إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيتنا، ونعلن إن في النفس السورية كل علم  وكل فلسفة وكل فن في العالم

العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي

تستمد النهضة السورية القومية الإجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي

  صفحة رئيسة ] مقالات ] من الأرشيف ] أسس نهضوية ] ثقافة وتاريخ ] مسائل قومية وإجتماعية ] إعرف عدوك ] هذه الحركة ]  
  
في الوقائع

مقدمات الإنقلاب

الإعداد العملي للإنقلاب

الإنقلاب: تهيئة وخطة وإعدادا عمليا

دور المجالس الحزبية

تبدل مواقف المجلس الأعلى والعمد

في التنفيذ

في المخالفات

الثغرة السياسية

الثغرات في موضوع الحكم بعد الإنقلاب

ثغرات التخطيط والتنفيذ

ثغرات التخطيط

ثغرات التنفيذ

أخطاء العقلية

في التحقيق والمحاكمة والسجن

في الإدانة

على صعيد التقرير

على صعيد التخطيط

على صعيد الخطة العملية

في العقوبات

في الإدانة

العقوبات الشخصية بالنسبة للسلوك الشخصي

في المخالفات والخروج الفكري والعقائدي

قرارات الطرد

خاتمة

إعلان العفو العام

 

 

 

قرار المجلس الأعلى
حول المحاولة الانقلابية في لبنان سنة 1961  

 إعداد : منير حيدر

 

 هذا ملف المحاولة الإنقلابية عام 1961 التي كانت المحكمة الحزبية العليا قد أصدرت فيها قرارها رقم 118 تاريخ 26/8/1971 وأحالته الى المجلس الإعلى لدراسته،

ولقد أعاد المجلس الإعلى دراسة الملف ودراسة القرار، فوجد أن محاكمة المحاولة الإنقلابية عام 1961 تعني أن أشمل الى جانب النقاط القانونية والمسلكية تقييما سياسيا وفكريا وعمليا لخطة سياسية فكرية أساسية كما هو شأن الإنقلاب أو التقرير الإنقلابي،

هذا التقييم الشامل السياسي الفكري القانوني النظامي النضالي يسهم في تنمية النضج القيادي النضالي للحركة السورية القومية الإجتماعية، على وقود التضحيات الجسيمة الهائلة التي دفعها الحزب، من خلا المحاولة الإنقلابية الفاشلة، في العشرات من الشهداء والمئات من المصلوبين أحياء في السجون والإلوف من المشردين وفي الفقر والحرمان والجوع والإضطهاد الذي لاحق كل بيت ونزل بكل رفيق،

هذا الإسهام في الإنضاج والتنمية قررت القيادة المسؤولة وضعه في كراس بين الإيدي لينمو وعي صفوفنا وينضج مستوى قيادتنا ويرتقي فعلنا الحزبي في الشعب، فيرانا شعبنا على ما نحن، نضالا للإرتقاء والإنتصار، ويلمس مدى جدية المسؤولية التي نحملها تجاهه حين نحاسب أنفسنا ونحاكم رجالاتنا ونقيم سلوكنا وأفعالنا، في ضوء مصلحته التي لها وحدها كان نضالنا ويكون، والتي آمنّا وأقسمنا ونعمل كي تبقى فوق كل مصلحة.

8 تموز 1972

رئسس مجلس العمد

مسعد حجل

بتاريخ 9/11/1970 قرر المجلس الإعلى إحالة محاولة 1961 الإنقلابية الى المحكمة العليا للنظر في مقدماتها وملابساتها وأسبابها ونتائجها وتحديد المسؤوليات فيها، وبتاريخ 26/8/1971 أصدرت المحكمة قرارها النهائي ورفعته الى المجلس الأعلى للنظر فيه وتصديقه بوصفه قرارا موقوفا على تصديق المجلس الأعلى، تثبيتا أو تعديلا أو إلغاء.

على ضوء تقرير رئيس المجلس الأعلى على بخصوص الرفيق محمد الطباخ وقد ضم الى الملف، وعلى ضوء الإعتراضات من الرفقاء عبدالله قبرصي، إنعام رعد، مصطفى عزالدين، بشير عبيد، وهي الإعتراضات الوحيدة المقدمة للمجلس الأعلى على قرار المحكمة العليا، وعلى ضوء دراسة القضية والقرار الصادر بشأنها تبين للمجلس الأعلى وجوب إضافة الرفيق محمد الطباخ الى عداد المتهمين، كما تبين أن المحكمة العليا درست القضية من زاويتها القانونية دون أن تتناول القضية بشمولها، من حيث التقييم السياسي والفكري والنفسي والعملي، وقد ذكر رئيس المحكمة العليا في رسالة الى المجلس الأعلى بتاريخ 15/12/1971 أن المحكمة رأت عدم تناول التقييم السياسي والفكري للمحاولة الإنقلابية تاركة ذلك للمجلس الأعلى.

وقد وجد المجلس الأعلى أن قرارا في قضية المحاولة لا يمكن قصر الدرس فيه على المخالفات القانونية والسلوكية وحدها، وإنما ينبغي أن يتضمن محاكمة  تتناول القضية من أساسها، بوصفها موقفا سياسيا فكريا نفسيا عمليا، فيأتي القرار المعالج لها والصادر بحقها قرارا تاريخيا شاملا على مستوى الموقف كموقف تاريخي فاصل.

وفي جلسة المجلس الأعلى المنعقدة بتاريخ 21/6/1972 أصدر المجلس الإعلى قراره التالي في قضية المحاولة الإنقلابية.

في الوقائع

 بتاريخ طرح المحاولة الإنقلابية كان المجلس الأعلى يتألف من المدعو محمد بعلبكي رئيسا والرفيق إميل رعد ناموسا والرفقاء: أسد الأشقر، منير خوري، أسعد رحال، عمر أبو زلام، عبدالله قبرصي، كامل أبو كامل، ونذير عظمه، أعضاء.

كان رئيس الحزب الرفيق عبدالله سعاده والمجلس الإعلى مؤلفا من الرفقاء: رامز يازجي للداخلية، بشير عبيد للدفاع، يوسف المعلم عميدا للمالية، إنعام رعد عميدا للإذاعة، عمر أبو زلام عميدا للعمل، مصطفى عبد الساتر عميدا للقضاء، يوسف الأشقر عميدا، للثقافة، فيليب مسلم عميدا دون مصلحة رئسا لمكتب عبر الحدود، ومصطفى عزالدين وصبحي أبو عبيد عميدين دون مصلحة.

ولما كانت السلطة الدستورية (قيادة الحزب) هي الهيئات العليا الثلاث (المجلس الإعلى، الرئاسة، مجلس العمد) المسؤولة عن إقرار وتخطيط وتنفيذ حدث أساسي فاصل من نوع المحاولة الأنقلابية، فقد جرى التحقيق على أساس أن الرفقاء أعضاء هذه الهيئات هم المسؤولون دستوريا وقانونيا في هذه القضية، وبالتالي يشكلون جهة المتّهمين.

ولما كانت المحكمة العليا قد قررت في جلستها بتاريخ 4/8/1971 إعتبار كل من توفيق العاشق وفضل الله أبو منصور وحميد شقير وخضر ساسين ورستم الضيقه متهمين في هذه القضية، كما قررت فصل ما ورد بشأن الرفقاء عبدالله محسن، عيسى سلامه، خليل كرديه، محمد عباس نزهة على أن يتولى ممثل الحق القومي إعداد قرار إتهام بحق كل منهم إذا وجد لذلك داعيا، فقد قرر المجلس الأعلى النظر في القضية وفقا لقرار المحكمة بالنسبة لمن إعتبرتهم متهمين بالإضافة الى الرفقاء أعضاء الهيئات الثلاث، كما قرر الأخذ بقرار المحكمة بالنسبة لمن قرر فصل قضاياهم على حدة، وبالتدقيق والمراجعة وبتحليل الأوضاع الحزبية والعامة عام 1961 وغيرها تبين للمجلس الأعلى ما يلي:

أثر الأحداث التي تعرض لها الكيان اللبناني عام 1958 وتدخل الحزب فيها بالقوة المسلحة، وهي أحداث خاض القوميون الإجتماعيون معاركها بقوة وبسالة وأستشهد فيها عدد كبير من الرفقاء ثم إنتهت الى تسوية سياسية على حساب الحزب بأن أقصته عن المشاركة في الحل  وبأن جاءت بحكم أخذ يعمل، بمختلف الوسائل، على خلق العراقيل وإصطناع المضايقات وممارسة الضغوط في وجه العمل الحزبي، وصلت الى حد محاولة إغتيال رئيس الحزب عام 1960، ومنع الإحتفالات الحزبية وأعتقال بعض المسؤولين والرفقاء بتهم شتى وبدون تهم أحيانا، وإخراج العديد من الرفقاء غير اللبنانيين خارج الحدود اللبنانية، ثم ممارسة ضغوط التزوير والإرهاب وغيرهما في الإنتخابات النيابية ضد مرشحي الحزب أدت الى إسقاطهم، اثر هذا كله أخذ أكثر من رفيق مسؤول بل وأخذ الكثير الكثير من الرفقاء القوميين الإجتماعيين يفكرون ويطالبون بعمل جدي حاسم لوضع حد لهذا التنكيل وفك الطوق الذي أخذ يشتد على الحزب، وللدفع بالحزب الى الفعل في سياسة البلد وقيادته بما يتناسب مع قوته ونضاله ومساهمته الأساسية في أحداث عام 1958. ونشأ في القيادات العليا إتجاه نحو الإقدام على خطوة حاسمة ترفع المعنويات في الداخل وترد للحزب إعتباره في الخارج وتدفع به الى أن يغدو قوة مؤثرة في سير الأحداث، وفاعلة في سياسة البلد.

الرفيق أسد الأشقر يتحدث بإستمرار ومنذ عام 1959 عن ضرورة الأنتقال من مرحلة التبشير الى مرحلة التحقيق (مستند 3 وإفادة الرفيق كامل أبو كامل ص 63) والعديد العديد من الرفقاء ينشرون أجواء التذمر والمطالبة بعمل إنقاذي كبير، خصوصا وأن التوتر الداخلي العنيف الذي أحدثه طرد عبد المسيح ومناخ الإتهامات والمطاعن الذي رافق عملية الطرد والذي جاءت أحداث 1958 تجمده في إنصراف الصفوف الى مجابهة التحدي وخوض المعترك المسلح، لم يلبث أن عاد الى نشر سمومه بعد أنتهاء الأحداث وخروج الحزب صفر اليدين بالرغم من نضاله المجيد وتضحياته الضخمة، ولقد تسبب هذا الجو المتوتر الضاغط بالشائعات والمطاعن والتذمر والتشكيك الى إستقدام الرفيق عبدالله سعاده وتسليمه رئاسة الحزب، وقد إستقال الرئيس عبدالله محسن قبل ستة أشهر من إنتهاء مدة رئاسته، لتمكين الرفيق عبدالله سعاده من تسلم رئاسة الحزب، كل ذلك في تعطش الى عمل يعيد الفاعلية ويرفع المعنويات ويدفع بالحزب الى أن يلعب الدور الذي تؤهله له قوته ومساهمته الوطنية والقومية.

ما أن تسلم الرفيق عبدالله سعاده رئاسة الحزب، حتى واجه مسؤولية العمل الإنقاذي الذي كان إستقدامه من السعودية وتسليمه رئاسة الحزب، في سبيل تحقيقه بأن بدأ بالتفكير بالأنقلاب منذ بدء توليه الرئاسة في أوائل عام 1961 (إفادة عبدالله سعاده ص 2).

لم يكن الرئيس عبدالله سعاده هو الوحيد الذي إتجه تفكيره نحو الإنقلاب كعمل إنقاذي حاسم، بل أن الرفيق بشير عبيد وصف نفسه بأنه كان دائم الدعوة الى الثورة مع الرفيق إميل رعد.  أما على صعيد العسكريين فإن الرفيق فؤاد عوض كان يتباحث بشأن الإنقلاب مع الرفيق شوقي خيرالله منذ عام 1958.

مقدمات الإنقلاب

كان اول من طرح فكرة الإنقلاب على رئيس الحزب الرفيق أسد الأشقر وذلك في أوائل عام 1961 وكان دافعه الى ذلك ما قاله للرئيس حسب ما ورد في إفادته (ص 130) "من أن الحزب هو الحسكة العملاقة الباقية في حلق فؤاد شهاب وهو بالنسبة لخوفه من الحزب ولإختباره خلال أحداث 1958 ويقينه أن الحزب قوة ضاربة، يتحين الفرصة حتى يضرب الحزب ولذلك يجب أن نسبقه"

أما الرئيس فقد أخذ يقلب الرأي في الفكرة بأن تداول فيها مع رئيس المجلس الأعلى محمد وناموس الرئاسة الرفيق نبيه نعمه، وقد تمت لدى الرئيس عبدالله سعاده القناعة بالأنقلاب بناء على ما يلي، كما جاء في أفادته (ص 2):

خاض القوميون الإجتماعيون أحداث عام 1958 ببطولة رائعة وسجلوا إنتصارات حربية وبطولة لفتت إليهم أنظار المواطنين والدول الإجنبية، وفي نهاية هذه الأحداث فشل الحزب، في رأيي، في قطف أية ثمرة من أشتراكه فيها ومن ضحاياه العديدة في معاركه، بإستثناء الهيبة المعنوية التي تكونت أثناء الأحداث، وعاد الحكم بعد الأحداث الى أسوأ ما كان عليه قبلها، فتصالح الطرفان الطائفيان المتحاربان وتم إقصاء الحزب من ضمن التسوية الطائفية في لبنان، والعهد الجديد إستطاع أن يروّض المتحاربين، طرفا في إشراكه بالسلطة، وطرفا عن طريق تفتيته وإقصائه، وقد بدا واضحا من تصرفات أصحاب السلطة أنهم يضمرون عداء أصيلا للحزب وأنهم يعملون بسياسة تضييق الخناق عليه تدريجيّا لإضعافه وحصره عند حد معين من الضعف العاجز.  عبثا حاولت أن ألغي هذه الروحية السلبية بكافة الإتصالات فكنت لا أعطى إلاّ الكلام المنمق والتبريرات، ولقد بات القوميون الإجتماعيون يحسون بأن سياسة التهدئة والمهادنة إنما هي سياسة الموت البطيء،  وأن جهودهم وجهادهم في أحداث عام 1958 لم تجن لهم إلا تفتح الأعين عليهم وإستهدافهم للإضطهاد المباشر.  ولما كان رئيس الحزب بحكم تربتيه الحزبية مقتنعا بأن إنتصار الحزب لتحقيق أهدافه ومبادئه قد يتعذر تحقيقه بواسطة الديمقراطية الشكلية في ظل النظام الطائفي الإقطاعي الرأسمالي، وأن طريق الإنتصار هو الثورة، ولما كانت الخريطة الشعبية هي مزيج من موزاييك الطوائف والأعراق فلقد إقتنعت بأن الثورة الشعبية قد تكون شبه مستحيلة".

وأرتكزت قناعة الرئيس عبدالله سعاده بالإنقلاب على أربع ركائز (ص 3) "الأولى قاعدة الحزب الشعبية الواسعة الإنتشار في جميع الطوائف والأعراق وفي كل المناطق، الثانية هيبة الحزب التي حققها في معركة 1958، الثالث الولاء العاطفي أو الوجداني الذي كانت تضمره له قاعدة شعبية كبيرة، بخاصة الفريق الغلوب على أمره (فريق المسيحيين)، والرابعة العقلية السائدة لجهة الوقوف الى جانب صاحبة السلطان كلما تغيرت صاحبة السلطان.

وحين تمت لدى الرئيس عبدالله سعاده القناعة بطريق الإنقلاب أمنّ له الرفيق نبيه نعمه، ناموس الرئاسة، لقاء بالرفيق شوقي خيرالله.  ذكر الرفيق شوقي خيرالله أن عددا من ضباط الجيش يفكرون في الإتجاه ذاته، واصفا الحالة في الجيش بأنها مناسبة لمثل هذه الخطوة لأن نسبة كبرى من الضباط تعبون من تسلط القيادات العليا وسياستها، مزكيا الرفيق فؤاد عوض لهذه المهمة، لافتا الى أن السيطرة الناصرية في الشام تجعل الإنقلاب مهددا.  عاد رئيس الحزب بعد اللقاء يقلّب الفكرة في تعمق أكبر بإعتبار أن الحكم الناصري في الشام يعرض الإنقلاب لتدخل الناصرية المباشر والمداور، "تهيبت الإعداد العملي ولكن استمريت في التأمل والدراسة".

الإعداد العملي للإنقلاب

ما أن وقع الإنفصال في الشام حتى سقط عامل التهيب الوحيد وأستقر عزم الرئيس فبادر فورا، وبعد أربعة أيام فقط من وقوع الإنفصال، الى تطيير البرقيات لبعض الرفقاء الشاميين العسكريين المبعدين الى الخارج يستقدمهم على الفور الى لبنان (إفادة الرفيق عبدالله الجبيلي، حضور الرفيق محمود نعمه). 

وأجتمع الرئيس بالرفيق عوض وتبادلا الرأي وتوافقا على الإنقلاب وأتفقا على مواصلة اللقاء فتتالت اللقاءات وتم إختمار الفكرة، وجاء طرح عميد الإذاعة لبرنامج عمدته في التحرك الشعبي مناسبة لأستمزاج الرئيس مجلس العمد في الإنقلاب، هل يتوقعون  قلب النظام بالتحرك الشعبي، هل أن قلب النظام مشروع وضروري (إفادة الرفيق إنعام رعد، إفادة الرفيق عبد القادر تحوف).

أثارت فكرة الإنقلاب الجدل وأنعقدت جلسات عديدة لمجلس العمد لتقليب الرأي في موضوع العمل الإنقلابي  لوضع حد لتطاول السلطات وقلب النظام: وفي إجتماع نهائي، وحين طلب الرئيس من كل عميد رأيه القاطع النهائي، كانت مواقف العمد متفاوتة في الشدة واللين وفي القبول والرفض.  عميد القضاء الرفيق مصطفى عبد الساتر أعلن معارضته القاطعة للإنقلاب وحذر رئيس الحزب من الإقدام على مثل هذا العمل وأشفع معارضته بتقديم إستقالتهرئيس مكتب عبر الحدود العميد دون مصلحة أعلن معارضة مترددة وبشكل ما (حسب تعبيره في إفادته) وأعلن العميد مصطفى عزالدين موافقة مترددة وبشكل ما (إفادة إنعام رعد ص 48 ومصطفى عزالدين ص 78) أما بقية العمد فقد أبدوا حماسا للفكرة.

وبعد خروج الرئيس بموافقة مجلس العمد طرح الموضوع على المجلس الأعلى وكان قد تباحث فيه منذ البدء مع إثنين من أعضائه رئيسه محمد البعلبكي والرفيق أسد الأشقر، وبنهاية المداولة، لم يعارض من أعضاء المجلس الأعلى سوى الرفيق نذير عظمة، وقد جاءت معارضته لأسباب مبدئية تقوم على رفض الإنقلابية واعتماد الثورة الشعبية بالإعداد لها لمدة سنتين أو ثلاث.  وبقي الرفيق نذير عظمة مصرا على معارضته حتى النهاية دون أن يتخلى عن مسؤوليته بالإستقالة أو بالإمتناع  عن تنفيذ ما يطلب منه (إفادة الرفيق عبدالله سعاده ص 6، ومستند إفادة الرفيق عبدالله قبرصي).  ويوضح الرفيق كامل ابو كامل أنه هو أظهر معارضة للأنقلاب وأنه من ثم أنقطع عن حضور الجلسات، ويذكر الرفيق بشير عبيد في إفادته ما يؤيد هذا القول.  ومع موافقة الموضوع قرر منح رئيس الحزب سلطات إستثنائية للدفاع عن الحزب مع تفويضه بمواصلة المساعي والإعدادات للإنقلاب، من ضمن إمكان إلغاء المشروع في أي وقت يشاءه المجلس الأعلى ومن ضمن تقرير إنعقاد جلسة للمجلس عشية التنفيذ، فيها يصار الى إصدار قرار نهائي في الإنقلاب (إفادة الرفيق عبدالله سعاده ص 8).

