ليس من السهل ان يكون المرء صورة كاملة عن
امرىء مبنية في معظمها على علاقة مهنية بحتة قصيرة الامد
ومحدودة الاطار.
ولكن
كان لراحلنا الكبير، رشيد الاشقر، من الخصال المهنية ما
يجعلني اعوض
قدر الامكان عن الجزء الناقص في علاقتي به ويسمح لي بان
احصر كلامي فيجانب واهمل، مع
الاسف الشديد، جانبا اخر اعرف كم كان هو غنيا به.
واثق
ان الزملاء الكرام سوف يوفونه حقه في هذا المجال اكثر
مني.
بداية، كنت اصادفه لماما في اطار الحركة
الثقافية في انطلياس ابان الحرب
الاهلية الماضية، المستمرة حتى الآن بشكل اخر، وكان
يلفتني ذلك الرجلالطويل القامة،
القليل الكلام، الذي تغلب عليه المهابة مغلفة بمحسة حزنلا تفارقه ولكنها لم تمنعه اطلاقا من ان
يكون في ذروة التواضع والمبادرة
في تقديم اية خدمة.
وكان
تقديري له يتعمق، واحترامي يزيد، كلما التقيت به او
تعاملت معه.
ويشاء القدر ان نجتمع اليوم في لقاء مخصص
له بعد رحيله.
واول
ما يتبادر الى ذهني ارثه الغني الذي وحده يسد الفرغ الذي
تركه.
بدأت لقاءاتي التفاعلية معه في منزله
والاصح في مكتبته المتخصصة يوم
انهمكت بكتابة سيناريو للشهر الاخير من حياة سعاده
واكتشفت اهمية السندالكبير الذي
توفره مكتبته للباحثين والكتاب والمؤلفين وطبعه السمح فياعارة ما تحتويه مكتبته من مراجع نادرة
بالغة الاهمية.
كان
مؤسسة في رجل.
واستمرت اطلالاتي لعنده طوال فترة العمل
على تحضير المراجع.
بعدها
كنت التقي به في المناسبات الاحتفالية التي كان يحرص على
حضورها برفقة وعناية صديقه المخلص سليم سعدو سالم.
وكان
يبدو جليا، عاما بعد عام، تردي صحته وتثاقل خطواته دون ان
يفقد اطلالته وشموخه. وشغفه
بالكتاب.
لكن هذه العلاقة المحدودة تركت اثرا في
نفسي.
كنت
الاحظ انه ينظر الى الكتاب الذين يقصدونه كفريق ينبغي
التفاني في خدمتهم.
فيلبي
الطلب حاملا المرجع المطلوب، ويقترب ببطء وصمت ليرتاح على
اريكتهوسط
الكتب وفي جو العمارة الهندسية القديمة ويتطلع اليك بصفاء
حزين كأنهوجه ايقونة من ايقونات
الرسل الانجيليين الصابرين، مدى الدهور، في قبابالكنائس البيزنطية وهم يحملون لوحات من
الانجيل المقدس، وكأني اراه بينهم
حاملا انجيل سعاده بانتظار القيامة.
ان مثل هذا الشغف بجمع الكتب ووضعها
بمتناول المؤلفين امر غير اعتيادي بل شيء مهم ان لم نقل
نادر.
فانا
لست اذكر انني اعرت كتابا لاحد منذ اكثر من عشر سنوات كما
وامتنعت في
الوقت نفسه عن الاستعارة عملا بالآية الكنفوشية السلبية
«لا تفعلوابالاخرين ما لا تريدون
ان يفعلوه بكم».
ولان
رشيدا كان ابن النهضة فكان اقرب الى مفهوم فلوبير القائل
«اقرأ كي
تحيا»، منه الى الجاحظ القائل «الكتاب ان خلوت لذتي، وان
اهتممت سلوتي».
في لقائنا اليوم اطرح موضوع ارث رشيد
الاشقر وكيفية الحفاظ عليه.
في
اللغة الانكليزية تعبير لم اجد له مرادفا دقيقا في
العربية وهو كلمةHolistic
والترجمة المتداولة لدى البعض هي «شمولي» ولكنها ترجمة
خاطئةويستحسن
تعريبها لا ترجمتها.
المقصود بها هو ان الكل اكبر من مجموع الاجزاء والجزء لا
يقبل الانفصام عن الكل.
