|
ناتي الان الى الحلقه الرابعه والأخيره
والتي تدور حول الديموقراطيه التعبيريه. في هذا الموضوع
ايضا سنرى العجبَ العِجاب مما قاله مؤلف القاموس ونسبه
زورا وبهتانا الى سعاده، وسعاده منه براء. يقول :
"غير
ان سعاده الذي ميز بين نوعين من الدكتاتوريه نراه يميز بين
نوعين من الدموقراطيه التمثيليه: فهناك ديموقراطيه تمثيليه
تمثيليه وهناك ديموقراطيه تمثيليه تعبيريه،وهذه،اعني
الديموقراطيه التمثيليه التعبيريه،هي ما اراده سعاده."
اولا: لا، ليس صحيحا أن سعاده ميز بين
نوعين من الديموقراطيه التمثيليه. هذا ليس صحيحا ابدا وأن
سعاده لم يشر إلى ذلك لا تصريحا ولا تلميحا، وأن تعبير
الديموقراطيه التمثيليه التعبيريه وتعبير الديموقراطيه
التمثيليه التمثيليه، فضلا عن افتقارهما لأي معنى مفيدا،
هما تعبيرين خاصين بالمؤلِّف حيدر حاج اسماعيل وحده، وأن
سعاده بريء من هذا الهذر وهذه الثرثرة.
ثانيا: أن أحدا لا يحتاج الى كثير جهد
ليبين الفراغ والخواء في هذين التعبيرين، فما الفرق يا ترى
بين التمثيلية من جهة والتمثيلية التمثيلية من جهه اخرى؟!
وما هو الفرق بين الاولى (او الثانيه) من جهة والتمثيلية
التمثيلية التمثيلية من جهه اخرى؟! وهكذا فأنه يمكننا أن
نخترع عبارات، ونسمّيها مقولاتٍ وافكاراً، مثل التعبيرية
التعبيرية والتعبيرية التمثيلية والتمثيلية التعبيرية
التمثيلية والتعبيرية التمثيلية التعبيرية...الخ والثرثرة
ليس عليها ضريبة.
ثالثا: أن المؤلف يجاهد ليقوِّل سعاده هذه
الاقوال الخاوية من أي معنى، ولا يتورع من ان يحيل القارئ
الى مراجع معينه لسعاده، إسم الكتاب والصفحة أيضاً، في
عملية هي أقرب إلى التزوير والغش منها إلى أي شيءٍ آخر،
فليس جميع القراء مستعدين للرجوع إلى تلك المراجع أو ليس
لهم اتصال سريع بها للتأكد من صحة مزاعم المؤلف او عدمها،
فلا بد ان يفهموا ويصدِّقوا أنّ مستوى كلام سعاده هو في
هذا الهبوط والدنو.
يقول المؤلف:"وفي
تمييزه بين نوعي التمثيل يذكر سعاده ما يلي: الديكوقراطيه
التمثيلية التمثيلية هي مجرد شكل بينما الديموقراطية
التمثيلية التعبيرية هي شكل له مضمون هو مصلحة الشعب
والتعبير عنها (3)."
انتبه ايها القارئ الى: "سعاده يذكر ما
يلي:" وانتبه الى المرجع"(3)" حيث المرجع هو الاثار
الكامله جزء 7 صفحه 29.
إن المفترض أن يكون النص أو الكلام هنا هو
لسعاده، بينما الحقيقه التي تصفع هي أن هذا النص أو الكلام
ليس لسعاده أبدا بل هو للمؤلف، والمؤلف ،وأن لم يضع
هلالين، أراد ان يحمِّل كلامه ونصه لسعاده زورا وبهتانا!!
إن سعاده في (3) اي الاثار الكامله الجزء
السابع الصفحه 29، لا يذكر أبدا لا الديموقراطية التمثيلية
التمثيلية ولا الديموقراطية التمثيلية التعبيرية
المزعومتان. وأن سعاده لا يميز لا في هذا المرجع ولا في
غيره بين نوعي التمثيل المزعومين من قبل المؤلف وحده. بل
أن سعاده يميّز بين التمثيل والتعبير(ولا يدمجهما) ويقول
إن التمثيل هو شيء جامد يتعلق بما قد حصل أما التعبير
فغرضه ادراك شيء جديد، وسنرى ذلك بعد قليل.
