لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

قاموس المفاهيم القوميه الاجتماعيه

بقلم شحاده الغاوي

حلقة أولى  (11/1/2012)

 

منذ سنه ونصف( 2011) صدر للددكتور حيدر حاج اسماعيل كتاب اسماه : "قاموس المفاهيم عند سعاده "، رايت ان اتناوله ههنا بالنقد...معارضا بصورة خاصة أمرين إثنين:

اولا: معارضة أن يبادر رفيق واحد الى اصدار قاموس المفاهيم عند سعاده، لأن قاموس المفاهيم السورية القومية الاجتماعية ليس لواحد أحد أن "يستبد" ويقرره ويصدره هكذا دون مراجعة وموافقة اجماعية، نعم اجماعية، اقله من "المجازين" في العقيدة القومية الاجتماعية، اذا لم نقل من المؤسسات الحزبية الثقافية والإعلامية في الحزبين، التي من مهامها النظر في هذا الموضوع وانتاجه واخراجه للراي العام .

واني هنا اريد ان اقترح على هذين الحزبين تاليف لجنه مشتركة دائمة منهما من اصحاب الانتاج والاهتمام والاختصاص لمناقشة ومراجعة كل المؤلفات المشابهة لقاموس المفاهيم عند سعاده والتي تتناول فكر سعاده وفلسفته ونظرته الى الحياة، وتعلن للملا ما تجمع عليه وما تختلف عليه على السواء.  فما تجمع عليه يصبح قاموسا، وما تختلف عليه او فيه يصبح مادة خصبة للبحث والدرس وتسليط الفكر عليه للدفع باتجاه الاجماع في مستقبل الايام .

ان للدكتور حيدر حاج اسماعيل انتاجا كتابيا فكريا غزيرا كان محل تقدير كبير أحيانا، وأحيانا أخرى كان محل نقد وانتقاد واخذ ورد كبيرين، فكيف له وحده ان "يقرر" في المسائل الفكرية العقائدية ويصدر القاموس مع ما يعنيه القاموس، أي قاموس، من مرجع موثوق في المعرفه لا يرقى اليه الشك!؟

ليس للدكتور اسماعيل ان يعطي لنفسه الحق بجعل نفسه مرجعا أخيرا موثوقا في هذا المجال؟! (غالبا ما يستهل الدكمتور حيدر حاج اسماعيل قراءاته وخلاصاته الفكرية بعبارة: "الحق يقال")

يقول الدكتور اسماعيل في مقدمة كتابه ما يلي :

نشات فكرة هذا الكتاب عند عميد الثقافه في الحزب فله الفضل في التفكير بها ...ذكر لي العميد انه يرى ان يكون ذلك عن طريق تكليف عدد من المفكرين القوميين الاجتماعيين بالقيام بذلك مشاركة ...غير أني وقد رايت أان يكون إنجاز المشروع باسرع وقت ممكن لأهميته (مع ان العكس هو الصحيح اي أن اهمية الموضوع تقتضي عدم الاسراع والتسرع واختصار الوقت)، اقترحت عليه أن يسمح لي بانجازه، وهكذا حصل... فكل ما دار في خلدي ووافق عليه العميد هو الانجاز السريع للمشروع وليس إلا (يعني السرعه فقط وليس النجاح كما يفترض، هو ما دار في خلده).

نحن سنتجاوز هنا مسالة موافقة حضرة عميد الثقافه هل هي موافقة واضحة صريحة رسمية خطية صادرة عن مؤسسة عمدة الثقافه ام هي مجرد هزة راس مثلا، ولكننا نريد ان نعرف، والدكتور اسماعيل لم يذكر لنا , إذا كان حضرة العميد، وإذا كانت عمدة الثقافة كمؤسسة, قد وافق ووافقت على مضمون الكتاب كما أنتجه صاحبه، قبل صدوره.  إن الموافقة التي يجب أن يذكرها المؤلف، برأينا، الموافقة التي يعتد بها ويؤخذ بها، هي تلك الموافقه على مضمون الكتاب بعد انجازه وقبل إصداره، وليس تلك الموافقة او السماح بالمباشرة به. إن  أحداً لا يحتاج إلى أية موافقة لكي يقدم على أي جهد دراسي وكتابي طالما لم ينشر بعد، أو حتى لنشره وتوزيعه طالما كان رأيا شخصياً يبقى في إطار حرية الفكر والرأي والنشر لجميع الأفراد . فلو أن المؤلف سمى كتابه "قاموس المفاهيم عند سعاده كما يراها الدكتور حيدر حاج اسماعيل"، مثلا، لما كان احد يعترض او يحق له ان يعترض.

هنا لا بد من التذكير ب "لجنة النقد العقائدي" التي أنشاها سعاده سنة 1947، هذا نصها:

ان زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي

بياء على المواد الأولى والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من الدستور،

يرسم ما يلي:

ماده أولى: تنشا لجنه مشتركه بين عمدة الإذاعة وعمدة الثقافة لفحص المنتجات الأدبية والعلمية والفكرية ومبلغ تجانسها والعقيدة القومية الاجتماعية أو مخالفتها لها تسمى لجنة النقد العقائدي.

ماده ثانيه: ترفع اللجنة تقريرا بالمنتجات الأدبية إلى العمدتين للدرس في مجلس العمد وعرض النتيجة على الزعيم.

ماده ثالثه: تؤلف لجنة النقد العقائدي من المجازين في فهم الأصول العقائدية القومية الاجتماعية للبت بها.

ماده رابعة: يمتنع المنفذون العامون ونظار الإذاعة والمديرون والمذيعون عن ترويج أي نشرة او كتاب غير رسمي او غير مجاز، في نطاق المنفذية او المديرية سواء صدر عن عضو في الحزب مسؤول او غير مسؤول او عن شخص خارج الحزب، ويمنعون الرفقاء من الترويج الا إذا وردهم إشعار او توكيد رسمي من العمدة المختصة بوجوب ذلك او جوازه.

ماده خامسة: يعمل بهذا المرسوم من تاريخ تبليغه.

ماده سادسة: يبلغ لمن يلزم وينشر ويحفظ.

صدر في 26 نوفمبر 1947

الزعيم

الإمضاء

هذا ما رسمه حضرة الزعيم الجليل منذ اكثر من ستين سنه، اما اليوم...فستين سنة على الزعيم وعلى مرسومه وعلى لجنته وعلى المجازين في فهم اصول عقيدته، فالدكتور حيدر حاج اسماعيل هو من يصدر قاموس المفاهيم عند سعاده!!!

ثانيا :الاعتراض الثاني هو على مضمون "قرارات" الدكتور اسماعيل الفكرية حول العقيدة القومية الاجتماعية التي ضمنها قاموسه.

ان سعاده العالم والفيلسوف والمعلم والباني والزعيم و المصارع، الشهيد والحي الخالد المستمرة روحه في سوريه وفي العالم من خلال تاريخ سيرته وقيمه وعلمه وفلسفته ونظرته الى الحياة والكون والفن، لا يجوز تناول مفاهيمه بهذه السهوله وهذا الاستسهال، اذا لم نقل بهذا الاختصار والاجتزاء والاضافه والضبابيه التي ميزت قاموس الدكتور حيدر حاج اسماعيل.