الإنقلاب: تهيئة وخطة وإعدادا عمليا

أثر موافقة المجلس في الجلسة المشتركة، قرر رئيس الحزب الإستغناء عن إجتماعات مجلس العمد إذ لم تعد مهام العمدات المختصة بذات شأن أمام عملية الإنقلاب المقررة، وقام بتشكيل لجنة تنفيذية ضمت عددا من العمد وغيرهم هم الرفقاء: بشير عبيد، أميل رعد، يوسف الأشقر، رجا اليازجي، صبحي أبو عبيد، ومصطفى عز الدين.  لم تتولى هذه اللجنة وضع خطة الإنقلاب والتخطيط له بل كانت إجتماعاتها فقط لمتابعة المهمات التنفيذية الموكوله الى أفرادها، لكل منهم مهمة تنفيذية أساسية، (إفادة الرفيق مصطفى عز الدين ص 37 ).

ومن جهة ثانية كلف رئيس الحزب عميد الإذاعة الرفيق إنعام رعد إعداد دراسة من القوى الشعبية، كما قرر تأليف لجنة للإتصالات الشعبية، وعين الرفيق عبدالله قبرصي رئيسا لها ولكن دون أن يضيف اليه أعضاء آخرين (إفادة الرفيق عبدالله قبرصي ص 129) وقام الرئيس بإتصالات مع بعض رجال السياسة فاتحهم مباشرة بالموضوع فرفضوه (إفادة الرفيق نصري أبو سليمان) ثم كلف الرفيق نصري بإجراء إتصالات مع سياسيين وتهيئتهم للمشاركة (جواد بولس، سليمان العلي) وكنوع من التهيئة النفسية قام الرئيس بتوجيه كتاب مفتوح الى رئيس الجمهورية يفضح فيه مثالب العهد ويسجل عليه المآخذ، فضلا عن أن خطب الرئيس في الحشود والتجمعات والمناسبات أخذت تندد بالحكم وتشير الى تململ الحزب وتصميمه على أن يتولى قيادة الحكم.

ومع هذه التهيئة الحزبية والشعبية والسياسية والنفسية أنطلقت الإجتماعات مع العسكريين فؤاد عوض، شوقي خيرالله، بديع غازي، يحضرها دائما رئيس الحزب وإحيانا بعض من يكلفهم من الرفقاء المسؤولين، عميد الدفاع بشير عبيد، أميل رعد، وغيرهم من أعضاء اللجنة التنفيذية وكذلك الرفقاء العسكريين غير اللبنانيين الذين تم إستدعاؤهم من من الخارج لهذا الغرض (جبيلي، نعمه، شمنق).

الخطوط العامه للخطه هي كما وضعت بأشتراك عوض، خيرالله، جبيلي، غازي، وقد وضعت مكتوبة كما يلي:

* يحرك الرفيق عوض عددا من المصفحات بعضها للمعاونة في إحتلال سرية الطواريء، (الفرقه 16) وبعضها لمعاونة الميليشيسا القومية الإجتماعية المرابطة أمام الثكنات لقمع أي تحرك داخل الثكنات.

* العناصر القومية الإجتماعية تتولى رقابة الثكنات ووزارة الدفاع منذ مطلع الليل لتنبيه الرفيق عوض خلال تحركه من صور الى بيروت، الى أية حركة في الثكنات أو الوزارة تنبيء عن تنبه السلطات وتحركها.

*تجهيز المدرعات وتحريكها من داخل الثكنات الى الخارج يحتاج الى ثلاث ساعات وهي فرصة كافية لتنبيه الرفيق عوض في صور وحتى  قبل أن يتحرك، أما دون هذه المدة  فيملك الرفيق عوض،  بوصوله الى وزارة الدفاع، أن يفرز بعض المصفحات لمعاونة الميليشيا المرابطة على باب الثكنات لقمع أي تحرك.

* تهيئة العناصر القومية الإجتماعية العاملة في الجيش اللبناني للمشاركة في التحرك المضاد ولدعم الإنقلاب وتثبيته.

* إستدعاء الرفيق شوقي المرابط بسريته المدرعة في مرجعيون، برقيا، بعد إحتلال وزارة الدفاع، فيؤمن موالاة منطقته ويحضر بسريته لتعزيز الإنقلاب وتثبيته.

* تقوم الميليشيا القومية الإجتماعية بزمر مسلحة بإحتلال شرطة الطوارىء للإنطلاق برجال السلك الى إعتقال بعض السياسيين ونقلهم.

* تقوم الميليشيا القومية الإجتماعية بزمر مسلحة بإعتقال كبار ضباط الجيش ونقلهم.

*تقوم الميليشيا القومية الإجتماعية بإعتقال رئيس الجمهورية في مقره صربا ونقله.

*تقوم الميليشيا القومية الإجتماعية بقطع خطوط الهاتف.

* إذا تمت العمليات ونجح الإنقلاب يحتل الرفيق عوض ببعض مصفحاته الإذاعة، لإذاعة البلاغات وإعلان العهد الجديد.

* في حالة الفشل، ينتقل الرفيق عوض بمصفحاته الى مشارف ديك المحدي ويستنفر القوميون الإجتماعيون في المتن ويصار الى إعلان المتن منطقة ثورة، كما يصار الى الإتصالات السياسية مع السلطة للوصول الى تسوية، والا فتوسيع رقعة الثورة منطقة إثر منطقه.

هذه هي الخطوط التي شارك فيها الرفيق شوقي خيرالله وقد عاد في جلسة أخيرة حضرها في تشرين الثاني 1961 فأبدى شكوكه بتوفر إمكانيات النجاح وكذلك شكوكه في مدى تجاوب العسكريين من أفراد كتيبة عوض معه، في حال الفشل وأمره لهم بالأنسحاب معه الى المتن، ويطالب بالمزيد من الإعداد وتأخير العملية لزيادة التحضير والعمل على إستمالة وحدات عسكرية أخرى بل وشراء ضباط بالمال ليمكن الإمساك الجدي بالحكم حتى ولو نجح الإنقلاب.

وبعد ذلك جرى إعتقال الرفيق شوقي خيرالله بسبب إصطدامه مع بعض المسؤولين في الجيش، عندما تعمدوا حجب صورته مع سريته في التلفزيون، في عرض عيد يوم الإستقلال في 22 تشرين الثاني، وأخذوا ينثرون التهديدات ضده مما حمله على أن يعلن في سريته وفي برنامج تقوية معنويات جنوده، أنه والسرية مستعدون للدفاع عن أنفسهم بقوة السلاح، فجرى الأمر بوضعه في التوقيف التأديبي لمدة شهرين.

هذا وكان الرئيس، أثناء بحث الخطوط العامه للخطه، طلب من العسكريين، عوض، شوقي، غازي، أن يكون الإنقلاب، عسكريا خالصا بناء على إلحاح بعض المسؤولين (الرفيق أسد الأشقر وغيره) وأن يتولى العسكريون وحدهم كل المهمات فرفض العسكريون وأصروا على أن تقوم زمر الميليشيا القومية الإجتماعية بالمهمات المرسومة لها بإستثناء إحتلال وزارة الدفاع.  أما بخصوص تولي ضابط كبير رئاسة الإنقلاب فقد كان هناك إتجاه لبعض الأسماء التي عرف عنها تزمرها بتسلط فؤاد شهاب على الجيش وتوقها الى التحرك ضده، والتي أظهر البعض مباركتهم لكل تحرك ضد فؤاد شهاب.  أما أجهزة الحكم الجديدة فكان الإتجاه هو الىلا جواد بولس لرئاسة الجمهورية وسليمان العلي لرئاسة الحكومة وان يصار الى تأليف وزارة عادية يشترك فيها ثلاثة وزراء قوميين إجتماعيين للداخلية والأنباء ووزارة دولة، في حين يتولى العسكريون القوميون الثلاثة (عوض، شوقي، غازي) إدارات مكتبية رئيسية في الأركان.

دور المجالس الحزبية

 فيما كانت الخطة توضع والإعدادات تلاحق، كان الرئيس يواصل إجتماعاته الى المجلس الأعلى، في حين توقف مجلس العمد عن عقد جلساته.  كان الرئيس في المجلس الأعلى يطلعه على الجوانب التي يستنسبها من العملية، وبشكل متفرق، كما كان يجيب على بعض أسئلة الأعضاء لإبقاء المجلس في جو المحاولة، ويرفض أحيانا الإخبار عن أمور وأسماء لا يرى من المناسب كشفها، "كان يطلع المجلس الأعلى على ما يرى من الضروري إطلاعه عليه بحيث فاتنا أن نعرف كثيرا من الأشياء والأمور لتتكامل أمامنا صورة الواقع وندلي بآرائنا من إدراك صحيح لهذا الواقع" (رسالة الرفيق عبدالله قبرصي مستند 3).

أما اللجنة التنفيذية التي شكلها الرئيس في الإنقلاب والتي يقول الرفيق مصطفى عز الدين، أحد أعضائها، أنه لم يسمع إلا في المحكمة أنها كانت للتخطيط، فلم يكن ثمة إطلاع كامل ومشاركة تامة.  الرفيق بشير عبيد عميد الدفاع وعضو هذه اللجهة والذي كان يوزع المهام التنفيذية الرئسية على بقية أعضائها، يعزو أسباب الفشل الى أن رئيس الحزب، في غياب رقابة المجلس الأعلى كان يتصرف وكأنه مطلق الصلاحية، وبإسلوب مثالي رومانسي ( ص 22).  والرفيق يوسف الأشقر يذكر أن عميد الدفاع كان يشكو على الدوام من جهله بالتفاصيل خاصة موضوع العسكريين، وقد حصلت أكثر من مشادة بين رئيس الحزب وعميد الدفاع لهذا السبب (ص 78)، وأوضح أن الرئيس كان منفردا في قيادة العملية.  وفي الليلة التي سبقت المحاولة إجتمع الرئيس مع الرفيق عوض بحضور الرفيق بديع غازي وحصل الإتفاق على التنفيذ في الليلة التالية، على أن يتلقى الرفيق عوض إشعارا أخيرا من الحزب، في الليلة ذاتها يكون بمثابة الأمر الأخير بالتحرك بإعتبار أن الضوء الأخضر الأخير لا يمكن أن يصدر إلا بقرار من المجلس الأعلى.

أثر إجتماع الرئيس بالرفيق عوض عقد المجلس الأعلى جلسته الأخيرة ليل 29/12/1961 حضرها رئيس الحزب وخمسة من أعضاء المجلس الأعلى، فقد تغيب الرفيقان أسد الأشقر وعمر أبو زلام لتكليفهما من قبل رئيس الحزب ببعض الشؤون والأعمال، كما أن العضوين الآخرين الرفيقين أسعد رحال وكامل أبو كامل لم يحضرا، وكان الرفيق أسعد رحال قد قدم إستقالته خطيا قبل ذلك بإسبوع، في معارضة منه للإنقلاب، طالب فيها أن يصار الى إستدعائه الى المجلس الأعلى لشرح أسباب إستقالته وبالتالي معارضته للإنقلاب.  لكنه لم يدع الى هذه الجلسة، وكذلك كان الرفيق كامل أبو كامل منذ أن أبدى بعض المعارضة في الجلسة المشتركة، إنقطع عن الحضور، ولم يصر الى إستدعائه الى هذه الجلسة (إفادة كامل ابو كامل، بشير عبيد، عبدالله قبرصي، أسعد رحال).

في هذه الجلسة التي أريد أن تكون جلسة التقرير الأخيرة، أعطي المجلس الأعلى ان يعرض الخطة على التصويت، ودون إطلاع على الخطة، بعد ان وقف الرفيق منير خوري عضو المجلس الأعلى يعارض طرح الخطة، وكما يقول الرفيق عبدالله قبرصي "بحثنا بسرعة، قررنا بسرعة، تداولنا في أمر الفشل بكلمتين، كان كل شيء محلولا".

تبدل مواقف اعضاء المجلس الأعلى والعمد:

الموافقة المترددة التي أبداها العميد مصطفى عزالدين في مجلس العمد (فيليب مسلم) تبدلت شيئا فشيئا الى رفض العملية بشكل قاطع، وفي جلسة في اللجنة وقبل عشة أيام من العملية، وجد الفرصة مناسبة للدعوة الى وقف العملية وكانت اعتراضاته تدور على ان الحزب غير مقبول في لبنان عند فئات كثيرة من الشعب بعد حوادث 1958 وعلى أن الرئيس شهاب ليس ضعيفا على الصعيد الشعبي بل هو جاء بحماس شعبي لإنهاء وضع الفوضى والإنهيار، وأن هذا الحماس حوله لم يفتر، أما على صعيد العمل نفسه فهو يعرف بحكم كونه مسؤولا مستمرا وناموسا لشعبة السلك أنه ليس في الجيش والسلك ضباط قوميون إجتماعيون على صلة بالحزب.  وإزداد ميل العميد عز الدين الى الرفض بسبب عدم إطمئنانه الى جدية التنفيذ، وما لمسه من من معالجة الامور ببساطة وحماس وعدم حصوله على جواب مقنع فيما يتصل بالترتيبات المعدة لمواجهة الفشل، واخيرا ما انكشف من ان ضبط السرية مستحيل خصوصا بعد أن أخذت الاخبار ترد عن تلميحات رجال السلطة لبعض القوميين وبعض الأصدقاء أنهم على إطلاع على ما يعده الحزب، كل هذا جعل الرفيق مصطفى يبدي المعارضة واخذ يتصل بالرئيس على حدة ليشرح له أسباب هذه المعارضة (ص 36).

أما في المجلس الأعلى فبعد أن كان الرفيق عبدالله قبرصي من اكثر المتحمسين للفكرة (مستند 3 إفادة القبرصي) في الجلسة العامة التي عقدت في ديك المحدي لمجلسي الأعلى والعمد، الا انه في شهر كانون الاول وليس بعد الأنفصال في 28/9/1961 كما ذكر في رسالته الإعتراضية، باعتبار ان الجلسة المشتركة التي كان هو فيها متحمسا للفكرة، انعقدت بعد الانفصال، وانما في شهر كانون الاول وبعد ان اجتمع الى مدير الامن العام المقدم جلبوط وفهم منه أستنتاجا ان السلطة اللبنانية على علم بما يدبره الحزب، أخذ يرى مخاطر المحاولة على الحزب وعلى الامة وكان يبحث "عن وسائل مداورة لإيقاف المحاولة أو تأجيلها" (مستند 3).  وخلال النصف الثاني من كانون الأول اجتمع الى عضو المجلس الاعلى الرفيق عمر ابو زلام واقنعه بعدم جدوى المحاولة، كما انه في نفس اليوم الذي انعقد في مسائه إجتماع المجلس الاعلى لاعطاء الضوء الأخضر الاخير امام العملية طلب من العميد الرفيق فيليب مسلم ان يسارع الى رئيس الحزب ويطلب اليه التوقف عن "المغامرة الكارثة" كما ورد في تعبيره.  وفي جلسة الضوء الاخضر الاخيرة ليل 29/12/1961 "لم يجرؤ" حسب تعبيره ان يعارض او يقاوم مباشرة، الا انه كان ينوي مداورة وبوضوح تعطيل المحاولة بان اقترح دعوة اكبر عدد من الرفقاء والأمناء لاستمزاج رأيهم حتى اذا رفض اقتراحه، عاد فاقترح دعوة الرؤساء السابقين على الاقل، وفي ذهنه الرفيق عبدالله محسن الذي كان استمزاجه سيفضي، حسب تقديره، الى العرقلة او التعطيل "باعتبار ان الرفيق محسن كان سيعارض كما اكد رئيس الحزب عبدالله سعاده في الجلسة نفسها عند مناقشة الاقتراح.  ولما سقطت اقتراحاته وبالرغم من ان المجلس الاعلى اعطى الضوء الاخضر الاخير فانه في اليوم التالي وبعد ان اجتمع الى الرفيق اسعد رحال عضو المجلس الاعلى، الذي لم يحضر جلسة الضوء الاخضر  وسمع منه ان الحزب ماض الى كارثة، ثارت حماسته ودعا الرفيق اسعد الى "مرافقته في ايقاف المحاولة حتى الموت"؟؟ حسب تعبيره، وكان ان لجأ الى مكنب رئيس المجلس الاعلى برفقة الرفيق اسعد رحال فلم يجد البعلبكي وترك له ورقة تطلب منه ان يتصل به لامر هام جدا جدا جدا حتى اذا اتصل به البعلبكي هاتفيا بعد ذلك واعلمه عن عدم تمكنه من الاجتماع به هذا المساء، أي مساء المحاولة، بالذات، ايقن انه اسقط في يده وان كل محاولاته لاحباط او توقيف او تعطيل المحاولة قد باءت بالاخفاق.

أما الرفيق اسعد رحال، عضو المجلس الاعلى، فيعلل عدم قناعته بالانقلاب للاعتبارات التالية: "من الصعب ان ينجح انقلاب في لبنان بسبب الانقسام الطائفي والعقائدي، ثم عدم اعداد برنامج للحكم مبني على المعرفة نتيجة دراسة شاملة للاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم إيمانه بانه يجب ان يسبق الانقلاب ثورة شعبية ليكون الشعب مستعدا لتقبل العهد الجديد".  ويذكر الرفيق رحال انه لم يعلم الا في الاعتقال ان المجلس الاعلى بحث الانقلاب واقره، وان ذلك تم في جلسة لم يصر الى استدعائه اليها بغم انه كان في البلد ولم يسافر، وقد قيل له إن إتصالا قد تم لاستدعائه لكنه لم يبلغه، وفي الجلسات التي حضرها لم يبحث لامجلس الاعلى في خطة الانقلاب بل كان الرئيس في الخر الجلسة يتحدث لفترة قصيرة، وبشكل عام وبدون تحديد وبدون تسمية اشخاص.  وقد حاول الرفيق اسعد رحال في العشرة ايام الاخيرة جمع المجلس الاعلى لاقناعه تخطورة الانقلاب، واجتمع بالرفيق منير خوري الذي وعده بالاتصال بالرئيس ونقل رأيه اليه ثم عاد فابلغه عدم تمكنه من مقابلة الرئيس، وانه حاول الاتصال بالرفيق اميل رعد ناموس المجلس الاعلى، للوصول الى عقد جلسة، دون جدوى فلجأ الى تقديم كتاب باستقالته من المجلس الاعلى مع الطلب بدعوته الى جلسة للمجلس الاعلى لشرح اسباب استقالته، لكن شيئا لم يحدث.