إن معنى "التعبير" هو أهم بكثير وأعمق
بكثير وأخطر بكثيرمن مجرد أن "له مضمون هو مصلحة الشعب"
الذي اعطاه اياه المؤلف اعتباطا.
إن تسخيف افكار سعاده الفلسفية الجديدة، إن
تسطيح هذا
"الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشريه
بموجبه في المستقبل"
وأن اختصار هذا
"الانقلاب
الذي تجيء به الفلسفه القوميه الاجتماعيه"
بمجرد فكرة عادية، يمكن لأي شخص عادي ان يدركها، وهي "ان
له مضمون هو مصلحة الشعب"، ووضع ذلك كله في قاموس للمفاهيم
القوميه الاجتماعيه، لهو عمل يستحق صاحبه اكثر بكثير من
هذا التعليق وهذا النقد.
ليست مهمتنا هنا الان شرح الديموقراطية
التعبيرية الجديدة، فهذه مهمة ليس هنا مكانها (لي دراسه في
ذلك اسمها : هذه هي الديموقراطيه التعبيريه نشرتها على هذا
الموقع منذ عدة سنوات)، بل مهمتنا الان هي التعليق على خلا
صات المؤلف ونفيها من قاموس المفاهيم القوميه الاجتماعيه.
ولكن لا بأس من إلقاء بعض الضوء على بعض الامور علّنا بذلك
نزيل الغمامه التي القاها المؤلف عليها.
قلنا إن سعاده يميز بين تمثيل الاراده
العامه والتعبير عن الاراده العامه، والحقيقه أنه قد انتقد
الاولى انتقاداً حاداً مقدماً شيئاً جديداً بديلا عنها
وخلافا لها وهو التعبير عن الاراده العامه . ما يلي نورد
بعضا من النصوص الموجزه المتعلقه بهذا الموضوع :
"وقد تحقق الزعيم عجزه (جبران مسوح) عن إدراك النقاط
الجوهرية في القضايا الإجتماعية- السياسية الكبرى من عدّة
إمتحانات: في سنة 1940 زار الزعيم مدينة سانتياغو دل
إستيرو لدعوة المواطنين إلى النهضة القومية، وصحبه في هذه
الرحلة جبران مسوح. فالقى الزعيم محاضرة إشتملت على
نظرية من
أروع النظريات الإجتماعية- السياسية
ويصح أن تسمى هذه النظرية نظرية
"الديمقراطية
التعبيرية"
خلافاً
"للديمقراطية التمثيلية " الشائعة في العالم. وكلف جبران
مسوح تدوين ماسيقوله وتلخيص المحاضرة لترسل إلى " سورية
الجديدة" ففعل هذا كما أشار الزعيم. ولما عرض تلخيصه عليه
وجد الزعيم أنه اغفل بالكلية شأن
النظرية الخطيرة
التي أعلنها والتي هي أهم مافي تلك المحاضرة، لأنه لم يفقه
لها معنى ولايعرف لها قيمة. فإضطر الزعيم إلى تعديل
التلخيص
وإكماله بنفسه. ولما ظهرت نظرية الزعيم في سورية الجديدة
ووصلت إلى الدارس والمفكر القومي الكبير فخري معلوف وهو
بعد طالب فلسفة في جامعة ميتشيغن في أمريكانيا، أدرك حالاً
خطورتها ورأى أنها تصلح مستند ثقة لرأي خاص كان قد توصل
إليه بتفكيره الخاص في معالجة القضايا الإجتماعية –
السياسية
في أساسه
الفلسفي من وجهة نظر عقيدتنا
ومبادئنا."
(مقالة نسر الزعامه ووحول توكومان)
"إن الديمقراطية اسم تنطوي تحته أشكال
عديدة، وكل شكل له خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف
عن التي يعطيها شكل آخر."
(مقالة بحث الديمقراطية عن عقيدة)
"الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة
حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية-الإقتصادية
التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال
وتحديدها."