ان سعاده قد وضع نظرته وفلسفته وقضيته في مبادئ أساسية ثمانية وأخرى إصلاحية خمسة سنة 1932 من القرن الماضي، ثم شرحها هو نفسه سنة 1948 في خلال محاضرات عشر القت نورا عليها سهل استيعابها وفهمها وادراك حقيقتها وصحتها واوضح ما قد يمكن ان يؤول على غير حقيقته منها. فاذا كان لا بد من زيادة شرحها وتوضيحها اليوم بعد اكثر من ستين سنه من  استشهاده، لمواكبة المصطلحات والأفكار الجديدة التي برزت في بلادنا وفي العالم، العولمة مثلا، أو غيرها، او لمواكبة تطور الوسائل الإعلامية والمعرفية والاتصالات، فان تلك المواكبة يجب ان تلقي نورا جديدا قويا عليها ينير مزيدا من كنوزها وأسسها المتينة، ولا يفترض أن تلقي عليها غمامة كما فعلت مواكبة الدكتور حيدر حاج اسماعيل.    ( يتبع )

قمة الصفحة

حلقة ثانية

 

ان التسرع والاستسهال والاختصار القاتل والاجتزاء والاضافه التي ميزت قاموس الدكتور اسماعيل يمكن الوقوف عليها في اكثر من مكان واكثر من موضوع، وهذا ما سنبينه فيما يلي، دون ان نعلق كثيرا على العيوب الشكليه العديده مثل المقاطع  الناقصه (صفحه34 مثلا) والكلمات التي حلت مكان كلمات (صفحه 111 الديموقراطية مكان الدكتاتورية)، ودون ان نعلق كثيرا على التطويل الممل غير الضروري في اماكن، والاختصار الزائد عن اللزوم مما يبخس الموضوع حقه في اماكن أخرى، مثلا: الاقتصاد يشرحه ضمن نصف صفحه، والعروبه أيضا، بينما افرد عشر صفحات نسخ فيها المرسوم السادس كله الخاص بقانون الضرائب المحليه والقانون المالي.

ولن نعلق كثيرا على ايراد العناوين والمواضيع التي لا علاقة لها بالعقيده والمفاهيم القوميه الاجتماعيه، وذلك لمجرد ان سعاده لفظها او استعملها، وهو لم يعطها أية معاني جديدة، مثل كلمات القبر والقدوة والوقت والنجاح والمستعمرة، وكلمة مدني وكلمة متكبر ومبدع وسفسطائيه والخلود والحماس والتسويف والاعتباطيه، مع ان المؤلف وعدنا في تمهيده للقاموس انه سيتقيد "بانتقاء المفردات التي وظفها سعاده بتعاريف ومعاني جديده "، في وقت أغفل وتجاهل المواضيع والمقولات والمفردات التي هي فعلا تحمل معاني جديدة غير موجودة خارج المفاهيم القوميه الاجتماعيه وهي جزء من اللغة الفلسفية القومية الاجتماعية، مثل الحق (الحق انتصار في معركه انسانيه تجري ضمن هذا الوجود، ولولا انتصار الحق وانكسار الباطل لما عرف ما هو الحق وما هو الباطل)، والحرية ( الحرية صراع ... ) ان مقالة الحق والحريه هي من اعظم ما كتب سعاده فهي كلها ابداع وكلها فلسفه وتستحق ان نصفها بالمقالة الخالدة!

ومثل الانسان المجتمع ( الانسان الحقيقي هو المجتمع اما الفرد فهو مجرد امكانيه انسانيه )في نظرة سعاده الى الانسان حيث يقول: "هذه هي فلسفة الإنسان الجديدة".

لا ندري كيف ان قاموسا للمفاهيم القوميه الاجتماعيه يغفل ويتجاهل هذه المقولات الفلسفيه الخطيرة!!

لن نعلق كثيرا اذا على هذه الاشياء وهذه العيوب في الكتاب-القاموس التي تقلل من قيمته كثيرا وتبرهن، وحدها، أن "الانجاز السريع للمشروع ليس إلا "، حسب ما أعلن المؤلف، كان عملا متسرعا  يا ليته ما كان، فما بالك بالأخطاء والأغلاط الكثيرة والكبيرة والشروحات المخالفة لحقيقة المعاني ولحقيقة المفاهيم القومية الاجتماعية، وحتى مخالفة للنصوص الصريحه لسعاده. هذه ما سنبدي ملاحظات واعتراضات عليها فيما يلي من هذا النقد، وسنركز، أكثر ما نركز، على قضيتين فكريتين أساسيتين هما المدرحية والديموقراطية.

ولكن قبل ذلك سنعلّق بسرعة على ما  "شرحه" لنا  المؤلف حول كتابي المحاضرات العشر ونشؤ الامم.

يقول المؤلف في مقدمته:"تشتمل هذه المقدمة شرحين قمت بهما لاهم مصدرين لاي مشتغل بفكر سعاده او باحث فيه او كاتب عنه او منشئ لقاموس مفاهيم مثل الوضع الذي انا فيه، وهما : نشؤ الامم والمحاضرات العشر. ولكونهما يتمتعان بهذه الصفه وجدت انه من المناسب ان اشرح هذين المؤلفين ..."

اذا نحن امام وجبه دسمه شهيه دعانا اليها المؤلف، انه سيشرح لنا اهم كتابين لسعاده، ولكننا لم نجد لا شرحا ولا من يشرحون بل وجدنا بدلا من ذلك تعليقات مختصره ومكرره حول اسم كتاب المحاضرات وحول فصول كتاب نشؤ الامم.

في شرح كتاب المحاضرات لا يشرح المؤلف شيئا بل يقتصر على اقتراح تغيير اسم الكتاب ليصبح كتاب الفلسفة القومية الاجتماعية مبديا دواعي اقتراحه، ومنها : "وقف التناقض التعليمي بل القضاء عليه في الحزب"، ويقول: "فيما يلي نذكر وباختصار نماذج من التشرذم الفكري الفاضح والفادح وباقلام بعض من كبار المفكرين القوميين الاجتماعيين واحيانا من موقعهم القيادي المسؤول:" يقول فيما يلي ، ويضع نقطتين ، وهنا ايضا يدعونا الى وليمه دسمه وشهيه ولكنه لا يقدم لنا شيئا! بدل ذلك يحيلنا الى كتاب اخر له صدر سنة 2006، يحيلنا إلى الهامش حيث في الهامش يقول:"انظر كتابنا: الفلسفه الماديه الروحيه عند سعاده، بيروت 2006."

اما في "شرح" كتاب نشؤ الامم فكل ما فعل المؤلف هو انه جهد لاقناعنا  (ونحن على كل حال مقتنعين) بأن الكتاب هو كتاب في علم الاجتماع، مضيفا أن له طبيعة اجتماعيه تأسيسية ( صفحه 30 ) وذلك  "بفضل استخدامه لغة علم الاجتماع متمثله بمفردات من قبيل المتحد الاجتماعي، المجتمع، المجموع، القيم الاجتماعية ، الدولة والتفاعل الاجتماعي."  ويستنتج بعد ذلك بأنه "كتاب علم الأفراد الاجتماعيين أو علم اجتماع الفرد الاجتماعي" (صفحه35).

ثم يختم: "وفي الكتاب نقرا أن الأمة جماعه من البشر، مما يعني مجددا ان كتاب نشؤ الامم هو كتاب علم اجتماع الأمة أو علم الاجتماع القومي."

إذاً، كل ما  "شرحه " المؤلف هو ان نشؤ الامم هو كتاب في علم الاجتماع، ثم انه كتاب في علم الافراد الاجتماعيين او علم اجتماع الفرد الاجتماعي، ثم اخيرا انه كتاب علم اجتماع الامه او علم الاجتماع القومي. (هل نحن امام شرح رصين  نشؤ الامم ام ماذا ؟!!)

ليس ذلك فقط، ان المؤلف قد "شرح" الكتاب فصلا فصلا حتى انتهى الى النتيجه الوارده فوق. فلننظر مثلا كيف شرح الفصل الخامس، كمثل:

"الفصل الخامس: المجتمع وتطوره: هنا، في هذا الفصل، يتحدث سعاده وبلغة علمية، عن المجتمع وبخاصة الممجتمع السابق العمران في العصرين الحجريين اللاحق والمتأخر، ثم عن الثقافة العمرانية في العصر المدني في سوريا ومصر، ثم يتحدث عن الثقافة الزراعية الصناعية والثقافة التجارية ونشؤ الرأسمال والمجتمع الرأسمالي."

