِر العـمال لمصالح خصـوصيـة وفـرديـة أو
لمصالح اجـنبـيـة استعمارية . وبدلا ً من ان تكون
الآلة محررة للناس ومطلقة لقـواهـم العقلية
والابداعية غدت بفضل سوء النظام وسيلة استعباد ،
وآلة قهـر لعشرات الملايين من العمال المنتجين ولذلك
فان النظام القومي الاجتماعي جاء ليضع حدا للنظام السيء
الذي يتحكم بالعملية الانتاجية الصناعية ، ويضع
الامـور في
موضعها
الصحيح باعتبار ان الانـتاج الصناعي هـو انـتاج عام،
اشترك في تحقيقه جميع ابناء المجتمع، وقام على اساس
تعاونهم وبفعل جهودهم جميعا ، ولا يجوز أو يحق ان يستأثر
به إقطاعيون أو رأسماليون أو فئويون أو إنتهازيون أو
شركات أو موظفون يعملون لحساب أفراد من المجتمع أو من
خارج المجتمع.
يقول سعاده في شرحه للمبدأ الاقتصادي
في المحاضرات العشر :
"إن الأمة التي تبقى في حالة زراعية محض تبقى حتما ً
مستعبدة للأمة التي هي منظمة صناعـيا ً تنظيما ً عاليا ً
يمكنها من احداث الآلات الصناعية والحربية لإخضاع أي
شعب لا يخضع لأحكامها الإستبدادية .
"
وبناء على ما تقدم فان سعاده يقول :
" إننا نرى أنه لا بد للـدولة القومية المقبلة من أن تسيـر
في إيجاد حالة صناعية في هـذه البلاد تـُخرج الأمة من
حالة الرق للنظام الرسمالي القائم على الصناعة الكبرى
في الأمم الكبيرة المتقدمة ."
لكل ما تـقـدم فانه لا غنى للأمة ابـدا ، ولا بـد لها من
انشاءصناعة لها تـنهـض بالبلاد ، وتـلبي حاجة ابناء
الأمـة من الصناعات التي تستـطـيـع انتاجها الأمة،
بدلا ً من استيرادها من الخارج . وهذا لا يعني الانعزال عن
الخـارج ، بـل يـعـني ان على الأمـة ان تعـتمدعلى نفسها في
ما تستـطيـع انـتاجه وتصـديـره ، ولا تستـورد الا ما لا
طاقة لها على انتاجه ، او ما يكـلفها باهـظا ً .
وبهـذا تكـون قـد حمت نفسها وصناعـتها من سيطـرة
الدول الأخرى , وقامت بما عليها من تقوية وتحسين
انتاجها دون انعزال.
ان الأمم التي تـريد ان تـنهض لا بـد لهـا من ايجـاد
صناعات تساعدها على التقدم والرقي ، وتجعلها جديرة
باحتـرام نفسها واحترام الأمم الاخرى لها.
( ز ) ميدان الانتاج التجاري
ان التجارة كانت ولا زالت من اهم العوامل المساعدة على
تقوية الانتاج في المجتمع، وعلى توطيد دعائم النموّ
الاقتصادي ، وتسهيل عمليات التبادل الخارجي
والداخلي وكذلك تحسين العلاقات بين ابناء المجتمع في
الداخل وبين الشعوب في الخارج . ولذلك فان العامل
التجاري له علاقة وثيقة وفاعلة في جـميع مياديـن
وحقول الانتاج المتعددة . وبقدر ما تكون التجارة
تجارة ً راقية وتقوم على قواعد وأسس راقية تلبي
حاجات المواطنين ، وتخدم مصالح الأمة دون ان تضر
بصالح الأمم الأخرى , فانها تكون عاملاً مهما ً في
ترقية الاقتصاد القومي الاجتماعي وكذلك ايضا ً عاملا
قويا ً ومهما في التقريب والتـوازن بـيـن مصالح
الشـعـوب المحبة للحـضارة والمـدنـيـة والــرقي.
أما اذا كانت التجارة لا تقوم على
الأسس السليمة المشار اليه ، بل تقــوم على اســـس
ومباديء فـرديـة وفـئـويـة واحـتـكاريـة ولصوصية
يـمارسها لصـوص ومحـتـكـرو ثـروة المجـتمع مـن ابناء
المجـتمع. ولصـوص ومستـعـبـدو الشــعوب ومغتصبو
ثرواتها من الأمم الأخـرى، فإن الحالة تختلف كثيـرا ً ،
والأمور تســوء وتـتعـقـد بـين المواطنين في داخـل
المجتـمع وكـذلك تــضطرب العلاقـات بـين الأمم ،
وتـتناقض مصالحها ، وتســوء وتـتـدهور علاقاتها فـيما
بينها ، وتـنفجـر الحروب والمآسي . فـتكـون
التـجـارة في هـذه الحالة وســيـلة استـغـلال وظـلم
تـؤدي الى انحطاط مجتمعات كثـيـرة ، وسيطـرة مجـتـمـعات
استبـداديـة قـليلة أخـرى مولـدة الكـراهـية
والبغـضاء في المجـتمع الـواحد وبين المجتمعات
المتعـددة.
ان التجارة في مفهومها القـومي
الاجتماعي هي كما عبر عنها سعاده :
"علم وفن التعامل مع الناس." وهذا العلم الفـني او الفن
العلمي يجـب ان يكون لمصلحة الكل في الـداخل ، ولمصلحة
الـكل في الخـارج ايضا ً.أي لسد حاجات المواطنين عامة ً
في داخل المجتمع ولتأمين مصالح المجتمعات وتوازنها في
علاقاتها فيما بينها. فلا يكون أناس في الأرض وأناس
في السماء . ولاتكون أمم في النعيم وأمم في الجحيم.
ان النظام القومي الاجتماعي يقوم على قاعدتي الحق والعدل .
الحق والعدل في جميع ميادين الانتاج . والحق والعدل في
جـميع مستـويات التـوزيع بشكل لا يُقهـر فيه أحـد ،
ولا يُظلم فيه شعب بل هـو الاحترام الكامل لكل مواطن في
المجتمع . واحترام كامل لحقوق كل شعب . انه نظـام
الاحتـرام المتـبادل . ونظـام العلاقات الـراقية .
ونظـام وضع أسـس النظـام العالمي الجـديـد الـذي
يعـمـل لتـرسـيخه
وتعـزيـزه الإنسـان ـ المجتمع .الانسان الناهـض إنسان ـ
النهضة الـذي تسـعى الى تحـقـيـقـه الحـركة
السـوريـة القـومية الاجتـماعية ،والذي بشـرت بـه
مـدرستها الفكرية الرائـدة ولا تـزال تعـمل بجـد
واجـتهاد واخلاص في نشـر الـوعي الجـديـد والمفاهيم
الجـديـدة : مفاهيم النظـرة القـومية الاجتماعية
الى الحياة والكون والفن في رســالة ســامية .
رسالة الانسان ـ المجتمع الى جـميـع بني البشر في جميع
الأمم .
هذه الرسالة هي رسالة احترام مصالح الأمم ومطامحها في
العـيش الرغـيد، وليس تـهـيـيج المطامع ، وإثارة عوامل
الجشـع وفـواحش الظـلم والاحتكار المدمرة للعلاقات
الانسانية السليمة .
وكما تـتضح ثـورية النظام الاقـتصادي القومي
الاجـتماعي على الصعـيـد الداخلي في التصدي لنظام
الاقطاع والسعي لالغائه، فان النظـام القـومي الاجتماعي
الاقتصادي يتصدى بقوة لنظام الرق الأممي المسيـطـر في
هــذا العصر . فبعد ان انتهى عهد العبـودية الفـردية
وتجارة العبـيـد واحـتـقـار واستعباد الناس وتسخيرهم
وبيـعهم في اسواق النخاسة ، أطـل عـلينا هـذا العصر بما هو
أسوأ وأردأ وأحط وهو عصر استعباد الأمم والشعـوب بـدل
اسـتعباد الافراد . ان مبدأ حياة الأمم وتقدمها ورقيها
هو في غاية الأهـمية وفي مقـدمة المباديء التي يجـب
احتـرامها . وكما لم تعـط أيـة أمـة حـق الاعـتـداء على
غيـرها . فإنه لم يـكتـب على أمة أبدا ً أن تخضع
للإعـتـداء وأن تـقـبـل بالـذل والعـبـودية . بل عليها
كما أوضح سعادة " أن تـنظـر في مصالح حياتها بالنــسبة
لمصالح الأمـم الأخـرى ولمطالبها العليـا " لأن "
كل أمة لا تنظر في وحـدة مصالحها ، وتســمح لهـذه
المصالح بالتفـكـك والانـقسام بعضها عن بعـض في
تحـزبات طبـقية لا تعـاونية ، أمـة يأكـل بعضها بعضا
ً ، بـينما الأمـم الأخـرى تـنـتظر ضعفها لتـلتهـمها
جـملة. "
لقد أصبحت التجارة الخارجية في
هذه الأيام اهـم من الجيـوش العسكـرية في غزو الشعوب
واستعبادها والسيطرة عليها واستغلال خيراتها .
ولهذا فان نوع التجارة والاتجاه
التجاري في النظام الاقــتـصادي القـومي الاجـتمـاعي هـو
التجارة التي تقـوم على أسـاس الأخـوة القـوميـة
والعــدل الاجـتـماعي الحقـوقي وانـصـاف العامليـن
المنـتجـيـن في داخـل المجـتـمع ، وصيانـة مصالح الأمـة
المادية والنفسـية الاسـاسية والكبـرى المـؤثرة على
وجـودها وحياتها ومستقـبلها في علاقـاتها الخارجية مـع
غـيـرهـا من الأمم الأخرى.
(
ح ) ميدان الانتاج الاستكشافي
ان ميزة الانسان الواعي هي الرغبة في المعرفة وفي الاطلاع
على كل مـا هو مجهـول . فهو دائما محب للإستطلاع والمغامرة
وكشف الحجـاب عـن الاسـرار والألغـاز والاشياء
والمـوجودات التي لا تزال بعيدة عن معـارفـه .
وحـب الاستكشاف هـذا عندما يـتعـدى
الـرغبة الى الحـركة والفـعـل يـصبح مجهودا او جهدا
انسانيا . والجهد الانساني في المفهوم القومي الاجتماعي
الاقـتـصادي يجـب ان يكـون دائما عملا مثمـرا وجهـدا
مـنـتجا . فاكـتـشـاف واستكشاف مصادر الثـروة مـن مياه
ومعادن ومواد طاقة ونباتات غذائيـة وصحية وانـواع
حيـوانية مفيـدة للانسان وذرات اثيـرية ونـواميس
طبيعية للسيطـرة على قـوى الطبيعة وخـدمة الحياة
الانسانية وغير ذلك هي كلهـا تـدخل ضمن نطاق ومـيـدان
الانتاج الـذي يعـود على الاقـتصاد المجـتمـعي
بالبحبوحة والثروة والخير .