ويذكر الرفيق عبدالله قبرصي انه بعد ان تمت لديه القناعة بعدم الانقلاب اجتمع الى عضو المجلس الاعلى الرفيق عمر ابو زلام واقنعه بعدم جدوى المحاولة، غير ان الرفيق عمر ابو زلام لم يحضر جلسة المجلس الاعلى الاخيرة ليل 29/12/1961 لمعرفة كيف استقرت قناعته بالفعل، مع الانقلاب ام ضده.  أما الرفيق كامل ابو كامل فيذكر انه كالرفيق نذير عظمه، عارض الانقلاب منذ البدء وانه قدم استقالته، ولا يؤيد احد موضوع استقالة كامل وان الرفيق بشير عبيد يذكر انه بعد الجلسة المشتركة وبعد ان ابدى المعارضة لم يعد يحضر جلسات المجلس الأعلى، وبالفعل فانه لم يحضر جلسة 29/12/1961 كما يذكر الرفيق عبدالله قبرصي.

في التنفيذ

حين حانت ساعة الصفر انطلق الرفيق يوسف الاشقر لتبليغ الرفيق فؤاد عوض امر الحزب الاخير بالانطلاق في عملية التنفيذ وليعود فيبلغ عميد الدفاع ان "حسون آت" وتنطلق الالة الانقلابية في المهمات المتعددة المخططة لها فتنجح عمليات وتفشل أخرى، وتفشل العملية المفتاح، عملية أعتقال رئيس الجمهورية، فيفشل الانقلاب، وتقوم عمليات الذبح والتنكيل والاعتقال الجماعي بالالوف، ويحل الحزب ويلاحق اعضاؤه وعائلاتهم، وتنهار مؤسساته المركزية، وتقوم قيادات مؤقتة، ثانوية الدور لأنها ثانوية القدرة، تكون مهمتها على مدى ثماني سنوات حصر الحريق وترميم دماره العاصف.

في المخالفات

   من حيث المخالفات يسجل المجلس الاعلى، بعد التدقيق، المخالفات التالية في الشأن الدستوري والقانوني والنظامي:

ظاهر البينات والوقائع يفيد ان الانقلاب تم اقراره في مجالس الحزب ومؤسساته الدستورية، وان المكتب السياسي هو الوحيد الذي لم يطرح فيه الانقلاب، بل تم اطلاع بعض اعضائه كل على انفراد، وفي ازمنه متفاوتة، ومجمل الافادات تؤكد ان مجالس الحزب لم تدرس الانقلاب، من حيث هو حركة واضحة الملامح، او آلة متناسقة متكاملة، تحركاتها تعطيها شكلها المميز، وتؤمن لها وظيفتها المرجوة. وبمعنى آخر، ما درس هو الانقلاب كاسلوب ضروري وشرعي ومطلوب القيام به اليوم وليس الانقلاب كخطة وتحرك على هذا الوجه دون ذاك، وبهذه الملامح والتحركات دون غيرها، وضمن هذا التوقيت دون سواه، "لم تعرض خطة الانقلاب على مجلس العمد" (افادة الرفيق رامز اليازجي).

"كنت عميدا للاقتصاد عندما بحثت المحاولة الانقلابية كفكرة – اي عندما بحث في موضوع استلام الحزب للحكم وقلب النظام القائم بالقوة، لقد طرح الرئيس على مجلس العمد الموضوع كمجرد فكرة لبحث وتقرير مشروعية مثل هذا العمل وضرورته او عجم مشروعيته وضرورته، وبعد تداول الموضوع ومناقشته في عدة جلسات لمجلس العمد اتخذ المجلس قراره بمشروعية هذا العمل وضرورته لانقاذ الامة من تحكم النظام القائم (من افادة الرفيق عبد القادر تحوف مستهد 9).

في الجلسة المشتركة للمجلس الاعلى ومجلس العمد اتخذ قرار شبه اجماعي باقرار فكرة الانقلاب ومشروعيته وضرورته وتكليف رئيس الحزب بمتابعة الموضوع والعمل على وضع خطة عملية والاعداد لها (الرفيق عبد القادر تحوف).

طرح موضوع الانقلاب في جلسة كانت مخصصة لبحث بيان عمدة الاذاعة وتحول البحث الى مخطط الحزب ووسيلة استلام الحكم بالانقلاب ام الثورة (انعام رعد ص 48) وقد تم الاستغناء عن مجلس العمد بعد ذلك وتشكيل لجنة تنفيذية من اكثر العمد وغيرهم لم يكن بينهم عميد الداخلية رامز يازجي او عميد الاقتصاد عبد القادرتحوف او عميد الاذاعة انعام رعد، فلم يعد احد منهم يعرف شيئا عن الخطة.

والرفيق مصطفى عز الدين العميد دون مصلحة، والذي عين في اللجنة التنفيذية على اساس انها للتخطيط، وفي المحاكمة فقط سمع ان اللجنة كانت للتخطيط في حين ان اجتماعاتها كانت حول ملاحقة المهمات التنفيذية المكلف بها اعضاؤها (افادة الرفيق مصطفى عز الدين ص 78).

اما المجلس الاعلى فلم يبحث بالخطة "لم اعلم الا في الاعتقال ان المجلس الاعلى بحث الانقلاب واقره (اسعد رحال) "كان رئيس الحزب يطلع المجلس الاعلى على ما يرى من الضروري اطلاعه عليه،  لم تتكامل امامنا صورة الوضع لندلي بآرائنا عن ادراك صحيح لهذا الواقع" (الرفيق قبرصي مستند 2)

ومما يوضح الن المجلس الاعلى لم يدرس الخطة ان الرفيق منير خوري، عضو المجلس الاعلى، اصر على المجلس الأعلى،  وفي الجلسة الاخيرة التي عقدت لاعطاء الضؤ الاخضر امام العملية، على عدم طرح الرئيس للخطة وعدم بحث المجلس الاعلى فيها، فاخذ بإصراره (افادة الرفيق منير خوري).

"بحثنا بسرعة، قررنا بسرعة، تداولنا في أمر الفشل بكلمتين، كان كل شيء محلولا" (الرفيق عبدالله قبرصي).  وهنا لا بد، لايضاح مختلف ما وقع لقواعد النظام القومي الاجتماعي من شرح هذه القواعد بشكل كامل.

مجالس الحزب العليا، المؤسسات الحزبية العليا، (مجلس أعلى، رئاسة، مجلس عمد) ثي مؤسسات قيادة، بها اناط الدستور وعليها انعقدت ارادة القوميين الاجتماعيين على النهوض بمسؤولية قيادة المسيرة الحزبية، تخطيطا وتنفيذا وضبطا، كل مع صلاحيات واضحة محددة.  انها مؤسسات قيدة وليست مؤسسات تنظير، وحين تتطارح النظر فليساعدها في تقرير الخطط القيادية بشكل سليم وصحيح، هذه الخطط التي التي تلزم الحزب، حركة واعضاء، بها وينفذونها مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج. 

مؤسسات القيادة هي اداة التعبير عن الإرادة القومية الإجتماعية العامة، بوصفها أداة عن الدور القومي الإجتماعي القيادي المسؤول، وعن العقل القومي الإجتماعي القيادي والتخطيطي في المجلس الاعلى، والعقل القومي الإجتماعي التنفيذي (رئاسة، مجلس عمد).   ومن حيث هي اداة التعبير عن العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول، حدد الدستور لهذه المؤسسات قواعدا واصولا لتفاعل العقل القيادي فيها عند بحث الشؤون الحزبية وتقريرها.  ففي مجلس العمد يقلب العمد الرأي في الشأن المطروح ويسجل كل منهم حكمه ورايه ويقوم الرئيس بالتقرير، وبعد التداول والنقاش  وسماع كل الآراء.  هكذا يكون إعمال العقل القومي الاجتماعي القيادي  التنفيذي المسؤول وتصدر مقراراته.

أما في المجلس الاعلى فيقلب الاعضاء الرأي والنقاش ويقرر المجلس الاعلى بالأكثرية الدستورية المطلوبة، حسب الموضوع المطروح، وهكذا يكون إعمال العقل القومي الإجتماعي التخطيطي المسؤول وتصدر قراراته.

وحين يتطارح في الانقلاب، والانقلاب وسيلة من وسائل النضال، يسار الى تنظيره من حيث الصحة والسلامة كيما يمكن من ثم التقرير فيه كخطة وتحرك، وكآلة محددة متناسقة الحركات قادرة على تحقيق الغاية المرجوة منها بشكل أضمن واقوى، او النظر في تغيير كلي لهذه الخطة واستبدالها بما هو أضمن نجاحا وانتصارا.  إن تقليب العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول في خطة الانقلاب، العقل التخطيطي او العقل التنفيذي، يكون في اعمال النظر والفكر في الانقلاب كموقف وكخططة محددة، بدراسة كل ملمح واستجلاء كل حركة وتثبيت الصورة الاجمالية كوحدة متناسقة متكاملة، عليها استقر يقين النجاح وبالتالي قرار العمل عند هذا العقل القيادي التخطيطي منه والتنفيذي.  وليس يجوز الاحتجاج بخطورة العملية وضرورة العناية بالتكتم والسرية لحصر البحث في حدود المبدأ والإكتفاء بطرح بعض الملامح  لإبقاء المجالس، عقل الحركة القيادي، في جو المحاولة مع حرمانها من اعمال العقل القيادي المسؤول إعمالا فعليا وليس شكليا في الخطة كوحدة قائمة بذاتها، يصار الى تقليب الراي في كافة تفاصيلها وخطوطها وتناسق حركاتها، والى التدخل في إدخال التعديلات على بعض الملامح من ضمن المقايسة العقلية القيادية المسؤولة في أحتمالات النجاح الاكبر، بين خطة بملامح معينة واخرى بملامح مختلفة.  بل كلما إزدادت خطورة العملية المطلوب من العقل القيادي المسؤول التقرير فيها، كلما ازدادت المسؤولية القومية الاجتماعية في التدارس الاوفى لأدق التفصيلات تقديرا لخطورة التقرير وما يترتب عليه من نتائج.

إن تنازل المجالس القيادية المعيب عن مسؤولياتها في إعمال العقل القومي الأجتماعي في العمل الخطير الذي تتصدى لتقريره، بقبول مجلس العمد بأعضائه الذي عينوا في اللجنة التنفيذية والذين لم يعينوا بإنتهاء دوره بمجرد تقريره للمبدأ، وباكتفاء المجلس الاعلى بالموافقة على الموضوع وإعطاء رئاسة الحزب صلاحيات الإعداد والتخطيط، يسجل عليها خروجا فاضحا معيبا وإهمالا شائنا لمسؤولياتها في التعبير عن مستوى العقل القومي الأجتماعي القيادي المسؤول حين يواجه موضوعا كموضوع الانقلاب.

إن هذا الخروج وهذا الاهمال يجعل اعضاء الهيئات القيادية الثلاث (المجلس الاعلى، رئاسة الحزب، مجلس العمد)، مسؤولين مسؤولية كاملة عن مادية ومعنوية عن الفشل بكل تبعاته ونتائجه فضلا عن إدانتها بالعجز في ادراك وظيفتها القيادية واداء هذه الوظيفة كعقل قومي إجتماعي قيادي مسؤول.

إنه لا يمكن القبول باعتراض الرفيق عبدالله قبرصي على قرار المحكمة العليا في تجريمه لأعضاء المجلس الاعلى بالتقصير والإهمال في مراقبة التنفيذ وفي الخطة نفسها، وهو الاعتراض الذي إستند فيه الرفيق عبدالله قبرصي على ان المجلس الاعلى لا يسأل عن التفاصيل التنفيذية او التكنية.  إن المجلس الاعلى يسأل عن الخطة، خطة الانقلاب، وخطة الانقلاب هي مجموعة خطوط وعمليات وتفصيلات تشكل وحدة متلاحمة متكاملة، وحين يتنازل عما اناطه به الدستور القومي الاجتماعي من مسؤولية في اعمال العقل القومي الاجتماعي التخطيطي في الخطة، وجه اهماله لمسؤوليته، ووجه عجزه في ادراك وظيفته القيادية.  إن الرفيق قبرصي يحاول، في معرض حرصه نفي المسؤولية عن المجلس الاعلى ان يستند الى واقعة رفض رئيس الحزب ذكر أسماء العسكريين، في المجلس الاعلى، ورفضه طلب المجلس الأعلى بالإجتماع بهم او مناقشة خططهم او مراحل التنفيذ.  رئيس الحزب يتجاوز في هذا الرفض، حدود صلاحياته ومسؤولياته تجاه المجلس الاعلى ويضع هو الآخر هذه الأمور في عداد الشؤون التنفيذية التي لا تعني المجلس الاعلى، وفي هذا ما فيه من إساءة لفهم المسؤوليات القيادية العليا وادوارها.  إالا ان المجلس الاعلى، إذا كان يرى ان معرفة أسماء أعضاء اللجنة العسكرية، تساعده على تقدير عوامل النجاح والفشل وبالتالي تساعده على أن يقرر، والصورة عنده أوضح وأدق، يكون مسؤولا بجريمة الإهمال والعجز، ومع ذلك يقوم بمسؤولية التقرير الخطيرة.  إن المجلس الاعلى لا يملك التنازل عن الأطلاع على كل الجوانب التي تساعده على البت والتقرير، الا اذا تنازل عن مسؤوليته في التقرير فيكون قد عبث بالدستور وامتهن إرادة القوميين الاجتماعيين العامة.

اما إعتراض الرفيق إنعام رعد من حيث تصوره ان "المحاكمة تتناول أصلا واساسا التصرفات الفردية المتعارضة مع قواعد الحزب ونضال رجاله؛ كالتصرفات الفردية في السجن والمحاكمة أو الضعف البشري"، واما كذلك الشق الثاني من اعتراض الرفيق رعد من حيث عدم اعتقاده ان المحاكمة تتناول بالعقوبات قصور المؤسسات وافرادها طالما ان غير مرفوض مبدئيا وطالما ان تم "دستوريا"، فان المجلس الاعلى يعتبر اعتراض الرفيق إنعام رعد بشقيه غير صحيح ولا سليم. المحاكمة هي لكشف القصور، كل قصور، قصور الهيئات المسؤولة كهيئات واعضاء وقصور الافراد في تصرفاتهم الفردية، يرتب على صاحبه هيئات واعضاء او افراد في تصرفاتهم الفردية، المسؤولية المادية والمعنوية اي العقاب المادي والمعنوي.  والقول بانه يكفي ان يكون الانقلاب غير مرفوض مبدئيا وان يكون تم بموافقة دستورية، لينتفي مجال محاسبة الهيئات المسؤولة، قول يدل على فهم خاطيء للانقلاب وفهم خاطيء لمعنى المسؤوليات القيادية.  الانقلاب خطة وليس فكرة ، والخطة لا يمكن ان تكون مرفوضة او غير مرفوضة مبدئيا، انها او تقبل كخطة ناجحة او ترفض كخطة تقود الى الفشل.   والمسؤوليات القيادية التخطيطية والتنفيذية، هي مسؤوليات اعمال العقل القومي الاجتماعي القيادي التخطيطي والتنفيذي في هذه الخطة للخروج بقرار مسؤول حول ما اذا كانت خطة ناجحة او خطة فاشلة، وليست المسؤوليات القيادية التخطيطية والتنفيذية مسؤوليات تنظير فكري.  وعلى هذا فإن قصور الهيئات القيادية في النهوض بمسؤولياتها في اعمال العقل القيادي المسؤول في الخطة يدين اعضاءها ادانة مادية ومعنوية كاملة وعلى وجهين: وجه الاهمال للمسؤولية والامانه، ووجه العجز في فهم المسؤولية والامانه.  وعلى هذا يرفض المجلس الاعلى ما اورده الرفيق انعام رعد في معرض اعتراضه من اعتبار موضوع تقييم الفشل بالنسبة للهيئات واعضائها، امرا معنويا لا يجوز المحاسبة عليه بالعقوبات المادية، بل يرى ان الهيئات المسؤولة، في تنازلها عن اعمال العقل القومي الاجتماعي القيادي تسأل عن الانقلاب في فشله وفي كل الثغرات والاخطاء التي فيه وفي كل النتائج المروعة التي نجمت عنه، ويكون سؤالها عن هذا كله، سؤال المسؤولية الكاملة المادية والمعنوية.

أن قصور أعضاء الهيئات العليا الثلاث (المجلس الاعلى، رئاسة الحزب، مجلس العمد) عن ادراك وأداس واجباتهم في مواجهة الانقلاب المطروح عليهم، وادراك واداء مسؤولياتهم في اعمال العقل القومي الاجتماعي القيادي في تفاعل الراي في المجالس العليا، هو قصور يدعو الى المحاسبة المادية والمعنوية.

وليس يعفي مجلس مجلس العمد من هذا القصور، انه لم يعد يدعى كمجلس عمد، وان تقليب الرأي فيه لا ينتهي بقرار يصدره هو، بل بقرار يصدر عن الرئيس، في جلسة مجلس العمد وفي ختام مداولاته.  

ان احدا من العمد لم يسجل على الرئيس الغاءه الغير النظامي ولا الدستوري لمجلس العمد ووظيفته، وان احدا من العمد لم يطالب الرئيس بمناقشة خطة الانقلاب في مجلس العمد قبل ان يصار الى اعتمادها، في حين انهم جميعا، باستثناء الرفيق مصطفى عبد الساتر الذي قدم استقالته وقبلت، بقوا دستوريا ونظاميا، عمدا واعضاء في مجلس العمد.

ونأتي الى جلسة المجلس الاعلى في 29/12/1961 وهي الجلسة التي اعطت الضؤ الاخضر النهائي لتنفيذ الانقلاب.  لقد اثار الرفيق عبدالله قبرصي اعتراضا علىهذه الجلسة التي حضرها خمسة فقط من اعضاء المجلس الاعلى واعتبرها غير اصولية "إذ لا يجوز على حد تعبيره، ان يصدر قرار في امر خطير كالانقلاب عن خمسة اعضاء كانوا هم كل الحاضرين في حين يتطلب الدستور في امور اقل خطورة بكثير من تقرير انقلاب، اكثرية ثلثي اعضاء المجلس".

إن ملاحظة الرفيق عبدالله قبرصي غير واردة، والدستور حين نص على الشؤون التي تتطلب دستوريتها وشرعيتها اكثرية الثلثين، عدد هذه الشؤون على سبيل الحصر، وليس يجوز دستوريا وقانونيا اعمال القياس والتخريج في الشؤون الحصرية.  إن جلسة المجلس الاعلى المنعقدة في 29/12/1961 لا يطعن بها لحضور خمسة اعضاء فقط من اعضاء المجلس الاعلى وهي الاكثرية التي تعتبر معها الجلسة قانونية، غير انه من الملفت ان يكون الحضور قد اقتصر على خمسة، في جلسة كان مفروضا بمكتب المجلس وبرئيس الحزب الذي يتوقف عى هذه الجلسة مضيه في الانقلاب او توقفه، ان يعيرها الاهتمام الكامل، فتكون المسؤولية التاريخية الخطيرة في اتخاذ القرار بالانقلاب، قد عبر عنها مكتب المجلس في حرصه على حضور اعضاء المجلس، ورئيس الحزب في تشدده في حضور اعضاء المجلس.  هذه الجلسة ليست شكلية بل اساسية فهي جلسة اشترط المجلس الاعلى، حين وافق على فكرة الانقلاب، انيصار الى عقدها عشية التنفيذ، كي يصدر عنه القرار النهائي التاريخي المسؤول بالمضي بالانقلاب او التوقف عنه.  غير ان هذه الجلسة عوملت من قبل مكتب المجلس ورئيس الحزب وكأنها جلسة عادية روتينية، بحيث ان رئيس الحزب لا يمتنع عن تكليف عضوين من اعضاء المجلس الاعلى في هذه الليلة بالذات، ببقض المهام فينشغلون عن حضور الجلسة التاريخية.  اما مكتب المجلس، فلا يظهر اي اهتمام بالاتصال بكل الاعضاء من ضمن لفتهم الى تاريخية الجلسة وخطورتها لضمان حضورهم جميعا.  ولا يسع المجلس الاعلى تجاه هذه الظاهرة الا ان يسجل ان المعلومات والحقائق تظهر ان الاكثرية العددية في المجلس الاعلى، لو حضر اعضاؤه جميعهم، كان من شبه المؤكد انها ستكون ضد المحاولة وان ضوءا احمر يمكن ان يصدر وليس ضوءا اخضر.