هذا كل شيء ، هكذا  " شرح " المؤلف الفصل الخامس من كتاب نشؤ الأمم: لقد سرد لنا عناوين المواضيع التي تحدث عنها سعاده. هل هكذا يكون قاموس المفاهيم القومية الاجتماعية؟؟

بعد، في الصفحتين 94 و95 وتحت عنوان الجبهة العربية يقول المؤلف إنها "لتوحيد" الأمم العربية  بينما الحقيقة هي أن غاية الحزب هي السعي لإقامة جبهة عربية وهذا متمم لغاية الحزب السياسيه من الناحية الخارجية، ولا يعني توحيدا باي شكل من الاشكال.

وبعد، في الصفحه 64 وتحت عنوان الانسانيه التي رقمها 36 يقول المؤلف ان سعاده تساءل: ومن يدري هل يقدر للانسانيه ان تصير مجتمعا واحدا في مستقبل العصور.  ويقول إن سعاده يعني أن لا احد يدري. هذا ما يقوله  صاحب القاموس، أما سعاده فهو برئ من هذا التأويل. إن سعاده في مقدمة الفصل السادس عن نشؤ الدوله وتطورها كان يمهد لموضوعه بتذكير القارئ بما قاله في الفصل الرابع عن أن الاجتماع البشري عريق في القدم وانه صفة بشرية عامة وينبهه ان لا يعتقد ولا يؤول ذلك بان اجتماعيه الانسان شيوعية بلا حدود او قيود لان الواقع هو غير ذلك.

سعاده لم يكن يتساءل ولم يقل إنه لا يدري بل أن سعاده كان يؤكد أن المجتمع الإنساني ليس هو الإنسانية مجتمعة وان هذا واقع الآن والى أمد غير محدود . بهذا المعنى وردت عبارته: ومن يدري هل يقدر للانسانيه ان تصير مجتمعا واحدا في مستقبل العصور؟ انه كان يؤكد النفي ولم يكن تاركا الجواب مفتوحا.  مثل ذلك هو مثل من يقول : ومن قال لك انني سارق؟ او من يدري اذا كنا سنصبح  كلنا عباقرة؟ وهذا تأكيد أنني لست بسارق وأننا لن نصبح كلنا عباقره .

بل ان عبارة سعاده هي اقوى كثيرا في نفيها لاحتمال ان تصير الانسانيه مجتمعا واحدا من مثلي السارق والعباقره، لانه يكمل جملته بعبارة" مستقبل العصور" ، فاذا كان العصر الواحد هو عدة الاف من السنين فكم هي مدة مستقبل العصور؟ اننا نعلق على هذه المساله ونعطيها اهميه لانه قد جرت على السنة الكثيرين من منتحلي صفة مفكرين ان سعاده قد تساءل او سال نفسه هذا السؤال واجاب بمن يدري . اما الحقيقه فهي ان سعاده لم يتساءل ولم يسال ولم يجب بل نفى ان تكون الانسانيه هي انسانيه واحده واكد انها انسانيات عددها عددد القوميات .

مسأله اخرى ساعرج عليها الأن قبل الوصول الى الموضوع الاهم ،برأيي وهو موضوع المدرحيه ثم موضوع الديموقراطيه التعبيريه ,اعني موضوع الدكتاتوريه .

يقول المؤلف تحت عنوان الدكتاتوريه مايلي :

"يعلن سعاده بوضوح لا لبس فيه عن فكرتين تختصان بالحكم الاستبدادي الذي يسميه الدكتاتوريه :الفكره الاولى تفيد ان لا تكون الدكتاتوريه الا مرحليه والفكره الثانيه تتعلق يمهمة هذه المرخله او الغايه منها فيؤكد على على ان تكون غايه اجتماعيه تربويه ..."

نحن لا نوافق المؤلف على ان جديد سعاده في مسألة الدكتاتوريه هو الفكرتين التين اوردهما فوق، مع اننا نوافق على مسالة المرحليه، وبدل "الوضوح الذي لا لبس فيه" نرى ان المؤلف وقع في غموض وفي التباس حول مسألة الغايه التربويه المزعومه. ان جديد سعاده ليس  الغايه التربويه بل جديده هو فكرة "الدكتاتوريه الديموقراطيه" و"الاستبداد العادل"، وسنبين ذلك كما يلي:

نحن نعرف ان سعاده كان يعطي القضايا والمسائل حقها والكلمات معانيها غير متأثر بالاخطاء الشائعه والانطباعات الخاطئه حولها ، فهو مثلاَ  قد استعمل عبارة" السلائل المنحطه "والشعوب المنحطه تعبيرا علميا ليصف حالة شعوب تاريخيه لم تأخذ باسباب العمران والحضاره بسبب ظروف موضوعيه بيئيه او غيرها لا علاقة لها باهلية وكرامة وجدارة تلكم الشعوب التي اذا ما كانت قد وجدت في بيئات او ظروف موضوعيه مختلفه لكانت شعوبا عمرانيه وحضاريه. فكلمة  " منحطه " استعملها واعطاها معناها العلمي المجرد بعيدا عن ما هو عالق باذهان العامه من الناس بانها كلمه تستعمل للشتيمه او الاذلال او النيل من الكرامه الانسانيه .

وهكذا الدكتاتوريه والاستبداد، لقد اعطاهما معناهما الحقيقي في علم الاجتماع والسياسه الا وهو حكم الفرد الواحد المطلق، وهذا يختلف عن معنى الطغيان والظلم والقهر. ان جديد سعاده هو انه تكلم عن الدكتاتوريه الديموقراطيه وعن الاستبداد العادل المختلف عن الطغيان والظلم والقهر، وذلك في مقاله له بعنوان " النيابه والاستبداد سنة 1938 حيث يقول "يخلط الناس كثيرا بين الديموقراطيه والبرلمانيه، ثم بين الاستبداد (الدكتاتوريه) والطغيان، حتى ليجعلوا النظام البرلماني مرادفا للديموقراطيه، والطغيان مرادفا للاستبداد الديموقراطي" وايضا:"يمكننا ان نميز جيدا بين ما هو استبداد عادل وما هو طغيان، وبين ما هو ديموقراطي وما هو برلماني، فان الثقه المطلقه هي اساس ديموقراطي ...".

ان جديد سعاده في مسالة الدكتاتوريه هنا هو تعبير "الاستبداد الديموقراطي" او الديكتاتوريه الديموقراطيه اي التي تحظى بثقة الشعب ، خلافا للدكتاتوريه الجائره او الظالمه او الطاغيه المفروضه فرضا ضد ارادة الشعب، وليس جديد سعاده ما اراده المؤلف بانه الصفه التربويه.

ان ما استند عليه المؤلف للقول بالصفه التربويه هو قول سعاده : "مهمة الدكتاتوريه هي مهمة المعلم الذي يحجز حرية الطالب ليمرنه في الاتجاهات الصحيحه الى ان يشتد جناحه ويقوى." (مقالة ما هي الدكتاتوريه التي نعنيها )

لكن سعاده كان في هذه العباره يريد ان يذكر الصفه المرحليه، المؤقته ، للدكتاتوريه الديموقراطيه وليس الصفه التربويه، لانه اكمل عبارته وفسرها بنفسه و"بوضوح لا لبس فيه"  قائلا مباشرة بعد ذلك:"وهذا يعني ان الدكتاتوريه لا يجب ولا يمكن ان تكون نظاما دائما انما هي نظام مؤقت لنقل شعب من حاله الى حاله اخرى، من حالة فوضى الى حالة نظام، ومن ضعف الى قوه، ومن موت الى حياة، وهذا ما يجعلها نظاما لا بد منه في الامم التي اصابها شلل فكري وسياسي واقتصادي ..."