(المصدر نفسه)
"السوريون القوميون يجب أن يعرفوا واجبهم
في هذه القضية الخطيرة، وأن العالم باسره ينتظر منهم
تفكيراً جديداً،
ولا سيما من الوجهة الديمقراطية التي أصبحت الآن مبهمة،
فالسوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها الى العالم
كاملة... فالسوري المفكر يجب أن يهتم في إنقاذ الديمقراطية
من الهلاك، وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل
إليها تفكيراً ينطبق على ما وصل إليه الناس من العلم
والمعرفة فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من
كل مهاجمة وتعدٍ".
(خطاب سانتياغو)
"إن الديمقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل
عن الأساس، فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب اخذ
يئن من شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة
العامة وصار ينتظر
انقلاباً جديداً.
وهذا الإنقلاب الجديد هو ما تجيء به
الفلسفة القومية الإجتماعية
القائلة بالعودة الى
الأساس والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة
بدلاً
من تمثيل الإرادة العامة، الذي هو شكل ظاهري جامد."
(المصدر نفسه)
"سورية القومية تضع أمام العالم اليوم فكرة
التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة
العامة التي لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة."
"فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد
طريقة جديدة
اسمها – التعبير عن إرادة الشعب – وقد يكون التعبير بواسطة
الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد."
"فهذه
الفكرة الجديدة،
أي التعبير عن إرادة الشعب، هي
الإكتشاف السوري الجديد
الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، هو دستورنا في سورية
الذي نعمل به لنجعل البلاد دائما كما تريد الأمة."
"التمثيل أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء
جامد يتعلق بما قد حصل اما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك
شيء جديد.
هذا هو الخلل الإجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث
أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب وإعطاؤها
وسائل التنفيذ الموافقة."
"إننا
نشق طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في
تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي
يأخذه الناس عنّا. أن التفكير الحاضر دخل طور الشيخوخة في
العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به
سعادتها وراحتها وحريتها، وهذا البضاعة الجديدة سيخرج
أكثرها وأفضلها من سورية بلاد العبقرية والنبوغ."
(المصدر نفسه)
إن سعاده يعطي كلمة "التعبير عن الاراده
العامه" معنى فلسفياً جديداً مثلما فعل مع كلمات وتعابير
مثل الامة (هيئه تحقق فيها الوعي)، والمجتمع (المجتمع غير
المجموع)، والانسان (الانسان–المجتمع)، والحق (الحق
انتصارفي معركه انسانيه...)، والحريه (الحريه صراع)،
والمادية–الروحيه (المدرحيه، فلسفة التفاعل).
إن التعبير بمعناه الجديد في نظرة سعاده
وفي ديموقراطيته الجديدة، هذا الانقلاب الذي تجيء به
الفلسفه القوميه الاجتماعيه، هذا الاكتشاف الجديد الذي
ستمشي البشريه بموجبه فيما بعد، هو شيء جديد جديد جديد
لايتحد مع التمثيل ولا يرافقه او يأتلف معه او يصاحبه،
لانه بديلٌ عنه، وخلافٌ له، وانقلابٌ عليه.
التعبير لم يعد مجرد التعبير الحسن عن
الرأي، وليس مجرد أن مضمونه مصلحة الشعب، أن التعبير في
قاموس المفاهيم القومية الاجتماعية الصحيح، اصبح تحقيقَ
شيءٍ جديدٍ، نقلَ الامةِ من حالةٍ الى حالة، جعلَ البلاد
دائما كما تريد الامة، القدرةَ على التكييف والتغيير،
اعطاءَ الارادة العامة وسائل التنفيذ الموافقة ...(هذه
كلها عبارات لسعاده).
اما كيف يكون ذلك، وما هي وسائل التنفيذ
الموافقه، فالجواب هو بالنظام القومي الاجتماعي الجديد
الذي "يقوم
على قواعد حيوية تأخذ الافراد الى النظام وتفسح امامهم
مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم"
هذا النظام الذي هو "نظام
قومي اجتماعي بحت لا يقوم على التقليد الذي لا يفيد شيئا
بل على الابتكار الاصلى الذي هو من مزايا شعبنا".