فالرفيق عمر ابو زلام، عضو المجلس الاعلى، الذي لم يحضر بسبب تكليف الرئيس الرفيق عبدالله سعاده له بمهمة تنفيذية، قد اشار الرفيق قبرصي الى انه، في المنتصف الثاني لشهر كانون الاول قد اقنعه بعدم جدوى المحاولة: الامر الذي يحمل معه احتمال ان يكون الرفيق عمر ابو زلام في عداد المعارضين للانقلاب.  والرفيق اسعد رحال، عضو المجلس الاعلى، قدم استقالته لمعارضته الانقلاب، وطلب من المجلس الاعلى في كتاب استقالته ان يصار الى دعوته الى المجلس كي يشرح اسباب استقالته، ومع ذلك فالرفيق رحال لم يدع الى الجلسة في حين ان عضويته في المجلس ما زالت  قائمة.  والرفيق كامل ابو كامل هو الاخر قد انقطع عن الحضور منذ ابدى معارضة اولية في الجلسة المشتركة بين المجلسين الاعلى والعمد.  وإذا اضفنا الى ذلك ان الرفيق نذير العظمه عارض وبقي معارضا للانقلاب حتى آخر لحظة، وان الرفيق عبدالله قبرصي كان قد بدأ بالتحرك لمعارضة الانقلاب مداورة، وكان سيتحول الى المعارضة المباشرة حين يجد اربعة آخرين من اعضاء المجلس الاعلى يشدون ازره، تبين لنا ان اكثرية المجلس الاعلى كان من شبه المؤكد الزام رئيس الحزب بالتوقف عنها.

إن معالجة هذه الجلسة كما لو انها شكلية وعدم الاحتفال بجعل حضوره اعضاء المجلس الاعلى لها يتفق مع  خطورتها التاريخية، جعل منها بالفعل جلسة شكلية خالصة.  فلا الانقلاب در فيها بل عارض الرفيق منير  الخوري في ان يطرح الرئيس على المجلس الخطة الانقلابية فلم تطرح الخطة، ولا الموضوع كمبدأ اعيد طرحه على التصويت، بالرغم من ان اثنين من اصل الخمسة الحاضرين هما في عداد الرافضين، فيسجل القرار ومن ضمن تحديد الاكثرية التي ايدته والاقلية التي عارضته، ولا طرح المجلس الاعلى على نفسه اية عقدة واصدر القرارات المعالجة لها بل كان واضحا ان كل شيء، كما قال الرفيق عبدالله قبرصي، كان محلولا مسبقا: " بحثنا بسرعة، قررنا بسرعة، تداولنا في أمر الفشل بكلمتين، كان كل شيء محلولا".

هذه الجلسة التاريخية، يسجل المجلس الاعلى انها فضيحة، على صعيد المسؤولية الجدية، ان في "الإستلشاق" بحضورها بحيث لا يتورع رئيس الحزب عن تكليف اثنين من اعضاء المجلس الاعلى بمهم تحول بينهما وبين حضورها، وان في طريقة مواجهتها للقرار الخطير الاخير، وان في اسلوب البحث والتداول، وان رئيس الحزب الرفيق عبدالله سعاده يحمل مسؤولية هذه الفضيحة كما يحملها مكتب المجلس الاعلى البعلبكي والرفيق اميل رعد، وهي فضيحة تدل على ان هؤلاء الرفقاء الثلاثة انطلقوا على اساس ان الجلسة شكلية وان الامر محلول، وان البحث لا يقدم ولا يؤخر.

 ويستوقفنا في موضوع المكتب السياسي تجاوز الرئيس سعاده للمكتب السياسي حين طرح موضوع الانقلاب على المجالس العليا، فالموضوع موضوع سياسي بالمقام الاول والمكتب السياسي هو الجهاز ذو العلاقة الوثيقة بالاوضاع والتحركات السياسية داخل لبنان وخارجه، لبنانيا وعربيا ودوليا.  لقد استعاض رئيس الحزب عن طرح موضوع الانقلاب على المكتب السياسي، لاستمزاجه فيه سياسيا، قبل ان يطرحه على المجالس العليا التخطيطية والتنفيذية، بمكاشفة بعض اعضائه كل على انفراد بعد التقرير، وعلى سبيل اطلاعه على ما قررت الهيئات المسؤولة وفرغت منه وقطعت في عملية التنفيذ اشواطا عديدة.  إن هذه الاستعاضة، تكشف هي اليضا غياب معنى العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول، في جانبه السياسي المتمثل بالمكتب السياسي، وتغييب اسهامه المطلوب والمتوجب في تقليب شؤون الحزب السياسية ودرسها.  ان المكتب السياسي مكتب استشاري للرئيس، لكن استشارته هي شأن دستوري اساسي بوصفه اداة التعبير عن العقل القومي الاجتماعي القيادي في جانبه السياسي المطلع المسؤول، وبوصف ان العقل القومي الاجتماعي في الدستور والنظرة العقائدية، ليس هو العقل الفردي، بل العقل الفاعل في المجتمع، وفي المؤسسات والتنظيمات والاجهزة الاجتماعية من ضمن الاصول والقواعد المقررة.

 إن الاحتجاج بعدم الطمأنينة الى قدرة بعض أعضاء المكتب السياسي على الكتمان الدقيق في موضوع خطير كموضوع الانقلاب، يطرح مباديء لا يملك المجلس الاعلى ان يمر بها دون تفنيد.  المكتب السياسي مكتب يعينه الرئيس على مسؤوليته، ليشكل العقل القومي الاجتماعي السياسي، بمشاركة الرئيس، وكلما عظم شان الموضوع السياسي الذي يهتم به الحزب، كلما عظم دور اشتراك هذا العقل في بحث هذا الموضوع ودراسته وابداء  المشورة فيه.  أما وجود رفقاء في المكتب السياسي، يخشى الرئيس من تفلتات لسانهم، فيفرض، لا تعطيل فعل العقل القومي الاجتماعي السياسي في الشأن الخطير والخطر، بل إعفاء المشكوك في قدرته على ضبط لسانه وهو الذي يمارس مسؤوليته في عضوية المكتب السياسي على مسؤولية الرئيس.  وحتى في المجالس التي لا يمارس اعضاؤها على مسؤولية الرئيس كالمجلس الاعلى والتي بالتالي لا يملك الرئيس حق إعفاء العضو المشكوك في قدرته على ضبط السرية، ليس يجوز للمسؤول، رئيس الحزب أو رئيس المجلس الاعلى، حجب ما يجب طرحه بحجة وجود متفلت، بل يكون من تمام واجب المسؤول ان يتقدم من المجلس الاعلى الذي يملك على العضو فيه حق الإقالة، بكل العوامل والمعلومات لاتي تكون لديه عدم الطمأنينة الى قدرة الضبط عند هذا العضو، فيواجه المجلس الاعلى العضو المشكوك بتفلته، بالمحاسبة المسؤولة من ضمن حرص المجلس الاعلى ورئيس الحزب ان تبقى مؤسسة المجلس الاعلى، وكل مؤسسة في الحزب، على سوية المؤسسة المسؤولة التي يتم فيها تداول الشؤون الحزبية والعامة بلا تحفظ ولا متحفظين ولا متحفظ منهم.  أما اذا سمح للتقدير الذاتي ان يلعب دوره في هذا المضمار، فمعنى ذلك السماح بتعطيل انفاذ احكام القواعد والاصول الدستورية والنظامية بحجة وجود قناعات ذاتية، وفي هذا خطر يفوق في نتائجه على الحركة والنهضة حتى خطر تسرب معلومات خطيرة وخطرة.

 

في الثغرات:

الثغرة السياسية

 

أولى الثغرات كون المحاولة لم تعالج كخطة سياسية، في ضؤ تحليل الظروف في لبنان والوطن السوري وفي العالم العربي والاوضاع الدولية العامة.  وقد يكون لعدم إلاء رئاسة الحزب اي إعتبار للطابع السياسي للإنقلاب اثره في عدم إقامة رئيس الحزب اي إعتبار لإستشارة المكتب المكتب السياسي. 

 إن كل الاسباب التي قدمت للمحاولة لم يكن فيها سبب واحد تفرضه طبيعة تحليل ظروف لبنان والمنطقة السياسية.  الأسباب التي قدمها الرفيق اسد الاشقر الذي كان اول من دعا الى الانقلاب، وتلك التي طرحها الرفيق عبدالله سعاده رئيس الحزب على المجالس، وفي إفادته، وتلك التي قامت عليها مداولات المجالس الحزبية العليا، كلها، على الإطلاق، لم تشر الى العوامل السياسية لا من قريب او من بعيد، بل كلها شددت على وجوب درء ضربة آتية ضد الحزب، وعلى وجوب تسلم الحزب للسلطة، وعلى أن استلام الحزب للسلطه ليس امامه سوى الثورة او الانقلاب، وان بعض الضباط الذين لديهم ذخيرة حية وفي الامكان بالتالي الإنقلاب عن طريقهم، قد تأتي التشكيلات العسكرية المقبلة فتبعدهم عن مراكزهم، وان الجيش عازم على الانقلاب وفيه ثلاث كتل تتسابق فيما بينها ومن الافضل ان نسبقهم، الى غير ذلك.

 الملاحظة السياسية الوحيدة لم تدر حول اي عامل إيجابي يفرض وجوب الانقلاب، بل دارت فقط حول وجود عامل سلبي هو وجود الحكم الناصري في دمشق وما يمكن ان يشكل عقبة عن طريق التدخل المباشر او المداور في لبنان.

 وقد دفعت هذه الملاحظة السياسية برئيس الحزب الى تهيب الانقلاب دون التخلي عن دوام التأمل والتهيؤ له، ولان الملاحظة السياسية كانت ملاحظة سلبية فحسب فما ان وقع الانفصال في الشام، حتى سقط كل تهيب وانتفت كل ملاحظ وأستقر عزم الرئيس عبدالله سعاده على العمل الانقلابي فورا، فبادر بعد اربعة ايام من الانفصال الى إستدعاء من يتوسم فيهم القدرة على المساهمة في التخطيط والتنفيذ (جبيلي، نعمة، بشنق)، حتى دون تحليل الانفصال الذي وقع وملابساته وما ينطوي عليه من احتمالات (الرفيق كامل ابو كامل سأل رئيس الحزب ما اذا كان ثمة تفاهم في الموضوع مع سلطات الشام، فلما اجابه بالنفي، تساءل على ماذا إذن تعتمد؟).

 حتى الذين عارضوا الانقلاب، لم يتطرقوا الى الجانب السياسي يستمدون منه عوامل المعارضة والرفض، بل إنصبت المعارضة اما على خطورة العملية وما يمكن ان تجره على الحزب من كوارث ممصطفى عبد الساتر)  او على وجوب الإعداد لثورة شعبية (نذيرالعظمه).

 على صعيد السياسة المحلية في لبنان فقط، تنبه رئيس لاحزب الى تكليف الرفيق عبدالله قبرصي بالقيام باتصالات شعبية على سبي التهيئة الشعبية لامر تم تقريره، فقام الرفيق قبرصي بزيارة عدد من رجالات القانون والقضاء والسياسة في الاحياء الغربية في بيروت ولمس "أن الجو كان حقدا على الحركة لم يبرد وموقفا عدائيا يمكن ان يتحول الى عراك مسلح: قال لي أحد رؤساء محكمة الإستئناف السابقين لولا ان ابواب بيتي مقفلة الآن لكنت اخشى عليك وعلى نفسي، الناس في الحي الغربي يعتقدون ان كل شهداء عام 1958 هم ضحاياكم" (افادة عبدالله قبرصي).

ولان هذه الإتصالات لم تكن بقصد تقييم المحاولة سياسيا ولو على صعيد الوضع الداخلي في لبنان، فان نتائج تحرك الرفيق قبرصي لم تغير شيئا في القرار بل ولم تستوجب مجرد التوقف لتدارس ما ينبغي اعتماده في هذا الصدد.  إن المرتكز السياسي اللبناني الداخلي الوحيد من اصل المرتكزات الاربعة التي ولّدت عند الرئيس سعاده قناعته بالانقلاب، كان هو اعتماد الحزب على الولاء العاطفي او الوجداني الذي تضمره للحزب قاعدة شعبية كبيرة (الفريق المسيحي المغلوب على امره في ظل حكم فؤاد شهاب) ولكن هذا المرتكز السياسي هل تم تحليله هو ايضا؟  هل تم تحليل هذا الولاء العاطفي او الوجداني، وانعكساته وهو الولاء المنطلق من السلبية تجاه حكم فؤاد شهاب، بفعل مفاهيم هي ابعد ما تكون عن مفاهيم العقيدة القومية الاجتماعية والحكم المنبثق عنها؟  ثل يساعد الولاء العاطفي على اطفاء الحقد على الحركة الذي لمسه الرفيق قبرصي لدى الفريق الآخر لم انه سيساعد على ازدياد تأججه في حال تسلم الحزب للسلطة؟

 ثم هل هذا الولاء السلبي المنطلق لن يكون ولاء مشروطا بانتهاج المضامين الانعزالية الطائفية التي ما كان هذا الفريق يشعر انه مغلوب على امره في حكم فؤاد شهاب لولا انه افتقدها  بعض الشيء في سياسة هذا الحكم؟  ومن المفروض انه سيفتقدها كل الشيء في ظل الحكم السوري القومي الاجتماعي؟  وبمعنى آخر هل يمكن للحزب ان يمارس السلطة مطمئنا الى هذا الولاء إذا ما اتبع سياسة قومية متفقة مع عقيدته؟ 

 أما على صعيد بعض الاتصالات السياسية داخل لبنان، فهل كان يكتفي ان يكون الرئيس فاتح بعض الشخصيات اللبنانية بالموضوع بشكل صريح، وقد رفض هذا النفر الفكرة بشكل قاطع (افادة الرفيق نصري ابو سليمان) ليكون الوجه السياسي اللبناني الداخلي من المحاولة قد تمت تغطيته؟ وهل تكليف الرفيق نصري ابو سليمان بمفاتحة كل من جواد بولس وسليمان العلي، بعد منتصف ليل المحاولة، من ضمن اعتماد تسليمهما المناصب الالى (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة) يكفي لاعتبار الجانب السياسي اللبناني الداخلي وجانب الحكم  في لبنان قد انحلت معضلاته؟  ثم كيف يمكن في ظل هذه القيادة الإقطاعية التقليدية، طرح وتنفيذ برامج الحزب التحررية ولو باشتراك ثلاثة وزراء قوميين اجتماعيين؟  ثم أين هو التحليل السياسي بالنسبة لقيام حكم سوري قومي إجتماعي في لبنان؟  هل العوامل العربية والدولية مساعدة، وهل هذه العوامل او بعضها يمكن استخدامه في بقاء الحزب في الحكم وكيف؟

 الخطير الخطير  في هذا الامر، هو ان شيئا من هذه التساؤلات لم تتطارحها المجالس الحزبية العليا، ليمكن القول إن المحاولة الأنقلابية جاءت وليدة تحليل سياسي للوضع القائم العربي والدولي لمستقبل تطور هذا الوضع ولما يمكن ان يسهم به الانقلاب القومي الأجتماعي في لبنان في تطوير الاوضاع باتجاه تعزيز عوامل نجاح الحكم الجديد واستهدافاته القومية الاجتماعية.

 الثغرات في موضوع الحكم بعد الأنقلاب

في موضوع تسلم الحزب للحكم بعد الانقلاب، ثغرة خطيرة هي انه لم تهيأ ترتيبات وخطط لجعل قبضة الحزب العسكرية والسياسية تشتد وتقوى على حساب شركاء المرحلة الاولى، العسكريين منهم والسياسيين، وفي المرحلة التي سيقتصر سلطان الحزب فيها على وجود ثلاثة وزراء في الحكومة العتيدة وعلى تسلم ضباط قوميين اجتماعيين ثلاثة ايضا ادارات مكتبية رئيسية في الاركان، هل تسلم الادارات المكتبية في الاركان يعني اخضاع الوحدات العسكرية  لارادة الحزب؟  كيف كان تصور واعداد ازدياد القبضة الحزبية على الحكم سياسيا وعسكريا، والحزب مفروض ان يعنى بطرح برامج عمل وخطط تطوير وتغيير اقتصادي-اجتماعي تتعارض  تعارضا كليا مع المصالح الطبقية لشركائه السياسيين، وتتصادم تصادما اساسيا مع مقاييس واعتبارات وامتيازات البيروقراطية العسكرية النافذة والمسيطرة عى وحدات الجيش واسلحته الضاربة؟

 أما موضوع إعداد برامج للحكم، وهو الثغرة التي أشار الرفيق اسعد رحال اليها، فان المجلس الاعلى لا يعتبرها ثغرة بأعتبارها شأنا يصار الى اعداده بعد تسلم الحكم وعلى ضوء الإحصائيات والبرامج اتي لدى اجهزة الدولة، وانما يعتبر عدم الاهتمام بتهيئة العنصر البشري اللازم او على الاقل عدم التدارس في العنصر البشري وتجهيز عملية توزيعه للقيام بهذه المهمة الخطيرة، هو الثغرة.

 والمجلس الاعلى يرفض في هذا الصدد الاعتراض الذي تقدم به الرفيق انعام رعد في معرض طعنه بقرار المحكمة العليا " من حيث قصور المحكمة، في الحيثيات التي ذكرتها في اسباب الانقلاب، عن الاحاطة بالاسباب المبدئية للانقلاب والتي عددها قرار الاتهام نفسه، وهي اسباب تتصل بتحقيق التغيير الاجتماعي-السياسي- الاقتصادي وانهاء الحكم البوليسي واحقاق حق الشعب وهي اساسية، مبدئية، ومثالية قومية اجتماعية".  هل الرفيق إنعام رعد يلفت المجلس الاعلى ان ليس من هذا شيء في هذا الانقلاب منذ التفكير فيه حتى اعداده كخطة، الى تشكيل اداة الحكم الجديدة وعناصرها السياسية والعسكرية؟

 إن الدوافع للانقلاب، دارت كلها حول توقي الضربة الآتية وتوفر الفرصة الآن اكثر من الغد، والقاعدة الشعبية للانقلاب هي الولاء العاطفي الو الوجداني لقطاع من الشعب اعتبر نفسه مغلوبا على امره في حكم فؤاد شهاب وهو قطاع طائفي انعزالي من اكثر قطاعات بلادنا رجعية واستمساكا بالنظم الاجتماعية الاقطاعية الرأسمالية.  وتشكيل حكومة العهد الجديد يتنافى مع الأستهداف الجديد للتغيير خصوصا وليس هناك خطط مرحلية لازدياد القبضة الحزبية على الحكم ليمكن دفعه باتجاه التغيير القومي الاجتماعي المنشود.  إن ما عدده قرار الإتهام لا يعني أن الانقلاب درس وقرر وخطط له لتنفيذ التغيير الاجتماعي بل هو تسجيل لما اورده بعض الرفقاء في إفادتهم عن مباديء الحزب واتجاهاته القومية الاجتماعية.