ان المؤلف انتبه الى "المعلم الذي يحجز حرية الطالب ليمرنه .."واستنتج من ذلك مهمة وغاية تربوية للدكتاتورية، ولم ينتبه لعبارة" الى ان يشتد جناحه ويقوى" التي تعني صفه المؤقت المقصودة من هذا المثل، وكان عليه ان يكمل قرائة عباره سعاده :"وهذا يعني ...".

نحن نستطيع ان نعطي مثلا عن الدكتاتوريه المؤقته في الطبيب الذي يحجز حريه المريض ويمنعه من الذهاب الى البيت ويضعه في المشفى الى ان تتحسن حالته ويشفى، فهل يجب ان يقودنا هذا المثل الى الاستنتاج ان مهمة الدكتاتوريه هي مهمه طبية؟، او مثل الشرطي او القاضي الذي يحجز حرية المرتكب ويحبسه مده معينه مؤقته كافيه لتهذيبه واعاده تأهيله، فهل نستنتج ان مهمة الدكتاتوريه المؤقته هي مهمه بوليسيه او قضائيه؟ طبعا لا.

ان مهمة او غاية الدكتاتوريه الديموقراطيه هي مهمه سياسيه بامتياز لانها هي سلطة الفرد المطلقه، الفرد العادل القادر، الذي يحتاج الى صلاحيات وضمانات لسلطته لقيادة شعب وامه ... ولا يجوزابدا اختصارها بالمهمه التربويه.

(يتبع)

قمة الصفحة

 

الحلقة الثالثة

         المدرحية
 

ان المؤلف لم يشرح المدرحيه ولم يعرفها في قاموسه. إنه يدور حولها وينوي ثم يستنكف. في المقدمه، مثلا، يقول في صفحه  18  "بقي سؤال واحد الا وهو :وما هي الفلسفه المدرحيه التي وردت في كتابات سعاده؟ وما علاقتها بفلسفته القوميه الاجتماعيه؟ اما الجواب فنقع عليه في محاضرته في مؤتمر المدرسين المنعقد عام 1948."

المؤلف لم يشرح شيئا عن المدرحيه وقد احال القارئ الى محاضرة الزعيم في مؤتمر المدرسين، ونحن نعلم ان تلك المحاضره لا تعرف المدرحيه ابدا ولا تشرحها اطلاقا وكل ما في الامر ان الزعيم ذكرها هناك بسرعه عندما وصف بها الفلسفه القوميه الاجتماعيه قائلا " الفلسفه القوميه الاجتماعيه المدرحيه ". يعني أن كل ما فعله المؤلف هو ان أحال القارئ الى احد الاماكن التي وردت فيها كلمة مدرحيه على لسان سعاده، واكتفى بذلك.  لم يجب على السؤال الذي طرحه ووعد القارئ بالاجابه عليه: ما هي الفلسفه المدرحيه التي وردت في كتابات سعادهك؟ إن كل ما فعله هو أن قال إن علاقتها بالفلسفه القوميه الجتماعيه هي أنها ذاتها الفلسفه القوميه الاجتماعيه .

نحن لا زلنا في المقدمه، ومن الواجب ان ندخل الى صلب القاموس، فهناك نتوقع ان نجدها. ذهبنا الى حرف "م" ووجدنا المقطع المخصص للمدرحيه رقم 187 على الصفحات 216، 217، 218 ثلاث صفحات تكلم فيها المؤلف عن أشياء كثيره ولكنه لم يتكلم عن المدرحيه لا شرحا ولا تعريفا، ولنكن منصفين، لقد لفت  المؤلف انتباهنا أن سعاده ذكر كلمة مدرحيه في خطابه في مؤتمر المدرسين سنة 1948 كما اراد المؤلف أن يقول إن المدرحيه، بما أنها فلسفه وبما أن الفلسفه تعني المبادئ، إذاً يمكننا أن نجدها في المبادئ، أنها هناك.

هذا كل ما استطاع المؤلف أن يقدمه لنا جوابا على السؤال الذي طرحه على نفسه قائلا: ما هي الفلسفه المدرحيه التي وردت في كتابات سعاده وما علاقتها بفلسفته القوميه الاجتماعيه؟ وكاني به يسألنا نحن القراء لكي نعطيه الجواب، وهو قد ارشدنا اين يجب أن نبحث، اذا كنتم تريدون أن تعرفوا ما هي المدرحيه يجب عليكم أن تعرفوا العقيدة والمبادئ والنظرة إلى الحياة والكون والفن لأن تطابقا موجودا بينها .

هذا التطابق هو بنظرنا صحيح الى درجه كبيره، مع أننا نفضل كلمة تشابه لا تطابق او مساواة، وهو قد ذكره في مقدمة قاموسه تحت عنوان المحاضرات العشر، لكن هذه المره، اي تحت عنوان المدرحيه، قد اضاف اليه العقليه الاخلاقيه الجديده فاصبح هكذا: "العقيده = المبادئ = الفلسفه = النظره = المدرحيه = العقليه الاخلاقيه الجديده".(صفحه 217)

في النهايه لا بد من أن نقول إنه لا يكفي ابدا في قاموس للمفاهيم القوميه الاجتماعيه أن نقول للناس: اذا كنتم تريدون معرفة المدرحيه اذهبوا وفتشوا عنها في مبادئ الحزب.  لا، هذا لا يليق بقاموس للمفاهيم.

نحن نوافق المؤلف الى حد كبير ان العقيده = المبادئ  وان الفلسفه = النظره الى الحياة، ولكن لا نوافقه بانها تساوي المدرحيه ولا انها تساوي العقليه الاخلاقيه الجديده. إن المدرحيه لا تساوي العقيده والفلسفه والنظره الى الحياة، بل هي صفه من صفاتها او ضلع من اضلعها او قسم من اقسامها أم قضيه من قضاياها أم جانب من جوانبها او ميزه من ميزاتها اوجزء من اجزائها اوفرع من فروعها او خاصة من خواصها او اساس من اسسها. في المحاضره الثانيه يقول سعاده ما يلي :

"لكل قضيه كليه على الاطلاق اضلاعا رئيسيه هامه كل ضلع منها يحتاج الى درس والى تحليل والى تعليل والى تفهم تام شامل. بديهي إذاً الاّ نتمكن من فهم قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي كلها بكامل اجزائها وفروعها وما تتكشف عنه من مناقب واهداف ساميه وما تتعرض له في سيرها من مثالب في الحياة الا بالدرس والتأمل الطويل، أن قضيه من هذا النوع تتكشف عن كل هذه الاهداف الخطيره تحتاج الى دراسه منظمه متسلسله لا تجمعها محاضرة واحدة او كتاب واحد بل هي تستمر ويستمر الفكر يتغذى منها ويتفتح على شؤون العالم مطلقا ... "

 المدرحية لا تساوي العقيدة والفلسفة والنظرة الى الحياة بل هي جزء من اجزائها او صفه من صفاتها، انها جزء شديد الخطوره لدرجه انه يمكن القول عنها انها  "فلسفه كامله"، بالضبط كما ان" الانسان-المجتمع" هي فلسفه كامله ايضا وقد قال عنها سعاده :"هذه في فلسفة الانسان الجديده" ( تظرة سعاده الى الانسان ) ، تماما كما هي النظره الروحية ، او النظرات الروحية، الى الحياة هي فلسفة كاملة ولكنها لا تساوي الفاشية او الاشتراكية القوميةه بل هي صفة من صفاتهما، تماما كما ان النظره المادية الى الحياة هي فلسفة كاملة ولكنها لا تساوي الماركسية او الراسمالية معا (والا صارت الماركسية تساوي الرأسمالية!) بل هي صفة من صفاتهما او اساس من اساساتهما ...الخ.

