|
الطائفة، بحكم تكوينها وطبيعتها الأساسين،
هي وجودٌ انعزاليٌّ، انشقاقيٌّ، تقود إليه اختلافات في
الآراء حول مواضيع معينة بين مجموعة من الناس وسائر البيئة
التي انبثقوا منها. فالطائفة قلّما تنشأ عن فكر أوليٍّ
مستقلٍّ، بل غالباً ما تكون نتيجة موقفٍ رافضٍ أو تفسيرٍ
مغايرٍ لفكرةٍ سائدةٍ في بيئة معينة من الناس.
في بلادنا، كان نشؤ الطوائف ضمن بيئاتٍ
دينية، البيئتين المسيحية والمحمدية تحديداً. فكل طائفة
لها تفسيراتها الخاصة لمسائل دينية أو ما تفرّع منها من
مسائل أخرى. هذا يعني أن الاجتهاد الإنساني هو الذي يأخذ
الفكرة الدينية إلى حيث يريد وغالباً ما يحمّلها ما لا
قدرة لها على حمله من معانٍ واجتهادات. إن التفسيرات
المتناقضة والمتنافرة والمختلفة للأفكار الدينية الأساسية
عينها، ووقوف أصحابها بقوة ورائها، هي دليل قاطع على أن
الإيمان الديني قد تحوّل من فكرة الإيمان بالله الواحد
ومحبة الله إلى صراعٍ دنيويٍ حقيقي بين الناس لا علاقة لله
به، لا من قريبٍ ولا من بعيد.
إن الصراع بين الطوائف المختلفة لم يتوقف
عند حدود الصراع الفكري، بل اتخذ أشكالاً مختلفة تتراوح
بين المضايقة والمعاكسة السياسية إلى الاضطهاد والقمع
والتهجير والحروب. ذلك أن الطائفة لم تكن موقفاً فكرياً
رافضاً لغيره من الأفكار ، بل كانت في كثيرٍ من الأحيان
مشروعاً انعزالياً يحمل رغبة في الانعزال الجغرافي أو
سيطرة السياسية للطائفة على ما عداها من طوائف وجماعات
تشترك معها في حياة واحدة. لقد أدى هذا الأمر إلى كثير
من الظلم والمجازر والحروب أكان، بصورة خاصة، بين المسلمين
أنفسهم، أو المسيحيين أنفسهم، أو بين مسحيين ومسلمين. إن
المجازر التي ترتكب في بلادنا اليوم لم تكن لتحصل لو لم
يكن الحقد الطائفي عاملاً محركاً لها.
إننا إذ نورد هذه المقدمة الصغيرة، فلكي
نصل إلى واقع الطوائف في لبنان وصراعها مع بعضها بعضاً.
إن هذا الصراع عجيب غريب لا يوازيه أو يشابهه أي صراعٍ
آخر. فهو لا يشمل ضمنياً على كل المحرضات الطائفية
المعروفة فحسب، بل له خاصيات تتعلق به وحده.
الكيان اللبناني ذاته لم سوى تسوية سياسية
بين الطوائف الرئيسية فيه برعاية أجنبية. كانت المحاصصة
عنواناً لهذه التسوية. لكن هذا لم يخلُ من صراعٍ بين
الطوائف على نيل حصة أكبر من تلك التي كانت تصلها عملياً
ومن رغبةٍ في التفرّد والسيطرة أو التمرد من قبل بعض
الطوائف. لذلك تعرضت تلك التسوية إلى اهتزازات عديدة لم
تنتهِ فصولاً بعد.
إن تسوية الطائف مثلها مثل تسوية عام 1943،
لم تكن نتيجة لرغبة عند المشاركين فيها لتأسيس حالة سياسة
ثابتة تضمن الحياة الآمنة المستقرة للمواطنين في لبنان، بل
محاولة للخروج من حالة النزاعٍ المسلحٍ، مما يتيح للذين
حصلوا على مكاسب مختلفة خلال فترة الحرب، من تثبيت تلك
المكاسب والتمتع بها. ذلك أن أصحاب تلك المكاسب إلى أي
طائفة انتموا، كانوا يشكلون حالة طارئة في ظلّ نظامٍ أمني
حاضنٍ لهم. وهم أرادوا أن ينتقلوا من حالة عدم الاستقرار
إلى حالة يتم فيها الاعتراف بهم والاحتفاظ بمكاسبهم. إذ
أنه كان من نتائج الاقتتال العبثي في لبنان، الذي انفجر
عام 1975، وما تبعه من أحداث، ظهور تغيير كبيرٍ في
التركيبة السياسية لعدد من الطوائف الرئيسية في لبنان.
