لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

ما لم يقله السيد حسن نصرالله في مؤتمره الصحفي

بقلم انطون حداد (11/8/2010)

كثيرون هم الذين توقعوا ان تعلن وقائع واسرار في غاية الأهمية خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد حسن نصرالله يوم الإثنين في التاسع من آب الجاري.  لكن المؤتمر الصحفي العتيد جاء ليخيب امل وتوقعات هؤلاء.  ذلك أن ما أعلن في المؤتمر لا يعدو كونه توثيقاً لما هو معروف من قبل الأجهزة الأمنية والإستخباراتية العاملة في لبنان على جميع انواعها ومشاربها.  وهي ايضاً معروفة من قبل اوساط القضاء اللبناني.  حتى أن معظم العارفين بوسائل وطرق العمل الإستخباراتي والإمكانات التكنولوجيا الواسعة المتوفرة لهذا العمل، لم يفاجأوا على الإطلاق بالوثائق التي قدمها السيد نصرالله حيث أنهم يدركون تماماً القدرات التكنولوجيا المعاصرة والمتوفرة للعدو اليهودي.  غير ان توقعات الناس المشار إليهم لم تأتِ من العدم.  فالإشارات المتكررة على مدى الأسابيع القليلة التي سبقت المؤتمر الى خطورة الأمور التي سيجري الكشف عنها، ما كانت لتدفع الناس الى توقع غير ما توقعوه.

في رأينا أن توقعات الناس كانت في محلها.  فإذاهم لم يروا في المؤتمر ما يوازي تلك التوقعات من خطورة، فذلك، في رأينا، أن ما أعلن في المؤتمر كان جزءاً بسيطاً مما كان يمكن أن يعلن.  ليس عندنا اي شك بأن ذلك نتج عن تسوية ما تهدف الى تعطيل ما قد يكون من تفجير واسع في لبنان، وربما في المنطقة، او تأجيل ذلك التفجير.  هذه التسوية طبعاً لم تكن بعيدة عن موضوع القمة الثلاثية في لبنان وتوجهاتها، تلك القمة  التي ضمت الملك الوهابي عبدالله بن عبد العزير والرئيسين الشامي واللبناني.

لا شك ان أناس كثيرين يتساءلون عن ذلك الحرص الوهابي على تهدأت الأوضاع وقد كان قبل وقت قصير من الآن يعمل في السر والعلن على تقويض الحكم في الشام واهله!

الجواب على هذا التساؤل يكمن في الإخفاق الآني للمخطط اليهودي/الأميركي الذي يستهدف الهلال السوري الخصيب، ويهدف الى تأمين وجود سرمدي لدولة الإغتصاب اليهودي وسيطرت تلك الدولة التامة، ليس على الهلال السوري الخصيب وثرواته فحسب، بل على كل الشرق الأوسط.  نقول الإخفاق الآني لأن المخطط اليهودي/الأمريكي هو مخطط شديد المرونة ويملك قابلية عالية للتجدد الدائم ليصاحب ما قد يكون هناك من جديد على صعيد الوقائع والمعطيات الناشئة في الزمان والمكان. 

إن علاقة الوهابيين مع المخطط اليهودي/الأميركي علاقة جذرية ترجع الى ما قبل تأسيس دولة الإغتصاب اليهودي بعقود عدة. ما كان للوهابيين ترسيخ سيطرتهم على بلاد نجد والحجاز وتأسيس مملكته السعودية لولا رعاية البريطانيين لهم.  لقد كان ثمن تلك الرعاية الأهم هو قبول السيء الذكر عبد العزيز آل سعود بوعد بلفور وأعطاء فلسطين "للمساكين اليهود او غيرهم".  وهو، كي يطمئن البريطانيين أكثر، اظهر منذ البداية انه غير مهتم بفلسطين، بل مهتم بالعراق واليمن.  أما البريطانيون ومن بعدهم الأميركيون، فأدركوا أن بتميكن الوهابيين من السيطرة على نجد والحجاز وخلق هالة إسلامية حولهم، ليس اقلها اضفاء صفة خادمي الحرمين الشرفيين، فإنما يسهل عليهم كثيراً تنفيذ مخططاتهم في الهلال السوري الخصيب.  سبب ذلك انهم لاحظوا افتقاد الشعب في الهلال السوري الخصيب الى رابطة روحية واعية تتوحد فيها إرادات جميع فئاته ومكوناته وانتفاء وجود هيئة قوية واعية تستطيع  استقطاب مختلف الفئات والجماعات حولها وقيادتهم في معركة حماية حقوقهم ومصالحهم.  فالبريطاني كان يعرف باكراً الواقع الطائفي والقبلي الأعمى لمختلف الجماعات التي يتكون منها شعب الهلال السوري الخصيب.  لذلك وجدوا في عبد العزيز الخادم الأمثل لهم من حيث قدرته على استقطاب الجماعة الأكثر عدداً من ابناء الهلال السوري الخصيب، الا وهي  الطائفة السنية.  لقد كان نجاح هذا الرهان واضحاً.  فبينما وضع معظم أهل السنة من شعبنا ثقتهم بالمرجعية الوهابية، مشدودين الى أوهام مرجعيتهم الدينية والطائفية من جهة، وإغداق الوهابيين الأموال على المؤسسات والفعاليات السنية بصورة مستمرة من جهة اخرى، كان الوهابيون يقيمون الصفقات السرية مع اليهود ومن ورائهم ويسهلون له عملية التسليم بوجود دولتهم المغتصبة وعملية التطبيع معها.  لا ينكر هذا الواقع سوى واحد من إثنين: إما جاهل تافه او عميل قذر.