 إن التطلعات القومية الاجتماعية هي تطلعات نضالنا اليومي الدائب والتزامنا الصراعي المستمر، ولا يمكن حسبانها من عوامل الانقلاب وايرادها في اسبابه التي قادت اليه، ما دامت هي امورا لم يلتفت اليها الانقلاب: منطلقا وإعدادا وحكما.  وإنما يدان الانقلاب اصلا لانه لم يلتفت اليها فلم يهيء برامجها ولا ادواتها البشرية ولا وسائل فرضها على الحكم الجديد بجناحيه العسكري والمدني المعتمدين على عناصر رجعية إلتفت اليها فلم يهيء برامجها للتغيير القومي الاجتماعي.

 ثغرات التخطيط والتنفيذ

 إن تنازل المجالس الحزبية عن مسؤوليتها في اعمال العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول في تخطيط الانقلاب والسهر على تنفيذ التخطيط، يجعل من هذه المجالس بكامل اعضائها، الموافقين منهم والرافضين لمبدأ الانقلاب باستثناء الذين تركوا المسؤولية فلم يعد بامكانهم معرفة كيف بات يتم التخطيط ليمكن لهم بالتالي رفض خروجه على قواعد المسؤولية القيادية، أن هذا التنازل يجعل جميع المسؤولين بما فيهم رئيس الحزب الذي انطلق من ضمن تنازل فعل العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول فحل محله فعل عقله هو وعقل من اختارهم للتخطيط الانقلابي، يجعل الجميع مسؤولين مسؤولية كاملة شاملة ماديا ومعنويا عن كل ثغرات التخطيط والتنفيذ، فضلا عن مسؤولية الفشل بكل ما ترتب عليه من نتائج.  ومن يدري لو طرحت الامور في مقامها القومي الاجتماعي السليم، الا يكون العقل القيادي القومي الاجتماعي استدرك من هذه الثغرات ان لم يكن كلها؟

 ثغرات التخطيط

 أولا: إذا كان مفتاح الانقلاب لنجاحه هو اعتقال رئيس الجمهورية كما اورد الرئيس سعاده والرفيق عوض في معرض تفسيرهم للفشل، فان وضع الخطة اساسا جعل احتلال وزارة الدفاع هو العمود الفقري لها، يكشف الثغرة الاساسية والكبرى في التخطيط.

 ثانيا: ثم أن تجاهل عنصر الاتصالات السريعة بمجابهة اي خلل يحدث وقد توزعت القيادات في ثلاثة اماكن متباعدة عن بعضها، فرئاسة الحزب (القيادة العليا للانقلاب) كانت في ديك المحدي بعيدا عن عميد الدفاع وعميد الدفاع في الاشرفية والقيادة العسكرية عند وزارة الدفاع، دونما تهيئة وسائل اتصال تنظم العلاقات السريعه والدائمة بين هذه الاطراف، جعل الاتصالات القليلة التي تمت تعتمد علىانتظار حضور رفقاء بسياراتهم، بعد فراغهم من اداء مهماتهم او اثناء ادائهم لها.

لقد اورثت هذه الثغرة بلبلة كبيرة، في قضية تعتمد للنجاح على تحرك دقيق منسقة فيه الدقائق والثواني، وتركت رئاسة الحزب (القيادة العليا) تتلقى اخبارا متناقضة، وتتصرف بتبلبل هو اقرب الى الضياع، بعد ان وقعت عليها اخبار الفشل وقوع الصاعقة.  فهي تشد الرحال الىمار سمعان قرب بسكنتا وتحار بين الامر بالذهاب الى الشام وموقف سلطاتها غير معوف او اللجوء الى بكركي للاستسلام بواسطة البطريرك دون ان تملك اية معرفة عما حدث مع الرفيق عوض وهل هو في طريق تنفيذ خطة الفشل، ان كانت خطة الفشل موضوعة فعلا للتنفيذ.

وعندما اتى من يقول ان عوض ما زال مطوقا وزارة الدفاع تقرر القيادة العودة الى ديك المحدي وترتجل ترتيبات محددة للمقاومة، هي لا تملك سوى سبعين مسلحا ثم ما تلبث ان تقرر التخلي عن المقاومة دون ان يكون ممكنا لها ان تربط هذا كله، بالتطورات الحاصلة امام وزارة الدفاع وبالنسبة للرفيق عوض ومصفحاته التي يشكل انتقالها الى المتن المرتكز الوحيد لخطة الفشل، وذلك بسبب فقدان جهاز اتصالات سريع متحرك ومستقل.

 وحين يسري الامر "كل واحد يدبر راسو" بعد ان تفشل الاتصالات بالسلطة العسكرية يتوجه رئيس الحزب ومعه حقيبة اموال الحزب وبعض الرهائن من العسكريين الىالكورة، عن طريق جونية، اي عن طريق مقر رئيس الجمهورية الذي حين جاءت اخبار الفشل في اعتقاله جاءت تحمل معها تحرك الاليات والدبابات من قصره باتجاه طريق بيروت.

 ولو كان ثمة جهز اتصالات مسؤول لكان وفر على رئاسة الحزب ان تنتقل باموالها ورهائنها في طريق رابطت فيه هذه الآليات والدبابات لقطع الطريق على كل حركة باتجاه مقر رئاسة الجمهورية ولما تم الوقوع في ايدي السلطة على هذا الوجه من البساطه والاستسلام.

ولو ان الاتصالات بين مختلف الاطراف كان مرصودا لها جهازها ووسائلها، لبقيت الرؤية كاملة سليمة لدى القيادة العليا بالنسبة لكل التطورات التي طرأت ولامكن تجنب ضياع الكثير من الوقت بل بل ولامكن تدارك تاخر الرفيق علي الحاج حسن الذي اخر عملية اعتقال فؤاد شهاب الرئيسية بان وجهت القيادة العليا اوامرها تحسم في الخلاف الذي نشب بين الرفيقين نعمه ومعاونه جبيلي المكلفان بتنفيذ عملية اعتقال شهاب: الاول يرى ضرورة انتظار الرفيق علي الحاج حسن والثاني يشدد على الانتطلاق دون انتظاره.  كذلك لامكن توفير الساعات التي اضاعها الرفيقان عوض وشوقي في تبادل الرأي وارتجال الحلول لتدارك ما لحق بالخطة من فشل، وبالتالي لامكن للقيادة العليا الايعاز بالتحول الى خطة الفشل قبل ان تطوق مصفحات عوض تطويقا كاملا.  ثم أن غياب جهز الاتصالات ادى بعميد الدفاع الى اتخاذ قرارات حاسمة دون الرجوع الى القيادة العليا (رئاسة الحزب).  فقد بت في تأخير ساعة الصفر والغى عملية اعتقال السياسيين، وهما قراران حاسمان بالنسبة لاحتمالات النجاح في الانقلاب وبالنسبة لتزويد الحزب بورقة مساومة حين يقع الفشل.

ثالثا:  لم يكن واضحا مكان تمركز رئيس الحزب ليلة المحاولة، فالرفيق بشير عبيد والرفيق صبحي ابو عبيد، يؤكد كل منهما انه كان مقررا في بيت الرفيق ادغار عبود وقد فوجئا بانه في ديك المحدي.  علما ان  تمركز القيادة شان استراتيجي يصار الى تقريره بكل دقة وعناية وليس مسموحا، من جهة ثانية، لا يكون واضحا كل الوضوح لدى كل الاطراف الرئيسية المسؤولة.

 رابعا: أخطر ثغرات التخطيط كانت في ما يمكن ان يقال من انعدام خطة لمواجهة الفشل، صحيح انه ورد في الخطة العامة تقرير انسحاب عوض بمصفحاته باتجاه ديك المحدي، يصار معه الى استنفار منطقة المتن وإعلانها منطقة ثورة، ثم الدخول في مساومات مع السلطات يصار معها في حال تعثر الوصول الى تسوية سياسية، الى توسيع رقعة مناطق الثورة تباعا.  هذا الذي ورد لم يؤخذ كشيء جدي وكخطة جدية.  فلم تعد له ترتيبات تساعده على التنفيذ، حين تقرر القيادة العليا لافشل وتنفيذ خطة الفشل.  لقد اشار الرفيقان العسكريان شوقي خيرالله وبديع غازي الى احتمال رفض جنود الرفيق عوض تنفيذ اوامره  بالانسحاب مع مصفحاته باتجاه المتن، باعتبار ان هؤلاء ليسوا حزبيين، وهذا ما وقع، وبوصفهما ضباطا ملمين بالاوضاع النفسية للجنود في الجيش اللبناني، ومع ذلك فان هذا الاحتمال، الذي وقوعه نسف خطة الفشل من اساسها، لم تتخذ له تدابير احترازية احتياطية لمواجهته في حال وقوعه، وانقاذ خطة الفشل من ان تتحول الى فكرة وامنية.

ولقد افترح الرفيق جبيلي، حين جاءت اخبار تطويق مصفحت الرفيق عوض عند وزارة الدفاع، ان يمضي في تنفيذ بند من بنود الخطة يقضي بقمع كل تحرك عسكري يعيق او يعرقل الرفيق عوض في تنفيذ مهمته الاساسية إن باحتلال وزارة الدفاع او تنفيذ خطة الفشل، فيمضي الجبيلي بقوة مسلحة من الميليشيا القومية الاجتماعية لفك الطوق عنه، وحار الرئيس وبعد ان وافق، وباشر الرفيق جبيلي بتهيئة العناصر للتحرك، عاد الرئيس وبناء على مشورة الرفيق انعام رعد، فعدل عن امره واسقط بذلك اي مجال لوضع خطة الفشل موضع التنفيذ.  لو ان الخطة كانت جدية لما كان ثمة مجال لمشورة الرفيق انعام رعد الغير مطلع على الخطة اصلا، بل ولكان من مسؤولية القيادة العليا العمل على تنفيذ  خطة الفشل ان تأخذ الاحتياطات والترتيبات لمساعدتها على الانتقال الى التنفيذ، وأن تقوم بتحريك القوى اللازمة لفك الطوق عن عوض وتمكينه من تنفيذ خطة الفشل، فلا يتحول فشل الانقلاب الأنقلاب الى كارثة حين لا يكون ثمة خطة فشل او حين تكون خطة الفشل فكرة لم تهيأ لها ويائل التحقيق ولا نهضت القيادة بتحريك المهمات الضرورية لجعلها تنفذ.

 إن جدية خطة الفشل كانت تقضي بالأستعداد المسلح لحماية وضمان انسحاب الرفيق فؤاد عوض بمصفحاته كل هذه المسافة الطويلة من وزارة الدفاع الى ديك المحدي، وذلك بالتحوط، بالرجال والسلاح، لكل الاخطار والمعيقات الممكنة، من اخطار الحواجز التي نصبت، الى اخطار تطويق المصفحات التي تنفذ، بل وحتى أحتمال تعرض المصفحات للقصف الجوي أثناء انسحابها الطويل، ولا يترك موضوع الانسحاب قرارا لا ترافقه اية تدابير لجهله قرارا جديا قابلا للتنفيذ.

  أن ما هيأه عميد الدفاع من الاسلحة في ديك المحدي (73 هوتشكيز و 10 مدافع بازوكا و500 بندقية وكمية ضخمة من المتفجرات) لم يقرن بتهيئة الرجال المقاتلين من ناحية كما ان تهيئة السلاح لا تعني تهيئة إنجاح خطة الفشل من ناحية اخرى.  إنها تعني تهيئة إنجاح خطة الفشل حين تكون في خدمة عملية انسحاب الرفيق عوض بمصفحاته الى ديك المحدي، لان خطة الفشل ترتكز على هذا الأنسحاب وعلى نجاح الرفيق عوض في تنفيذه.  أما حين تكون الاسلحة مهيأة في المستودعات فلا يعني ذلك سوى انها احتياط سلاحي في خدمة المقاومة بعد ان تنجح خطة الفشل.

 إن الأدلة كثيرة على أنه لم تكن هناك خطة فشل وانما كان هناك فكرة وراي في حال وقوع الفشل.  فالذين رافقوا قيادة الحزب الى دير مار سمعان كانوا 70 مسلحا مما حدا برئيس الحزب الى ارتجال محاولة لاستنفار المديريات القريبة في آخر لحظة (افادة الرفيق رامز اليازجي) كمديرية ضهور الشوير والى البحث مع عميد الداخلية في مدى امكانية استنفار قوى الحزبفي ذلك الوقت المداهم وحين عصفت رياح الفشل.

 خامسا:  لم تكن الخطة من حيث هي صورة متكاملة للحركات موجودة في ذهن اعضاء اللجنة التنفيذية بالرغم من ان كلا منهم اناط به عميد الدفاع حركة رئيسية اساسية من حركات الخطة، ان غياب الخطة كاستراتيجة متكاملة عن اذهان المولجين بتنفيذ خطوطها الرئيسية، ادى الى انعدام الرؤية الاستراتيجية العامة عند الذين اضطلع كل منهم بمهمة تنفيذية اساسية.

 سادسا: كان في الخطة ملاحظات قمع كل تحرك عسكري يعرقل الانقلاب او يعرقل مهمة الرفيق عوض بعناصر من الميليشيا القومية الاجتماعية تراقب الثكنات وتتعاون في القمع مع بعض مصفحات يفرزها الرفيق عوض بهذا القصد.  هذا الملمح من الخطة بقي، كخطة الفشل، فكرة ورؤيا، والشيء الوحيد الذي نفذ منه هو مراقبة الثكنات ووزارة الدفاع للتنبيه الى اي تحرك ومع ذلك فالرفيق بشير عبيد اغفل تنبيه الرفيق عوض الى وجود حركة في وزارة الدفاع ليتهيأ لها وهو في طريقه الى وزارة الدفاع.

 أما تهيئة عناصر الميليشيا فلم يكن له اثر الا فيما يختص بالزمرة التي قبعت عند وزارة الدفاع لمساعدة الرفيق فؤاد عوض في احتلال وزارة الدفاع اذا احتاج اليها، وليس لقمع كل تحرك عسكري من الثكنات ضد الرفيق عوض كما حصل حين تحركت دبابات ثكنة فخر الدين وطوقت مصفحات الرفيق عوض وكان ممكنا التصدي لها وهي في ثكنها ومنعها من التحرك، لو كان ثمة مراقبة وقوى قومية اجتماعية تتساعد مع المصفحات على ذلك.  وفي هذا الصدد ايضا لم يصر الى جرد جميع العناصر القومية الاجتماعية العاملة في الجيش اللبناني لاستخدامها في تفشيل اي تحرك ضد الرفيق عوض وللاستفادة منها في الظفر بولاء القطع العسكرية  التي تعمل فيها هذه العناصر، مع ان البند المتعلق بتهيئة القمع ضد التحرك المضاد لحظ الاستفادة من العناصر العسكرية القومية الاجتماعية.

 وقد تبين من التسريحات التي جرت في الجيش بعد المحاولة والتي شملت القوميين الاجتماعيين والمحازبين للحركة من جنود ورتباء وضباط ان مجموع العناصر التي كان يمكن للحزب تحريكها كانت مؤهلة لان تلعب دورا كبيرا في قمع تحرك الثكنات والوحدات كما وفي موالاتها للوضع الجديد.

أخطاء التنفيذ

 كان الخطأ التنفيذي الاساسي هو في فشل إعتقال فؤاد شهاب.  وإذا كان عوض تأخر اربعين دقيقة عن الوقت المحدد له للأنطلاق بمصفحاته من صور الى وزارة الدفاع لم ينجم عنه خلل، بعد ان تم الاخبار به في وقته، فإن تأخر عملية اعتقال فؤاد شهاب نصف ساعة ويزيد نجم عنه فشل المفاجأة واستحالة تنفيذها.  ولقد تبين للمجلس الاعلى ان السبب في ذلك يعود الى ان الرفيق صبحي ابو عبيد، المكلف بالأشراف على عملية اعتقال فؤاد شهاب، والمكلف بأيصال الرفيق علي الحاج حسن، الضابط في اللبناني المولج بتسهيل العملية ومساعدة الزمرة القومية الاجتماعية المكلفة بها برئاسة الرفيق محمود نعمه ومساعدة الرفيق عبدالله الجبيلي، تين ان الرفيق صبحي ابو عبيد اكتشف في آخر لحظة ان البيت الذي أعد كمكان انتظار الزمرة القومية الاجتماعية للرفيق علي الحاج حسن مع سيارتي الجيب العسكريتين، لم يكن صالحا، لانه يقع في طريق ضيقه وصعبة ولان وصول الرفيق علي الحاج حسن اليه سيستغرق وقتا طويلا لا يجوز اضاعته. 

 وعلى هذا امر الرفيق صبحي ابو عبيد الزمرة القومية الاجتماعية بالانتقال من البيت، الى مكان في طريق جانبي قريب من الطريق العام وانطلق لملاقاة الرفيق علي الحاج حسن كما هو مقرر للعودة به الى مكان الزمرة.  وحين التقى الرفيق صبحي بالرفيق علي قال له اتبعني ومضى امامه لايصاله الى المكان، وحين وصل الى مكان الزمرة القومية الاجتماعية ابلغها وصول الرفيق علي الحاج حسن ومضى في طريقه الى مقر فؤاد شهاب لاستكشاف الطريق والوضع، فوجد كل شيء هادئا وقبع ينتظر وصول الزمرة وسيارتا الجيب بقيادة الرفيق على الحاج حسن.  وحين انقضت نصف ساعة ونيف دون ان يحضر احد، عاد ليتفقد سبب التأخير، فوجد ان الرفيق علي الحاج حسن لم يصل الى مكان الزمرة فمضى يبحث عنه حتى وجده يهيم بسيارتيه في طرقات انطلياس بعد ان تاه عن سيارة الرفيق صبحي حين انطلقت امامه في جناح الظلام، واوصل الرفيق صبحي الرفيق علي بالزمره ومضى امامها مستكشفا مرة اخرى، فلما وصل الى امام مقر فؤاد شهاب وجد ان الآليات والمصفحات تتحرك فأدرك أن السر قد إنكشف وأن التنفيذ لم يعد ممكنا فعاد وأعلم الزمرة بالأمر وطلب منها عدم المتابعة.  وتتضح لنا ثغرات التنفيذ في ىخر وأهم عملية في خطة الانقلاب كلها، كيف تم اختيار بيت ناء، على طريق ضيقه وصعبة، وكيف لا يستكشف المشرف على العملية البيت قبل الموعد فلا يضطر الى نقل الزمره من موقعها في اخر لحظة وايداعها قارعة الطريق، مضافا الى كل ذلك طيش هذا المشرف على العملية الذي لم يعمد تفقد الرفيق علي الحاج حسن حين مضى بسيارته امامه، فلم يستطلع بين الفينة والفينة إذا كان الرفيق علي يتبعه فعلا في هذا الليل البهيم.   

