|
إن مقالة الرفيق منير
حيدر: مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين – العقدة والحل،
أثارت سيلاً من الأسئلة والتساؤلات والتعليقات، مما يستدعي
برأيي إيضاحاً وتوسعاً في فكرة معينة بذاتها، استقطبت مجمل
تلك التساؤلات والتعليقات، وهي فكرة الإستيعاب، أن تستوعب
الدولة القومية الإجتماعية لقسم من اليهود، ومعنى ومضمون
هذه الفكرة.
لقد كتبت للرفيق منير
منذ ثمانية اشهر، تاريخ كتابته مقالته، عن فكرة الإستيعاب
هذه، كجزء من الحل الإنساني القومي الإجتماعي لمسألة
اليهود الموجودين في فلسطين، وقلت إن مقالك رائع ويعَبِّر
عن فهم عميق وإدراك عالٍ لأساس النظرة القومية الإجتماعية،
حتى إني قلت إني تمنيت لو كنت أنا كاتب ذلك المقال، واضفت:
"أنا احب لو توسعت أكثر فيه من اجل طمأنة القوميين
الإجتماعيين بان اليهود سيرحلون لوحدهم بسلام خارج الدولة
القومية الإجتماعية، لأن هذه الدولة ومضمونها الحقوقي
تتناقض مع يهوديتهم ولا يمكنهم التعايش معها."
اليوم، وبعد ظهور مختلف
الأسئلة والتساؤلات والتعليقات اراني مدفوعاً بإلحاح
لتوضيح ما كنت أرغب ان يوضحه الرفيق منير ويتوسع فيه.
أولا:
لقد فهمت ما طرحه
الرفيق منير، وهو واضح جداً، وأيدته واكرر تاييده الآن
بقوة، وكل ما اريد هنا هو المساهمة معه في التوسع في
الفكرة وتوضيح ما قد يكون التبس على بعض الرفقاء الغيورين
وما قد يكونوا قد فهموه على غير ما يعنيه في الحقيقة.
ثانيا:
إن عبارة الرفيق منير
الختامية في مقالته التي تقول: "نضع هذه الأفكار في متناول
اصحاب المعرفة والفكر من النهضويين القوميين الإجتماعيين
من اجل المزيد من التأمل والبحث والتدقيق" يمكن أن تعني أن
هذه الأفكار هي جديدة قد اتي بها الرفيق منير، وهذا ليس
صحيحاً ولا يجب فهمها هكذا، بل أن هذه الأفكار هي من صميم
العقيدة القومية الإجتماعية و"نظرتهم الى العالم" حسب
تعبير سعاده، وليس فيها من عند الرفيق منير سوى تعبير
"الإستيعاب".
إن ما دفع بعض الرفقاء
لاعتبار ان الرفيق منير يأتي بجديد ليس من العقيدة والنظرة
القومية الإجتماعية الى المسألة الفلسطينية وموضوع اليهود
هو ايضاً بعض العبارات الأخرى الواردة في مكان آخر من
المقالة، مثل "لغة قومية إجتماعية جديدة"، و"يصبح لِزاماً
علينا اتباع استراتيجية أخرى". وايضاً: "من هنا تبدو
الحاجة الى بلورة حل قومي- انساني للمسألة الفلسطينية يمكن
طرحه على العالم واقناعي به" (البلورة هي صناعة ما ليس
مصنوعاً بعد).
لا شك ابداً ان الرفيق
منير كان يشير الى اللغات والأساليب والاستراتيجيات
الرجعية والدينية التي أثبتت عقمها وفشلها المريع، والحاجة
الى لغة جديدة واسلوب جديد واستراتيجية جديدة بما تقدمه
العقيدة القومية الإجتماعية، وهذا واضح في مقالته ووارد في
أكثر من مكان. وكأني بالرفيق منير كان يحسب حساب الذين
سيؤولون كلامه على غير ما يعني بالضبط فأكّد وكرر التأكيد
على الأسس والمرتكزات القومية الإجتماعية. مثل ذلك في
عبارته: "من واجب الفكر القومي الإجتماعي أن يعتمد اسلوباً
جديداًي المخاطبة لا يتناقض من اسسه ومرتكزاته."