الخلاصة التي يمكن استنتاجها من
كل ماشرحناه هي ان النظام الاقتصادي القومي
الاجـتماعي الجديد هـو نظام لا يستـقـيم ولا يقــوم
إلا على اسـاس وحدة المجتمع وأولوية مصلحته في
النهـوض والتـقـدم والارتـقـاء ، والتي تشتمل على مصالح
جـميع ابناء جـيله الحالي ومصالح أجـياله الاتـية.
انه نظـام المجــتمع الـواحـد المـوحد التـام الناضج
الـذي يـرفـض
التمـزق الداخلي، ويرفض كل الانظمة التي تفتت الشعب
وتتقاسم الولاءات ، ويرفض ان يستعبـد بعـض أبنائه
اخـوانهم في القـومية والوطن ويستغلـون جهـودهم لمنافـع
خصوصية فـردية ، ولا يقـبـل أبـدا ً أن تخضع الأمة لغزو
أو احتلال أو وصاية أو انـتداب . انه نظام مجتمع حر وكل
أبنائه أحرار يشتركون في مـمارسة حـقـوقهم في العـمـل
والانـتاج . في الحـرية والتـقـدم . في الابـداع والرقي
. في الحياة العـزيزة الجـميلة . في حـياة حـرة .
ويـتـعـاونـون في انـتاج ما يســد حاجاتهم الماديـة
والنـفسـية ، ويـؤمـّن جـمـيـع مـصـالحـهـم الحيـويـة ،
ويـوفـر لهـم حيـاة كـريـمة في حاضرهـم واحـتـيـاطـا
ضـامـنـا لرفاههم في مستقبلهم .
كـل مـواطن يجـب أن يكــون عاملا ً ، وعليه أن
يكـون مـنـتجا ً بطـريقة من الطـرق . ومجـالات الانـتاج
كثيـرة . وعندما يكـون المواطنون أي أبناء الأمة
جميعـهم منتجـيـن يتحقـق بذلك المجتمع المنتج . مجتمع
المنـتجـيـن الـذي يـنعـم بخيـرات حاضره ، ولا
يخـاف من مـواجهـة مسـتـقـبـله . بـل يـتـقــدم بخطى
ثابتة ويرتقي من مستوى كريم الى مستوى أكرم . ولصـون
هـذه الحياة الكـريمة وحمايتها للأمـة السـورية
ولشقـيـقـاتها الأمـم العربـية الأخـرى ، فإن غاية
الحـركة السـورية القـومية الاجـتماعية أوجبت على
العاملين من أجل تحقيقها أن يهيؤا الأمة السورية لكي تعمل
بكل ما في وسعها من أجل قيام جبهة عربية واحدة تكون
ســدا منيعا في وجـه المطامع الاستعـمارية ، وقـوة
تستطيع ان تحمي مـوارد وثـروات العالم العـربي من
السـرقة والنهـب والعـدوان ، ويكون لها دورها الفعال في
تطوير وتحسيـن حيـاة الشعـوب العربـية على أسس
التفاهم والتعـاون ، والاحتـرام المتبادل والتكامل ،
والإلتزام بمهمات النهوض والتنمية ، وتطوير وتحسين
علاقــات الأخـوة لخيـر ورفاهية جـميع أبناء الشعـوب
العـربية وصيانة حقـوقهم في الاستقلال والحرية
والتقدم.
4 – إنـصـاف العـمـل
العمل
هو العنصر الأساس في قيام أي اقـتصاد مهما كان بـدائيا وهو
العامل الفعال الذي لا يقوم بدونه أي نوع من أنـواع
الاقـتصاد . إنه الجهـد الانساني المحقق للإنتاج ، ولا
انـتاج بدونه مهما كان بسيطا إلا ما تـنتجه الطبـيعـة
من نباتات وأثمار وطـرائـد حيـوانـية . والعـمـل هـذا هـو
الطاقـة الانسانية المبذولة في جميع حقول الانتاج
الـزراعية والصناعية والفكريـة والفنية والعلمية والمهنية
الحرفية والخدماتية .انه الجهـود الانسانيـة التي لا تنفصل
عن الانسان ، ولا تكون بدون الانسان . بل ان العمل هو
الانسـان نفسه المتفاعل مع بـيئـته والمنتج لـكـل
ثقافة منـذ كانت الحياة في بـدائـيـة الثقافة مرورا
بالأطوار الثقافية المتـعـددة والمختلفة وحتى أرقى ما
وصلـت اليه في عصرنا الحالي . والانسـان العـامـل هــو
الانسـان الحي القـادر على النمـوّ والاستمـرار والرقي
واكتشاف نـواميس الطبيعة وأســرار الوجــود والنـزول الى
أعماق ألأرض ، وارتياد آفـاق السماء بالمـواهب التي
زودتـه بها العناية المدبرة لهذا الكون .
هـذا الانسان العامـل المنـتج هـو
انسان اجتماعي ثـقـافي حضاري يعـيش في بـيئة يـؤثـر
فيها وتــؤثـر فيه ، ويحيا حياة جـماعية اجـتماعية وليس
حيـاة فـردية انعـزالية . انه انسان متحــد . انسـان بشــر
. انسان جماعـة . انسـان مجـتمع . انسـان تـاريخ .
انسـان حـضارة نشأت بـفعـل وفـضل الملايـين من الناس
الـذين اشـتـركوا في دورة حياة واحـدة ، وتضافـرت جهـودهم
جـميعا في انتاج ثقافة خاصة بهم و تعـبـر عـن خـصوصية
نـفسيـتهـم وعـقـلـيتهم ،وهـم يستمـرون في نمـوهم
الحـضاري بقـدر ما يتـمسكـون بمبـدأالتعـاون الذي يجب ان
يستمر فاعلا ً بينهم .
إن انصاف العـمل يعني انصاف العـمال
الـذيـن يقـومـون بالعـمـل والاشتـراك في الانتاج
ويتعاونون على توفيـر أكبر كميات ممكنة من الغلال
الزراعـية والأدوات والسلع الصناعية ، والمنتـوجات
الفكـرية والفــنية، والوسائـل المساعدة والمسهلة على
تحسين مستوى حياة الآمة وتقدمها وازدهـارها.
والعمال هم كل عامل يشارك في انتاج
ثروة الامة وبناء مجدها الذي خاطبته الحركة القومية
الاجتماعية في بـيان عمدة الاذاعة في أول أيار عام 1950
بالقـول : " أيا ً كان انـتاجـك، غـلالا ً أم صناعـة ، أم
فـكـرا ً ، وأينما كـنـت في الحقـل أم في المعـمل ، في
المـدرسـة أم في المكـتب ، في المـتجـر أم في
الوظـيـفـة ، فأنت أنت العامل المنـتج ... نتقـدم
لنقـول لك ، انك لم تعد ، بعد فعالية حركة نهضة الأمة
آلة حـيـّة لتأكل ويأكل الحقد في قلبك ؛لم تعد مجرد عدد –
على كميتـك وعلى مجهـودك الجسدي الجبار – يرتكـز
مستـثمـر مـن داخل نطاق وطنك ومن خارجه ، لم تعد ،
طبقة ، عليها ان تكد وتكدح لرفـاه طبقات أخرى تصارعها
وتنازعها اللقمة المجـبولة بعـرق جباهها وزنـودها
وأدمغتها ، لتتركها فريسة الخوف والوهم والفقر والأمراض .
لم تعد ، بعد شق حركتك الطريق ، عبدا يتحـرك تحت سياط
الأسياد وعبـيـد الأسياد . "
الى ان يقول : " إن خيرات أمتك لايجوز أن تكون إلا لك
ولبنيـك ولمن يأتي بعدك من أجيال ، واننا لن
نـتساهل في إبقاء هذه الخيـرات في يـد أيـة قــوة
خارجة عن مصلحتك في الغرب أو في الشرق . "
وقد خاطب أولائك العمال قبل ذلك سعاده في ندائه "
الى منتجي ثـروة الأمة وبنائي مجدها " في أول أيار
1949 قبيل استشهاده قائلا ً :
" أيها العمال والمزارعون السوريون
أن أول حـق من حقـوقـكم الطبــيعـية والاجتماعية هـو حـق
العمل والانـتاج وبــدون وصولكم الى هــذا الحـق تبـقى
مســألة الأجــور وقوانـيـن العــمـل وقوانيـن الضمانـة
الاجتماعيـة مسألـة وهـمية . فقوانين العـمـل والضمانـة
الإجـتـماعـيـة لا تحـل مشــكلة البطالة ولا مشـكلة
الفـقـر العام ...لا يحـل هاتيـن المشكلـتيـن إلا
بـمـبـدأ حــق العـمـل الـذي أقـرته التعاليـم القـوميـة
الاجـتماعيـة . وحق العـمـل يعـني حـقـنا في مـواردنا – في
أرضنا ونباتـهـا ومعادنها . "
" ان تــوزيـع القــلـة والفـقـر بالتـسـاوي لا ينـقـذنـا
مـن الاعـيـاء والـوهـن والشـــقاء مهـما كـان في هــذا
التـوزيـع مـن العــدل . فالقــومـيـة والمـوارد
الـوطـنيـة هي أســـاس اجـتـماعـيـتــنا وان ما ينـقـذنا
من الاعـياء والـوهـن والشــــقـاء هـو قـومـيـتــنا
الاجــتـماعـيـة . هـو وضع مـواردنـا تحـت سـيادتـنا
فيـكـون لنـا الانـتاج العـظـيـم بعـمـلـنا ويكـون
لنـا الخيـر والهـناء بـتـوزيـع الانتاج القومي
الاجتماعي توزيعا ً عادلا ً .
"ان الحـركــة القـومـيـة الاجــتـماعـيـة تـعــمـل
وتحـارب لـتـأمـيـن الأرض الســوريـة و وحـدة مـواردها
لـكم واعـطائـكم حـق العـمـل وحـق النصيــب مـنـه."
" ان القـومية الاجـتماعية تعـني تـوزيع غـنى لا تـوزيـع
فـقـر . فاطـلبـواالعدل الاجتماعي في غنى النهضة القومية
الاجتماعية . "
" كـونـوا قـوميـيـن اجـتماعيـيـن وحاربـوا في ســبـيل
قـضيـتـكم القوميـة الاجـتماعـية التي تحـرركم من
الاقـطاعـيـة والرسـماليـة الوطـنـية ، ومـن الاقطاعية
والرسمالية الانترنسيونية .
آمنوا واعملوا وحاربوا تـنتصروا . "
ان انصاف العمل يعني انصاف العمال . يعني تأمين حق العمل
لهم . يعني القضاء على البطالة . يعني حصول الوعي
لحـقيقة وجـودنا وحياتـنا ،وحـريتـنا في تـقـريـر
مصيـرنا ، واستعـادة سيادتـنا على أنفسنا وبلادنا . يعني
القضاء على الفقر العام . يعني زيادة الانتاج وزيادة
الثـروة القومية .
ان انصاف العـمل يعـنى تـوزيع الغنى علينا جميعا
باعتبار أن كل واحد منا يجب ان يكـون عاملا ً منـتجا
بأية طريـقة من الطرق .إن انصاف التساوي في الركـون الى
البطالة واللهـو لـيس انصافـا ً وان عـدالـة المسـاواة
في تقاسم الفـقـر والعـوز ليست عـدالة .