 ونعود هنا فنصطدم بانعدام جهاز الاتصالات المركزي القادر على جعل قيادة الانقلاب العليا تتابع العمليات وتتخذ التدابير لسد كل نقص او تدارك كل خلل، فالمشادة التي وقعت بين آمر العملية الرفيق نعمه ومساعده الرفيق الجبيلي، حين تأخر وصول الرفيق علي الحاج حسن واصر الآمر على انتظار وصول الرفيق علي الحاج حسن، فرأى المساعد المضي في تنفيذ العملية بالزمره ودون معاونة الرفيق علي الحاج حسن واصر الآمر على انتظار وصول الرفيق علي الحاج حسن، هذه المشادة، لو كان ثمة جهاز ارسال، لامكن للقيادة العليا حسمها بامر تصدره قد تستغني فيه عن حضور الرفيق علي الحاج حسن، خصوصا وان العملية في الاصل لم يكن مخططا لها ان يساعد فيها ضابط عسكري بل خطط لها على اساس ان تقوم بها زمرة قومية اجتماعية تستفيد من عامل المفاجأة فتنفذها دون مضاعفات.

 وإذا كانت بقية العمليات لم يصر الى رصد جهاز اتصالات مركزي لها، أفلا تستحق عملية إعتقال فؤاد شهاب، بوصفها العمود الفقري لنجاح الانقلاب ان ترفق بجهاز اتصالات، فضلا عن وجوب الاعداد الدقيق المسبق لها، فلا تقع مشكلة البيت النائي البعيد وما قاد اليه ذلك من نتائج تسببت بالفشل.

 أما بقية أخطاء التنفيذ فإنها وان لم تكن بمستوى هذا الخطأ التنفيذي الذي جرّ الى فشل الانقلاب فانها ليست مما يجوز المرور به.

 لم ينقل عميد الدفاع الى الرفيق عوض مشاهدته لوزارة مضاءة وما نقله اليه الرفيق ادمون كنعان بعد ذلك بقليل من مشاهدته لسيارات ضباط عند وزارة الدفاع ولبعط الغرف مضاءة.  وكذلك ما نقله اليه الرفيق انعام رعد بنفس المعنى، مع انه كان من المتفق عليه في الخطة مراقبة وزارة الدفاع والثكنات واعلام الرفيق عوض بما يمكن ان يدل على تنبه السلطات ليمكن للرفيق عوض أن يتهيأ لمواجهة الاحتمالات المستجدة فيبدل ويعدل وفق ما يرى مناسبا.  لقد جعل السكون في الثكنات وعدم تحرك المدرعات التي يحتاج تجهيزها وتحركها الى ثلاث ساعات من الوقت، جعل ذلك كله عميد الدفاع الرفيق بشير عبيد لا يعطي اهمية كبيرة لوجود سيارات ضباط امام وزارة الدفاع ووجود تحرك في الوزارة وان لا يهتم بالتالي بايصال هذا الخبر الى الرفيق عوض.

 ومن اخطاء التنفيذ ايضا ان الزمرة التي استنفرت لدعم الرفيق عوض في احتلال وزارة الدفاع اذا ما احتاج لاي دعم، والتي قبعت بالقرب من وزارة الدفاع بقيادة الرفيق شمنق، كان البعض من افرادها لا يجيدون استعمال السلاح.

أما سرية الطواريء، فخطأ التنفيذ في احتلالها لا يعود الى تردد الرفيق مصطفى عز الدين كما ورد في قرار المحكمة وانما لان الرفيق عوض لم ينفذ ما كان مخططا له من حيث ارسال مصفحتين لاحتلال مقر السرية بامرة الرفيق مصطفى عزالدين الذي كان يتربص للامر على درج العدلية وفقا للخطة، والذي كان هيأ العناصر القومية من السلك للتحرك بها، بعد احتلال السرية، لتنفيذ مهماتها بإعتقال السياسيين ثم بنقلهم. 

وحين اعتقلت سرية الطواريء فريقا من القوميين الإجتماعيين المسلحين بعد ان اصطدمت بهم، أفرز الرفيق عوض مصفحة بقيادة الرفيق رجا اليازجي الذي مضى بها الى مقر السرية فاحتله وفك اسر رفقائنا.

 أن ما أورده الرفيق انعام رعد عن انهيار الرفيق مصطفى عزالدين (ص50) والرفيق يوسف الأشقر عن تردد الرفيق مصطفى عزالدين في تنفيذ المهمة لانها غير مرتبة، تبين للمجلس الاعلى انهما لم يؤثرا مطلقا على قيام الرفيق مصطفى بواجبه، فقد انتظر امام درج العدلية كما كان مخططا وهيأ الزمر اللازمة لاعتقال السياسيين ونقلهم.  الشيء الوحيد الذي لم يقم به الرفيق مصطفى عزالدين تنفيذه هو كما ذكر بافادته ص 38 "راجعت عميد الدفاع ثانية بعد ان لم تصل مصفحات عوض، وكان مضطربا وعلمت منه ان مهمة إعتقال رئيس الجمهورية قد فشلت فأمرني باعتقال عدد من السياسيين بأي شكل كان، وعدت الى درج العدلية فلم اجد مصفحات واثناء مروري شاهدت عددا من المدنيين المسلحين بشكل ظاهر وعددا من رجال الشرطة امام بيت بيار الجميل، وهنا تيقنت من فشل الانقلاب فأرسلت الى الجريدة المستنفرة ادعوها للالتحاق بعميد الدفاع."  عميد الدفاع طلب اليه اعتقال عدد من السياسيين باي شكل كان، ولكنه بعد ان سمع من جهة بفشل اعتقال رئيس الجمهورية وبعد ان شاهد من جهة ثانية عددا من المسلحين المدنيين والشرطة امام بيت بيار الجميل، اعتبر العمل غير ممكن ولا جائز فانهى العملية المناطة به.

إن المجلس الاعلى، خلافا لقرار المحكمة العليا، لا يرى موجبا للربط بين عدم تنفيذ الرفيق مصطفى عزالدين هذه الاوامر الاخيرة التي اعطاه اياها عميد الدفاع وبين التردد الذي سبق له ان اظهره، ذلك ان "أنهياره" على حد تعبير الرفيق يوسف الاشقر، لم يمنعه من المضي باعباء المهمة كما خططت له.

الحقيقة ان الانهيار او التردد كانا لان الرفيق مصطفى عزالدين كان اصلا مخالفا للانقلاب وغير مرتاح الىجدية العقلية التي تتولاه، كما ذكر في افادته.  اما عدم تنفيذه المهمة التي امره بها عميد الدفاع باعتقال بعض السياسيين باي شكل كان فعائد الى ان ظروفا طرأت، قدّر هو، انها تجعل المضي في تنفيذ العملية غير ممكن ولا جائز.  

إن المجلس الاعلى يسجل مآخذه على الرفيق مصطفى عزالدين من حيث تنفيذ الاوامر، وبالشكل الحاسم الذي أعطاه عميد الدفاع (الإعتقال بأي شكل كان) لا يجوز ان يخضع لاي تقدير من المأمور كائنا ما كانت الظروف المستجدة، وهي طروف يعرفها الآمر الذي اصدر اوامره من ضمنها.

 أخطاء العقلية

 اذا كانت هناك اخطاء في التنفيذ، فقد كان اخطاء في العقلية التي لم تواجه الاحتمالات بكل الجد والتقدير المفروضين.  تأتي الى الرفيق عبدالله سعاده تنبيهات حول مرافقه رياض درويش والشك في انه يعمل للمكتب الثاني، فلا يعير رئيس الحزب هذه الشكوك ما تستوجبه من الاحتياط، بان يبعد ولو في هذه الفترة الشخص المشتبه به، حقا او باطلا، تتخفف العملية من اي احتمال للإكتشاف تتعرض له، خصوصا وفي تنبه السلطة للعملية يكمن خطر الفشل وأخطار الأثمان الباهظة التي يكلفها العمل.

 الذين نقلوا للرئيس سعادة هذه الشكوك اكثر من رفيق وفيهم مسؤولون (بشير عبيد، خليل دياب، وهيب الفحل)، اما تنسم رياض درويش للعملية فقد تاكد منه الرئيس سعاده حين سأله في اليوم الاخير للمحاولة، مع المرافقي الاخرين، تفسير التحركات الكثيرة الذي كان بيت الرفيق سعاده مسرحا لها، فكان جواب كل منهم ان الحزب يعد لانقلاب.  معنى هذا، أن التحرك كان يفقأ العيون بمقاصده، بدليل ان كل واحد من هؤلاء المرافقين بمن فيهم سائق السيارة فسره على وجهه الصحيح.  ومعنى هذا ان ثمة انسانا تحوم حوله بعض الشكوك قد تنسم ما  لم يكن يصح ان رئيس الحزب الرفيق عبدالله سعاده تهاون، (وكل ما هو مطبوع في مخيلته) الجرأة والبطولة التي اظهرها رياض درويش يوم حادث قرطبا، فلم يسمح لنفسه ان تتأثر بالشك بالرفقاء مسؤولين وغير مسؤولين.

 هذه الشكوك تيقن منها الرفيق عبدالله سعاده بنفسه بعد فوات الاوان حين اطلع خلال التحقيق معه، على ما اكد له رياض درويش تحول الى عميل للسلطة بعد حادثة قرطبا (افادة الرفيق عبدالله سعاده) ولقد بلغ من حرص  رياض درويش من تبليغ اسياده بالمعلومات عن الحزب انه، يوم المحاولة، طلب الاذن له بالذهاب الى منزله، بعد ان كان فسر، على وجهه الصحيح، التحرك الذي كان بيت الرئيس سعاده مسرحا له، بأن الحزب يعد لانقلاب.

 ولم تحل شكوك الرفقاء ويقين الرئيس بمعرفة رياض درويش بأن الحزب يعد لانقلاب، دون ان  يسمح لرياض درويش بالذهاب الى بيته، وكان قد منع جميع من في البيت مغادرته بعد ان اكتشف وقوفهم على الحقيقة.   وأكتفى الرئيس بأن يرسل مع  رياض درويش الرفيق وهيب الفحل بعد ان أمره بالا يدعه يغيب عن عن بصره، ولكن رياض درويش يختلي في بيته بزوجته ويكلفها، كما ثبت في الاضبارة، ان تنقل لضابط المكتب الثاني سامي شيخه، ان الحزب يعد لانقلاب.

 ولقد ثبت أن السلطه تنسمت تحرك الحزب الانقلابي كما ثبت من تحرك العقيد سعد، منذ الساعة الحادية عشرة الا ربعا، وحضوره الى الاركان واستدعائه بعض الضباط واستنفار رجال الامن، ان السلطات  كانت تملك معلومات وان يكن غير كافية ولا محددة حول نوايا الحزب واعداداته.

ولقد وردت الى قيادة الحزب اخبار عديدة تفيد علم السلطات بتحرك انقلابي يعده الحزب، لكن الجواب كان دائما هو لو كانوا يعرفون شيئا لما كنا حتى اليوم احرارا.  نرى لو ان القيادة لم تكن منفعلة بالانقلاب والحماس له أما كان اتجه التفكير ولو للتساؤل ما اذا كانت المعرفة التي تملكها السلطات قد لا تكفي للأعتقال ولكنها قد تكفي للتنبيه واتخاذ اجراءات تجعل التحرك حين ينفذ يقع في الفشل.  ثم الا يجوز للتفكير القيادي الغير المنفعل بالحماس ان تروده الخشية من استدراج من قبل السلطة، لقمع التحرك، فيصار الى قمعه والى انزال الضربة التي تتعطش لها السلطه والتي كان اليقين من تعطش السلطه لها اهم عوامل التفكير بالانقلاب، فتنزل الضربة بعد ان تزود بغطاء قانوني يجعلها مشروعة؟

أما العقلية المنفعلة بالحماس فمن مظاهرها ان المسؤولين الحزبيين في مجالس الحزب العليا، تولد لديهم الشعور بان التصدي لهذا الحماس يساوي الخيانة ان لم يكن هو الخيانة عينها، كما ورد في افادة الرفيق عبدالله قبرصي، وانه لم يعد امامهم للتهدئة والتدارس العقلاني سوى اللجوء الى المناورة ووسائلها؛ ذلك ان النقاش المباشر سيجعل من صاحبه كما جاء في افادة الرفيق قبرصي، حجرا يحطمه الحماس بشتى المطاعن.

 في التحقيق والمحاكمة والسجن

  حين وقع الفشل وتحولت المغامرة الى كارثة على حد تعبير الرفيق قبرصي، شنت السلطات حملة من الارهاب والعنف عز نظيرها ومارست من اصناف التعذيب الوحشي البالغ منه حد القتل والتصفية الجسدية، في حقد ولا مبالاة.

 وفي ظل اجواء رهيبة من التنكيل والاضطهاد والتعذيب والقتل سادت في التحقيق مع المعتقلين مما ادى ان يستولي الذعر ويركب الضعف بعض الرفقاء مسؤولين وغير مسؤولين، فيصار الى البوح بالكثير الذي لم يكن يصح البوح به والى محاولات تقرب من السلطات وشراء رضاها وتوقي تنكيلها.  ان الاعتراف للسلطات التي تمارس اساليب من الوحشية لا يصدقها العقل، لا يشكل ضعفا الا اذا كان حول مسائل تؤذي الحزب وتعتبر سرا من اسراره او تؤذي احد الرفقاء.  والاعتراف على كل حال، بالنسبة لسلطة التنكيل والعقاب، هو الاستثناء، في حين ان الاصل هو رفض الاقرار بالمسؤولية عن الذات او الآخرين.  ان رفض الاقرار والمراوغة ليس هو امرا سليما فحسب بل هو ضرورة حزبية وقومية باعتبار انه يتيح للحركة ان يعود من يمكن استنفاذه من مناضليها لمتابعة نضاله فيها.  ولكن المراوغة التي هي ضرورية لانها تخدم الحزب، لا يجوز مطلقا ان تكون على حساب الحزب بمعنوياته وقضيته او على حساب الآخرين من مناضلي الحزب.  وإذا كان الاعتراف هو الاستثناء فان الاعتراف السليم هو الذي يأتي من ضمن محاولة حصر المسؤولية في نطاق ضيق الى اقصى الحدود ومن ثم التمكين لدفع المسؤولية عن الآخرين.

 أما في الاعتقال، فالمسؤولية العامة تبقى على صيانة المعنويات ورفعها، وعدم التصرف بما يمكن ان يلبس الرفقاء ثوب الخزي او اليأس، والاهتمام بدعم الصمود المادي والمعنوي بالعطاء والقدرة والغيرة وضبط النفس. 

على ضوء هذه المباديء الاولية يتبين للمجلس الاعلى ان الرئيس الرفيق عبدالله سعاده انطلق اول ما انطلق، بوعي صحيح لمسؤوليته الحزبية، فجعل من نفسه المسؤول الوحيد عما وقع، واجتهد في التمكين لانتفاء المسؤولية عن المجلس الاعلى ومجلس العمد.

 لقد انطلق من قاعدة صيانة قوى الحزب والعاملين فيه من اتساع نطاق الضربة ضدهم، كي تنزل الضربة باقل عدد ممكن، فتبقى للحزب كوادره وتبقى للحزب قدرة امتصاص الضربة المحدودة بسرعة، ليمضي في نضاله قويا متينا.

 أما أعضاء المجلس الأعلى واعضاء مجلس العمد فقد انطلقوا من حيث المبدأ على تفاوب في الاسلوب من قاعدة المراوغة وقذف المسؤولية على الذي ليس ممكنا ان يدفعها عنه، فكان هذا المبدأ متفقا مع وعي الواجب في تضييق نطاق الاذى الذي سيلحق بالحزب.

واذا كان لا مجال مطلقا لجعل مراوغة اعضاء المجلس الاعلى او العمد في القبول بالمسؤولية امام سلطات معادية لهم عاملا من عوامل ضعف مستوى المسؤولية والمناقبية القومية الاجتماعية فان الاعتراف بحد ذاته وحين لا يكون منه مناص، لا يجوز حسبانه ماخذا.

 شرط المراوغة المسؤولة او الاعتراف المسؤول الا يكون على حساب الآخرين بإلحاق ضرر اكبر بالغير وتوريط الآخرين بما ليس لهم فيه مسؤولية والا يكون بالدرجة الاهم على حساب الحزب كحركة وعقيدة وقضية ونضال سياسي قومي.

 إن الكثير من الإعترافات يمكن اعتبارها من   قبيل الاعتراف المسؤول وكذلك البعض من محاولات المراوغة التي يصح اعتبارها ايضا مراوغة مسؤولة.  والرئيس الرفيق عبدالله سعاده الذي لم يكن مناص من اعترافه، جاء اعترافه مظهرا من مظاهر الاعتراف المسؤول، بأن أجتهد ان يحمل مسؤولية العملية بمفرده وان ينفي او يخفف من المسؤوليات عن الاخرين من اعضاء المجلس الاعلى او العمد بقدر ما يمكن.  وحين عاد الرئيس سعاده فيما بعد، الى الاعتراف على مسؤوليات المجالس العليا ودورها فقد جاء ذلك، بعد ان نجح التحقيق في الظفر بما لا يمكن معه نفي المسؤولية عن المجالس وحصرها بالرئيس وحده.  بعض الذين اعترفوا بدورهم وراحوا يصرحون بمسؤوليات المجالس العليا كلها ويأبون بغير ذلك، ومنهم من نصح الرئيس سعاده بشيء من ذلك بطريقة او باخرى هم الذين ساهموا في افشال محاولة الرئيس سعاده حصر المسؤولية الاساسية بشخصه، ان بعضهم لم ينطلقوا من مواقع المسؤولية تجاه الحركة بانقاذ اكبر عدد من المسؤولين بقدر ما انطلقوا من مواقع القلق على الذات وسلامة الجسد وبالتالي من مواقع جعل المسؤولية تنال اكبر عدد من الرؤوس لتعقيد الموقف امام السلطات في ايقاع العقوبة القصوى بالمسؤولين.  من هذا المنطلق ومن منطلق التودد الى السلطات لشراء رضاها وكسب امتيازات والتخفيف من الاذى الشخصي، تصرف البعض القليل خلال التحقيق وحتى في المحاكمة الاولى، في حين تم استدراك الموقف في المحاكمة الثانية بشكل قوي وبارز وبشكل جعل معنويات الحركة والرفقاء ترتفع الى سوية القضية التي لها جهادهم ونضالهم وتضحياتهم.

 في الإدانة

 ان النظر في قضية المحاولة الانقلابية وتسجيل الادانة المسؤولة، انما ينطلق من مواقع الحرص على وضع المسيرة القومية الاجتماعية امام تعثراتها واخطائها لكشف العوامل والاسباب والخلفيات النفسية والفكرية والمزالق النظامية والتحليلية التي اوقعت الحزب "في المغامرة-الكارثة" على حد تعبير الرفيق قبرصي، ليمكن لهذه المسيرة المضي في النمو الصحي الذي تقتضيه مسؤولياتها التاريخية كحركة الانقاذ القومية الاجتماعي المصيري الاولى ان لم نقل الوحيدة.

 إلا أن المجلس الاعلى يدين تقرير القيادات من ان الفرصة مهيأة، بوصفه تقريرا لم يقم على اسس مسؤولية جدية ان على صعيد التقرير وقد اغفل شروط التحليل التاريخي الموضوعي السياسي، او على صعيد التخطيط وقد اسقط فعل العقل القيادي القومي الاجتماعي الدستوري  المسؤول في التخطيط، كما انه اسقط تهيئة عوامل استمرار الحكم الجديد وتطوره باتجاه الحكم القومي الاجتماعي بحيث افقد الانقلاب ارتباطه العضوي بالقضية القومية الاجتماعية، حين لم يهيء للحكم الجديد سبيل التطور باتجاه العمل لهذه القضية.