ان خطاب سعاده في مؤتمر المدرسين واصفا فلسفته بالمدرحيه لا يحتوي لا تعريفا ولا شرحا لهذه الصفة الهامة والخطيرة، لهذه الفلسفة الكاملة، وان اقتصار المؤلف على هذا المصدر كمكان لورود كلمة مدرحية لا يعطي المدرحية حقها ولا يعطي القاموس حقه ولا يعطي القارئ حقه.

مع ان المؤلف يقول لنا في تمهيده لكتابه بانه "تقيد بشرط الاطلاع على جميع مكتوبات سعاده" لا ندري لماذا اغفل، مثلا، أهم إشارات سعاده عن مدرحيته بعبارات وكلمات وجمل غنية ومليئة بالمعاني القوية والعميقة للفلسفة المدرحية الجديدة لسورية وللعالم كله ، لماذا مثلا اغفل مقال "النظام الجديد "الذي يدور كله على النظره المدرحيه، وبالتحديد لماذا اغفل رسالة سعاده المرسلة من الارجنتين في 10 كانون الثاني سنة 1947 وفيها يقول :

"في كل هذه المده الطويله وبعد كل هذه المحن العظيمه لم يضعف ايماننا بل قوي –إيمانكم بي وإيماني بكم. آمنتم بي معلما وهاديا للامة والناس ومخططا وبانيا للمجتمع الجديد وقائدا للقوات الجديدة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الى النصر. وآمنت بكم امه مثالية معلمة وهادية للامم، بنّاءة للمجتمع الانساني الجديد، قائدة لقوات التجدد الانساني بروح التعاليم الجديده التي تحملون حرارتها المحييه وضياءها المنير إلى الامم جميعها، داعية الى ترك عقيدة تفسير التطور الانساني بالمبدأ الروحي وحده، وعقيدة تفسيره من الجهه الاخرى بالمبدأ المادي وحده  والاقلاع عن اعتبار العالم، ضرورة، عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، والى التسليم معنا بأن أساس الارتقاء الانساني هو اساس روحي –مادي ( مدرحي ) وأن الانسانيه المتفوقه هي التي تدرك هذا الاساس وتشيد صرح مستقبلها عليه .

ليس المكابرون بالفلسفه الماديه بمستغنين عن الروح وفلسفته ولا المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين عن المادة وفلسفتها. ان العالم الذي ادرك الان، بعد الحرب العالميه الاخيرة، مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئيه الخصوصيه – الفلسفات الانانية التي تريد ان تحيا بالتخريب - فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي انتهت في الاخير بالاتحاد مع صنوها الماديه الرأسمالية بقصد نفي الروح من العالم، وفلسفة الروح الفاشية وصنوها الاشتراكية القومية المحتكرة الروح، الرامية إلى السيطرة به سيطرة مطلقه على أمم العالم وشؤونها- هذا العالم يحتاج اليوم الى فلسفة جديده تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها. وهذه الفلسفه الجديدة التي يحتاج اليها العالم - فلسفة التفاعل الموحد الجامع لقوى الانسانيه - هي الفلسفه التي تقدمها نهضتكم".

لماذا أغفل المؤلف هذه المراجع والشروح المكثفه عن المدرحيه، هل لانه نسيها ام لانها لا تتفق مع تعريف سابق له عن المدرحيه بانها تعني الماده في المزيج السلالي والروح في القوميه؟

 

قمة الصفحة

 

الحلقة الأخيرة

الديموقراطية التعبيرية
 

ناتي الان الى الحلقه الرابعه والأخيره والتي تدور حول الديموقراطيه التعبيريه.  في هذا الموضوع ايضا سنرى العجبَ العِجاب مما قاله مؤلف القاموس ونسبه زورا وبهتانا الى سعاده، وسعاده منه براء.  يقول :

"غير ان سعاده الذي ميز بين نوعين من الدكتاتوريه نراه يميز بين نوعين من الدموقراطيه التمثيليه: فهناك ديموقراطيه تمثيليه تمثيليه وهناك ديموقراطيه تمثيليه تعبيريه،وهذه،اعني الديموقراطيه التمثيليه التعبيريه،هي ما اراده سعاده."

اولا: لا، ليس صحيحا أن سعاده ميز بين نوعين من الديموقراطيه التمثيليه. هذا ليس صحيحا ابدا وأن سعاده لم يشر إلى ذلك لا تصريحا ولا تلميحا، وأن تعبير الديموقراطيه التمثيليه التعبيريه وتعبير الديموقراطيه التمثيليه التمثيليه، فضلا عن افتقارهما لأي معنى مفيدا، هما تعبيرين خاصين بالمؤلِّف حيدر حاج اسماعيل وحده، وأن سعاده بريء من هذا الهذر وهذه الثرثرة.

ثانيا: أن أحدا لا يحتاج الى كثير جهد ليبين الفراغ والخواء في هذين التعبيرين، فما الفرق يا ترى بين التمثيلية من جهة والتمثيلية التمثيلية من جهه اخرى؟!  وما هو الفرق بين الاولى (او الثانيه) من جهة والتمثيلية التمثيلية التمثيلية من جهه اخرى؟!  وهكذا فأنه يمكننا أن نخترع عبارات، ونسمّيها مقولاتٍ وافكاراً، مثل التعبيرية التعبيرية والتعبيرية التمثيلية والتمثيلية التعبيرية التمثيلية والتعبيرية التمثيلية التعبيرية...الخ والثرثرة ليس عليها ضريبة.

ثالثا: أن المؤلف يجاهد ليقوِّل سعاده هذه الاقوال الخاوية من أي معنى، ولا يتورع من ان يحيل القارئ الى مراجع معينه لسعاده، إسم الكتاب والصفحة أيضاً، في عملية هي أقرب إلى التزوير والغش منها إلى أي شيءٍ آخر، فليس جميع القراء مستعدين للرجوع إلى تلك المراجع أو ليس لهم اتصال سريع بها للتأكد من صحة مزاعم المؤلف او عدمها، فلا بد ان يفهموا ويصدِّقوا أنّ مستوى كلام سعاده هو في هذا الهبوط والدنو.

يقول المؤلف:"وفي تمييزه بين نوعي التمثيل يذكر سعاده ما يلي: الديكوقراطيه التمثيلية التمثيلية هي مجرد شكل بينما الديموقراطية التمثيلية التعبيرية هي شكل له مضمون هو مصلحة الشعب والتعبير عنها (3)."

انتبه ايها القارئ الى: "سعاده يذكر ما يلي:" وانتبه الى المرجع"(3)" حيث المرجع هو الاثار الكامله جزء 7 صفحه 29.

إن المفترض أن يكون النص أو الكلام هنا هو لسعاده، بينما الحقيقه التي تصفع هي أن هذا النص أو الكلام ليس لسعاده أبدا بل هو للمؤلف، والمؤلف ،وأن لم يضع هلالين، أراد ان يحمِّل كلامه ونصه لسعاده زورا وبهتانا!!

إن سعاده في (3) اي الاثار الكامله الجزء السابع الصفحه 29، لا يذكر أبدا لا الديموقراطية التمثيلية التمثيلية ولا الديموقراطية التمثيلية التعبيرية المزعومتان. وأن سعاده لا يميز لا في هذا المرجع ولا في غيره بين نوعي التمثيل المزعومين من قبل المؤلف وحده.  بل أن سعاده يميّز بين التمثيل والتعبير(ولا يدمجهما) ويقول إن التمثيل هو شيء جامد يتعلق بما قد حصل أما التعبير فغرضه ادراك شيء جديد، وسنرى ذلك بعد قليل.

إن معنى "التعبير" هو أهم بكثير وأعمق بكثير وأخطر بكثيرمن مجرد أن "له مضمون هو مصلحة الشعب" الذي اعطاه اياه المؤلف اعتباطا.

