إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال .

 

العرزال

 

   

 

 

وصيتي

منير حيدر (25/12/2010)

 

لا أشعر أني سأموت غداً، ولا بعد غد، ليس خلال شهرين أو سنتين أو أكثر.  حتى المرض الخبيث الذي ينشط في جسدي بسرعة متزايدة لا يمكنه أن يخلق عندي مثل هذا الشعور. حقيقة ما اشعر به هو أني سأعيش ربما لوقت طويل.  بلى، يمكن إن يكون هذا الشعور غير واقعي وربما كان نابعاً من حبي للحياة أو من تفكيرٍ متمنٍ عندي.  مهما كانت خلفية هذا الشعور، لا يمكنني أن أتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الموت يأتي سريعاً دون اي  نذير ودون حاجةٍ الى استئذان من اي نوع.  يأتي ساعة يشاء ويضرب وقت يشاء.  ولا ينفع أن نصف الموت بالغادر عندما نعرف أنه يستهدف الأفراد على مدار الوقت، وهو آتٍ حتماً، أعاجلاً كان ذلك أم آجلاً.  فالموت جزء من الحياة باستمرارها.  كثيراً ما ردد والدي أمامي أن "الموت حق"، عاكساً في ذلك نظرة الإيمان الدرزي الى الموت، وهي نظرة لم اجد فيها ما يمكن نقضه او رفضه.  في كتابي باللغة الإنكليزية، بعنوان: "انتعاشي من السرطان"، والذي سيصدر قريباً، وصفت الموت أنه من طبيعة الحياة وهو ضرورة اساسية من اجل تجدّدها.  طبعاً إن ما نسوقه بهذا الصدد هو موت الأفراد، اما المجتمعات، أما استمرارية الحياة الإنسانية بصورة عامة، فهي موضوع آخر.  قد لا تكون الحياة الإنسانية غرض الوجود بالمطلق، لكنها حتماً، شاهد قوي عليه وعلى استمراريته وتطوره. 

بهذا المفهوم، أرى في نفسي رغبة ملحة في كتابة وصيتي، وذلك رغبة في تسجيل موقفي من بعض المسائل التي تتعلق بحادثة الموت عادةً.  وليأتِ الموت بعدها ساعة يشاء.  حسبي أنني اسبق الموت بتسجيلي قناعاتي وإعلانها الى الوجود، وذلك كموقف مبدئي قد لا يهم سوى صاحبه، وقد يكون منه فائدة وقد لا يكون.

ثروتي

ليس عندي بيت او ملك من أي نوع.  حتى الأرض التي ورثتها عن والدي وزرعت فيها في صباي كثيراً من العرق والحنين والأحلام لم اعرف كيف احتفظ بها.  الكلام عن الثروة في هذا المجال هو حتماً في غير محله.  فأنا لا املك  موهبة جمع المال وتكوين الثروات.  ولم يكن عندي رغبة في أي وقت لتعلم فن جمع المال وبناء الثروات.  حتى الفقر والجوع لم يجعلا مني شخصاً يحب المال.  بالعكس من ذلك، عشت دائما على احتقار المال لدوره في تدمير النفوس وإفسادها. ثم أني لم أرَ  في جمع المال شأناً من شؤون الحياة الأساسية، بالرغم من أهمية المال في تأمين الضروريات الحياتية وتأثيره في توجيه حياة الفرد.  لقد انصبّ اهتمامي على العمل لما اعتبرته خيراً عاماً.  لقد اعتبرت أن العمل للخير العام هو شأن أساسي في الحياة يصغر معه اي شأن أخر.  هذا ما تعلمته من سعاده ولا فضل لي باكتشافه.  إن حياة اي مجتمع لا يمكن ان تصل الى حالة من الإستقرار والجمال والإعتزاز إذا لم يشمل شعبها خير عام يساوي بينهم جميعاً.  أما ثروتي المادية، فهي عبارة عن تعويض نهاية الخدمة عن عملي مع وزارة التربية والتدريب في ولاية نيو ثاوث ويلز الأسترالية.  وهو تعويض لا يبقَ منه الكثير بعد وفاء الديون المترتبة علي.  وفي الوقت الذي أشعر أنني زودت أولادي بما يكفي من مهارات لمواجهة الحياة وبناء حياتهم الخاصة، أشعر بخجل تجاه زوجتي التي لن اترك لها ما يكفي لمواجهة ما قد يفاجئها من شرور الأيام المقبلة.  لكنني اثق تمام الثقة من أنها تملك من الذكاء والحكمة وحسن التدبير والكبرياء، ما يكفي لمواجهة مشاكل الحياة بدوني، تماماً كما واجهتها خلال وجودي، بروية وصبر.