ان العدالة الحقيقية هي انصاف العمل والعمال بتأمين
العمل لهم ومحاربة البطالة ، وضمان حقوقهم ، واطلاق
مواهبهم وتوفيـر ظروف الحياة الجيدة العزيزة
الخيّرة الهنية لكل مـواطن في جـيلنا الحالي ،و
تهـيئـة واعـداد كل ما يساعد أجيالنا الآتية على حياة
الهناء والرقي والكرامة.
5
ـ صيانة مصلحة ألأمـة
ان أهم المصالح التي يركزعليها الحزب السوري القومي
الاجتماعي والتي هي نقطة انطلاق مركزية ، هي قضية الامة
السورية . قضية مصلحة الامة . قضية وجودها . قضية
حياتها . قضية مستقبلها. قضية خروجها من ظلمات
الخمول . قضية يقظتها ونهوضها . قضية تحسين واقعها
ورفـاه عـيشها . قضية بناء مستـقبلها كما يليـق
بالامـم الراقية العـزيزة . قضية بناء قوتـها وحماية
نفسها وطنا وشعبا وحضارة وتاريخا ومنجزات وازدهارا
ً.
لكل هذا ، فان كل مبدأ من مباديء هـذا الحزب قـد وضع
بجدية واتـقان من أجـل تحـقـيـق قـضية ألامــة
ومصلحـتها العـليا التي هي فــوق المـصالح الجزئـية
الخصوصية الداخلية والخارجية .
وبـديهي ان لا يشــذ المبـدأ الخـاص بتـنظيم الاقـتصاد
عن صيانة مصلحة ألامة التي في صيانتها صيانة لجـميع
مصالح أبنائها الأحيـــاء والذيـن لا يزالون في رحم
الغيب وفي أصلاب أبناء اجيالها القادمة .
ان الغـاء الاقـطاع ، وتنظيم الاقتصاد القـومي على أساس
الانـتاج ، وانصـاف العـمـل هي تـدابـيـر وأمـور تصب كلها
في مصلحة الأمـة ولا يـنـقـصها الا الـدولة القـومية
الاجـتماعية السليـمة التي تعـبـر عن ارادة الامـة
وتسهـر على تأمين مصالحها . والـدولة القومية
الاجتماعية المعنية هي التي تستمـد ســلطـتها وصلاحياتها
ومبـرر وجـودها من ارادة الامـة . من ارادة الشعـب
الـذي هـو سـبـب وجـودها . فالشعـب كما يـقـول
ســعاده في مـؤلفه العلمي
" نشــــوء الأمـم " :" لـم يــوجـد للـدولـة بـل
الـدولـة للشـعــب " وهـذا الشعـب المـؤلـف من
الملايين هـو الـذي تـمثـله الـدولة وتعبـر عن
ارادته وعليها ان تعمل من اجل تحقيق جميع قضاياه.
6
– صيانة سلامة الدولة
قال سعاده : " للأمة مصلحة وللدولة غرض . وغرض الدولة هو
تحقيق مصلحـة الأمـة وصيانـتها ... " ومصلحـة الأمـة
تعـني الخيـر والبحبـوحة لجـميع ابنائها بـزيادة الا
نـتاج واستمـرار نمـوه ، وحمايـة مـوارد الامـة
وثـرواتها الطبـيـعـية والابـداعـية.
وهي تعـني ايضا توسيع آفاق المعرفة ، وتطوير العلوم
المفيدة، وابداع الفنون الجميلة ، وتحسين نوعية
الصناعة والزراعة وتـرقية العلاقات التجارية في داخل
البيئة وخارجها .
ولتحقيـق هـذه المصالح المهمـة المتقـدمة ينبغي وجـود دولة
سليمة قـويـة قادرة على تحقيق كل ما من شأنه ان يصون
حقوق ألأمة ويرفع من شأنها ويـوفـر لها حياة التـقـدم
والازدهار . وهـذا الامـر المهم يجعـل مـن الحـفاظ على
سلامة الدولة شرطا أساسيا ضروريا لا تـتحقـق مصلحة
الأمـة بـدونـه والدولـة التي عناها المبـدأ
الاقتصادي القـومي الاجتماعي هي ليست دولـة مدينة أو
منطقة . وليست دولة فئة أو طائفة . وليست دولة مذهب
فكري أو رسالة دينية . وهي فـوق ذلك ليست دولة امبراطـورية
أو دولة تحالف دول في مواجهة تحالف دول أخرى تـنازعها
السيطرة على مناطق نفوذ
ان الدولة التي عناها المبدأ الاقتصادي القومي
الاجتماعي هي بالضبط دولة البـيئة الطبـيعية ذات
الـدورة الحياتيـة الـواحـدة الاجتماعية الثقافية
الاقـتصادية السياسية . دولة المجتمع الأتم . دولة الأمة
التامة . دولة جميع أبناء الأمة في جيلهـم الحاضر وفي
كـل أجيالهم ألآتـيـة . انهـا الـدولـة القـوميـة التي
غرضها أو غايتها هي تحقيق جميع مصالح الأمة العامة
المادية والـروحية فاذا خرجـت الـدولة على هـذه
الغاية وتخـلت عنها فـقـد فقـدت الدولة مبرر وجـودها
واصبحت بـلا قـيمة وغيـر ذي فائـدة . ولهـذا فـقـد كانت
سلامة الـدولـة في المذهـب القـومي الاجـتماعي
الاقـتـصادي مـن الأمـور المهـمة والأساسية التي لا
يجوز ولا يمكن اغفالها وتجاهلها .
ان دولـة غيـر ســليمة لا يمكنها ابـدا ان تحقـق
قـضيـة الامـة وتحافـظ على حقوقها ومصالحها .
مهمة الدولة اذن ، ليست كما في النظام الرأسمالي ترك
العملية الاقتصادية للظـروف والصدف والتـفـلت والفـوضى
والجشع الفـردي والسوق والعرض والطلب باسم الحرية الشخصية
، ولا للتـدخل والسيطرة والاستبداد والتملك والعبث
بالاقـتصاد بحـيث تحتل الدولة مكان الاقطاعي الجائـر
المستبـد باسم المحافظة على حقـوق العمال، وهي نفسها التي
استهانت بحقوقهم وقـتلت روح المبادرة فيهم. ان مهمة
الدولة وسياسة الدولة ووظـيفة الدولة هي الاهـتمام بكـل
ما يحقـق مصالح الامة واغـراضها ومثـلها العليـا
بتـنظيم الاقـتصاد ، وترتيـب العلاقات الاقـتصادية
وتعـزيـزها وتشجـيـع كل مبادرة تـؤدي الى زيادة الانـتاج
وتجـويـده، وضبط العـملية الاقـتصادية وتـقسـيم العـمـل
الى اخـتـصاصات وحـرف ومهـن، وتعــزيـز روابـط التعـاون
بـيـن ابناء المجـتـمع ، وتـقـويـة العلاقـات الاجتماعية
بيـن العامليـن والمنـتجيـن وزيادة الثـروة
والخيـرات لتـوزيعـها على ابناء المجـتمع بشـكـل
متـوازن بحيـث يشــمـل جـمـيع مصالح المجـتمع الحـيـوية
والنـفسيـة والسـياسيـة الماديـة منهـا والـروحيـة .
وكـل هـذا لا يـتـم ولا يـتـحـقــق الا بتــنـظـيـم
الاقـتـصاد على اســاس العـمـل والانـتــاج اللذيـن
يشـكلان قـطبي الاقـتـصاد القــومي الاجـتـماعي الـذي
يصلـح لكـل الامـم . وليـس نـظــام المـراهـنــة
والمـقـامرة والسـلـب والســـرقــة والجـشـع
والعـدوان الـذي تعـتـمـده الدول الاستعـماريـة
وتسميه النظام الاقـتصادي الرأســمالي الحـر . ولا
هـو نظـام عصابة سـيـطـرت على مقـدرات الـدولة
واستـخـدمتـها ســلطـة وقـانـونا وعسكرا واستعبدت
الملايين باسم الـدولة وسمته نظاما اشـتـراكيا لخدمة
الكادحين . إن واقع كروية الارض هو واقع بيئات جغرافية
طبيعية . وواقع البشر على الارض هـو واقـع جماعات
ومتحدات قومية . ولا يمكن الـغـاؤه وانـكار الحـقيـقة
الا اذا صارت الارض مسطحة وبيئة واحدة وانعـدمـت
الحـواجز الطبـيعية والثقافيـة والجغـرافية وصارت
البشرية مجتمعا واحـدا وثقافة واحدة وحضارة واحدة ومستوى
فكري نفسي تمدني واحد .
ان واقع العالم وحقيقته هو واقع أمم قومية . وواقع
التطور في العالم هو واقع مراتب تطورية . وواقع مستـوى
الـرقي الانساني هـو واقع مستـويات انسانية . لكل هذا لا
يجوز ولا يحق الكلام عن نظام اقتصادي واحـد يمكن ان
يطبـق على جـميع الشعـوب . فـضرورات الامـم وحاجاتها
ومتـطـلباتها وثقافاتها وكمالياتها ونشاطاتها
ومـواهبها متـنوعة ومختـلفة ومتميـزة ومتـعـددة ولا
تخفى هذه الحقائق الا على الـذين يتجاهـلون ويتعامـون ولا
يريدون ان يقروا بالحقائـق الساطعة .
ولا بد من الاشارة هنا الى أنه لا يوجد عندنا في الوقت
الحاضردولة قومية بالمعنى الصحيح ، وكل ما عندنا هو
حكومات نشأت بعد اتفاقية سايكس – بيكو وكانت شرعيتها
من تلك الاتفاقيـة . والحكـومة كـما هـو معـلـوم غيـر
الدولة، لأن الدولة شيءوالحكومة شيء آخر .
ولكن اذا كانت الـدولة القـومية السليـمة غير مـوجودة
حاليا ، فهل يعني ان علينا ان نقف مكتوفي الأيدي ونصرف
النظر عن العمل من اجل ايجاد دولة الأمة القومية التي
من اهم اغراضها ومقاصدها تحقيق مصلحة الأمة ؟ .
الجواب البديهي والطبيعي هو : لا . لقد تجزأت
ســــوريا الطـبـيعـيـة بعد اتفاقية سايكس بيكو الى
عدد من الكيانات ، ونشأ فيها عدة حكومات هي لبنان والشام
والعـراق وفلسطيـن والأردن والكـويت وقبرص . وهـذا ما حصل
ايضا لجميع المجتمعات العربية حيث نشأت حكومات متعددة في
بيئة المغرب العربي هي : المغرب والجزائر وتونس وليبـيا
، وكذلك حدث في بيئة وادي النيل فنشأت حكومات : مصر
والسودان . وتجزأت ايضا بيئة شبه الجزيرة العربية
الى عدد من الحكومات في السعودية واليمن وسلطنة عمان
والامارات . واصطـنعـت الـدول الاستعـمارية الكـيـان
اليهـودي الصهيوني ليمنع الحكومات المحلية من
التلاقي ، وليعرقـل أي تقارب بين أي من كياناتها
المستحـدثة بغـية تفـتـيـت ألأمة والقضاء على وحدة الوطن
. وبغية القضاء على أي أمل بنشوء جبهة عربية قوية وقادرة
على الوقوف في وجه المخططات الاستعمارية وتفشيل مشاريعها
ولذلك فان من أولى واجبات حكوماتنا المحلية ان تزيل
الحواجز المصطنعة بينها ، وان تـرسخ عـلاقات التفاهم
والأخـوة لتخـرج من الدهاليـز المظـلمة التي وضعها فـيها
المستعمـرون . فليس للبنانيين حقـوق في كامـل الـوطن
اكثـر مـما للكويتيـيـن . ولـيس للعــراقيــيـن حقـوق
في هـــذا الـوطــن اكـثـر مـما للفلســطيـنيـيـن .