إن تسخيف افكار سعاده الفلسفية الجديدة، إن تسطيح هذا "الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشريه بموجبه في المستقبل"  وأن اختصار هذا "الانقلاب الذي تجيء به الفلسفه القوميه الاجتماعيه" بمجرد فكرة عادية، يمكن لأي شخص عادي ان يدركها، وهي "ان له مضمون هو مصلحة الشعب"، ووضع ذلك كله في قاموس للمفاهيم القوميه الاجتماعيه، لهو عمل يستحق صاحبه اكثر بكثير من هذا التعليق وهذا النقد.

ليست مهمتنا هنا الان شرح الديموقراطية التعبيرية الجديدة، فهذه مهمة ليس هنا مكانها (لي دراسه في ذلك اسمها : هذه هي الديموقراطيه التعبيريه نشرتها على هذا الموقع منذ عدة سنوات)، بل مهمتنا الان هي التعليق على خلا صات المؤلف ونفيها من قاموس المفاهيم القوميه الاجتماعيه. ولكن لا بأس من إلقاء بعض الضوء على بعض الامور علّنا بذلك نزيل الغمامه التي القاها المؤلف عليها.

قلنا إن سعاده يميز بين تمثيل الاراده العامه والتعبير عن الاراده العامه، والحقيقه أنه قد انتقد الاولى انتقاداً حاداً مقدماً شيئاً جديداً بديلا عنها وخلافا لها وهو التعبير عن الاراده العامه . ما يلي نورد بعضا من النصوص الموجزه المتعلقه بهذا الموضوع :  "وقد تحقق الزعيم عجزه (جبران مسوح) عن إدراك النقاط الجوهرية في القضايا الإجتماعية- السياسية الكبرى من عدّة إمتحانات: في سنة 1940 زار الزعيم مدينة سانتياغو دل إستيرو لدعوة المواطنين إلى النهضة القومية، وصحبه في هذه الرحلة جبران مسوح. فالقى الزعيم محاضرة إشتملت على نظرية من أروع النظريات الإجتماعية- السياسية ويصح أن تسمى هذه النظرية نظرية "الديمقراطية التعبيرية" خلافاً "للديمقراطية التمثيلية " الشائعة في العالم. وكلف جبران مسوح تدوين ماسيقوله وتلخيص المحاضرة لترسل إلى " سورية الجديدة" ففعل هذا كما أشار الزعيم. ولما عرض تلخيصه عليه وجد الزعيم أنه اغفل بالكلية شأن النظرية الخطيرة التي أعلنها والتي هي أهم مافي تلك المحاضرة، لأنه لم يفقه لها معنى ولايعرف لها قيمة.  فإضطر الزعيم إلى تعديل التلخيص وإكماله بنفسه.  ولما ظهرت نظرية الزعيم في سورية الجديدة ووصلت إلى الدارس والمفكر القومي الكبير فخري معلوف وهو بعد طالب فلسفة في جامعة ميتشيغن في أمريكانيا، أدرك حالاً خطورتها ورأى أنها تصلح مستند ثقة لرأي خاص كان قد توصل إليه بتفكيره الخاص في معالجة القضايا الإجتماعية – السياسية في أساسه الفلسفي من وجهة نظر عقيدتنا ومبادئنا." (مقالة نسر الزعامه ووحول توكومان)   

"إن الديمقراطية اسم تنطوي تحته أشكال عديدة، وكل شكل له خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل آخر." (مقالة بحث الديمقراطية عن عقيدة)

"الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية-الإقتصادية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها." (المصدر نفسه)

"السوريون القوميون يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية الخطيرة، وأن العالم باسره ينتظر منهم تفكيراً جديداً، ولا سيما من الوجهة الديمقراطية التي أصبحت الآن مبهمة، فالسوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها الى العالم كاملة... فالسوري المفكر يجب أن يهتم في إنقاذ الديمقراطية من الهلاك، وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل إليها تفكيراً ينطبق على ما وصل إليه الناس من العلم والمعرفة فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من كل مهاجمة وتعدٍ". (خطاب سانتياغو)

"إن الديمقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل عن الأساس، فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب اخذ يئن من شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة وصار ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الإنقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة القومية الإجتماعية القائلة بالعودة الى الأساس والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة، الذي هو شكل ظاهري جامد." (المصدر نفسه)

"سورية القومية تضع أمام العالم اليوم فكرة التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة العامة التي لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة."

"فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها – التعبير عن إرادة الشعب – وقد يكون التعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد."

"فهذه الفكرة الجديدة، أي التعبير عن إرادة الشعب، هي الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، هو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائما كما تريد الأمة."

"التمثيل أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما قد حصل اما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد. هذا هو الخلل الإجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة."

"إننا نشق طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي يأخذه الناس عنّا. أن التفكير الحاضر دخل طور الشيخوخة في العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به سعادتها وراحتها وحريتها، وهذا البضاعة الجديدة سيخرج أكثرها وأفضلها من سورية بلاد العبقرية والنبوغ." (المصدر نفسه)

إن سعاده يعطي كلمة "التعبير عن الاراده العامه" معنى فلسفياً جديداً مثلما فعل مع كلمات وتعابير مثل الامة (هيئه تحقق فيها الوعي)، والمجتمع (المجتمع غير المجموع)، والانسان (الانسان–المجتمع)، والحق (الحق انتصارفي معركه انسانيه...)، والحريه (الحريه صراع)، والمادية–الروحيه (المدرحيه، فلسفة التفاعل).

إن التعبير بمعناه الجديد في نظرة سعاده وفي ديموقراطيته الجديدة، هذا الانقلاب الذي تجيء به الفلسفه القوميه الاجتماعيه، هذا الاكتشاف الجديد الذي ستمشي البشريه بموجبه فيما بعد، هو شيء جديد جديد جديد لايتحد مع التمثيل ولا يرافقه او يأتلف معه او يصاحبه، لانه بديلٌ عنه، وخلافٌ له، وانقلابٌ عليه.

التعبير لم يعد مجرد التعبير الحسن عن الرأي، وليس مجرد أن مضمونه مصلحة الشعب، أن التعبير في قاموس المفاهيم القومية الاجتماعية الصحيح، اصبح تحقيقَ شيءٍ جديدٍ، نقلَ الامةِ من حالةٍ الى حالة، جعلَ البلاد دائما كما تريد الامة، القدرةَ على التكييف والتغيير، اعطاءَ الارادة العامة وسائل التنفيذ الموافقة ...(هذه كلها عبارات لسعاده).

اما كيف يكون ذلك، وما هي وسائل التنفيذ الموافقه، فالجواب هو بالنظام القومي الاجتماعي الجديد الذي "يقوم على قواعد حيوية تأخذ الافراد الى النظام وتفسح امامهم مجال  التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم" هذا النظام الذي هو "نظام قومي اجتماعي بحت لا يقوم على التقليد الذي لا يفيد شيئا بل على الابتكار الاصلى الذي هو من مزايا شعبنا".

إن القادة التعبيريون ليسوا هم القادة الذين يحسنون التعبير عن مصالح الشعب وارادة الشعب فحسب، بل هم الذين يمتلكون القدره على تحقيقها وانجازها وتنفيذها وجعل البلاد دائما كما تريد الامة، وذلك بفضل ما يمتلكون من مواهب ومؤهلات  وقدرات وامكانيات مادية وروحية نفسية من علم ومهاراتٍ واخلاق.