نقيضها «الذرية» atomism
انها تعبير عن مفهوم فلسفي.
والذي
اريد ان ابينه هو اهمية اسلوب تقويمنا لارث رشيد الاشقر.
فهو
ليس مجرد مصادر اولية فحسب، او قصاصات نادرة او كتب غير
متوفرة في الاسواق.
بل،
وبالدرجة الاولى ايمان بقضية تحتاج الى كل جزء من ذاكرتها
وتعلقرومنسي
بالمتوفر من هذه الذاكرة، وحافز شديد على الخدمة العامة،
ومتابعةنظامية منهجية ودؤوبة في
عملية البحث، واخيرا روح المحبةا لتي اتسم بهاوهي، بحسب سعاده، العنصر الاساسي الذي
يجعل الجهاد السياسي قابل الانتاج.
هذا
الجهد يؤدي في نهاية المطاف وبسبب الوعي الاساسي، الى بناء
خزان معرفي يغرف منه الجميع.
اذا نظرنا الى عالم المكتبات الصغيرة
والكبيرة على السواء نلاحظ بصورة عامة اربعة اغراض رئيسية
لاقتناء الكتاب:الاول للزينة، اي
التزويق الذي رافق الكتاب منذ القدم تعبيرا عن اهميته.
وتحمل
بعض الكتب القديمة من التزويق ما يعجز عنه الوصف.
وكان
من نتائج التزويق، تطور صناعة الكتب ورقا وطباعة وتجليدا
ومدادا والوانا.
اي
زيادة الفخامة الى متعة النظر.
وهكذا
باتت الكتب المزوقة فئة بحد ذاتها يفخر بها اصحابها دون
الحاجة الى قراءتها، خاصة بسبب ندرتها.
الغرض الثاني لاقتناء الكتب هو كونها اداة
ومنفعة عملية كالادلة والمعاجم.
نستعين بها لتنفيذ امر ما.
انها
علاقة هامة ومفيدة ولكنها قصيرة الامد لا تتعدى احيانا بضع
ثوان.
الغرض الثالث هو لتقوية اواصر الصداقة الافتراضية مع
المؤلفين والفلاسفة وعظماء الكتاب.
كأن
نقول مثلا كنا اليوم بصحبة سعاده او غوته.
وقد
عبّر شوقي عن هذه العلاقة بقوله:انا من بدّل بالكتب الصحابالم اجد لي وافيا الا الكتابا اما الفئة الرابعة الاكثر اهمية في نظري
فهي من يقتنون الكتاب للخدمة العامة.
انهم
فئة نادرة وهذا هو فضل رشيد.
ولان اعمار الكتب لا تقاس بالسنين ولان
الكتب لا تتكاثر بمفردها.
فانه
من الصعب ان نتصور ان رشيد الاشقر قام بهذا الجهد طوال
عشرات السنين
دون وعي وادراك لاهمية ما كان يقوم به وما كان ملك يديه
من ثروة معرفية.
وهو
شعور عامر بالاكتفاء لا يثمّن.
وقد
قال شكسبير بلسان احد ابطاله: هذه مكتبتي وأية دوقية
تساويها؟ صرف
رشيد سنوات طويلة في جمع الكتب والمصادر، وخاصة اعادة جمع
الارث الذي ضاع وفقد واتلف بالملاحقات.
كثيرن
غيره استحصلوا على الوثائق والصور بحجة نشرها وحفظها
ولكنها لم توضع قيد التداول.
وحينما رحلوا، رحمهم الله، ضاع اثرها، فتراكمت الخسارة
بسبب الضياع المتسلسل للتراث رغم كل النيات الطيبة.
اما
رشيد الاشقر فقد سار على نهج التراث الحضاري الذي عمّ
الهلال الخصيب
الذي قدم للعالم منفردا مجموع ما قدمته الحضارات الاخرى
مجتمعة فيالازمنة الاولى لتكوين
الحضارة.
والحضارات لا تحتاج لكل افراد البشر لمتابعة مسيرتها
وتحقيق قفزاتها النوعية.
حفنة
متنورة منهم تكفي.
الاخرون يسقطون على جانبي الطريق.
في متحف جامعة بنسلفانيا لوح من الاجر،
مسجل تحت الرقم «29- 15- 166» عثر
عليه بين خرائب سومر الخالدة يعتبر اول فهرس مكتبة في
التاريخ.