لكن من يقرأ بسرعة دون
تمعنِ وتدقيق، او من يقرأ بخلفية الباحث عن ممسك للإنتقاد
يصبح عنده المشهد منظوراً إليه بريبة وشك، تماماً كالمشهد
الذي أرفقه الرفيق منير مع مقالته وهو مشهد اليهودي
ليبرمان يحتضن اطفالاً يهوداً يتعلمون استعمال السلاح.
كيف يمكنني أن افهم هذا المشهد بان الرفيق منير يقصد أن
يدفعنا للعطف على الأطفال اليهود ولا أفهمه دافعاً لنا
للتنبه واليقظة ووجوب اعداد اطفالنا الأشبال ليصبحوا
اسوداً يذودون عن وطننا سورية ويدفعون الهجرة اليهودية بكل
ما اوتوا من قوة وبأس وإرادة قبل ان يكبر الاطفال اليهود
ويصبحون جنوداً يقاتلوننا في ديننا وحقنا ووطننا!!!
ثالثاً:
نأتي الأن الى جديد
الرفيق منير، الى تعبير "الاستيعاب" ومضمونه ومعناه.
يجب الإنتباه اولاً
وقبل كل شيء ان استيعاب قسم من اليهود هو موضوع مطروح فقط،
فقط، فقط، بعد قيام الدولة القومية الإجتماعية وليس قبل
ذلك اطلاقاً، اي بعد معارك عظيمة لم يشهد تاريخ البشرية
لها مثيلاً، بعد معارك وملاحم ضد اليهود تشمل جميع
المجالات والمطارح والاشكال والاساليب التي يمكن ان
نتصورها، بعد ان تجربي الدماء انهاراً وتسفك الأرواح بمئات
الالوف اثماناً عزيزة غالية لمصلحة سورية التي هي فوق كل
مصلحة، بعد ملحمة وجود أو لا وجود، عزّ نظيرها في التاريخ
سوف تؤدي إلى واحدٍ من امرين نحن ام هم.
بعد ذلك، وبعد ذلك فقط،
يمكن للأمة السورية الظافرة المنتصرة ان تتقدم للعالم
ب"الحل الإنساني" لمشكلة اليهود اللاإنسانية وتقول: نحن
مستعدين للمساهمة في استيعاب من بقي من اليهود في ارض
فلسطين.
أما عدد اليهود الباقين
في فلسطين فيمكن للذي يتصور مخاض قيام الدولة السورية
القومية الإجتماعية وانتصارها، ان يتصور كم سيكون عدد
اليهود الباقين في فلسطين!!
وإن من يبقى منهم في
فلسطين
سيكون
امام دولة قومية إجتماعية ذات مضمون حقوقي لا يسمح
بامتيازات واوضاع خاصة وتورّمات داخل المجتمع، أمام دولة
ذات عقيدة تقول إن الأمة السورية مجتمع واحد وإن مصلحة
سورية فوق كل مصلحة. وهل يمكن لليهودي أن يقبل بهذا
المضمون ويطبِقه على نفسه ويخضع له؟
إذا كان الجواب لا،
فإنه "سيرحل بسلام" من ارض الدولة السورية القومية
الإجتماعية الظافرة المنتصرة او سيدخل السجن بتهمة التمرد
على حق الدولة وقوانينها وعلى مصلحتها ومصلحة الأمة
السورية التي هي فوق كل مصلحة.