إن القادة التعبيريون ليسوا هم القادة
الذين يحسنون التعبير عن مصالح الشعب وارادة الشعب فحسب،
بل هم الذين يمتلكون القدره على تحقيقها وانجازها وتنفيذها
وجعل البلاد دائما كما تريد الامة، وذلك بفضل ما يمتلكون
من مواهب ومؤهلات وقدرات وامكانيات مادية وروحية نفسية من
علم ومهاراتٍ واخلاق.
إذاً التعبير بالمعنى الفلسفي الجديد
والنظرة الجديدة للديمقراطية لم يكن المقصود به مجرد أن
يحسن أحدنا التعبير عن رأيه، ليس هو التعبير الحسن عن
الرأي، فيمكن أن نعبّر عن رأينا ولا نستطيع تحقيق إرادتنا
بتنفيذ هذا الرأي. يمكن أن نعبّر جيداً عن رأينا ونعجز عن
فعل شيء لتحقيق هذا الرأي. إن توفر شرط الاهليه، شرط
المواهب والمؤهلات والقدرات والامكانيات هو هو المفتاح
الذهبي لفهم قضية التعبير والديموقراطيه التعبيريه.
إن الإنتخابات العامة، التي يشترك فيها
الشعب كله، هي شكل من أشكال ممارسة السيادة، شكل من أشكال
ممارسة الديمقراطية. أما الديمقراطية نفسها فلا تعني
انتخابات، ليست بالضروة انتخابات، وأن الإنتخابات لا تعني
"دائماً" ديمقراطية.
إن الديمقراطية هي أن تكون السلطة حائزة
على قبول الشعب ورضاه
وثقته أكان ذلك عن طريق اشتراك جميع افراد الشعب بتسمية
رجال السلطة، عن طريق الانتخابات، ام لم يكن. إن
الديمقراطية التمثيلية تحتاج حتماً لإنتخابات شعبية تفرز
الشعب أكثرية وأقلية والسلطة تمثل الأكثرية، تعمل بإرادة
الأكثرية، أما الديمقراطية التعبيرية فتحتاج إلى "شرط
الأهلية" ان يكون متوفراً في رجال السلطة الى جانب أن
يكونوا حائزين على قبول ورضى وثقة الشعب. وإن "شرط
الأهلية" لا تقرره أكثرية أو أقلية، ويعني ذلك أن
الإنتخابات-التصويت الذي يؤدي إلى أكثرية وأقلية ليس هو
الطريقة التي يتم بواسطتها تأمين شرط الأهلية، ان شرط
الأهلية، أن المواهب والمؤهلات، أن الرتب، تكتسب اكتسابا
وتحصّل تحصيلا، وتبنى درساً درساً وبرهاناً برهانا في
مسيرة جهاد وصراع مستمر يومياً ودائماً...الخ، ولا تمنح
منحاً ودورياً أو موسمياً ولا تقررها صناديق الانتخابات.
إن الديموقراطية التعبيرية ليست ضد الانتخابات بعد توفر
شرط الاهلية، انها مع الانتخابات-التصويت بعد توفر شرط
الاهلية وبعد توفر شرط الوحدة الاجتماعية وحصول تنبه
الشعب لوحدة حياته ووحدة مصالحه، وليس قبل ذلك.
هذه كانت، بسرعه، عناوين وخطوط عريضه
لديموقراطية التعبير الجديده، والان يجب ان نعود الى
الموضوع الاساس الذي بدأنا به،
أعني قاموس الدكتور حيدر حاج
اسماعيل.
إن كتاب نشوء الامم الذي استعمله صاحب
القاموس" ليشرح" ديموقراطيته التمثيلية التعبيرية المزعومة
هو كتاب علمي وصفي تفسيري لوقائع نشوء الامم وليس لشرح
فلسفة سعاده الجديدة ونظرته الديموقراطية، أنه ليس مكانا
لفكرة الديموقراطيه التعبيريه. لا بأس من القاء ضوء ،
الآن، على هذا الكتاب واستعراض فصوله بسرعه وتبيان سياقها
وكيف توصل صاحبه الى تفسير نشوء الدوله الديموقراطيه
القوميه الذي حدث منذ قرون عديده .