وفي
اللوفر، لوح مشابه يعتقد علماء السومريات ان كاتبهما شخص
واحد.
ويمثل
هذا الاثر اول تنظيم منهجي لحفظ الكتب ساهمت به حضارة
الهلال الخصيب.
وليس
من قبيل الصدف ان اول مفهرس في العصور الحديثة سار على
خطى الحضارة
السومرية هو «ابن النديم» (م 1047م) مواطن من بغداد احدى
عواصم الهلالالخصيب.
فهو
اول من صنف العلوم والمعارفالانسانية وفهرس الكتب المعروفة في عصره
تأليفا وترجمة بحسب هذا التصنيف
الذي اصبح الاساس الذي اعتمده عالم المكتبات الاميركي
ديوي(م 1952) فيوضع تصنيفه
العصري، بعد الفية من السنين.
والجدير بالذكر ان العالم الرياضي
والفيلسوف الالماني لايبنتز، احد كبارعظماء عصره، ومبتكر النظام الرقمي، وهو
اللغة الوحيدة حتى الآن التي
تفهمها الكمبيوترات كان يعطي من وقته الكثير لعلم تنظيم
المكتبات وقد وضعاسس الفهرسة
الالفبائية.
لكل واحد من هؤلاء فضل ولو بنسب متفاوتة.
ولا بد من لفت النظر الى انني لا اتكلم
الان عن حب الكتاب بل عن تجميع
الكتب وتنظيمها اي عن المكتبات، الفارق كبير ولكل منهما
اثره واهميته فيالحضارة.
بالنسبة للمكتبات من الملاحظ ان الفترة التي شهدت ولادة
اوروبا الحديثة
هي ذاتها الفترة التي شهدت تأسيس المكتبات العلمية
الكبيرة والوطنية.
وقد
كان التطور الكبير للمكتبات في البلدان الاوروبية
المتقدمة مرتبطابالتقدم الكبير للعلم والثقافة
والتكنولوجيا، كما وان تطور العلم
والتكنولوجيا كان شرطا مسبقا لتكوين هذه الثروة المعرفية.
السؤال ما هي واجباتنا ازاء مسؤولية حفظ
ارث رشيد الاشقر؟ وكيف نحافظ على هذا الارث؟من البديهي انه لا يمكن لارث ان يستمر ان
لم يتحول الى مؤسسة.
وانني
ادعو، بل واستأذن عائلته الكريمة، بدعوتي اياها الى تحويل
المكتبةالى
كيان عام يشكل له مجلس امناء يضم، شرطا وبالدرجة الاولى
افرادا منالعائلة، الى جانب بعض
من ذوي الخبرة بالمكتبات والتوثيق للاشراف علىالمكتبة ومسؤول اداري متخصص لرسم سياستها
وتطوير برامجها حسب قواعد العمل
ومعاييره.
هكذا نما وتوسع معهد سميشونيان الذائع
الصيت في الولايات المتحدة منذ ان تحول الى مؤسسة.
وعلى
ان يؤمن في البداية تمويل بعيد الامد ويودع في المصارف كي
يتم الاتفاق على ادارة المؤسسة من فوائد رأس المال.
هكذا
اسس فيليب حتي معهد الدراسات الشرقية في جامعة برنستون
بالولايات المتحدة.
ومازال قيد العمل.
وعلى
ان يلحق بالمكتبة عنصران شابان وبأجر رسمي مهمتهما الفهرسة
والتوثيق
وتقديم الخدمات الاحترافية، وان يتم تشجيع طلبة كليات
التوثيق والاعلامعلى التطوع
للمساعدة في تطوير نشاطات وقدرات المكتبة، وبالدرجة الاولىالكترونيا، اي باستخدام الكمبيوترات
وتبادل المعلومات عبر الانترنت.
لسعاده اكثر من موعد مع الحداثة وعلى كل
ارث نهضوي ان يحدد ميعاد لقائه وهذه المواعيد.
احلم ان امر يوما امام المكتبة العزيزة
على قلوبنا جميعا لاجد على مدخلها
لافتة كبرى كتب عليها: «مكتبة رشيد الاشقر التذكارية» وفي
داخل القاعةصورة الراحل الكبير
الى جانب صورة المعلم الاكبر.
*
كلمة القاهاانطوان بطرس في
ذكرى رشيد الاشقر بدعوة من مكتب الدراسات العلمية - بيت
الشعار.