جنازتي

لقد طلبت من زوجتي وبعض الأصدقاء أن تكون جنازتي بسيطة، لا حشد، ولا مراسيم دينية، ولا مظاهر حزبية، وأن يتم حرق جثتي ونثر رمادها في إحدى زوايا الأرض المحيطة ببيتنا العائلي.  لكني لا أصر على هذا الأمر، إذ أني اعتبره امراً ثانوياً جداً، وربما تافه.  لا بأس ان ينثر رماد جثتي بدل ذلك في المحيط.

إن الغرض من إقامة جنازة بسيطة لي، هو إصراري على أن لا يكون فيها سوى أشخاص هم موضع احترامٍ عندي.  المقاييس التي اعتمدتها في احترام الأشخاص هي أن يكون الشخص يعرف محدودياته وان يكون صادقاً في كلامه وسلوكه وتصرفاته.  إن الحقيقة المؤسفة التي أعلنها هنا، هو أنني لم أجد بين المغتربين في أستراليا كثيرين من الأشخاص الذين تنطبق عليهم هذه المواصفات.  لقد التقيت كثيرين من المنافقين والمدعين، والجاهلين الذين يدّعون أنهم أصحاب معرفة وثقافة وهم جهلة لا يجيدون حقيقة سوى الثرثرة. 

لم أقم يوماً وزناً للمآتم الحاشدة.  إذ ما قيمة الحشود إذا لم يكن حضورها بدافع احترامها للميت.  الحشود في المآتم غالباً ما تكون تجاملاً مع اهل الفقيد وليس احتراماً للفقيد نفسه.  وغالباً ما تكون المآتم مناسبة للقاء الناس بعضهم بعضاً واطلاع بعضهم بعضاً على آخر المستجدات السياسية المحلية والعالمية. قليلون هم الآشخاص الذين يتحدثون عن الفقيد وصفاته أو الفراغ الذي يمكن ان يكون قد تركه في المجتمع.  بلى، إن كلامي هذا ينطبق فقط على المآتم في وطننا، او المآتم التي يقيمها مواطنون في المغتربات، ولا ينطبق أبداً على الشعوب التي تحترم نفسها.

إن الإشخاص الذين أريدهم أن يشاركوا في مأتمي يعرفون انفسهم.  طبعاً هناك أشخاص آخرين من معارفي ومعارف زوجتي سيتظاهرون بذرف الدموع علي وربما سغدقوا كثيراً من الرحمات على روحي، لكني أعلن منذ الآن أن دموعهم دموع تماسيح وعواطفهم تدجيل بتدجيل.

في غاية الأهمية عندي، تقف رغبتي في عدم الحاجة الى إجراءات طقوسية مذهبية في جنازتي.  فأنا لست بحاجة الى صلاة عن روحي من أي نوع.  طبعاً، هذا ليس موجهاً ضد المذهب الدرزي الذي اتيت منه، ولا لأي مذهب آخر، فأنا لا أحمل اي عقدة نقص بسبب جذوري المذهبية، بل أن هذه الجذور كانت دائماً موضع اعتزاز وكبرياء عندي.  لنقل إني متصالح مع الله ولا حاجة لي لأي وساطات إنسانية لكي يتلقفني الله برحماته.  لا، الحقيقة ابعد من ذلك.  لقد توصلت الى قناعة أن الله فكرة إنسانية، اوجدها العقل الإنساني، ثم بنى عليها كل ما يحيط بها من افكار ومفاهيم.  لقد خلق الإنسان الله واعطاه الصفات  التي تهيأ للعقل الإنساني أنها يجب أن تتوفر به.  فالله رحمان، رحيم، عادل، عارف، قادر على كل شيء، مثلاً، لأن الإنسان رغب في أن تكون لله مثل هذه الصورة.  الجنة والنار، كذلك، هما مفهومان إنسانيان.  من الصفات التي أعطاها الإنسان لله، وهي الصفة الأكثر تحبباً للناس، هو أن الله يقبل التوبة.  لذلك تجد أشخاصاً يرتكبون المعاصي والموبقات من جميع الأنواع، ثم يهرعون للتوبة الى الله كي لا يكون الجحيم مصيرهم بعد الموت، فتتكون في نفوسهم قناعة أن الله قد غفر لهم ذنوبهم فعلاً. أما أنا، وفي الوقت الذي أرفض فيه اية مراسيم دينية لي، فأطمئن أهلي واصحابي وأصدقائي إني لن أذهب الى الجحيم.  لقد عشت حياتي دائماً على ما اعتبرته سراطاً مستقيماً. لم اسرق لقمة أحد ولم اظلم احدا ولا تسببت في تعاسة أحد.  الحقيقة أن الجنة أو الجحيم يواجهان الأشخاص في حياتهم على الأرض.  لقد عشت الأمرين خلال مسيرة حياتي. الجحيم خاصة يخلقه الناس لبعضهم بعضا، فكم من أشخاص أو شعوب بكاملها يمرون في جحيم من نوع ما يتسبب به أشخاص أو شعوب آخرون؟