 إذاً التعبير بالمعنى الفلسفي الجديد والنظرة الجديدة للديمقراطية لم يكن المقصود به مجرد أن يحسن أحدنا التعبير عن رأيه، ليس هو التعبير الحسن عن الرأي، فيمكن أن نعبّر عن رأينا ولا نستطيع تحقيق إرادتنا بتنفيذ هذا الرأي.  يمكن أن نعبّر جيداً عن رأينا ونعجز عن فعل شيء لتحقيق هذا الرأي.  إن توفر شرط الاهليه، شرط  المواهب والمؤهلات والقدرات والامكانيات هو هو المفتاح الذهبي لفهم قضية التعبير والديموقراطيه التعبيريه.

إن الإنتخابات العامة، التي يشترك فيها الشعب كله، هي شكل من أشكال ممارسة السيادة، شكل من أشكال ممارسة الديمقراطية.   أما الديمقراطية نفسها فلا تعني انتخابات، ليست بالضروة انتخابات، وأن الإنتخابات لا تعني "دائماً" ديمقراطية.

إن الديمقراطية هي أن تكون السلطة حائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته أكان ذلك عن طريق اشتراك جميع افراد الشعب بتسمية رجال السلطة، عن طريق الانتخابات، ام لم يكن.  إن الديمقراطية التمثيلية تحتاج حتماً لإنتخابات شعبية تفرز الشعب أكثرية وأقلية والسلطة تمثل الأكثرية، تعمل بإرادة الأكثرية، أما الديمقراطية التعبيرية فتحتاج إلى "شرط الأهلية" ان يكون متوفراً في رجال السلطة الى جانب أن يكونوا حائزين على قبول ورضى وثقة الشعب. وإن "شرط الأهلية" لا تقرره أكثرية أو أقلية، ويعني ذلك أن الإنتخابات-التصويت الذي يؤدي إلى أكثرية وأقلية ليس هو الطريقة التي يتم بواسطتها تأمين شرط الأهلية،  ان شرط الأهلية،  أن المواهب والمؤهلات،  أن الرتب، تكتسب اكتسابا وتحصّل تحصيلا، وتبنى درساً درساً وبرهاناً برهانا في مسيرة جهاد وصراع مستمر يومياً ودائماً...الخ، ولا تمنح منحاً ودورياً أو موسمياً ولا تقررها صناديق الانتخابات.  إن الديموقراطية التعبيرية ليست ضد الانتخابات بعد توفر شرط الاهلية، انها مع الانتخابات-التصويت بعد توفر شرط الاهلية وبعد توفر شرط الوحدة الاجتماعية وحصول تنبه الشعب لوحدة حياته ووحدة مصالحه، وليس قبل ذلك.

هذه كانت، بسرعه، عناوين وخطوط عريضه لديموقراطية التعبير الجديده، والان يجب ان نعود الى الموضوع الاساس الذي بدأنا به، أعني قاموس الدكتور حيدر حاج اسماعيل.

إن كتاب نشوء الامم الذي استعمله صاحب القاموس" ليشرح" ديموقراطيته التمثيلية التعبيرية المزعومة هو كتاب علمي وصفي تفسيري لوقائع نشوء الامم وليس لشرح فلسفة سعاده الجديدة ونظرته الديموقراطية، أنه ليس مكانا لفكرة الديموقراطيه التعبيريه.  لا بأس من القاء ضوء ، الآن، على هذا الكتاب واستعراض فصوله بسرعه وتبيان سياقها وكيف توصل صاحبه الى تفسير نشوء الدوله الديموقراطيه القوميه الذي حدث منذ قرون عديده .

الفصول الاولى والثانيه والثالثه والرابعه والخامسه والتي تدور حول كل من: نشوء النوع البشري، السلائل البشريه، الارض وجغرافيتها، الاجتماع البشري والمجتمع وتطوره هي الفصول التي تبحث الاساس المادي للاجتماع، اما في الفصل السادس فيبدأ سعاده بدرس البناء النفسي. يقول في مطلع هذا الفصل:

"تقصينا فيما دوناه آنفا الاساس المادي للاجتماع البشري واحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسي لهذا الاجتماع، ولعل الدولة اجدر الشؤون المظاهر الثقافيه تمثيلا للحياة العقليه التي هي من خصائص الاجتماع الانساني حتى ليمكن القول إن الثقافه الانسانيه والدوله صنوان. إن كلامنا على الدولة، اجتماعيا، يجب ان يتخذ نقطة الابتداء في واقع الدولة، أي في المجتمع المركب ولو تركيبا بسيطا، ولا يجب ان يبرح من ذهننا ان هذه النقطه وهميه، فأطوار الاجتماع البشري ليست مقاطع مستقلا الواحد منها عن الاخر كل الاستقلال."

ثم يدخل سعاده في استقصاء تطور الحقوق في هذه المجتمع المركب،لانه يقول: "ليست الدوله في ذاتها مقياسا للثقافه العقليه بل بما تنطوي عليه من حقوق، فلا بد لنا من القاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكن من فهم نشوء الدوله وتطورها في ظروفهما. يجب أن ننظر الى الحقوق اذا كنا نريد ان نحصل على تحديد حقيقي للدولة."

يبدأ في استعراض الحقوق الاوليه تحت عناوين: الطوطميه والتناسخ، الزواج الخارجي، الحقوق الامويه، الحقوق الابويه، الزواج الفردي والعقد، الزواج بالشراء، الاستعباد والثأر، ولما لم يجد في تلك الحقوق عناصر دولة يقول:

"اثبتنا فيما تقدم صورة للحقول الأهليّة التي هي نتيجة القوى المناقبيه التي تعمل في المجتمع لتأمين سلامته، وفي هذه الحقوق لا نجد الدوله بل المجتمع وأوهامه(دينه) وعاداته، ولسنا نجد واقع الدوله الا حيث نجد في المجتمع قوه فيزيائيه تخضع وترهب."(متبنيا فكرة فيركنط مع تعديل). وهنا يعيد سعاده ما ذكره سابقا من تذكير القارىء وتنبيهه من  "انه لا يمكن تعيين حدود حقيقيه فاصله بين طور من اطوار الثقافه الاجتماعيه وغيره ففي رجوعنا الى اوائل عهد الدوله نظل نتوغل في الماضي وننحدر مراقي الثقافه حتى نبلغ نقطة تلتقي عندها السياسه بالاجتماع فكانهما شيء واحد."

بعد التوغل في الماضي لايجاد بداية نشوءما يمكن تسميته دولة ،يقول :"نجد نقطة الاتصال بين الدوله والمجتمع في الطوطميه، ففي تقارب الطواطم بعضها مع بعض واتحاد عشائرها في الزواج وانشاء الطوطم المكاني الذي يجمع الكل في متحد اجتماعي ينقسم الى طواطم فرعيه، نجد نظام الدوله العشائريه او القبليه التي لا يكون جزئا منها الا من هو ابن العشيره الداخله في هذا النظام."(يتبنى كولر صفحه33)

بعد ذلك تكلم سعاده عن "فوارق السلطه" (لا يزال يدرس الاقوام الاوليه الفطريه) وقال:"ان كل دوله مهما كانت بسيطه تتألف من ثلاث وظائف تشريعيه وتنفيذيه وقضائيه تقوم على ثلاثة اصناف سياسيه لكل مجتمع له ابتداء دولة هي: الجنس والسن والشخصية."

بعد ان يشرح ذلك ويلقي نظره على التشريع والقضاء لدى تلك الاقوام (الاتصال بعالم الارواح) ينتقل الى الكلام عن الاشكال الرئيسه للدوله التي هي الشكل الديموقراطي في ابسط واولى حالات الدوله التي هي اولى حالات التطور الاجتماعي في العشيرة او القرية حيث يمكن اجتماع الشعب كله، ثم الشكل الاوتوقراطي, ولعل الحرب هي ادعى الامور الى نشوء الشكل الاوتوقراطي ولعل الملكيه الصغيرة نشأت على يد البطل الحربي الظافر. ومن الشكل الاوتوقراطي يظهر الاقطاع بشكل ولاية لرجل من اهل الامير(الحاكم الفرد) يتصرف بالمقاطعه الموكله اليه بمطلق ارادته.  وعن طريق الاقطاع نرتقي الى الشكل الارستوقراطي(حكم الاقليه المفضله).

