|
تفتقر رياح التغيير التي تجتاح الأنظمة في
العالم العربي إلى اسس ومباديء واضحة تمكننا من استشراف
نتائجها ومعرفة اتجاهها، وبالتالي تكوين فكرة واضحة عنها
وتحديد موقفنا منها. إننا إذ نغتبط لسقوط رؤوس دكتاتورية
مستبدة فاسدة عاشت لنفسها على حساب شعوبها ولقمة عيشهم
وكرامتهم، لا يسعنا سوى أن نقلق لمصير هذه الشعوب بعد
مراحل التغيير الأولى. ذلك انه في غياب الأسس والمباديء
العملية الواضحة والشفافة، وغياب القوة التي تستطيع السير
بهذه الأسس والمباديء وتحويلها الى اسلوب حياة لهذه
الشعوب، تبقى ابواب التغيير مفتوحة على مصارعها لأية
احتمالات بعضها يثير الريبة والقلق، وينقل الشعب من "دلفة"
الاستبداد والفساد والدكتاتورية، الى "مزاريب" لا تحمد
عقباها.
إننا إذ ننظر بعين القلق الشديد لمصير
التضحيات التي قام بها االثائرون المطالبون بالتغيير في
ليبيا بسبب قرار الطاغية الليبي وحاشيته استخدام جميع
الوسائل على الإطلاق لإفشال هذا التحرك وإبادة القائمين
به، تبقى عيوننا منصبة على النظام السوري (الشامي) من باب
الحرص على عدم التفريط بما نملكه من اسباب القوة من ضمن
الوضع القائم، والخوف على خسارتنا لهذه الأسباب إذا ما
اجتاحت فوضى التغيير الكيان الشامي. إن استقرار الكيان
الشامي وبقائه ممانعاً وصامداً هو أمر في غاية الأهمية لأي
مواطن في كيانات الهلال الخصيب أجمع. فالكيان الشامي، شاء
البعض او رفضوا، هو الورقة الباقية في أيدينا، إذا ما سقطت
تسقط معها كل الأوراق، بما فيها ورقة المقاومة في لبنان.
قد يتساءل بعض الناس عن السبب الذي يدفعنا
للإعتقاد باحتمالات وصول رياح التغيير أو الفوضى الى
النظام في الشام، وكيف أن هذا الإعتقاد يمكن ان ينسجم مع
حرصنا على سلامة هذا النظام الذي يفترض أنه نابع من إيمان
بأن هذا النظام بعيد عن الشوائب والفساد!
جوابنا على أي تساؤلٍ من هذا النوع، هو أن
حرصنا على النظام في الشام، ينبع بالدرجة الأولى والوحيدة،
من تعريف هذا النظام لنفسه من أنه نظام صمود وممانعة،
وترجمته لهذا الإعلان عملياً بدعمه اللامحدود للمقاومة في
لبنان وتسهيل جميع امورها، بالرغم مما يعرضه ذلك لضغوط
دولية. إننا بسبب ذلك، نحاول أن نجد كثيراً من المبررات
لسلوك هذا النظام في شتى المسائل الأخرى، ولكن على غير
طائل.
إننا إذ ندلي بدلونا في هذا المجال، لا
يسعنا سوى أن نكون صريحين في غاية الصراحة، فنعبِّر عن
رأينا تعبيراً لا التباس فيه، ذلك أننا لا نبدي هذا الرأي
من إجل إرضاء أي من الناس أو إغضاب آخرين، بل إن المعيار
الوحيد الذي نقيس به أي شيء هو مصلحة شعبنا واستقراره
وامنه. من هذا المنطلق نقول، إن النظام الشامي يغرق في
كثير من الشوائب والمفاسد والمظالم، مما ينتج عنه نقمة
وغضباً وكراهية، ومما يفسح في المجال الصائدين في المياه
العكرة، للتربص بهذا النظام والإلتفاف عليه والإنتقام
منه. الخطير في الأمر، أن هذه الشوائب والمفاسد والمظالم،
لم تعد في خانات الإشاعات والأقاويل والتشويش، وبالتالي
بقاؤها في حدود الرفض أو البرهان، ولا هي تنحصر في حدود
الكيان نفسه، بل أنها حقائق ثابتة، موثقة، معظمها حدث في
الكيان اللبناني على مدى ثلاثة عقود من الزمن. عندما يصف
بعض الناس، مخلصين كانوا ام عملاء حاقدين، فترة وجود الجيش
الشامي في لبنان بزمن الوصاية، فإن حجة هؤلاء هي من القوة
التي لا تقبل الجدل او الدحض. إن ما أردناه مساهمة قومية
أخوية نابعة من حرص على سلامة الشعب في لبنان، تحوّل بسبب
الفساد والجهل وسؤ الرأي الى وصاية فعلية، عاثت فساداً بين
اللبنانيين، حتى اصبح الفساد في لبنان هو السيد المطلق
التي يتحكم برقاب شعبنا في لبنان حتى يومنا هذا. الحقيقة،
أن ما يعانيه اللبنانيون حالياً، وما يوجد في لبنان من
ظواهر العمالة الوقحة، هو نتيجة لسلوك أجهزة الأمني
الشامية في لبنان. إن توخينا للصراحة والدقة وتسمية
المسائل بأسمائها، يدفعنا للتوضيح بأن تحميلنا مسؤولية
الشوائب والمفاسد والمظالم التي حدثت في لبنان للأجهزة
الأمنية الشامية، هو من باب التخفيف من حدة الواقع، إذ أنه
لا يمكن لأحد أن يعفي النظام في الشام من مسؤولياته بهذا
الصدد.