ثم أن من الأهمية بمكان أن لا يكون في مأتمي مظاهر حزبية.  لقد أخذ الحزب مني معظم سنين حياتي، وليس عندي اي ندمٍ كوني صرفت معظم حياتي في سبيله، وإن كنت ألوم نفسي أني لم استطع ان آرى في مرحلة عطاءاتي الكثيفة ما أراه الآن بشأن الحزب وجوهره وغايته، فاضعنا جهودنا في خضم ما ورثناه من روتين العمل الحزبي الموروث وسطحيته وغبائه.  الحقيقة أنني اعتبر ان الحزب لم يصل ولا مرة الى الجوهر الذي أراده سعاده له.  أما اليوم فأنا أعتبر أن الحزب غير موجود على الإطلاق.   طبعاً، هذا لا يجب ان يفهم أنه انتقاص من إيمان الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم قوميين لسبب انهم التزموا بالحزب دون استيعاب واضح لجوهره وماهيته.  إنني أعرف أن هناك المئات من الأشخاص الصادقين في إيمانهم من البسطاء الذين يعتقدون انهم يقومون بواجباتهم تجاه عملية النهوض القومي بينما كل ما يفعلونه هو حضور اجتماع او مهرجان او مناسبة ما من المناسبات الحزبية.  هذه هو مفهومهم البسيط للعملية النهضوية.  إني أشفق فعلياً على هؤلاء، لكني لا أستطع أن احترمهم سوى على الصعيد الشخصي ربما، أما على الصعيد الحزبي فلا يمكنني ذلك.  لذلك لا أشعر أنه يجمعني بهم شيئاً.  لا اعتبر أن هناك كثيرين من القوميين الذين يفهمون المسؤولية القومية وماذا تعني، كما أن هناك أقل بكثير من الذين يفهمون المسؤولية القومية ويمارسونها.  لذلك لا أشعر ان هناك ما يشدني الى ما اية هيئة تعمل تحت اسم الحزب السوري القومي الإجتماعي ولا اقبل اي استغلال لمأتمي من قبل اية هيئة كانت.  أي تباكيٍ علي بعد موتي، من قبل اية هيئة "حزبية"، اصنفه سلفاً في خانة الكذب والتدجيل.

ما سقته أنفاً ينطبق على وضع العائلة في استراليا، وهو حتماً ينطبق على وضع أهلي في لبنان.  فوصيتي الى أخوتي وأخواتي في لبنان هي تماماً مثل وصيتي الى زوجتي.  لا مأتم، لا صلاة عن روح الغائب، لا تدجيل حزبي. طبعاً، يمكنهم ان يعينوا وقتاً لتقبل التعازي، دون ان تكون هناك دعوات شخصية.  الإعلان عن وفاتي بأحدى الجرائد المحلية، تؤدي الغرض المطلوب.  أنا آسف سلفاً إن سببّت لهم بعض الإحراجات مما يبدو أنه رفض للمألوف وثورة عليه، لكن حسبي أني أمارس قناعاتي، وانا أحترم القناعات الروحية عند اي فرد من الأفراد.  إني لا أهدف زعزعزة تلك القناعات، بل كل ما افتش عليه هو راحة نفسي.

 
 

 

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة
الحزب المسخره