وليس للشـاميـين حـقـوق في ســوريا اكثـر مـما
للأردنيـيـن والقبـرصيـيـن . ان ارض الـوطن هي
لجـميـع الكـويـتيـيـن والعـراقـيـيـن والشاميـيـن
والأردنيـين واللبنانيـين والفلسطينيـين والقبرصيـين
وكل من يتـفاعـل ويندمـج ويـدخـل في نسيج هذه الأمة في
المستقبل . وعليهم ان يصارعـوا ويعـمـلـوا جميعا من اجل
وحدة ألامة ووحـدة الوطن حتى لو بقي كل منهـم متمسكا
بحكومته. واذا لم يتمكـنـوا من انشـاء حكـومة واحـدة او
كيـان واحـد فليكـن لهـم على الأقـل مجـلس تعـاوني
تفاهمي تناغمي واحد يتعـاونـون فيـه جـميعا على
تحـقيـق مصالحهم واغـراضهـم ورفـع مسـتـوى حياتهم .
وهل أجمل وانفع من ان يلتقوا أخوة بشكل شهـري ودائم
لـدراسة أحـوالهم ، ورسـم خطة لمسـتـقبلهم ،وانشــاء
هـيئة مـن روؤســاء هـذه الكيانات لمتابعة تنفيذ تلك
الخطة ؟
والـذي نرجـوه ونـتـمناه ونعـمل له هو ان يبادر ولـو كيان
واحد في كل بيئة عربية الى فتح حدوده امام ابناء شعبه
في بيئته الطبيعية وينسق مع الكيان الذي بجواره لخلق
واقع جديد مزيلا الحواجز المصطـنعة النفسية والماديـة
التي مزقت مجتمعاتنا العربية وجعلت الجبهة العربـية
بعيدة التحـقـق والتي نراها في فلسفتنا القـومية
الاجتماعية ونظامنا السـياسـي القــومي الاجـتماعي
وتـنـظـيمنا الاقـتصادي القـومي الاجتماعي أمـرا محسوما
وواقـعا منـتصرا حتى لو أردنا ان نفـر منـه لما وجـدنـا
الى الفرار من سبيل .
بعـد كـل ماورد في هـذه الـدراسة يحسن بن ا ان نذكر ما
جاء في مقدمة كتاب" نشوء الأمم " للمعلم انطون سعاده حيث
يقول :
" ... ولقـد كـان ظهـور شخصيـة الفـرد حـادثـا عـظيما في
ارتقـاء البشـرية وتطـور الاجتماع الانساني . أما
ظهـورشـخصية الجـماعة فأعـظـم حـوادث التـطـور البشـري
شـأنا ً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقدا
ً،اذ أن هذه الشخصية مركـّب اجتماعي – اقـتصادي –
نـفساني يتطلب من الفـرد أن يضيـف الى شعـوره
بشـخـصيته شـعـوره بشـخـصية جماعته ، أمته ، وأن يزيد
على احساسه بحاجاته احساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع الى
فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي وأن يربط
مصالحه بمصالح قـومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم
به ويـود خيره كما يود الخيـر لنفسه . " وقـال ايضا في
فصل
" الأرض وجغرافيتها " من الكتاب نفسه : " لا بشر حيث
لا أرض،ولا جماعة حيث لا بيئة ، ولا تاريخ حيث لا
جماعة . " الى ان قال في فصل " المجتمع وتطـوره من
الكتاب : " فالاقـتصاد هـو نـقـطـة الابتداء في بحث حالات
الاجتماع حتى أننا نرى الحالة الاقتصادية تـؤثـّرعلى
الحالة البيولوجية أحيانا ً.والتطور الاجتماعي هو دائما
على نسبة التطور الاقتصادي ."
بناء على كـل ما تقـدم ينبغي أن ينظـر للاقتصاد بمنظار
المجتمع الموحـد . مجـتـمع الأمـة . مجتمعية الاقتصاد
وقـوميته . وهـذا يـعـني الابـتعاد عن التضييق
والتـوسيع بل النظر المتوافـق مع الـواقع الطبيعي
الحياتي . فلا فئوية محلية ولا شراكة رأسمالية
استعمارية ولا شيوعية حتمية عالمية .
ان واقـع الكـرة الارضية واقـع بيئات طبيعية . وواقـع
البشر على الارض واقـع مجتمعات . وواقـع تاريخ تطـور
الانسانية واقـع تواريخ وثقافات .
وبما ان التطـور الاجتماعي هو دائما على نسبة التطـور
الاقـتصادي فان واقـع الاقتصاد في العالم هـو واقع
اقتصادات او اقتصاديات وليس واقعا اقتصاديا واحـدا
لجـميع الامم . وهـذا ما يلاحظ بجـلاء وما هـو ظاهـر في
مستويات تحضر الامم وتمدنها وتقدمها.
سـمات النظام الاقتصادي القومي
الاجتماعي
أ – قومية الاقتصاد :
ان قـومية الاقـتـصاد تعـني بأن وحـدة المجتمع القـومي هي
الاساس الطبـيعي لقيام نظـام اقتصادي قـومي . أي
وحـدة الأمة بتعاقب اجيالها. وهذا ما عبر عنه المبدأ
الأساسي السادس من مباديء الحركة السورية القـومية
الاجتماعية القائل : " ألأمة السورية مجتمع واحـد . "
وهذا المجتمع الـواحد هو المعبـر عنه في المبدأ الأساسي
الـرابع الذي يقول :" الأمة الســوربة هي وحـدة الشـعب
السوري المتولدة من تاريخ طويـل يـرجـع الى ما قبـل
الزمن التاريخي الجلي . " وهـذه الأمـة لم تـنشأ في
فـراغ ، بـل نشأت في بيئة جغـرافـية طبـيعية معينة وذات
حـدود. وهـذه البيئة الطبيعية عرفها المبدأ الأساسي
السادس بأنها : " الوطن السوري هـو البـيئة الطبـيعية
التي نشـأت فيها الأمـة السـوريـة . وهي ذات حــدود
جغـرافية تميـزها عما سواها تمتـد من جـبال طـوروس في
الشمال الغـربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي
الى قناة السويس والبحر الأحمــر في الجنوب ، شاملة
شبه جزيرة سيناء وخليج العـقبة . ومن البحـر الســوري في
الغـرب ، شاملة جـزيرة قبـرص ، الى قـوس الصحراء
العربـية والخليج العربي-الفارسي في الشرق (وتوصف بالهلال
السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص) هـذا المجتمع الطبـيعي
القـومي هـو أمـة . وهذه الأمةلا تقتصر على أفـراد جيل
واحـد أو عـدة أجيال بـل تشمل أجيال ألأمة مـنـذ بداية
التاريخ الى نهاية تاريخ البشر.ولأن مجتمع الأمة يتـكون
من البـيئة الجغـرافية الطبيعية التي يقيم عليها شعـب
متـفـاعل معها ، ومن شعـب متعاقب عبـر أجـياله ومتـفاعل
مع أرضـه عـبـر الزمان ، فقـد ارتكـز المبدأ الأسـاسي
الأول على هـذه الحـقيقة ليعلن حقيقة مبـدأ الملكية
الطبـيعـية الاقـتصادية الأساسية فـيقـول:" ســـورية
للســوريين والســوريــون أمــة تامــة ." أي أن
ســـوريـة الـوطـن هي ملك الســوريـيـن ألأمـة وأن
السوريين ألأمة هم أمـة تامـة راشـدة ناضجة لا تحتاج
الى وصي ولا الى وكيل يرعاها ويقوم بتدبير شؤون
حياتها .
ان ارض الـوطن هي ملك عـام ، وحـق طبـيعي قـومي من
حـقـوق الأمة الأساسية .وبما أن الأمـة هي أفـرادها في
الماضي والحاضر والمستـقبل فانهم هم جميعهم المالكون
لأرض الوطن ولا يحق لأي فرد منهم أن يتنازل عن أي شــبـر
مـن ارض الـوطن إلا بـمـوافـقـة جـميـع أبـنـاء ألأمــة
الراحلين والحاضرين والآتين . وبما ان هـذا الأمـر من
المستحيلات ، فإن الحق الوحيد الذي تمنحه الأمة لأبنائها
على أرض الوطن هو حـق الانـتفاع والاسـتغلال والتمتع
والعـيش الكريـم . وان التفـويض الوحـيـد الـذي تعطيه
الأمـة لأبنائها هـو المحافـظة على كيانها وسلامة
وجـودها وحماية ابنائها ووحـدة أرضها ، والعـمل على
تحسين مستــوى حياتها وتأمين مصالحها وتحقيق أجمل
وأخير وأرقى وأسمى مـثـلها .
ب – اجتماعية الاقتصاد
أما اجـتماعية الاقـتصاد فإنها تـتناول الأمر الداخلي
بحيث تـنظر الى المجتمع كـوحدة حياة في وحـدة وطن لها
دورتها الاجتماعية الواحـدة ودورتها الاقـتصادية
الـواحـدة واقـتصادها يقـوم على اساس وحـدة المجتمع –
الامة ولخيـر المجتمع – الامة ولـيس على اســاس فـردي
وعائلي او فـئـوي او شـركاتي او مـذهـبي او طـبقي او
تحـالـفي او مناطـقي او قاري او انتـرنسيوني . كما
انه لا يمكـن ان يـقــوم على اسـاس فـوضوي وصدفي
وعشوائي او لصوصي واحتيالي وانـتهـازي أو
تسـلطي واكـــراهـي واستعـماري . انه بالفعـل
اقـتصاد اجـتـماعي مجتمعي قـومي . يبـدأ بالمجتمع ويتحقـق
في المجتمع ويتجه لتحقـيـق مصلحة المجتمع في الغـنى
والـرفاهية والازدهـار.ولهـذا كان المبدأ الاساسي الثامن
هـو : " مصلحة سـوريا فــوق كـل مصـلحة . " أي مصلحة الأمة
قبل وفـوق جميع المصالح الخصوصية والفـئـوية الضيقـة
وقبل وفـوق جـميع المصالح الاستعمارية المؤذية والضارة
بمصلحـة المجتمع – ألأمة .