وإذا كان الجواب نعم،
إذا كان الجواب أن من اليهود من يمكن ان يتأنسن ويتخلى عن
تحجّرِ نفسيته وانغلاقها ويطل على العالم بقلب وعقلٍ وروح
جدد، أفيجب على الأمة السورية ودولتها ان تخاف من ذلك
وتستحي بذلك، ام يجدر بها ان تفتخر كونه إنجازاً تاريخياً
لها تضيفه الى انجازاتها التي قدمتها للإنسانية منذ فجر
الثقافة الإنسانية حتى اليوم؟؟
هذه هي فكرة
الإستيعاب، فكرة ان تستوعب الدولة السورية القومية
الإجتماعية المنتصرة لقسم من اليهود، ولا يجوز فهم هذه
الفكرة ومناقشتها وكأنها مطروحة اليوم كسبيل وطريقة
للتعامل مع اليهود اليوم، ومواجهة ومواجهة عدوانهم
واغتصابهم بفكرة الإستيعاب، بديلاً عن المقاومة والمهاجمة.
إن اعجب ما قرأت
تعليقاً على مقالة الرفيق منير أن المقاومة هي السبيل
الوحيد للتعامل مع اسرائيل واليهود، وليس الإستيعاب. ذلك
على الرغم ان الرفيق منير قد استفاض في مقالته، بل في
القسم الأكبر لمواجهة اسرائيل والإنتصار عليها، والتنبه من
ضعف اسس المقاومات الفئوية المرتكزة على اساس طائفي أو
مذهبي او ديني، والمدعومة من قوى خارجية تتقاطع مصالحها
الآن مع مصلحتنا في مقاومة اسرائيل ولا ضمان ابداً في ألاّ
تتبدل مصالحها عاجلاً ام آجلاً.
لا بد ان هذا الرفيق قد
التبس عليه موضوع الإستيعاب فظن أنه مطروح اليوم بديلاً عن
المقاومة، لكن هل في مقالة الرفيق منير ما يؤدي الى هذا
الإلتباس؟؟ لا أعتقد.
ومن قال إن فكرة
الإستيعاب التي تطرحه الدولة القومية الإجتماعية المنتظرة
الظافرة يعني التساهل مع "الجماعات التي لها عقائد غريبة
تتنافى مع فكرة الأمة السورية ووحدة حياتها"؟؟ (المبدأ
الرابع)
إن فكرة الإستيعاب هي
استيعاب من يقبل ويتجه لأن يصبح سورياً بعد حين ومن يقبل
ان يخضع لإعداد وتأهيل لأن يصبح سورياً، وليس لم لا
استعداد له ولا إرادة ولا إمكانية.
إن الدولة الأوسترالية
مثلاً، تستوعب الآن مئات الآلاف من السوريين وغير السوريين
الوافدين إليها وهي تفرض عليهم فترة اربع سنوات تأهيل لا
يحق لهم خلالها التمتع بتقديمة الدولة الإجتماعية وليس لهم
الحقوق السياسية التي للأوستراليين، وبعد الأربع سنوات
يخضعون لإمتحان الولاء لأوستراليا وحتى لمعرفة لغتها
الإنكليزية معرفة مقبولة قبل إعطائهم الجنسية. ذلك رغم أن
السوريين وغيرهم من الوافدين الى اوستراليا مشهورين بسرعة
اندماجهم وتكيفهم مع خصائص المجتمع النازلين فيه، فكم
بالحري عندما نتكلم عن استيعاب اليهود في الدولة القومية
الإجتماعية التي خاضت معهم حرباً دموية عظيمة خرجت منها
منتصرة وخرجوا منها مهزومين؟؟ كم ستكون يا ترى فترة
الإستيعاب والتأهيل وكيف سيكون الإمتحان وكم سيكون عدد
الناجحين فيه؟؟
إن استيعاب قسم من
اليهود يعدّ، إذا ما نجح، انتصاراً انسانياً للأمة السورية
يضاف الى انتصاراتها عبر التاريخ، مثل انتصار يسوع على
الموت، وانتصار البعل ومار جرجس الخضر، مثل انتصار محمد
على الوثنية، مثل "تمدين الإغريق"، مثل اول حرف واول
شريعة وأول كتاب.
سدني 18/11/2009
الرفيق شحاده الغاوي |