 ويدين المجلس الاعلى الانقلاب كخطة عملية تنفيذية للثغرات الكبيرة التي تكشفت له وتناولها بالتفصيل وفي مقدمتها ثغرة انعدام اية خطة جدية للفشل، وكذلك ترك بعض بنود الخطة دون اعداد جدي، ثم يدين اخطاء التنفيذ كما يدين بشكل خاص العقلية التي وجهت الانقلاب وطبعت مناخه بطابعها.  

أما على صعيد الأشخاص وما تجلى لدى نفر قليل من ضعف وجبانه وانحطاط عن مستوى المناقبية القومية الاجتماعية والمسؤولية القومية الاجتماعية، فان المجلس الاعلى يسجل ادانته القاسية للذين إمتهنوا معنويات الحركة وتاريخها النضالي ومستوى مناقبيتها الصراعية بسلوك فردي جبان خائف.

 وإن المجلس الأعلى يلخص فيما يلي نقاط الإدانه:

 على صعيد التقرير

 

ان عدم اعمال شروط التحليل التاريخية والموضوعية والسياسية هو سقوط في النظرة التأملية المثالية العقلية، التي لا تعير وزنا للظروف المجتمعية الموضوعية السياسية التاريخية، ان السقوط في النظرة المثالية العقلية التأملية ضلال عقيدي خطير وخطأ تاريخي وعملي يدفع المجتمع والحزب ثمنه الباهظ، نكسات وتعثرات ومزالق.

 وان قيادات الحزب العليا عند الانقلاب (المجلس الاعلى – رئاسة الحزب – مجلس العمد) لم تناقش الانقلاب على ضؤ معطيات الظروف السياسية والتاريخية القائمة كما تملي ذلك النظرة القومية الاجتماعية الواقعية الموضوعية العملية المادية-الروحية، وكما يفرض الوعي القومي الاجتماعي قواعد الاستشراف التاريخي المسؤول.

 على صعيد التخطيط

 ان المجلس الاعلى يدين التخطيط الذي لم ينبثق عن العقل القيادي القومي الاجتماعي المسؤول المتمثل في المؤسسات الحزبية العليا التخطيطية والتنفيذية، بانه الزم الحركة السورية القومية الاجتماعية، بنتائج تخطيط غير قومي اجتماعي مسؤول، خلافا لما تفرضه المسؤولية القومية الاجتماعية والنظام القومي الاجتماعي، ولا يسع المجلس الاعلى الا ان يربط بين المؤثرات النفسية والعملية التي دفعة بالحزب الى  استقدام الرفيق عبدالله سعاده لتسلم رئاسة الحزب قبل ان تنقضي رئاسة الرفيق عبدالله محسن بستة اشهر، وبين تنازل المؤسسات القيادية الحزبية وانمحائها الطوعي امام الرفيق عبدالله سعاده كرئيس للحزب، حين تصدت للتقرير في موضوع الانقلاب من حيث هو قرار تاريخي خطير مسؤول وخطة تاريخية فاصلة مسؤولة، ووجه الربط بين هذا وذاك هو ان استقدام الرفيق سعاده كان بفعل صورة الضرورة التاريخية لعمل انقاذي كبير وصورة البطل المنقذ وان هذه الصورة الخلفية النفسية والذهنية بقيت هي نفسها وراء انمحاء المجالس القيادية امام العمل الانقاذي الكبير ومسؤولية البطل المنقذ.

 أن الحركة القومية الاجتماعية، بقواعدها الفكرية والعملية وبنظرتها الاساسية التي تقوم على وعي الوجود الانساني وجودا قوميا اجتماعيا وحركة التاريخ حركة المجتمع، تعي ان البطل المنقذ هو الحركة القومية الاجتماعية كمؤسسات يتفاعل فيها، حسب الاصول النظامية، العقل القومي الاجتماعي المسؤول، وكعضوية يفعل فيها وعيها الانساني السليم باتجاه التفاعل النظامي البنّاء، الخلاق، المعطاء، العامر بالمناقب والبذل والبطولة، وان كل ما عدا ذلك ضلال في المثالية العقلية التأملية وقعت فيه الحركة، عن غير وعي، منذ غياب الزعيم المؤسس، فاخذت تعقد لواء القيادة للعاملين المناضلين من رجالها وفي كثير من الاحيان على حساب المؤسسات القومية الاجتماعية المسؤولة والعقل القيادي المسؤول.

 إن المجلس الأعلى حين يدين انمحاء العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول يدينه بوصفه مظهرا لضلال عقيدي بعيد عن طبيعة النظام القومي الاجتماعي وطبيعة المسؤولية القومية الاجتماعية.  والمجلس الاعلى يدين الانقلاب على صعيد التخطيط بوصفه لم يهيء ليجعل منه انقلابا قوميا اجتماعيا قادرا على تثبيت نجاحه وفرض متطلبات السياسة السورية القومية الاجتماعية في شتى حقول الحياة.

 على صعيد الخطة العملية

 أ- لقد أغفل الانقلاب ما يتطلبه لجهة الاعداد الداخلي اغفالا يكاد يكون تاما.  فابستثناء الزمر التي كلفت بمهام محددة، بقيت صفوف الحزب دون خطة لاعدادها لليوم الحاسم، بل ان مجلس العمد الذي يتولى هو، كل عميد في نطاقه، مسؤولية اعداد القوى الحزبية على  مختلف الصعدان، عطلته رئاسة الحزب، فجمعت بعضا من العمد فب اللجنه التنفيذية للانقلاب وجمدت الاخرين بحيث لم تبق ادارات تنفيذية عاملة، على المستوى المركزي، لضبط شؤون الحزب واعداد قواه، وباستهدافات معينة تفرضها طبيعة المرحلة الجديدة المقبلة، وعلى اساس عدم إفشاء او كشف الخطة الانقلابية التي تعدها قيادات الحزب.

 لقد تقدم البعض من المسؤولين بخطط في سبيل تهيئة صفوف الحزب والاستفادة منها في الحدث الانقلابي كاعلان مناطق الحزب الادارية في حالة طواريء يتولى فيادتها اما عسكريون (نظار التدريب او غيرهم) وان يصار الى مسح الرفقاء في كل منطقة وتصنيفهم، فلم يؤخذ بها ولم يصر لاى بديل لها، أن لتثبيت نجاح الانقلاب ومواجهة الفشل، او للمضي في تنفيذ اعباء مرحلة الحكم الجديدة.

 إن كل ما أقدمت عليه القيادة الحزبية، هو اجتماع عقده عميد الدفاع الرفيق بشير عبيد للمسؤولين الاداريين في المناطق (المنفذين ونظار التدريب) وذلك في ليلة تنفيذ المحاولة، ابلغهم فيه ان انقلابا وقع وطالبهم بالعودة الى مناطقهم وان يكونوا على استعداد لتنفيذ ما سيبلغون من تعليمات وزودهم ببعض المال كاحتياط لتنفيذ ما سيطلب منهم.

 إن عدم وضع الحزب في وضع يمكنه عسكريا ومدنيا من مواجهة الحدث الجديد وتثبيت انتصاره، قد جعل الاربعة آلاف مسلح التي كان رئيس الحزب قد ذكرها للرفقاء العسكريين في معرض تقييم عوامل نجاح الانقلاب، تصبح سبعين مسلحا فقط يوم الانقلاب، وهي مجموعة الزمر التي اشتركت في تنفيذ المهام والتحقت بديك المحدي.  اما الباقون فقد بقوا امنية إفتقدها الرئيس حين طالب عميد الداخلية بامكان استنفار الوحدات الحزبية القريبة من ديك المحدي عند حدوث الفشل، في حين امكن للسلطات دون اي جهد عسكري، ان تصطاد الأربعة آلاف والافا امثالهم مع الاسلحة بكل انواعها على اهون سبيل.

 ب- واما على صعيد الاعداد التخطيطي فقد بسط المجلس الاعلى مختلف الثغرات السته التي تبينت له باعتبار ان الاعداد التخطيطي يعني اعداد العوامل المادية والبشرية والعملية، التي تكفل جعل كل بند من بنود الخطة الانقلابية ليس مجرد حبر على ورق، بل خطة عملية قابلة للتنفيذ والنجاح.  وفي هذا المجال يسجل المجلس الاعلى عدم مراعاة الاعداد في الشؤون التالية:

اولا:-  احصاء كافة العناصر العسكرية القومية الاجتماعية العاملة في الجيش اللبناني من جنود ورتباء وضباط كخطوة لا بد منها، لربطهم وتحركهم في تنفيذ عمليات قمع كل تحرك عسكري يمكن ان يحدث ضد الانقلاب، من داخل الثكنات، وكذلك لتحريكهم والاستفادة منهم في دفع الوحدات العسكرية الى موالاة الوضع الجديد.

 ثانيا:- تهيئة زمر الميليشيا القومية الاجتماعية التي يمكن الاحتياج اليها في قمع كل تحرك عسكري من داخل الثكنات فلا تنجح سرية دبابات في التحرك من ثكنة فخر الدين والحضور الى وزارة الدفاع وتطويق مصفحات الرفيق عوض، دون ان تكون قد اعترضتها زمر الميليشيا مدعومة ببعض مصفحات يفرزها الرفيق عوض لهذه الغاية.

 ثالثا:- انعدام اي اعداد لتنفيذ ما سمي بخطة الفشل فلا تبقى هي الاخرى امنية.  لم تكن خطة الفشل في ساحة نظر الذين اعدوا الانقلاب ولا بالتالي في ساحة عملهم "الانقلاب ناجح 99 بالماية فلماذا اضاعة الوقت بالفشل" (كلمة الرفيق سعاده).  لقد كانت فكرة وبقيت فكرة ولم تشغل من العقل ولا من الفعل اي حيز، فليس ثمة جهز مواصلات مكلف بان ينقل للقيادة العليا تطورات الاوضاع عند وزارة الدفاع ليمكن للقيادة العليا ان تواجه الفشل بعلان وضع خطته موضع التنفيذ فتحرك ما يمكن قد اعدت لمساعدة تنفيذ هذه الخطة.  هذا الانعدام في اعداد خطة الفشل، جعل الفشل يتحول كما تحول الى كارثة.

 رابعا:-انعدام جهاز مواصلات مركزي لمواكبة كل المهام التنفيذية الاساسية، فلا تبقى القيادة العليا في واد والمهام التنفيذية الرئيسية التي عليها يتوقف نجاح الانقلاب، تتخبط بين تجاذب المكلفين بتنفيذها، ومشواراتهم وحلولهم المرتجلة.

 خامسا وسادسا:- عدم تحديد مكن رئاسة الحزب بشكل واضح وعدم وضوح الرؤية الاستراتيجية الكاملة لدى المكلفين بالمهام الاساسية على صعيد المناخ الانفعالي في قيادات الحزب.

 لا يسع المجلس الاعلى ان يمر ببعض الظواهر دون ان يسجل مدى نبوّها عن قواعد المسؤولية القومية الاجتماعية وشوطها في نهوضها بتبعاتها التاريخية، كانت المعارضة والتردد، تواجه لا بالنقاش والبحث بل بالغمز والتقريع " طلبت تأجيل موعد الانقلاب لنزيد في تحضرنا السياسي والشعبي وفي استمالة وحدات عسكرية اخرى عدا ان النجاح العملي في عملية الانقلاب (اذا نجح ونجاحه لا يتعدى الخمسين بالمئة) لا يسمح بامكان التمسك بالحكم" ويكون جواب الرئيس سعاده على هذه الافكار الاساسية والهامة والتي يوجب كل منها مناقشة صبورة ومسؤولة، "ما بك هل خفت؟" (افادة الرفيق شوقي خيرالله).

ومما يؤكد هذا الجو الانفعالي البعيد عن قواعد المسؤولية وشروطها، ان الاتهام بالخوف قد فسر به الرئيس في  جلسة المجلس الاعلى، معارضة الرفيق مصطفى عبد الساتر واستقالته، بحيث باتت تربط كل معارضة باحتمال طبعها بالجبن والانهزامية والخوف الامر الذي يفرض جوا من الارهاب المعنوي يفسد يعطل ويشل فعل العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول البنّاء.  

ولقد تجلى فعل هذا الأرهاب المعنوي في موقف الرفيق عبدالله قبرصي وسلوكه حيال الانقلاب، فالرفيق القبرصي يعترف انه "أخذ يرى مخاطر المحاولة على الحزب وعلى الامة وانه كان يبحث عن وسائل مداورة لايقاف المحاولة او تأجيلها".  أما لماذا البحث عن وسائل مدوارة، وهو عضو في المجلس الاعلى ويملك ان يطرح الموضع مباشرة، ثم هو من العاملين في النهضة المرافقين لها الذي يملك، نفسيا وعمليا، بجهاده وبلاغته وحجته، ان يجابه ما يعتقده خطأ مؤذيا وخطرا، فلأن الرفيق قبرصي خشي، كما يذكر في افادته "رهبة التهمة بالخيانة التي كنت اراها مكبّرة مضخمة ونهايتي في الحزب من قبل القيادة المؤمنة بالنصر، كخائن للنصر، وجعلتني ان الف وادور دون مجابهة ومواجهة سافرة". 

ويقول الرفيق قبرصي ان جو القيادة كان اعتبار كل معارضة حجرا في طريق النصر ينبغي تحطيمه، بل ويصل به هذا الشعور حين واجه الرفيق اسعد رحال يوم السبت في 30/12/1961، بعد ان كان المجلس الاعلى اعطى الضؤ الاخضر للعملية وسمع منه بالحرف الواحد "نحن ماضون الى كارثة، لن انسحب من الحزب اذا فشل لأني اكون متهربا من مسؤولياتي بل سأنسحب اذا نجح"، اجابه قبرصي بالحرف الواحد وبما يكشف مناخ الارهاب المعنوي الذي بلغ حد التخويف المادي والذي يسود جو الانقلاب "ايها الرفيق الامين اسعد، هل انت مستعد ان ترافقني في ايقاف المحاولة حتى لو اقتضتنا حياتنا؟". 

ان المجلس الاعلى يعتبر كلام الرفيق قبرصي من قبيل الانفعال الا انه يسجل أن هذا الانفعال السائد هو رد فعل على الجو الانفعالي السائد وان الثابت والاكيد ان الرفيق قبرصي، لم يجرؤ بعد ان تغيرت قناعته وعمل على تغيير قناعات الرفيق عمر ابو زلام عضو المجلس الاعلى، وعلى تحريض العميد فيليب مسلم، ان يجهر بقناعته الجديدة، مما يكشف ان جو المحاولة كان بالفعل جوا انفعاليا بعيدا عن مستوى المسؤولية وعن مستوى المواجهة المسؤولة من القيادة نفسها وبين افراد القيادة انفسهم.

لقد انطلق الانقلاب في الاصل من السقوط في الانفعالية على حساب المسؤولية، حين اغفل تحليل العوامل التاريخية والسياسية القائمة، وان كان يمكن تفسير التهاب عواطف الصفوف القومية الاجتماعية بالانفعالية في احساسها الحاد بوجودها المتميز وبكل ما يتعرض له هذا الوجود من مقاومة وتنكيل وبكل ما يتوق له هذا الوجود من اعمال مظهرية بارزة كلون من الوان التعويض او الاحساس بالتفوق فلا يمكن تفسير تجاوب القيادات بالانفعالية والانزلاق عن مستواها العقلاني القيادي المسؤول الى حد ان تطبع بالانفعالية اجواء المناقشة والبحث في المجالس الحزبية المسؤولة.

وان المجلس الاعلى حين يدين هذا الجو البعيد عن طبيعة المسؤولية القومية الاجتماعية يدين ايضا عقلية "الأستلشاق" وعدم التنبه الجدي لاخطار المعلاء كما يدين بشكل خاص العقلية التي تسببت في الجلسة-الفضيحة وهي الجلسة التي عقدها المجلس الاعلى في 29/12/1961 بحضور خمسة من الاعضاء لاعطاء الضؤ الاخضر امام اخطر قرار تاريخي مسؤول.

في العقوبات

 قرر المجلس الاعلى ان محاكمة عام 1961 حين تقرر الادانة فإنما تقرر ما يترتب على الادانة من عقوبات مادية ومعنوية.  ليس المقصود بالمحاكمة التقييم المعنوي كما تقدم البعض من المجلس الاعلى بهذه الوجهة للنظر وانما المحاكمة هي كشف للقصور على مختلف مستوياته واشكاله وادانة للمقصرين بكافة العقوبات المادية والمعنوية التي تتناسب مع خطورة القصور الذي تسببوا فيه والذي اوقع بالحزب ما سماه الرفيق عبدالله قبرصي المغامرة-الكارثة.

وبالنسبة لمختلف اشكال القصورقرر المجلس الاعلى العقوبات التالية:

 أ- اعتبار تعطيل فعل العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول في قضية لا يجوز إلزام الحزب مؤسسات وأفراد بنتائجها وتبعاتها المادية والمعنوية، إلا بدراسة وتقرير من العقل القومي الاجتماعي القيادي المسؤول وحده على مصيرالنهضة ومصير المناضلين صفوفها، جريمة انحراف دستوري، عملي، يعاقب المسؤولون عنه بخمس سنوات تجردهم من حقوقهم الانتخابية في الحزب.

ب- اعتبار اهمال لتحويل جلسات المجالس القيادية المسؤولة، إن بالتغاضي والرضى او بالتهيئة العملية، الى جلسات شكلية تفرغها من معنى المسؤولية في التقرير، جريمة تعطيل للنظام القومي الاجتماعي يعاقب المسؤولون عنها بثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.  

ج- اعتبار اهمال الاعداد التخطيطي لبنود الخطة كي يمكن جعلها قابلة للتطبيق والانفاذ، جريمة اهمال وتقصير يعاقب المسؤولون عنه بالحرمان من الحقوق الانتخابية مدة ثلاث سنوات.

د- اعتبار السقوط في النظرة المثالية العقلية التاملية في بحث وتقرير الشؤون الحزبية القيادية التخطيطية، زيفا عقائديا، يعاقب المسؤولون عنه بعقوبة الحرمان من الحقوق الانتخابية لمدة عام واحد.

ه- اعتبار افساح المجال لمناخ انفعالي يسود الحزب ومجالسه القيادية المسؤولة، تقصيرا معيبا شائنا يعاقب المسؤولون عنه بالتأنيب القاسي.

و- اعتبار مواجهة المسؤولية بعقلية بعيدة عن الاحتراز المطلوب وعن التحري المسؤول عن الاخبار بخاصة منها تلك التي تحمل معها أخطارا جسيمة على الحركة ومناضليها وسياستها، نقصا فاضحا في مستوى المسؤولية يعاقب المسؤولون عنها باللوم الشديد.

ز- اعتبار عدم تحري الدقة والسهر على الاعدادات التنفيذية اهمالا معيبا يعاقب المسؤولون عنه باللوم الشديد.

ح- اعتبار عدم التقيد بالتعليمات  مخالفة للنظام يعاقب المسؤولون عنه بالحرمان من الحقوق الانتخابية لعام واحد؟

 في الإدانة

 اما بالنسبة للرفقاء المحالين على المحاكمة فقد قرر المجلس الاعلى وبالاجماع الإدانات التالية:

 أولا- إدانة رئيس الحزب الرفيق عبدالله سعاده بالامور التالية:

أ- بالانحراف الدستوري العملي المنصوص عنها في الفقرة (أ) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالحرمان خمس سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

ب- تعطيل النظام القومي الاجتماعي المنصوص عنها في الفقرة (ب) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالحرمان ثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

ج- اهمال الاعداد التخطيطي المنصوص عنها في الفقره (ج) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالحرمان لثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

د- بالسقوط في النظرة المثالية العقلية التأملية (الزيف العقائدي) المنصوص عنها في الفقره (د) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالحرمان سنة تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

ه- بالتقصير الشائن بإفساح المناخ الإنفعالي المنصوص عنه في الفقره (ه) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالتأنيب القاسي.