ولما كانت مصلحة الامة لا تـتأمن ولا تتحقق الا بوحدة
المجتمع ووحدة اتجاهه ووحدة ومتانة جهوده ، فإن المبدأ
الاصلاحي الثالث من مباديء الحـركة القـومية الاجتماعية
الذي هـو : " إزالـة الحـواجـز بـيـن مخـتـلـف
الطـوائف والمذاهب . " كان تحقيقا عمليا لتأمين
وتوطيد وحـدة المجتمع التي تخـدم وحدة الاقتصاد
المجتمعي الذي يخدم ويضمن مصلحة المجتمع الاقتصادية .
وبما ان افـراد المجتمع هـم امكانيات وفعاليات وطاقات
المجتمع الحيويـة التي لا تنفصل عن المجـتمع ولا
المجـتمع بغـنى عـنها ، فإن على الافــراد واجـب العـمـل
والانـتاج لإغناء وحدة المجتمع وتمتينها وترقيتها لأن
في إغناء وحدة المجتمع إغناء لكل عضـو من أعـضائه . اما
التنازع الفـردي والفئوي والمذهبي والطبقي والنقابي
فـلـيـس فيه الا تعطيل طاقات المجتمع وهـدر
ثـرواتـه وتضيـيع جهـوده واضعافـه وافـقاره وجعـله
لقـمة ســائغة بين اشـــداق الطامعـيـن
والمتسلطيـن على الشــعـوب الفـقـيــرة والمستضعـفة
وقـد جـاء مبدأ:
" يجـب على كـل مـواطـن ان يكـون منـتجا بطـريقة مـا "
حاسما في ايضـاح المـنحى الاجـتـماعي الانـتاجي
للنـظـــام الاقــتـصادي القـومي الاجـتـماعي الـذي
ركــّز على اقـامــة مجـتـمـع المنـتجـيـن وليـس مجتمع
المركنتيليين أوالمقامرين أوقطاع الطرق أواللصوص أوالغزاة
أو الانتهازيين أو المتسولين أو الطفيليين أو المستسلمين
للأوهام والحظوظ .
ان سمة هذا النظام ليست رأسمالية ليبرالية ولا
اشتراكية ولا شيـوعية ولا تعاونية بل اجتماعية
مجتمعية . ولا يخفى الفرق الجوهري أمام الفهيم بين كل
هـذه الألفاظ المتقـدمة . فاذا كانت ليبيرالية
الرأسمالية تقوم على مهارة وحذاقة وخداع وانتهازية الفرد
التي تثري وتغني القلة من الناس وتفقر الكثرة منهم ، واذا
كانت اشتراكية الاشتراكي تقوم على طلب وطمع
الاشتراكي بالاشتراك بالتمتع بأموال غيره من المواطنين
وسلب الأثرياء أموالهم وتوزيعها على الفقراء بحيث يتساوى
الناس في الفـقـر ، وتقـوم الشيوعية على مبدأ الاسترخاء
بحجة ان كل شيء هـو ملك الجميع ويجب ان يكـون شائعا
بيـن جميع الناس في كل الأمم بحيث يتساوى العامـل
والخامل ، وتقوم التعاونية على تأسيس الشركات
التعاونية التي تهتم فقط بإفادة مشتركيها مما يؤدي
في النهاية الى قيام المحاور المتعددة في داخل المجتمع
الواحد ، فإن ألأجتـمـاعيـة المجتمعية هي الحضن الطبيعي
للمـواطن الـذي لا يخـتـاره الا بقـدر ما يخـتار والـديه
. فالمـواطن اجتـماعي طبـيعي بالـولادة . واجتماعي طبيعي
بممارسة حياته . واجتماعي طبيعي باستمراره في هذا
الوجود . والنظام الامثل والنموذجي لتقدمه واستمرار
التقدم هو النظام الاقتصادي الاجتماعي المجتمعي .
ج – تنظيمية الاقتصاد
القــول بتـنـظـيـميـة الاقــتـصاد أو تـنظـيـم الاقـتصاد
يعـني اعـتماد الـوعي والمعـرفـة . فاللاوعي والجـهـل
يقـودان فـقـط الى اللانـظـام والـفـوضى .ولحـصول الـوعي
والمعـرفـة لا غـنى عـن العـقـل.
ولذلك
فلن تـنـظـيمية الاقـتصاد تعـني ان العـقـل المـدرك
المميـز المنظـم هـو الشـــرع الأســاس في عـملية تـنظـيم
الاقـتـصاد . ولـيس لأي شيء آخـرأي دور في عـمليـة
التـنظـيـم الاقـتصادي . والعـقـل الذي نعـنيه ليس العـقـل
الفـردي الجـزئي بـل هـو العـقـل المـركب المجـتمعي . فلا
شــطارة الانـتهازي الـرأسمالي ، ولا صـدفـيـة
وظـروفـيـة العـرض والطـلـب،ولا الـدعـايـات الخـادعــة
ولا مـمارســة الســلب والنهـب ، ولا العـدوان
والســيـطـرة العســكـريـة ،ولا كـل الأشــكال
التسلطـية الثـقافيـة والعسكريـة والاقـتصاديـة ،
وليست كـل هـذه الأمــور المـتـقــدمـة هي التي
تـنـظم
الاقـتـصاد على اســاس استـغـلال جهـل وفـقـر وعـجـز
وضعـف المجموع الاكبـر من المـواطنين .
بـل ان العـقـل المـركـب الاجـتـماعي هــو الـذي ينـظـم
الاقــتــصــاد على أســاس الانـتاج الوفير في جميع
الحـقـول الانـتاجـيـة ، فيكـون الانــتاج الـوفـيـر
بـرعايـة وصيـانة العـقـل الاجـتماعي هــو الســبـب
الرئـيســي لتـوزيع الغـنى لا تـوزيع الفـقـر على جـميع
ابنـاء الأمـة بالشــكـل الـذي يضمـن مصلحـة الأمـة
وسـلامـة الـدولـة التي تـرعى وتهـتـم بمصـالح
الأمـة . قـال ســعـاده :" نحـن نـحـتـرم النـظـام
ولكنـنا أنشـأنا نـظاما جـديدا أســاسه الحـق
والعـدل ، ونـرفـض كـل نـظـام أساسه الظـلم والباطـل ."
وقـال أيـضـا :" ان الأخـــلاق هي في اساس كـل نـظـام
يكتب له النجاح ."
هـذا هـو النـظـام او التـنـظـيـم الاقـتـصادي القـومي
الاجــتـماعي . أســاسه حـق الآمـة بتأميـن حـقـوق جـميع
مـواطنيـها الاساسية في العيش والمأكل والمشـرب والمسكن
والملـبس والتعـليـم والتطبـيـب والعـمل بحرية وكرامة دون
تـميـيـز بيـن مواطـن ومواطن، وكذلك باحترام حقوق
المتفـوقيـن منهم
في
جـمـيـع مياديـن الانـتاج وتكـريمهم بما يليـق فلا
يتساوى المتفوق بغير المتفوق ، ولا يكون المبدع وغير
المبدع في التكريم سـواء . بل بما يضمـن للعدالـة
قيـمتها واهـميـتها في نظــام أســاسه الحق والعدل .
والحق والعدل
ان يصبح الفـقـيـر غـنيا ، وان يـزداد الثـريّ ُ غـنى .
وثـراء الفقير والثري لا يـتـوفر إلا بـثـراء وغـنى
المـجـتـمع الحاصـل مـن عـمـل الجـميـع وانـتاج
الجـمـيـع.
هـذا هـو الاقـتصاد القومي الاجتماعي : تحقيق
الغـنى وتوزيع الغنى على جـميع أبناء ألأمـة في
الـداخـل ، ومساعدة الشعوب الضعيفة على النهوض في
الخارج لتحقيق التعاون السليم والناجح بين الأمم .
وانسـجاما مـع المبدأ القائل بأن المواطن يجب ان يكون
منتجا وليس طفيليا في المجتمع ولا متسولا، فإن:" لكل مواطن
نصيبه العادل من الانتاج "وهذا النصيب هو حق مقدس من حقوقه
ولا يحق لأية جهة كانت ان تدعي وتطالب بحرمانه هذا الحق.
والعـدالة في تـوزيع حاصل الانـتاج لا تعـني أبدا أن
نـوزع جميع حاصلات الانـتاج كلها على المـواطنيـن
المنتجيـن بل تعني ان يتم التوزيع بما يحـفـظ حـقـوق
الأمة في استـثمار ما يجب استـثماره من اجل اجيالها
الآتـيـة ، وفي ادخـار ما ينبغي ادخاره من اجـل ابنائها
الـذين ما يـزالون في رحـم الغيـب ، وفي تـرمـيم
وصيانة تـراثها التاريخي وآثـارها الجـميلة ، وفي
المحافـظـة على سـلامة الدولة القـومية الاجتماعية
التي هي المظهر الثقافي التـنـظيمي الضابط والمعـتـني
بكـل مصالح الامة المادية والمعنوية ومن ضمنها حقـوق
ابنائها العامليـن المنتجين في الحياة الكـريمة
والمـرفـهة جـيـلا بـعـد جـيـل الـذيـن وصفهم سعاده
بأنهم : " أوردة الحياة وشرايين القوة في جسد الأمة
السورية الحيّ ، وأنهم ألأمة خلقا ً وانتاجا ً وتشييدا
. " .
وبما ان انســان- الأمة انسـان حيّ ، خـلا ّق ، منتـج
وبنــَّاء فإن حياته هي دائما في تـقـدم ورقيّ ، وان
حاجاته النفسـية والمـادية هي دائما في تـزايـد،وان
مطـامحه هي ابــدا في تعـاظم .ولـذلك فان على نظـامه
الاقـتصادي أن يتـوافق مع تقـدمـه ورقيه ويلبي
حاجاتـه ومطامحـه في تشــريعات وقـوانين اصلاحية
مستمـرة باستمـرار نمـوّ المجتمع عبـر الزمن .
واستـمـرار تشابك مصالحـه مع مصالح المجتمعات الأخرى .
الغاية من الإقتصاد
أ – تحقيق مصلحة الأمة
ب – تأمين مصلحة كل فرد من أفراد الأمة
ج – تأمين وحفظ سلامة الدولة القومية
د – السعي من أجل انشاء جبهة اقتصادية عربية ترفع من
شأن العالم العربي اقتصاديا وتلبي كل حاجات الشعـوب
العربيـة الضروريـة والحاجـية والكماليـة. وبتحقيق
الجبهة الاقتصادية العربية يكون لكل المجتمعات العربية
مكانتها اللائقة بين اقتصاديات ألأمم، ودورها الفـعـّـال
في تحسين حياتها وحياة البشرية .
ه – تشارك شقيقاتها العربيات في الجبهة الاقتصادية
العربية لمساعدة الامم الضعـيفة على تقـوية اقتصادها من
اجـل تحقـيـق أعلى مستـوى تعاوني بيـن جميع الأمـم للقضاء
على الفـقـر في العالم وتـرسيخ قواعـد جــديـدة للتعاون
الاقـتصادي العالمي تقـوم على اساس احـترام
حـقـوق الأمـم في الحياة الكريمة والعلاقات الراقية
انطلاقا من مبدأ كون العالم واقـع أمم.