إن هذا الدور المناط بالوهابيين لم يتوقف في اي وقت من الأوقات.  فمن معاهدة دارين عام 1915، الى معاهدة جدة عام 1927، الى ما إنغماس الوهابيون حاضراً الى ما فوق رؤوسهم  في المؤامرة اليهودية/الأميركية، يبقى الدور الوهابي هو هو: احتراق الهلال السوري الخصيب وإبادة ابنائه شرط ان يحافظوا هم على ما يتمتعون به من ثروة وفجور.

لقد عاش المخطط اليهودي/الإسرائيلي في فكرة أنه بإحداث فتنة في لبنان عام 1975 يمكنه ان يصل الى وضع تشعر فيه إسرائيل بالأمان، الحلم الذي يطغى على جميع اليهود فيها.  كان يمكن أن يتحقق ذلك من خلال إنشاء دولة بديلة للفلسطينيين في لبنان، بعد تهجير المسيحيين منه.  ولما لم يتحقق للعدو ذلك الأمر راهن على دولة لبنانية تكون فيها السيطرة لعملائه من المسيحيين وانصارهم.  ولما أخفق ايضاً وأيضاً بهذا الشأن، قرر أن يخلف ورائه شعباً يحرق بعضه بعضاَ، وعملاء له يعدون بالآلاف من جميع الطوائف والمجموعات والأحزاب.

بينما كان المخطط اليهودي/الأميركي في لبنان يسير على قدم وساق، كان الوهابيون يقومون بالدور المنوط بهم، بصورة خاصة اعداد شخصيات سنية تستطيع أن تنخرط في مشروع إنشاء دولة في لبنان يسيطر عليها عملاء إسرائيل.  من بدأ إبراز ودفع الراحل رفيق الحريري الى واجهة الأحداث.  علم الراحل الحريري أو لم يعلم، فالسعودون والأميركيون كان يسهلون له طريق الوصول الى السلطة، ليس كرمة لعينيه، بل من اجل مخططاتهم.  فالوهابيون كانوا المرجع الأول والأخير له، وهو لم يكن باستطاعته مخالفة أي رأي لهم.

لقد كان نشؤ المقاومة واتخاذها هذا الحجم الذي يمثله حزب الله اليوم، مفاجأة لليهود والأميركيين وجميع عملائهم.  وكانت دهشتهم اكبر واعظم عندما لم ينجح مخططتهم بالقضاء على هذه المقاومة او تدجينها بالرغم من حجم الجهود التي قاموا بها والأموال التي بذلت في فترة السنوات الخمس الماضية.  لقد كان للوهابيين مساهمة كبيرة في هذه الجهود، إن كان من الناحية العملانية او من خلال الأموال التي أغدقت على جميع الذي وظفوا في هذا المخطط من اللبنانيين وغيرهم.  ولم يكن الوهابيون بمنأى من اغتيال الشهيد عماد مغنية.  وهو هذا الدور لهم في مقتل مغنية، هو الذي اوقعهم في مأزق خطير، يمثل كالسيف فوق رؤوسهم.  لقد كان هذا الدور بالذات السبب الذي دفع الوهابيين الى نهج سلوك مختلف مع الحكم في الشام وإظهار انفسهم بمظهر الغيارى عليه وعلى لبنان وعلى المقاومة فيه.

ما علاقة كل ما اوردناه آنفاً بالمؤتمر الصحافي الذي عقده السيد حسن نصرالله؟

له كل العلاقة.  لا يمكنني سوى الإعتقاد بأن السيد حسن نصرالله يملك الكثير من المعلومات عن جميع العملاء الكبار في لبنان.  ما أعنيه بالعملاء الكبار ليس أولئك المئة وخمسين عميلاً الذين تم القبض عليهم والتحقيق معهم، بل العملاء الذين يملؤن الحياة السياسية في لبنان، وهم موجودون في جميع الأوكار والمؤسسات، ومزروعون في كل الطوائف والأحزاب. ما هي اسماءهم؟  أسماؤهم مختلفة ومتعددة، تسطيع ان تلفظ اي اسم، فترى أن ذلك الأسم يدل على عميل.  في اعتقادنا أن السيد نصرالله كان في وارد لفظ أسماء عدة من تلك الأسماء لكنه لم يفعل من أجل اعطاء السلوك الوهابي الجديد فرصة لإظهار مصداقيته.  إن السيد حسن نصرالله ومن وراءه قيادة حزب الله يعرفون تماماً كيف يردون على السياسة بالسياسة.  حسبهم أنهم جاهزون ابداً للرد على النار بالنار.

 

صفحة رئيسة