غير أن الشوائب والمفاسد والمظالم التي
ارتكبت في لبنان، لا يمكن أن تشكِّل سبباً لهبوب رياح
التغيير في الشام، خاصة، ان النظام السوري (الشامي) يحاول
أن يتخطى تلك المرحلة باقل ما يمكن من الخسائر. هذا مع
العلم، أن هناك كثر من اللبنانيين، إذا لم نقل أكثريتهم،
يهمهم تخطي تلك المرحلة، ويساهمون بقوة في تخطيها، بسبب
حرصهم على المقاومة في لبنان والدور السوري بهذا الشأن.
إن هبوب رياح الفوضى على النظام الشامي،
إنما تحصل، إن حصلت، بسبب ما هو قائم من شوائب ومفاسد
ومظالم في قلب المجتمع الشامي نفسه. لا يمكن لأحد على
الإطلاق تغطية "السموات بالقبوات". لا يمكن لأحد أن يقول
إن حالة المجتمع في الشام حالة سليمة جيدة، وإذا وجد من
يقول ذلك، فهو من باب التزلف أو الجهل أو الإستزلام او
غياب الضمير. وكلام من هذا النوع، هو كلام مدفوع ثمنه.
لم يستطع النظام الشامي منذ نشوئه في مطلع
السبعينات من القرن الماضي، أن يطور نفسه ليصبح نظاماً
حزبياً ديمقراطياً، منطلقاً من مصلحة جميع فئات الشعب، دون
محسوبية او تمييز. ولم يستطع النظام في الشام، بل لم
يحاول، أن يبني المواطن الواعي، المثقف ثقافة وطنية تحدد
مسلكه في المجتمع وترفع من وتيرة مساهمته في بنائه. بكلام
آخر، لم يقم النظام الشامي بعملية تغيير للإنسان، بل حافظ
على ما ورثه من مفاهيم وأنظمة أخلاقية بالية.
في غياب محاولات جدية لعصرنة الإنسان
والمجتمع، عصرنة أخلاقية مسلكية ثقافية وطنية، لا مجال لنا
للإستغراب في أن نرى جموح النظام في الشام باتجاه الحكم
العائلي الفئوي، وتحويل نفسه الى دكتاتوية جديدة. إن وجود
ما يسمى بالجبهة القومية في الشام، لا يلغِ ولا يقلل من
أهمية رأينا. إن كل مطلع ومدقق في طبيعة المسائل والأمور،
يدرك جيداً، أن هذه الجبهة ليست أكثر من جبهة صورية، تتمثل
بأشخاص، لكنها ليس لهم اي دورٍ حقيقي سوى التسبيح بأولياء
نعمتهم ودافعي رواتبهم الشهرية. ليست الجبهة القومية جبهة
ديناميكية، لها القدرة على استشراف الشؤون المستقبلية ووضع
الخطط الإستراتيجية لمواجهتها، بل كل ما تفعله هو البصم
على ما يرتأيه النظام في هذه المسألة او تلك من المسائل.
لا يسعنا في مقالة كهذه، أن نعدد ونفند
الأسباب التي يمكنها جذب رياح الفوضى الى النظام الشامي،
إذ ان هذه كثيرة ومتعددة وتستوجب إطالة لا ضرورة لها، لكن
من واجبنا التأكيد، أن ليس هناك الكثير من الأسباب التي
يمكن ان تمنع هبوب مثل هذه الرياح. نؤكّد أكثر، بأن أي
رياح من هذا النوع، إذا ما هبّت على النظام في الشام، لن
تكون رياح تغيير نحو الأفضل، بل ستكون حتماً رياح فوضى،
تغرق شعبنا في متاهات اوسع وأعمق.
لا بد لنا ايضاً سوى أن نشير، إلى ان تذاكي
النظام السوري، واتخاذه هذه الخطوة او تلك، إن كان على
الصعيد الداخلي او صعيد علاقاته الإقليمية أو الدولية، لن
توفر له اية حماية من هبوب الرياح. إن المتربصين بهذا
النظام هم أكثر بكثير، واقوى بكثير، من الحريصين عليه.
لذلك إن محاولة تحصين هذا النظام لنفسه ومنع مخاطر الفوضى
التي ستطال الجيمع، تبدأ من مراجعة جميع ركائز النظام
الأساسية، وإعادة بنائها على اساس ديمقراطي شامل، ووقف كل
أعمال الفساد والإفساد والرشوة والتمييز بين مواطن وآخر،
واعتماد سياسة تكافؤ الفرص، في المدرسة والجامعة والوظيفة،
وإطلاق سياسة ثقافية قومية، وتقليص نفوذ الأبواق الطائفية
والمذهبية ومنعها من نشر التفرقة والفتن.
قد يكون النظام في الشام قد تأخر أربعين
عاماً لبناء وطن سليم لا يميز بين مواطن او آخر بأي شيء،
لكن هذا لا يمنعه من مواجهة هذا الأمر وإطلاق عملية بناء
جديدة. إن الأخذ بسياسة من هذا النوع، هو الطريقة الوحيدة
التي يمكن لهذا النظام استخدامها لإنقاذ نفسه. اي طريقة
آخرى، هي دخول في المجهول.
|