نستخلص من كل ما أوردناه في هذه الدراسة المبايء
الاقتصادية التالية :
أولا ً : قاعدة الاقـتصاد القـومي الاجـتماعي هي وحـدة
المجتمع –ألأمة .
ان المجتمع وحــدة . لا اكثـرية ولا أقـلـية .
لافـئـويـة ولا مـذهبـية لا طبـقـية ولا نقابـية . لا
مناطـقـية ولا تـكـتـلـية . لا حزبـية ولا اقطاعية .
لا جيلية ولا عـنصرية . انها وحـدة حـياة المـجتمع على
ارضه الـوطـنية منـذ بـداية التـاريخ الى ما سوف يكــون
التاريـخ وما ســوف تكـون الارض على الكـوكب الذي يـعـيـش
عليه البشـر.
وبهذا يكـون لكـل مجـتـمـع في العالم نظامه الاقـتصادي
الخــاص به المتوافـق مع طبـيعته وامكاناته وحاجاته
وموارده ومستوى ثـقافته ودرجة حضارته ومواهب أبنائه .
وليس للعالم نظام اقتصادي واحد وان تشابهت طبائع البشر .
ثانيا ً : وحدة المجتمع – ألأمة تعني وحدة الارض
الجغرافية ووحدة الشعب المتفاعل مع الارض جيلا بعـد جيـل
والمنشيء للتاريخ والحـضارة . وكـوكب الارض الذي نعيش فيه
وعليه ليس سهلا منبسطا مســطحا بحيث تشـكل الارض بيـئة
طبـيعية واحدة من حيث والرطوبة والبـرودة والمـواد
الطبيعية وتوفر مـوارد الحياة بل ان الارض هي واقـع بيئات
جغـرافية متعـددة متـنوعة مختلفة . وواقع البشر هـو
واقع جماعات وليس واقع جماعة واحدة وكل فرد من البشر
هو ابن بيئة طبـيعية معـينه ولا يستطيع
العـيش والبقاء منفـردا منعـزلا وان كان بامكانه ان يغير
بيئته وينتقل ويعيش في بيئة أخرى. انه دائما بحاجة الى
العـيش ضمن الجـماعة ولا بقاء له بدون ذلك . وهذا يعني
أيضا بان النظام الطبيعي الذي لا مهرب منه هو ان يكون لكل
مجتمع نظام اقتصادي خاص يتـناول حياة المجتمع كله في
الـداخل ومصلحـة المجتمع كله حاليا واســتـمـرارا عبـر
أجياله وليس لمصلحة فـرد اوافـراد او فـئة او طائفة او
مـذهب او طبقة او منطقة كما ان النظــام الاقتصادي الخاص
بكل مجتمع هو نظام غير منعزل ولا منفصل نهائيا عن الأنظمة
الاقتصادية في العالـم بل هـو نظام متـواصل مع جـميع
الانظمة الاقتصادية الاخرى فكما يتصل الفرد ضمن المجتمع
بغيره من أبناء الأمة، فالأمة كذلك تـتصل وتـتواصل مع
غيرها من ألأمم . وكما لا يجـوز ولا يحـق لفـرد ضمن
المجـتمع ان يستـأثـر بكـل شيء ويســخـّـر جهـود ابناء
الامة لمصلحته الخاصة الآنية الخصـوصية ،فكذلك لا يجوز
ولا يحق ان تستأثر أمة من ألأمم بكل شيء وتـُسـخـّـر
جهـود ألأمـم ومـواردها وثـرواتها لمصالحها الخاصة
الخصـوصيـة.
نستــنتـج من هذا الشرح ان مبدأ الملكية الطبيعية السليم
والعـادل في الاقتصاد هو مبـدأ ملكية الأمة أي مبدأ
ملكية ألأمم وليس مبـدأ ملكية الفرد او شراكة عدة افراد
في المجتمع الواحد ، ولا هو مبدأ ملكية أمة واحـدة
اوتحاللف مجموعة من الأمم لكـوكب الارض ومـوارده وثـرواته
على الصعيد العالمي.
الأمـة هي المالك الطبيعي والحقيقي للوطـن وكل ما فيه من
مواد وثـروات وانتاج مادي وروحي وابـداعي . وكل أمـة هي
مالـك طبيعي وحقيقي لوطنها وما يحتوي عليه.
الوطن هو بيئة ارضية طبيعية دائمة الوجود ومالكها الطبيعي
والحقيقي هـو المجتمع – الأمـة الـدائم الوجـود وليس
الشخـص الـزائل . فالأفـراد يأتـون ويـذهبـون . يـولـدون
ويمـوتون . والأجيال ايضا تتوافد وتتعاقب اما الوجود
الدائم والإنسان المستمر فهو الانسان – المجتمع –
الامة.
ولهذا يجب ان نفرق بين ما هو دائم وما هو زائل ، ونميز بين
من هــو الـدائم ومن هـو الـزائل فـتكون الملكية
الدائمة للشخصية الدائمة .والملكية الزائلة للشخصية
الزائلة . وحتى لو قدر للشخـصية الـزائلة ان تســتـمـر
امـدا طـويلا ، فانها لا تسـتطيع الاســتـمرار الا من
ضمـن مجتمع . ولا تستمر الا بأجيال المجتمع . وهـذا ما
يـدفعنا الى الفـصل بين العام الذي يتناول حياة الجماعة
وبين الخاص الذي يتناول حيـاة الاشخاص . وهذا لا يعني ان
هناك فصل او انعزال تام بين الشخصيـة الفردية والشخصية
الاجتماعية . بل نحن نجزم ان الشخصية الفردية هي في
الشخصية الاجتماعية ولا وجود لها ولا حياة ولا دوام الا
بوجود وحياة ودوام الشخصية الاجتماعية . ولا حق ولا حرية
ولا تقـدم الا بحق وحرية وتقدم المجتمع . وان الشخصية
الاجتماعية هي الحاصل التاريخي الحضاري لتفاعل الشخصيات
الفردية فيما بينها ومع وطنها عبـر الاجيال والازمنة منذ
بداية الحياة على الارض والى ما لا يمكن تصوره في
غـياهب المستقبل . لذلك كانت الامور الاساسية
والضروريات الحياتية الحاجـية هي حقـوق طبـيعية
لأبنــاء المجتمع لا يمكن نكرانها ولا التغاضي
عنها لأنها حقوق طبيعية مـقـدســة كالمسكن
والطعام والشراب واللباس والتعلم والطبابة والأمن
وتوفيـر الفرص والظروف والامكنيات وكل ما يساعد ابناء
المجتمع على النمو والازدهار والحياة الراقية ، لأن في
توفير وتأمين وحماية هذه الحقوق كل الخير وكل
الرفاهية والسعادة للمجتمع ولجميع ابنائه دون تمييز .
ووظيفة الدولة التي هي مظهر الأمة السياسي التنظيي
الحضاري هي رعاية وتدبير وضبط وتـنظيم وتـوفـيـر
وصيانة والـدفـاع عن تلك الحقــوق الاساسية لكل
مواطن . ولا معنى للقول بدولة قومية ان لم تساوي بين جميع
رعاياها في الحقـوق الاسـاسية الحيـوية ، وتعـدل في
تحـميلهـم المسؤليات والواجبات . ان ملكية كل ما هو
دائم وعام هي ملك الآمة وان ملكية كـل ماهـو زائـل وخاص
ومستهلك هي ملكية الافراد . لذلك تكـون ادارة المصالح
العامة دائما بـيـد الـدولة المـؤتـمنة على مصالح الامة .
وتكون ادارة المصالح الخاصة تحت تصرف الافراد المؤتمنين
ايضا على مبـاديء الاخلاص لأهـداف الامـة ومـثـلها
العليا .
فاذا كان الافـراد مكـرهين على العـمل في شــركة الـدولة
الاحتكـارية
الاشتـراكية او الشيوعية المسيطـرة على كـل المـرافـق في
البلاد في النظام الدكتاتوري التوتاليتاري، واذا كانوا
مجبـورين على العمل لكي يعيشوا في ظل اقسى شروط
الشركات الاحتكارية الرأسمالية الفردية المستخـدمة كـل
اساليب الخـداع والسرقة والنهـب واستعباد الشعـوب الضعيفة
الفقيرة في ظل انظمة الاستعمار والتسلط، فان ابناء
الامة القادريـن على العـمـل والانـتاج والابـداع لا
يعـملون خوفا من استبداد دولة سيطرت عليها زمرة فاسدة
تستعبد الناس. ولا يعملون لتكريس نفوذ شركات رأسمالية
تحالفت ضد مصالح شعبها والشعوب الاخرى. ان ابناء
الامـة في النظام الاقـتصادي القـومي الاجـتماعي وفي
نظـام الـدولة القـومية الاجـتـماعية السياسي
يعـملون من اجل قضية عظمى تساوي كل وجودهم مجتمعا
وافرادا . حاضرا ومستقبلا.
ثالثا ً : وحدة المجتمع - ألأمة ، تتطلب لضمان ســلامتها،
المحافـظة على سلامة جميع عناصرها ومكـوناتها وكـل خلية
فيـها لتستمـر مـوحـدة وسليمة ونامية ومتطـورة ومتقـدمة
ولما كان أفـراد المجـتمع هم الخلايـا الحـيـّة ،
والامكانات الفاعــلـة، والفعالـيـات المـتـطــورة
والطاقات الابداعية،والقـوى السلبية في مـواجهة الكـون
والآفـاق الماثلة أمام الانســان، فإنـه يـنـبغي ويجـب على
كـل فـرد من أفـراد لمجتمع أن يكـون عاملا منـتجا
ناميا مبدعا لتأمين وحدة المجتمع وسلامته ونموه
وتقدمه كما ينبغي ويجب ان يكون كل تنظيم او مظهر
تنظيمي لمصلحة المجـتمع في الحفـاظ على ســلامة وعافية
وتـنامي وتقوية جميع اجزائه وعناصره ومكوناته وطاقاته بما
يضمن وحـدة المجتمع وسلامته ، وصحة تنظيماته، وعافية
فعالياته واســتـمـرار نهوضه ورقيه. وبما ان المسؤولية
ترتب على كل فرد ان يكون عاملا منتجا مبدعا بأية طـريقة
من طـرق العـمل ، وفي أي حـقـل من حقول الانتاج، وعلى أي
مستوى من مستـويات الاـبداع. فإن أية مـؤســسـة
تنظيمية أو هـيئة عامة هي مســؤولة وعليها واجـب
الـرعايـة العادلة والحكيمة لجهة توفير النصيب العادل من
حقوق العاملين المنتجيـن المبدعين. فلا تبخس أحـدا ً
حـقـه ، ولا تظلم أحدا ً، ولا تميز بين أحد وأحد الا
بمقدار ما يعمل وينتج ويبدع .
فالانتاج هـو انـتاج الجميع ، وانتاج الجـميع يجـب ان
يكـون للجـميـع . ولا يشترط الا العدل في التوزيع بما
يضمن حقوق المنتجين وتأمين مصلحـة الأمـة والـدولة
وضمان حـياة الكـرامة للأجـيال القادمة.