الفصول الاولى والثانيه والثالثه والرابعه
والخامسه والتي تدور حول كل من: نشوء النوع البشري،
السلائل البشريه، الارض وجغرافيتها، الاجتماع البشري
والمجتمع وتطوره هي الفصول التي تبحث الاساس المادي
للاجتماع، اما في الفصل السادس فيبدأ سعاده بدرس البناء
النفسي. يقول في مطلع هذا الفصل:
"تقصينا فيما دوناه
آنفا الاساس المادي للاجتماع البشري واحواله وبهذا الفصل
نبدأ بدرس البناء النفسي لهذا الاجتماع، ولعل الدولة اجدر
الشؤون المظاهر الثقافيه تمثيلا للحياة العقليه التي هي من
خصائص الاجتماع الانساني حتى ليمكن القول إن الثقافه
الانسانيه والدوله صنوان. إن كلامنا على الدولة، اجتماعيا،
يجب ان يتخذ نقطة الابتداء في واقع الدولة، أي في المجتمع
المركب ولو تركيبا بسيطا، ولا يجب ان يبرح من ذهننا ان هذه
النقطه وهميه، فأطوار الاجتماع البشري ليست مقاطع مستقلا
الواحد منها عن الاخر كل الاستقلال."
ثم يدخل سعاده في استقصاء تطور الحقوق في
هذه المجتمع المركب،لانه يقول: "ليست
الدوله في ذاتها مقياسا للثقافه العقليه بل بما تنطوي عليه
من حقوق، فلا بد لنا من القاء نظرة على بداءة الحقوق لكي
نتمكن من فهم نشوء الدوله وتطورها في ظروفهما. يجب أن ننظر
الى الحقوق اذا كنا نريد ان نحصل على تحديد حقيقي للدولة."
يبدأ في استعراض الحقوق الاوليه تحت
عناوين: الطوطميه والتناسخ، الزواج الخارجي، الحقوق
الامويه، الحقوق الابويه، الزواج الفردي والعقد، الزواج
بالشراء، الاستعباد والثأر، ولما لم يجد في تلك الحقوق
عناصر دولة يقول:
"اثبتنا
فيما تقدم صورة للحقول الأهليّة التي هي نتيجة القوى
المناقبيه التي تعمل في المجتمع لتأمين سلامته، وفي هذه
الحقوق لا نجد الدوله بل المجتمع وأوهامه(دينه) وعاداته،
ولسنا نجد واقع الدوله الا حيث نجد في المجتمع قوه
فيزيائيه تخضع وترهب."(متبنيا
فكرة فيركنط مع تعديل). وهنا يعيد سعاده ما ذكره سابقا من
تذكير القارىء وتنبيهه من "انه
لا يمكن تعيين حدود حقيقيه فاصله بين طور من اطوار الثقافه
الاجتماعيه وغيره ففي رجوعنا الى اوائل عهد الدوله نظل
نتوغل في الماضي وننحدر مراقي الثقافه حتى نبلغ نقطة تلتقي
عندها السياسه بالاجتماع فكانهما شيء واحد."
بعد التوغل في الماضي لايجاد بداية نشوءما
يمكن تسميته دولة ،يقول :"نجد
نقطة الاتصال بين الدوله والمجتمع في الطوطميه، ففي تقارب
الطواطم بعضها مع بعض واتحاد عشائرها في الزواج وانشاء
الطوطم المكاني الذي يجمع الكل في متحد اجتماعي ينقسم الى
طواطم فرعيه، نجد نظام الدوله العشائريه او القبليه التي
لا يكون جزئا منها الا من هو ابن العشيره الداخله في هذا
النظام."(يتبنى
كولر صفحه33)
بعد ذلك تكلم سعاده عن "فوارق السلطه" (لا
يزال يدرس الاقوام الاوليه الفطريه) وقال:"ان
كل دوله مهما كانت بسيطه تتألف من ثلاث وظائف تشريعيه
وتنفيذيه وقضائيه تقوم على ثلاثة اصناف سياسيه لكل مجتمع
له ابتداء دولة هي: الجنس والسن والشخصية."