فالتركيبة السياسية عند الطائفة الشيعية بعد الأحداث هي
غير تلك التي كانت قائمة قبلها. وكذلك هي الحالة عند
الطوائف المارونية والدرزية والسنية بصورة خاصة.
لقد كان الشيعة في ظلّ "ميثاق 1943" تحت
سيطرة عدد من البيوت الإقطاعية والعشائرية. يستطيع أي كان
أن يلاحظ التغيير الكبير في التركيبة السياسية ضمن هذه
الطائفة. كان البيتان الجنبلاطي والأرسلاني، بصورة خاصة،
يقتسمان السيطرة السياسية ضمن الطائفة الدرزية. أما بعد
الحرب فإن الجنبلاطيين يحتفظون بسيطرة تكاد تكون تامة.
الطائفة المارونية شاهدت أيضاً زوال أو ضعف بيوت معينة
وبروز قيادات جديدة. هناك تغيير كبير حصل أيضاً ضمن
الطائفة السنية، لكن ما هو مثير للدهشة والعجب، أنه بينما
كان التغيير عند الدروز والشيعة والموارنة لمصلحة أمراء
الحرب في هذه الطوائف، نرى أنه لم يكن هناك من تأثير
لأمراء الحرب ضمن الطائفة السنية في التغيير الذي حصل
ضمنها. إذ كانت السيطرة هنا للمال السياسي وحده دون غيره.
لقد كان من نتائج كافة الأحداث التي مرّت
على لبنان والمنطقة خلال العقود الخمسة الماضية، أن جذور
الخوف الطائفي أو جموح الطوائف وحقدها على بعضها البعض قد
تعمّقت وتأصلت. إذ أن هناك أحقاد ظاهرة ودفينة عند كلّ
طائفة تجاه ما عداها من الطوائف. هناك في كلّ طائفة
اليوم، حلف من الأشخاص، قوامه، بعض رجال الدين والشبيحة
المستفيدين من الوضع القائم في الطائفة نفسها، يعمل على
تعبئة الأحقاد الطائفية وتوجيهها بالوجهة التي يريد. إن
مثل هذا الحلف كان دائماً موجوداً ضمن كل طائفة، لكنه
اليوم هو أقوى منه، وفي كلّ طائفة أيضاً، من أي وقت مضى.
لقد تحولت الطوائف في لبنان اليوم، بفضل
المجرمين واللصوص والسارقين والعملاء في كل طائفة، إلى
مستنقعات تحتوي على كلّ أنواع الموبقات والتجاوزات
والصغائر والفساد والقاذورات.
إن الطوائف في لبنان اليوم هي فوق النظام
وفوق القانون. إنها هي التي تحمي مجرميها ولصوصها
وعملائها. وهي هي التي تشجع أفرادها على اللصوصية والسرقة
والجريمة والعمالة. وكلما زاد المجرم في إجرامه، زادت درجة
حماية طائفته له. وكلما كانت درجة اللص أو السارق عالية،
كلما احتضنته طائفته وأحبته. وكلما كان مركز العميل
عالياً في طائفته وكانت عمالته موضع اعتماد من قبل
مشغلّيه، كلما كانت حصانته ضد أية مساءلة قوية ومنيعة.
أي خير ينتظره اللبنانيون، إذا كان الذين
يمثلونهم في الحكم هم من الزعران واللصوص والمجرمين
والعملاء؟
كيف يمكن لسارق الدولة وسارق المال العام
أن يبني دولة وأن يحقق أي خير عام أو مصلحة عامة؟
أي خيرٍ ينتظره اللبنانيون، وهم الذين
يشجعون اللصوص والمجرمين أو يسكتون عن لصوصية اللصوص
وإجرام المجرمين وعمالة العملاء؟
عبثاً أن يأمل اللبنانيون في أية حياة
كريمة قبل أن يخرجوا من المستنقعات الطائفية ويصبحوا
مواطنين بكل معنى الكلمة. |