بهـذا نـقـرر ان كـل أمة يجب أن تكـون منتجة ومتطورة
وحضارية وناهضة لتأسـيس قاعـدة التلاقي الامـمي العالمي
بحـيـث تـتعـاون جميع الامم وتساهم في ايجاد ونشوء
عالم ناهض حضاري جديد تـتبادل اممه المعـارف والخبـرات
والعلـوم والفـنـون والمـنـتـوجـات والمحاصيل وكل ما من
شأنه أن يرسخ قـواعد التلاقي، ويـوطـد أسـس التعاون
والتفاهم ، ويؤدي الى ما يجعل الانسان في كل مكان من
الارض جديرا بالحياة العزيزة . وبهذا تـتضح صـورة
النظام الاقـتصادي العالمي المبني على أسس الاقتصاد
القومي الاجتماعي الانتاجي الابداعي لكل مجتمع . وكما
ينال كـل فـرد نصيـبه العادل من انتاج المجتمع القومي
الاجـتماعي ، كذلك ينال كل مجـتمع من المجـتمعات
الانسانية نصيـبه العادل من انتاج الامـم المتعـاونة في
نظـام الاقـتصاد العالمي المـركب والمكـوّن من تشارك
وتعاون جميع الأمم . وكما يكون نصيب الفرد داخل المجتمع
بمقدار ما يعمل وينـتج ويبـدع ، كذلك يكون نصيب كل
مجتمع بحسب ما ينتج ويبدع ويتفوق . وهذا هو النظام
الاقتصادي القومي الاجتماعي توزيع الثراء والغنى على
الفقراء والأغنياء داخل المجتمع المعني فيصبح الفقراء
أثرياء ويزداد الاغنياء ثراء. وتأهيل المجتمعات
الفقيرة لتصبح منتجة غنية، وزيادة غنى وثروة المجتمعات
الغـنية لتزداد قوة وغنى فتزداد الانسانية تقدما ورقيا
يكونان في خـدمة جـميع بني البشـر ، وتـتحـرر
الانســانية من عبـودية القـرون المظلمة التي لم تسسب
لها الا الويل والخراب.
رابعا : الارض كروية وهي قارات . وكل قارة هي أقاليم.
وكل اقليم بيئات متجاورة . وتجـاور البيئات جعـل
احتكاكاتها وعلاقاتها فيما بينها أمتن واقوى من العلاقات
بين البيئات المتباعـدة . لذلك كانت الروابـط بيـن
البيئات المتجاورة قوية . فالحدود الفاصلة بيـن أمتـيـن
جارتيـن هي نفســها حـدود واصلة . وليس باستطاعة اية أمـة
ان تنغـلق وتنعزل عن جيـرانها . بـل ان الامم الحضارية
المتمدنة هي التي تـنفتح على جيـرانها لتطـل من خـلالها
على جـيـران جـيـرانها وجـيـران جـيـران جيرانها لتأخذ
وتعـطي . لتستـفيـد وتفيد . لتستـورد وتصدر . لتـتعلم
وتعـلــّم فتنشيء بذلك الأسواق الاقليمية التي تشكل
المعبر السـليـم والجسـر الـذي لا غنى عنه ولابــد من
أجـل تأسيس وتمهيد لارضية الصالـحة لبناء صرح لتـواصل
العالمي ثـقافـة واجتـماعا وسياسة واقتصادا وعلما
وفـنـا وحياة راقية. وما الجبهة العربية في
غاية الحركة السـورية القـومية الاجتماعية الا الجبهة
الاقـتصادية العـربية وحصنهم الـمنيـع الـذي يضمـن
لهم المـوقـع والمكـانة اللائـقة بيـن الشـعـوب في
تعاونها وتعايشها الانسانيـيـن . ولأن سوريا هي إحدى أمم
العالم العربي فإن الجبهة العربية التي نصت عليها
غاية الحركــة القومية الاجتماعية لا تعني فقط
الجبهة السياسية والثقافية والعسكرية والحضارية بـل
تعـني ايضا الجبهة الاقتصادية . فالمجتمعات التي
تشكل العالـم العربي هي مجتمعات أخوة . والأخوة
هم عائلة واحـدة تـتعاون فيما بينها . وعلى الأخوة
ان يوحدوا جهودهم ويتعاونوا من أجل صلاح حياتهم وهناء
عيشهم وضمان مستقبلهم. وهذا لايتم الا بتنظيم يجمعهم
جميعا في ميثاق أخـوة صادقة أو تحالف أو اتحاد أو سوق
مشتـركة أو جامعة أو جبهة واحدة بحيث يستـمـرون أخـوة
صادقيـن متعاونيـن دون أن يلغي أحد أحدا ً او يحل أحد
محل أحد ،أو يستهتـر أحد بحقـوق أحد بل ان القوي هو القوي
بمساعدة أخوته وبما يقدمه لهم من العون
وبقدر ما يدافع عنهم وعن حقوقهم ، وبنسبة ما يستطيع
الأخذ بـيـدهم ويقودهم الى مراقي النجاح والتقدم . ان
الجبهة الاقتصادية العربـية هي ترجمة عـملية لعـروبة
واقعـية صادقة. وهي أيضا المرحلة الثانية مـن مراحـل
الاقـتصاد الســــوري القـــومي الاجـتماعي . ان
الجبهة الاقـتصادية العربية هي جبهة اقتصادية مركبة من
اربع اقتصادات او اقتصاديات :
الاقتصاد السوري القومي الاجتماعي في بيئة الهلال
الخصيب والاقـتـصاد العـربي القـومي الاجـتماعي في
بيئة شـبه الجزيرة العربية ،
والاقتصاد المصري- السوداني القـومي الاجـتماعي في
بـيـئـة وادي النيـل والاقتصاد المغربي العربي
القومي الاجتماعي في البيئة المغـربـية التي تضم
لبيا وتونس والجزائـر والمغـرب. وليس انفع في هـذه
الحال من التـزام الأخـوة وتعاونهم والتـنسيـق فيما
بـينهم والعمل على ازالة كـل المعرقلات والصعوبات الداخلية
في كل بيئة من بيئات العرب لأن في ذلك مصلحة
مشـتـركة للجـميع تساعـدهـم على بناء جبهة اقـتـصادية
عربـيـة مشتركة تعود عليهم بكل خير وأمان .
فاذا كان مبـدأ الحيـاة المشتركة او المشاركة في
الحياة الـواحدة هـو مبدأ وحدة المجتمع - ألأمة ،
فأن مبدأ التعاون والشعـور بالمسؤولية هـو مبدأ
العيش المشترك بين الأشقاء ، وكذلك يكون مبدأ
التعاون الانساني والعلاقات الطيـبة والاحـتـرام
المتـبادل هـو مبـدا العالم المتمـدن الـراقي أو
مبدأ التنسيق والتنظيم العالمي الاقتصادي الانساني
السليم .
خامسا : :ان الاخـلاق هي في اســاس كـل نظـام يمكن ان يكتب
له
النجاح.
والنظـام الاقـتصادي السليم هـو نظام اخلاقي يقـوم على
اساس الحـق والعدل . الحق في العمل والانتاج والابداع .
والعدل في نوال النصيب العـادل ســواء كـان صاحب
النصيـب فـردا او مجـتـمـعا . وكما
يكـون العـاملـون الصالحـون فـعـاليات وطـاقـات
المـجـتـمـع الصالـح ، فـان المجتمعات المنتجة الصالحة هي
مكونات واجزاء الانسانية الصالحة . ولا خير في نظام
اقتصادي غير اخلاقي وغير صالح . يجب ان نخرج مرة واحدة
والى الأبد من حالة المجتمع المتوحش وشريعة الغاب الى
حالة المجتمع المتمدن وشريعة العدالة . فالقوة الحقيقية
هي قوة الحق والعدل وليست قوة الباطل والظلم . وهذه
الاخلاقية الجديدة القائمة على اساس الحق والعدل هي
اخلاقية النظام الاقتصادي القومي الاجتماعي الجديد
في داخـل المجتمع وفي خارجه . فلا اقـطاع في المجتمع
ولا وجاهات ، ولا امتيازات ولا محاصصة ولا قوى متنفذة
ولا تكتـلات ، ولا طبقات ولا احتكارات ، ولا تسلطات
ولا سـيطـرات ، ولا استعـمار ولا استغلال ، ولا نهب
ولا لصوصية ولا كل ما ما يسيء الى كرامة الانســـان
وقيمه وفضائله .
انه نظام الحـق والـواجب . أعظم الواجبات فيه هو الواجب
الحق .
واعظم الحقوق التي يحافظ عليها ويدافع عنها هـو الحق
الواجـب .
وهـل أحـق وأصلح وأصـوب من واجـب العـمـل والانـتاج
والابـداع
لتحقيق الثروة الحلال والغنى الشريف ؟!
وهـل أوجـب وأسلم وأنـزه من حـق العـمل والانـتاج والابداع
لنـوال
النصيب العادل والحياة الكريمة ؟!
ان في النظام الاقتصادي القومي الاجتماعي الاخلاقي كل
الخير ليس
فقط لكل فرد من أبناء المجتمع، بل لكل جيل من أجياله .
وليس فقط
لبعض المجتمعات ، بل للعالم كله في تعاقب عصوره .
سادسا : النظام الاقتصادي القومي الاجتماعي هو نظام مجتمع
موحد حيّ منـتج ديـنامي اخـلاقي نامي لا يتـوقف عن
النموّ والتقدم مـن أجل تـلبـية حاجات المجـتمع مطـالبه
ومطـامحه .
ولأن المجـتـمع دائـم النموّ ومستـمر الـرقيّ ، فان
تشريعه القانوني الاقـتصادي هو ايضا دائـم التـطـور
ومستـمـر التحسن ليلبي جـمـيع الاحتياجات الطارئة
والضروريات المتـوالـدة ، والمطامح المتكشفة. فاذا
كان القانـون التـشـريعي الاقـتصادي ثابـتـا بالنسـبة
للمباديء الاسـاسية الاقـتصادية كمبدأ وحـدة المجتمع .
ومبدأ الملكية العامة أي ملكية ارض الوطن التي هي ملك
الأمة . ومبدأ العمل والانتاج بأية طـريقة من الطـرق
النـزيهة وفي أي حقل من حقول الانتاج.
ومبـدأ نـوال النصيـب العـادل من الانتاج . ومبـدأ صيانة
مصلحة الامـة وضمان سـلامة الدولة القـومية التي هي
دولة الشعـب كل الشعب ، وليست دولة الارادات
الاستعمارية والاقطاع والشركات الاحتـكارية واللصـوصية
والـرشــوة والفســاد. اذا كان القانـون التشـريعي
الاقـتصادي ثابتا بالنسـبة الى المباديء الاسـاسية فانه
ليس كـذلك بالنسبة للأمـور الثانـويـة والمستجـدات
الناجـمة عن
حركة سير المجتمع وتطوره . فكل ما يحتاج الى إكـمـال
يجب ان يكـمـل . وكـل ما يـنـبـغى ان يـلـغى يجـب ان
يلغى. وكل ما هـــو بحاجة الى اصلاح يجب اصلاحه . وكل ما
يستلزم التعديل او التغيير يجـب ان يغيـر ويعـدل. ولا
يجـوز الإبـقاء الا على كل ما هـو صالح لأن كل شيء صالح
متعلق بما هو قبله ومتصل بما هو بعده. فحياة المجتمع
حـركة فاعلة ،والتطور مستـمـر ،والابـتكارات متـواصلة ،
والاكـتـشـافات دائمة والتشريـعـات الاقـتصادية وغيـر
الاقتصادية يجب ان تـتوافق مع المستجدات .