بعد ان يشرح ذلك ويلقي نظره على التشريع
والقضاء لدى تلك الاقوام (الاتصال بعالم الارواح) ينتقل
الى الكلام عن الاشكال الرئيسه للدوله التي هي الشكل
الديموقراطي في ابسط واولى حالات الدوله التي هي اولى
حالات التطور الاجتماعي في العشيرة او القرية حيث يمكن
اجتماع الشعب كله، ثم الشكل الاوتوقراطي, ولعل الحرب هي
ادعى الامور الى نشوء الشكل الاوتوقراطي ولعل الملكيه
الصغيرة نشأت على يد البطل الحربي الظافر. ومن الشكل
الاوتوقراطي يظهر الاقطاع بشكل ولاية لرجل من اهل
الامير(الحاكم الفرد) يتصرف بالمقاطعه الموكله اليه بمطلق
ارادته. وعن طريق الاقطاع نرتقي الى الشكل
الارستوقراطي(حكم الاقليه المفضله).
بعد ذلك يلقي لمحه تتناول ادارة تلك الدوله
الاوليه في اشكالها الاساسيه الثلاث ثم ينتقل الى دراسة
الدولة التاريخية او الدولة الارضية التي يبتدئ عهدها في
الاقوام الثقافيه الخارجة من العصر الحجري الى العصر
المعدني في بابل وكنعان ومصر. وفي هذه يدرس الدوله
الاستبداديه وعهد الامبراطوريات الاولى(على مدى خمس صفحات)
ثم الدولة المدينية والامبراطورية البحرية (12صفحه) ثم
الدوله الدينية(خمس صفحات) ثم اخيرا الدولة الديموقراطية
القومية، وهو العنوان الأخير في هذا الفصل وهو ما استشهد
مؤلف القاموس ببعض عباراته ليبرهن مقولته الوهميه الخاويه
حول نوعي الديموقراطيه التمثيليه المزعومين.
اولا: نحن نتعجب اشد العجب كيف ان المؤلف
يبحث في كتاب سعاده العلمي عن الفكره الفلسفية القومية
الاجتماعية، وهو الذي قال وشدد وكرر عدة مرات وفي عدة
اماكن من قاموسه وفي كتب اخرى له ان الفلسفة والعقيدة
والنظرة هي في المبادئ, في المحاضرات العشر، وليس في نشوء
الامم.
ثانيا: إن المؤلف لجأ الى كتاب نشوء الامم
ووجد فيه عبارة "التمثيل السياسي" والتمثيل السياسي هو
الوسيلة التي مكنت المتحد من ممارسة سيادته في اول عهد
نشوء الدوله الديموقراطيه القوميه، وذلك هو ما قاله سعاده
ونقله عن (جنكس1926).
لقد التقط المؤلف هذه العبارة وحشرها في
تعريغه للديموقراطية التعبيرية الجديدة عند سعاده ليوحي ان
سعاده يتبنى الديموقراطية التمثيلية او احد نوعيها
المزعومين. لكن قرّاء نشوء الامم يعرفون ان سعاده كان في
كتابه وفي فصل نشوء الدوله وتطورها وتحت عنوان الدولة
الديموقراطية القومية كان يصف ويفسر ويشرح كيفية نشوء تلك
الدوله الذي حدث منذ مئات السنين وسعاده لم يكن قد ولد بعد
والديموقراطية التعبيرية لم تكن موجودة!!
ايضا يقول المؤلف هي قاموسه، مثلا: "وفي
الديموقراطيه التمثيليه اجماع مطاوع بينما هناك في
الديموقراطيه التعبيريه اجماع فاعل.(5)"
حيث (5)هي كتاب نشوء الامم صفحه 130 يعني ان المؤلف ينسب
كلامه هذا الى سعاده في نشوء الامم، بينما الحقيقه
المكشوفه هي ان سعاده، مره اخرى، هو بريء بريء، بريء، من
هذا العبث وهذا اللعب على الالفاظ، لتزويرها وتحريفها
وتشويهها، الذي قام به الدكتور حيدر حاج اسماعيل.