بعد ذلك يلقي لمحه تتناول ادارة تلك الدوله الاوليه في اشكالها الاساسيه الثلاث ثم ينتقل الى دراسة الدولة التاريخية او الدولة الارضية التي يبتدئ عهدها في الاقوام الثقافيه الخارجة من العصر الحجري الى العصر المعدني في بابل وكنعان ومصر. وفي هذه يدرس الدوله الاستبداديه وعهد الامبراطوريات الاولى(على مدى خمس صفحات) ثم الدولة المدينية والامبراطورية البحرية (12صفحه) ثم الدوله الدينية(خمس صفحات) ثم اخيرا الدولة الديموقراطية القومية، وهو العنوان الأخير في هذا الفصل وهو ما استشهد مؤلف القاموس ببعض عباراته ليبرهن مقولته الوهميه الخاويه حول نوعي الديموقراطيه التمثيليه المزعومين.

اولا: نحن نتعجب اشد العجب كيف ان المؤلف يبحث في كتاب سعاده العلمي عن الفكره الفلسفية القومية الاجتماعية، وهو الذي قال وشدد وكرر عدة مرات وفي عدة اماكن من قاموسه وفي كتب اخرى له ان الفلسفة والعقيدة والنظرة هي في المبادئ, في المحاضرات العشر، وليس في نشوء الامم.

ثانيا: إن المؤلف لجأ الى كتاب نشوء الامم ووجد فيه عبارة "التمثيل السياسي" والتمثيل السياسي هو الوسيلة التي مكنت المتحد من ممارسة سيادته في اول عهد نشوء الدوله الديموقراطيه القوميه، وذلك هو ما قاله سعاده ونقله عن (جنكس1926).

لقد التقط المؤلف هذه العبارة وحشرها في تعريغه للديموقراطية التعبيرية الجديدة عند سعاده ليوحي ان سعاده يتبنى الديموقراطية التمثيلية او احد نوعيها المزعومين.  لكن قرّاء نشوء الامم يعرفون ان سعاده كان في كتابه وفي فصل نشوء الدوله وتطورها وتحت عنوان الدولة الديموقراطية القومية كان يصف ويفسر ويشرح كيفية نشوء تلك الدوله الذي حدث منذ مئات السنين وسعاده لم يكن قد ولد بعد والديموقراطية التعبيرية لم تكن موجودة!!

ايضا يقول المؤلف هي قاموسه، مثلا: "وفي الديموقراطيه التمثيليه اجماع مطاوع بينما هناك في الديموقراطيه التعبيريه اجماع فاعل.(5)" حيث (5)هي كتاب نشوء الامم صفحه 130 يعني ان المؤلف ينسب كلامه هذا الى سعاده في نشوء الامم، بينما الحقيقه المكشوفه هي ان سعاده، مره اخرى، هو بريء بريء، بريء، من هذا العبث وهذا اللعب على الالفاظ، لتزويرها وتحريفها وتشويهها، الذي قام به الدكتور حيدر حاج اسماعيل.

أن في كتاب نشوء الامم كله، وليس فقط صفحة 130، لا يوجد اثر البتة، لا من قريب ولا من بعيد، لا من كلمة ولا من فكرة للديموقراطيه التعبيريه.  وان سعاده في الصفحه 130 ذكر الاجماع الفاعل ونسبه الى الديموقراطيه التمثيليه وليس التعبيرية كما اراد صاحب القاموس. الاجماع الفاعل هو في الديموقراطية التمثيلية، حسب نشوء الامم، اما الاجماع المطاوع فهو في خضوع الشعب كله لارادة الدوله غير الديموقراطيه بالمره، ارادة الدوله الاوليه الاوتوقراطيه والارستوقراطيه والدينيه التي لم تكن منبثقة من ارادة الشعب ولم يكن هناك من تمثيل سياسي ولا من يمثلون!!

يقول سعاده في هذا المجال:"فالدوله الديموقراطيه هي دوله قوميه حتما، فهي لا تقوم على معتقدات خارجيه أو إراده وهمية، بل على اراده عامه ناتجة عن الشعور بالاشتراك في الحياة الاجتماعية الاقتصادية الواحدة.  الدولة اصبحت تمثل هذه الاراده فتمثيل الشعب هو مبدا ديموقراطي قومي لم تعرفه الدول السابقة، (اي الدول الاوليه الاوتوقراطيه والارستوقراطيه والدينيه)  الدولة الديموقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الارادة العامة، في الاجماع الفاعل لا في الاجماع المطاوع."

خلاصة الموضوع هو ان المؤلف، وفي حركة بهلوانيةغير مفهومة، ينسب الاجماع الفاعل، حسب نشوء الامم، الى الديموقراطية التعبيرية والاجماع المطاوع الى الديموقراطية التمثيلية، بينما الحقيقة هي ان سعاده ينسب الاجماع الفاعل الى الديموقراطيه التمثيلية،التي كانت تمثيلية في عهد نشوء الدوله الديموقراطية القومية في التاريخ، وينسب الاجماع المطاوع للدول السابقه اي الاوتوقراطية والارستوقراطيه والدينيه.  اما الديموقراطيه التعبيريه فهي فكره جديده ليست موجوده في كتاب نشوء الامم ولم تكن موجوده قبل سعاده، هي تفكير جديد، طريقة جديدة، نظرية جديدة ، انقلاب تجيء به الفلسفة القومية الاجتماعية و....ستمشي البشريه بموجبه في المستقبل.

إن ما كتبه الدكتور حيدر حاج اسماعيل في قاموسه عن الديموقراطية التعبيرية هو نموذج ممتاز ليس فقط عن التشويه والتسطيح والتسخيف لهذه الفكرة الفلسفية الجديدة التي جاء بها سعاده الى سورية والعالم، هو نموذج ليس فقط عن لعب الصغار وعبثهم بالمقولات والافكار الكبرى التي جاء بها كبار مثل انطون سعاده ، هو نموذج ممتاز ليس فقط عن كيفية الخربشه والجعلكه والتاتأه وتناول الابداع بالخفه والعبقرية بالجهل والادعاء، بل ان ما كتبه الدكتور حيدر حاج اسماعيل هو فوق ذلك كله نموذج عن التزوير.

اذا كنت انا اتحامل على الدكتور حيدر حاج اسماعيل واظلمه فانا استأهل ان يحتقرني القراء ويرجمونني،اما اذا كان ما اقوله صحيحا موثقا ليس فيه غير الحقيقه الممكشوفه فأن صاحب القاموس لا يستأهل الا أن نقول له: كف يدك عن الكتابه عن فلسفة سعاده، لقد كتبت ما فيه الكفايه.

 

قمة الصفحة

صفحة رئيسة
Up
رسالة الى الرفيق منير حيدر
ملحق "هذه هي الديمقراطية التعبيرية"
في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي
مداخلة على "حقيقة الفرد للرفيق حنا
ماذا يعني لي شرفي وحقيقتي ومعتقدي
قضية الإنتماء والحرية الصراع
الحوار الإسلامي المسيحي
هذه هي الديمقراطية التعبيرية
نشؤ الامم كتاب علمي
مقالك رائع
عودة الى مقالة مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين
شوقي خيرالله وحرب طواحين الهواء
نجم آخر يستقط من سماء الإيمان والفقر
إسرائيل باقية ما بقيت العوامل التي سمحت بقيامها
رسالة الى فراس
المقاومة أو تنتصر او تنتحر
كلام في الأساس
قاموس المفاهيم