سابعا : الملكية هي ملكية المجتمع–الأمة. ومجتمع–الامة هو
أجيال المجتمع الطبيعي الذي هو الامة . والاجيال هي
الأفـراد الذين ولدوا ويـولـدون والمستمـرون وسوف يستمرون
بالتوالد . فكل فرد هو امكانية لـها دورها وفعاليـتها
وشخـصيتها ووظيفتها في المجتمع . ولا وجـود لها ولا
دور ولا شـخصية ولا وظـيفة خـارج المجتمع . ومن
حيـث كـون الفـرد كذلك ، فهو مؤتمن ومكلــّف ووكيل
وقـيـّـم ومســؤول عن سلامة حركة سيـر المجتمع وسلامة
ملكية المجتمع لأرضه الطبـيعية وثـروته
وميـراثه ومـوارده وابـداعاته لأن كل هذه الثـروات
هي ملك الجميع وهـو واحد من الجميع وليس فوق الجميع
مهما كانت مواهبه، ومهما لمعـت عبقـريته، ومهما ارتفع
نبـوغه . ومع انه واحد من الجميع وله ما لكل واحد من
الجميع وعليه ما على كل واحد من الجميع ، الا ان
النظام القومي الاجتماعي لا يساوي بين العامـل
والخامـل. ولا بيـن المنتج وغيـر المنتج . ولا بيـن
الطـفيلي والمتفوق . فهو نظام الوعي ونظام شريعة
العقل ونظام المعرفة ونظام الانسانية ونظام مستقبل
العالم الذي هو محطة لنظام ارقى واسمى اذا كشفت
مخبآت المستقبل أن هناك نظام أرقى وأسمى .
ان الفرد هو في الحقيقة من مالكي ارض الامة وثروتها
وميراثها لكنه لا يستـطيع ان يتـصرف بأي جـزء من
هـذه الملكية الا بالاشـتـراك مــع جميـع اخـوانه
الذيـن رحـلـوا والذيـن يستـمـرون في العـيش والذيـن
سيولدون في المستقبل . وحقه الوحيد في فترة حياته هو حق
الانتفاع والعيش الرغيد السعيد . والتخويل او
التفـويض الاهـم له ان يحافظ على ملكية الامة وينمي
مـواردها ويـزيـد في خيـراتها لأن في ذلك رفـع قيمته
بين ابناء مجتمعه ، ونواله النصيـب الذي يستحقه
بتفوقه وهوحتما اكبر من النصيب الذي يناله غيره من
الاشخاص العاديين لأن العدالة تقضي بأن يكـون
للمبدعيـن في جميع حقـول الانتاج بحسب درجات ابداعهم اذ
ليس من العدل الحقوقي ان تتساوىدرجات العاملين المتفوقين
بدرجات العاملين العاديين . فالتساوي يكون فـقـط في
تأميـن الفـرص المتساوية للجميع من سكن ولباس وشراب
وصـحة وتعليم واحتـرام.
ان ما يقرره النظام القومي الاجتماعي الاقتصادي للفـرد هو
أهـم من الملكية الفردية التي تنته برحيل الفـرد. انه
يقرر المرتبة العالية التي استحقها الفرد بتفوقه فتبقى
متألقة عبر الاجيال ، وتبقى مثالا يحتذى من قبل
العاملين الذين يتنافسون على احتلال المراتب العالية
في حياة الامـة فيكـونـون المـواهب التي تسـتـمـد
منها نهـضة الامـة روحـهـا ومباديء رقيها. انهم
المالكون للـذكرى الطيبة التي لا يستطيع احـد
انتزاعها منهم الى أبد الدهور.
ثامنا : ان الاقتصاد القائم على اساس العمل والانتاج
والابداع هو اقتصاد الثراء الوفير والغنى الكبير.
والاقتصاد الغني هو اقتصاد متعرض دائما للأطماع الداخلية
منها والخارجية . اطماع الانانيين واللصوص والانتهازيين
والطفيليين وعبـّـاد الاهواء، واطماع الدول الاستعمارية
والشعوب الهمجية المتوحشة لآن شريعة الغاب ما تزال هي
المسيطرة في كل انحاء الارض .لذلك لا بد من اتخـاذ كل
التدابـيـروالاجـراءات لحماية الثروة القـومية مـن كل
انـواع اللصوصية والهـدر والعـدوان بســن القـوانين
والتـشـريعـات الضابطـة لحـماية الثـروة وصيانتها والدفاع
عنها في الداخل الـوطني ومن الاعتداءات المـمكنة الحـدوث
من الخـارج بانشـاء جيش قـوي مجهـّز باحدث ما يمكن من
المعـدات ومثقـّف بعقيدة قوية نيـّرة تجعل منه قوة رادعة
يحسب لها المعتدي الفحساب. والى جانب مواجة ومجابهة
اللصوصية الداخلية والعدوان الخارجي فان التصدي للكوارث
الطبيعية والسيطرة عليها وضبطها هو واجب اســاسي ايضا
يفـرضه الـوعي الانســاني والعقـل وحب المصير السعيد .
نختم هذه الدراسة بكلام للمعلم سعاده قال فيه : "ان
الانسانية بحاجة اليوم ، وأكثر من أي وقت مضى الى نظام
بديل آخر تشيد صرح مستقبلها عليه . فليس المكابرون
بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح وفلسفته ، وليس
المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة
وفلسفتها . ان العالم الذي أدرك الآن ، بعد الحرب
العالمية الأخيرة مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام
الفلسفات الجزئية الخصوصية الفلسفات الأنانية التي تريد ان
تحيا بالتخريب : فلسفة الرأسمالية الخانقة ، وفلسفة
الماركسية الجامحة ، التي انتهت في الأخير ، بالاتحاد مع
صنوها المادية الرأسمالية ،بقصد نفي الروح من العالم .
وفلسفة الروح الفاشية وصنوها الاشتراكية القومية
المحتكرة الروح الرامية الى السيطرة سيطرة مطلقة على أمم
العالم وشؤونه، هذا العالم يحتاج اليوم الى فلسفة جديدة
تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها . هذه الفلسفة
التي يحتاج اليها العالم ، هي فلسفة التفاعل الموحد
الجامع القوى الانسانية ، هي الفلسفة التي تقدمها
نهضتكم." " ان اساس الارتقاء الانساني هو أساس مادي –
روحي،وان الانسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس
وتشيد صرح مستقبلها عليه."
وقال أيضا : " ان القاعدة الذهبية ، التي لايصلح غيرها
للنهوض بالحياة والأدب هي هذه القاعدة : طلب الحقيقة
الأساسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى
. لا فرق أن تكون هذه الحقيقة من ابتكارك أوابتكاري أو
ابتكار غيرك أو غيري، ولا فرق أن يكون بزوغ هذه الحقيقة
من شخص وجيه اجتماعيا ذي مال ونفوذ وأن يكون انبثاقها
من فرد هو واحد من الناس لأن الغرض يجب أن يكون الحقيقة
الأساسية المذكورة،وليس الاتجاه السلبي الذي تقرره
الرغائب الفردية، الخصوصية، الاستبدادية. "
من هذه النظرة الواعية الفاهمة الجميلة انبثق
النظام القومي الاجـتماعي وانبثق منه التنظيم
الاقتصادي القومي الاجتماعي الصالح لكل مجـتمع من
المجتمعات الانسانية الناهضة والمتعاونة على انشاء حضارة
مركبة جديدة راقية ينبثق عنها نظام اقتصادي مركب جـديـد
يعـود بالخيـر والرفــاه على جميع المجتمعات وبالتالي على
جـميع بني البشـر . نظـام اقـتصادي يقـوم على أساس العمل
لا البطالة . وينظم على أساس الانتاج لا الصدف ولا
الاستغلال ولا السرقة ولا النهب ولا الخداع ولا المقامرة
ولا السمسرة ولا الرشوة ولا التزلـّم وبيع الضمائر ولا
الربى ولا القتل والسلب ولا العدوان . نظام اقتصادي
اجتماعي يكون فيه كل فرد من ابناء المجتمع عاملا ومنتجا
ومبدعا . نظـام اقـتصادي يكـون فـيه كـل مجـتمع من
المجـتمعات ناهـضا ومنتجا وحضاريا.
تجدر الاشارة الى أن هذه الدراسة كانت ملخصا لحلقة اذاعية
لطلبة الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1965 في
منزل الرفيق محمد السعـدي في فرن الشباك – بيروت . بطلب
من الرفيقة ضياء مطر والرفيق جوزيف بابلو وقد حضر
هذه المحاضرة عدد كبير من الطلبة ونذكر منهم الرفقاء
جوزيف بابلو وضياء مطـر وسميـر ابو نادر ومن الطلبة جان
نادر وجزيـل رزقالله واليدا سالم وغيرهم ... وقد كتبت
هذه الدراسة لتوزيعها على الطلبة في تلك الاثـناء .
كما تجـدر الاشــارة الى انه كان للرفيـق جمال فاخوري
محاضرة لشـرح النظام الاقـتصادي القـومي
الاجـتماعي في منـزل الرفيق محمد السعدي نفسه في حلقة
اذاعية اخرى بعد هذه المحاضرة . ومما نـذكره ايضا ان
الرفيق جوزيف بابلو وفي لقاء معه ومع الرفيقة ضياء مطر
قال لنا ان الدكتور رينه حبشي الذي كان يدرس في كلية
العلوم الاجتماعية طلب منه تحضير دراسة عن النظام
التعاوني ، فـتدارسنا الامـر وحضّر الـرفيـق جوزيف
دراسة القاها ارتجالا باللغة الفرنسيـة في كلية العلوم
الاجتـماعـية تطرق فيها الى النظام الاقتصادي
الرأسمالي والنظام الاشتراكي والشيوعي والتعاوني
وطـرح بعدها السؤال التالي: " هل هذه هي الانظمة
الاقتصادية المثلى لتحقيق الحياةالأفضل؟ الجواب
السليم كان : لا . لهذا سنحاول اعطاء لمحة عن نظام
اقتصادي جديد يمكن تسميته بنظام اقتصادي مجتمعي
." وقد كان الاتفاق بيني وبين الرفيق جوزيف ان نرمز
بالمجتمعي الى النظام القومي الاجتماعي في تلك
الفـتـرة الصعبة التي هيمن فيها النـظام المخابراتي
التعسفي في لبنان.
بعـد محاضرة الرفيق جـوزيـف اذكـر ان الدكتـور ريني حبشي
قـال للطلبـة الحضور : ( آسف لأنكم لم تسجلوا أفكار
السيد جوزيف القـيـّمـة ، فهو يعرف أكثر مني في هذا
المجال.
|