أن في كتاب نشوء الامم كله، وليس فقط صفحة
130، لا يوجد اثر البتة، لا من قريب ولا من بعيد، لا من
كلمة ولا من فكرة للديموقراطيه التعبيريه. وان سعاده في
الصفحه 130 ذكر الاجماع الفاعل ونسبه الى الديموقراطيه
التمثيليه وليس التعبيرية كما اراد صاحب القاموس. الاجماع
الفاعل هو في الديموقراطية التمثيلية، حسب نشوء الامم، اما
الاجماع المطاوع فهو في خضوع الشعب كله لارادة الدوله غير
الديموقراطيه بالمره، ارادة الدوله الاوليه الاوتوقراطيه
والارستوقراطيه والدينيه التي لم تكن منبثقة من ارادة
الشعب ولم يكن هناك من تمثيل سياسي ولا من يمثلون!!
يقول سعاده في هذا المجال:"فالدوله
الديموقراطيه هي دوله قوميه حتما، فهي لا تقوم على معتقدات
خارجيه أو إراده وهمية، بل على اراده عامه ناتجة عن الشعور
بالاشتراك في الحياة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة.
الدولة اصبحت تمثل هذه الاراده فتمثيل الشعب هو مبدا
ديموقراطي قومي لم تعرفه الدول السابقة،
(اي الدول الاوليه الاوتوقراطيه
والارستوقراطيه والدينيه)
الدولة
الديموقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة
ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر بل مصلحة الشعب ذي الحياة
الواحدة الممثلة في الارادة العامة، في الاجماع الفاعل لا
في الاجماع المطاوع."
خلاصة الموضوع هو ان المؤلف، وفي حركة
بهلوانيةغير مفهومة، ينسب الاجماع الفاعل، حسب نشوء الامم،
الى الديموقراطية التعبيرية والاجماع المطاوع الى
الديموقراطية التمثيلية، بينما الحقيقة هي ان سعاده ينسب
الاجماع الفاعل الى الديموقراطيه التمثيلية،التي كانت
تمثيلية في عهد نشوء الدوله الديموقراطية القومية في
التاريخ، وينسب الاجماع المطاوع للدول السابقه اي
الاوتوقراطية والارستوقراطيه والدينيه. اما الديموقراطيه
التعبيريه فهي فكره جديده ليست موجوده في كتاب نشوء الامم
ولم تكن موجوده قبل سعاده، هي تفكير جديد، طريقة جديدة،
نظرية جديدة ، انقلاب تجيء به الفلسفة القومية الاجتماعية
و....ستمشي البشريه بموجبه في المستقبل.
إن ما كتبه الدكتور حيدر حاج اسماعيل في
قاموسه عن الديموقراطية التعبيرية هو نموذج ممتاز ليس فقط
عن التشويه والتسطيح والتسخيف لهذه الفكرة الفلسفية
الجديدة التي جاء بها سعاده الى سورية والعالم، هو نموذج
ليس فقط عن لعب الصغار وعبثهم بالمقولات والافكار الكبرى
التي جاء بها كبار مثل انطون سعاده ، هو نموذج ممتاز ليس
فقط عن كيفية الخربشه والجعلكه والتاتأه وتناول الابداع
بالخفه والعبقرية بالجهل والادعاء، بل ان ما كتبه الدكتور
حيدر حاج اسماعيل هو فوق ذلك كله نموذج عن التزوير.
اذا كنت انا اتحامل على الدكتور حيدر حاج
اسماعيل واظلمه فانا استأهل ان يحتقرني القراء
ويرجمونني،اما اذا كان ما اقوله صحيحا موثقا ليس فيه غير
الحقيقه الممكشوفه فأن صاحب القاموس لا يستأهل الا أن نقول
له: كف يدك عن الكتابه عن فلسفة سعاده، لقد كتبت ما فيه
الكفايه.
|