و- بالنقص الفاضح في عدم القرار والتحري المسؤول المنصوص عنه في الفقره (و) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالتأنيب الشديد.

 إعتبار العقوبة النهائية بحق الرفيق عبدالله سعاده بعد الادغام ومن ضمن قاعدة التشديد الحرمان ثماني سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية مع التأنيب القاسي واللوم الشديد.

 ثانيا- ادانة اعضاء المجلس الاعلى الرفقاء: اميل رعد، عبدالله قبرصي، منير خوري، اسد الاشقر، عمر ابو زلام، اسعد رحال، كامل ابو كامل، نذير العظمه، بالامور التالية:

أ- - بالانحراف الدستوري العملي المنصوص عنها في الفقرة (أ) من العقوبات المقررة ومعاقبة كل منهم  بالحرمان خمس سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

ب- بالسقوط في النظرة المثالية العقلية التأملية (الزيف العقائدي) المنصوص عنها في الفقره (د) من العقوبات المقررة ومعاقبة كل منهم بالحرمان سنة تجريد واحدة من الحقوق الانتخابية في الحزبز

ج- باهمال الاعداد التخطيطي المنصوص عنها في الفقره (ج) من العقوبات المقررة ومعاقبة كل منهم بالحرمان ثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

د- ادانة الرفيق اميل رعد ناموس المجلس الاعلى بتعطيل النظام القومي الاجتماعي المنصوص عنها في الفقرة (ب) من العقوبات المقررة ومعاقبته بالحرمان ثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية في الحزب.

ه- ادانة الرفيق اميل رعد ناموس المجلس الاعلى بتعطيل النظام المنصوص عنه في الفقره (ه) من العقوبات المقررة وبعدم مجابهته بالانفعال السلبي به وبمعاقبته بالتأنيب القاسي. 

إعتبار العقوبة بحق الرفقاء: منير خوري اسد الاشقر، عمر ابو زلام، اسعد رحال، كامل ابو كامل، نذير العظمه هي خمس سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية.

أن طرد البعلبكي، مع انه مدان بالفقرات أ- ب – ج – د – من الجرائم المترتبة على اعضاء المجلس الاعلى يسقط عنه المحاكمة والادانة المطلوبة.

ثالثا: - إدانة أعضاء مجلس العمد الرفقاء: بشير عبيد، رامز اليازجي، يوسف الأشقر، إنعام رعد، صبحي ابو عبيد، رجا يازجي، عبد القادر تحوف، مصطفى عز الدين، مصطفى عبد الساتر، فيليب مسلم، بالامور التالية:

أ- - بالانحراف الدستوري العملي المنصوص عنها في الفقرة – أ –  من العقوبات المقررة وأعتبار ان مجلس العمد بوصفه لم يعد يدعى لعقد جلسات من قبل رئيس الحزب الذي يعود اليه دعوة مجلس العمد للانعقاد مشمول بالاسباب التخفيفية باعتبار ان جريمته بات هي عدم الاعتراض لدى رئيس الحزب من قبل العمد على عملية تعطيل العقل القيادي القومي الاجتماعي التنفيذي المتمثل بالرئيس ومجلس العمد ومعاقبة كل من اعضاء مجلس العمد بعقوبة الحرمان لمدة سنة تجريد واحدة من الحقوق الانتخابية.

ب- إعتبار عدم انعقاد مجلس العمد مسقطا عنه السقوط في النظرة التأملية المثالية العقلية وإهمال الاعداد التخطيطي.

ج- إدانة الرفيق بشير عبيد والرفيق صبحي ابو عبيد بعدم تحري الدقة في السهر على الاعدادات التنفيذية (ألاهمال المعيب) ومعاقبة كل منهم باللوم الشديد مع اضافة توصية الى السلطات التنفيذية بعدم اسناد مسؤولية قيادية للرفيق صبحي ابو عبيد لمدة ثلاث سنوات.

د- إدانة الرفيق مصطفى عزالدين بمخالفة النظام المنصوص عنها فب الفقرة – ح – من العقوبات المقررة، واعتبار عوامل فشل اعتقال رئيس الجمهورية  ووجود مسلحين على ابواب منازل بعض السياسيين وعدم تنفيذ احتلال الفرقة 16 اسبابا تخفيفية، تجعل عقوبة الرفيق مصطفى عز الدين هي اللوم الشديد.

رابعا: - براءة الرفقاء العسكريين فؤاد عوض، شوقي خيرالله، بديع غازي، من كل الجرائم باعتبار انهم يخلوا بتنفيذ المهام الموكلة اليهم وباعتبار انهم غير مسؤولين دستوريا وانما قدموا التخطيط كمشورة بوصفهم خبراء.

خامسا: - براءة الرفيق شوقي خيرالله من اية مؤاخذة بالنسبة لسلوكه امام وزارة الدفاع، فقد نفذ ما كلفه به الرفيق عوض،  من محاولة حمل بعض الضباط العسكريين على الاستسلام دون اراقة دماء، عن طريق الظهور بمظهر الذي لا علاقة له بالانقلاب وعى مرأى ومسمع م الرفيق فؤاد عوض.

العقوبات الشخصية بالنسبة للسلوك الحزبي

الادانات التي قررها المجلس الاعلى بحق المسؤولين الحزبيين في حدث عام 1961 عقوبات بحق القصور في النضج القيادي المطلوب في مواجهة حدث خطير وقرار تاريخي حاسم كما شان الانقلاب.  غير ان هذه الادانات لا تمس شرف الحركة ومستواها النفسي المناقبي، قيادات واعضاء.  وإذا كان القصور في النضج قد رتب على الحزب اداء ثمن باهظ من مسيرته التي كادت تسحق ومن حياة ثلاثين من ابطالها، وسجن وتشريد المئات المئات من مناضليها وعائلاتها، فان الحركة القومية الاجتماعية تبقى فخورة بمسيرتها، فخورة بتعثراتها، ذلك ان الحركة القومية الاجتماعية هي الحركة التي وعت ان سلّم النمو والارتقاء للنهضة ومستواها القيادي للمجتمع وحركة انصاره، ترصف دراجته على لحمنا الحي والامنا وتضحياتنا وجماجم ابطالنا. وبفعل هذا الوعي نذر كل منا نفسه ان جسده سلما لمجد الامة وارتقائها.

إن الجراح، جراح العز، تزيد من الق فخارنا بانفسنا ومسيرتنا ونضال رجالاتنا وتعثراتهم، وغير ذلك طعنات المتخاذلين المتكالبين على الذات الذي يبيعون شرفنا وكرامتنا وايماننا لانقاذ جسد بال لا قيمة له.

من هنا قرارات المجلس الاعلى بفصل الادانات العامة التي رتبها بحق المسؤولين بوصفهم مسؤولين، عن ادانات السلوك النضالي الحزبي التي تختلف طبيعة ومعنى عن طبيعة نهضة العز ومعناها.

ولقد تبين للمجلس الاعلى ان الرفيقين صبحي ابو عبيد وانعام رعد انزلقا في مهوي الضعف والتخاذل، مما يشكل طعنة بمناقبنا ونضالنا وشرفنا وفخارنا بانفسنا ومسيرتنا ونضال رجالاتنا، ولقد اجمعت الشهادات على ان الجبن بلغ بالرفيقين حد ممالاة السلطة وكشف الاسرار التي لا مبرر لكشفها.

ولم يجد المجلس الاعلى عذرا في ما ساقه الرفيق انعام رعد في معرض تبريره لضعفه ومسايرة التحقيق من ان قلقه على شقيقه، باعتباره قد ورطه في الانقلاب قد دفعه الى هذا المسلك.  فالقلق على الشقيق يكون في الحرص على نفي حضوره تحت كل وسائل الضغط ولا يكون بالتودد الى سلطات التحقيق وممالاتها.  واذا كانت سلطات التحقيق قد قد رضيت بطي موضوع الشقيق مقابل الممالاة لها، فمعنى ذلك ان الرفيق انعام رعد تورط في صفقة، تساهل فيها في شؤون مسؤوليته القومية الاجتماعية، لحساب مسؤوليته كشقيق.  ثم أن تقدم الرفيق انعام بالشكوى على نفسه لا يقدم اسبابا تخفيفية.

ولقد اجمعت الشهادات ان الرفيقين صبحي ابو عبيد وانعام رعد سلكا منذ البدء، مسلك من فقد الايمان بقضيته فلم يعد يشعر باية مسؤولية تجاهها، لينصرف فكرا ووجودا وعملا الى الذات ومسؤوليته تجاهها.  ولقد بلغ بالرفيقين صبحي ابو عبيد وانعام رعد، ان حاولا خدمة التحقيق على حساب رفقائهما وكل شي.  ، فكشف  الرفيقان بشير عبيد وكذلك الرفيق ديب كردية، ان كلا من الرفيقين صبحي ابو عبيد وانعام رعد حاولا وبحضور المحقق، حملهما على الاعتراف بوجود مخزن اسلحة في بيت الرفيق اسد الاشقر، وان الرفيق انعام رعد حاول اثارة الرفيق بشير عبيد لحمله على هذا الاعتراف، بان دعاه الى عدم التستر على الرفيق اسد الاشقر مذكرا اياه بانه هو نفسه اي الرفيق بشير كان قد تقدم من السلطات الحزبية بدعوى على الرفيق اسد.

ان المجلس الاعلى لا يجد مناسبا تعداد كل مظاهر الضعف المخزي والتدني في مستوى النضالية الحزبية التي كشف عنها التحقيق بالنسبة للرفيقين انعام رعد وصبحي ابو عبيد.  ولقد قرر المجلس الاعلى ان هذا السلوك يستوجب عقوبة الطرد او عقوبة الحرمان من الحقوق الانتخابية مدى الحياة.

ولما كان الرفيق انعام رعد استدرك بعد التحقيق وحتى خلال المحاكمة الاولى وضعه، وعاد اليه ايمانه بقضيته يشده وينهض به من الهوة التي تردى فيها فوقف في الاستجوابات فيما بعد وفي المحاكمات يناضل في الدفاع عن الحركة القومية الاجتماعية وحركتها الانقلابية،  ولما كان الرفيق انعام رعد عاد، في الاعتقال، الى ممارسة نشاط حزبي بمسؤولية وجرأة، ووضع قلمه وجهوده في خدمة القضية إن بعقد الندوات او بكتابة التحليلات او بالاسهام في لانشاط داخل الحزب وخارجه، فإن المجلس الاعلى يقرر جعل عقوبة الرفق انعام رعد الحرمان ثلاث سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية مع التوصية بعدم اسناد مراكز قيادية تعبيرية له، خلال هذه الفترة (مسؤوليات مركزية، منفذ عام وما شابه).

اما الرفيق صبحي ابو عبيد فان ضعفه الذي قارب الخيانة قد رتب عليه عقوبة الطرد، الا ان المجلس الاعلى، يجد ان تدارك الرفيق صبحي لوضعه في السجن وحرصه على ان يعود ليكون في مستوى المعبر عن المسلكية القومية الاجتماعية السليمة والصمود النضالي الهاديء، يرتب للرفيق صبحي ابو عبيد ظروفا تخفيفية بحيث قرر المجلس الاعلى إلغاء الطرد وانزال عقوبة الحرمان عشر سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية مع التوصية بعدم اسناد مراكز قيادية تعبيرية خلال هذه الفترة (مسؤوليات مركزية، منفذ عام وما شابه).

اما الرفيق نجيب بولس فان المجلس الاعلى يدينه بالضعف في التحقيق وبرتب بحقه التأنيب الشديد.

في المخالفات والخروج الفكري العقائدي

 بعض الرفقاء انتهجوا، خلال التحقيق والمحاكمة والسجن، سلوكا يستوجب الطرح والإدانة.  الرفيق اسد الاشقر تحدث خلال استجوابه عن المدرسة اللبنانية في الحزب وانه صاحبها. ان المجلس الاعلى يدين بشدة مثل هذا التشويه لقضيتنا العقائدية الجاعل منها مدارس والجاعل من الرفقاء اصحاب مدارس، في قضيتنا العقائدية الواحدة، وفي صفوفنا النظامية الواحدة.

في الحزب السوري القومي الاجتماعي مدرسة واحدة هي المدرسة السورية القومية الاجتماعية  المعالجة للشان اللبناني معالجتها للشأن العربي والشأن الانساني بمنطوق عقيدتها ووعيها لطبيعة الوجود المجتمعي الانساني عن طريق التفاعل العقلي النظامي.  والقول بالمدرسة اللبنانية عدا انه خطأ وتشويه، يسجل ضعفا، بوصفه قولا انطلق بقصد استمالة السلطات او جهات معينه خلال المحاكمة.

أن المجلس الاعلى يدين الرفيق اسد الاشقر بالتأنيب القاسي آخذا بعين الاعتبار رفض الرفيق اسد الاشقر تمييز الحكم الصادر بإعدامه والذي غطى على مظاهر الضعف الظاهر في كلمته عن المدرسة اللبنانية وانه صاحبها، وعزز من معنويات الحركة.  والمجلس الاعلى يدين الرفيق اسد بالتفرد في المواقف اثناء السجن فافسح في المجال لظهور الخزب بمظهر من لا وحدة نظامية روحية تربط سلوك اعضائه في الاعتقال، وهو يدين الرفيق اسد الاشقر بالتأنيب القاسي.

اما الرفيق أسعد رحال فان ضعفه الخطير تجلى في طرحه ايمانه الحزبي العقائدي بشكل مغاير ويناقض القضية السورية القومية الاجتماعية وفلسفتها في الحكم والاجتماع والاقتصاد.  ان المجلس الاعلى يدين الرفيق اسعد رحال، عضو المجلس الاعلى، ان يستبيح لنفسه الخروج على مضامين العقيدة القومية الاجتماعية في معرض طرحه لما سماه هو عقيدته في معنى العمل الاجتماعي من امثال "اني احب ان اطبق نظريات فلسفة الغرب في كل مكان وليس في حزبي، وكانما العقيدة القومية الاجتماعية ليست نظرية اساسية في الحياة، "ان عقيدتي في معنى العمل الاجتماعي هي بحكم الفلسفة الغربية، الديمقراطية، الديمقراطية الغربية، انني اؤمن بالاقتصاد الحر، اين هو الاقتصاد القومي الاجتماعي؟".  والمجلس الاعلى يدين الرفيق اسعد رحال بانه في المحاكمة اوحى، على حد تعبير الرفيق سعاده بما يفيد انسحابه من الحزب، او بانه على حد تأكيد الرفيق بشير عبيد، أعلن استقالته.

والمجلس الاعلى يعتبر الخروج العقائدي في معرض التخفف من المسؤوليات طعنا بالقضية القومية الاجتماعية وبشرف الحركة ونضال مناضليها وتضحيات ابطالها بحيث يرتب على الرفيق اسعد رحال عقوبة الحرمان خمس سنوات تجريد من الحقوق الانتخابية والتوصية بعدم اسناد مهمة قيادية تعبيرية للرفيق اسعد خلال الفترة نفسها(مسؤوليات مركزية، منفذ عام وما شابه)

 قرارات الطرد

قرر المجلس الاعلى طرد المدعو توفيق العاشق من صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لخيانته.

قرر المجلس الاعلى طرد المدعو حميد شقير من صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لخيانته.

قرر المجلس الاعلى طرد المدعو فضل الله ابو منصور من صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لخيانته.

قرر المجلس الاعلى طرد المدعو محمد طباخ من صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي لخيانته.

قرر المجلس الاعلى تبرئة الرفيق رستم الضيقه من تهمة الخيانه.

قرر المجلس الاعلى ادانة الرفيق خضر ساسين بالضعف وادانته بالتأنيب القاسي.

خاتمة

ان المجلس الاعلى اذ يطوي ملف حدث عام 1961 بالادانات التي رتبها والعقوبات التي قررها، يجد من واجبه حيال النهضة وتاريخها ان يسجل ما كشف عنه حدث 1961 من مواقف الصمود والشجاعة والبذل في الالوف المؤلفة من الرفقاء في الوطن وعبر الحدود.  فبفضل هذا الصمود وهذه الشجاعة وهذا البذل امكن للحزب ان يمتص الضربة الساحقة التي وجهت اليه وامكنه ان يثبت ويناضل ليعود قوة فاعلة ساهمت في تحطيم الطغيان وتساهم في تسطير التاريخ الجديد لشعبنا وبلادنا.

ان المجلس الاعلى، في هذا الصدد يشير الى ما اسهم به صمود رفقائنا في الاسر، خلال التحقيق والمحاكمة والاعتقال في رفع المعنويات وشحذ النفوس بالعزيمة والبطولة والايمان.  وإذا كان المجلس الاعلى سجل تخاذل البعض المهين، فانه يسجل بكل فخر واعتزاز صمود الرفقاء الآخرين ومستواهم المناقبي القيادي الذي فرض الاحترام والمكانه والتقدير للحركة الصانعة للرجال والابطال.  والمجلس الاعلى ينوه بشكل خاص، بالرفقاء عبدالله سعاده الرئيس الذي عبر عن مستوى المسؤولية الرفيق مناقبيا ونضاليا، وبشير عبيد عميد الدفاع الذي كان قدوة مناقبية رفيعة في التعبير عن شرف المسؤولية ورجولتها، ومنير خوري الذي كان في المحاكمة وفي السجن قدوة مناقبية عززت ايماننا بالانسان الجديد.

لقد كان بود المجلس الا يغفل التنويه بالمطرود محمد بعلبكي لولا ان طرده قد طوى معه كل ما يستوجب الادانة او التنويه.

واذا كان المجلس الاعلى قد خص بالتنويه هؤلاء الرفقاء من بين مئات الرفقاء الذين وقفوا في المحاكمة والاعتقال يمثلون شرف الانسان الجديد وسموّه النفسي والمناقبي ومنهم الرفقاء العاديون الذين رفضوا في المحاكمة، وفي مواجهة احكام الاعدام، الا ان يسجلوا اعتزازهم بحركتهم والا ان يسجلوا مشاركتهم المسؤولية في تقرير الانقلاب واعداده ورفضهم لاي اعتبار لهم كعناصر ثانوية، في استمساك شديد واع بوحدة المسؤولية والمصير، فإن المجلس الاعلى تعمد ذكر اسماء بعض من كانت لهم مسؤوليات دستورية خصوصا وقد ترتب على المسؤولين الدستوريين احكامه بالإدانة والعقوبة.

إعلان العفو العام

ان المجلس الاعلى في حرصه على طي ملف 1961، يحرص، نظرا للضريبة الباهظة التي دفعها المناضلون الحزبيون، وفي طليعتهم الرفقاء الذين ادانهم المجلس الاعلى ورتب بحقهم العقوبات، ونظرا لسجل الشرف الذي نعتز به والذي خرجت به الحركة، من حدث عام 1961 وهي ازخر بالعز والكرامة، وللكثير ممن ادانهم التحقيق اثر كبير في هذا السجل، قرر اسقاط العقوبات المادية عن المحكومين المسؤولين الرئيس سعاده واعضاء المجلس الاعلى واعضاء مجلس العمد، بالعفو العام عنهم.

إن العفو العام بالحزب السوري القومي الاجتماعي يسقط العقوبة المادية ولكنه يبقي ما تمثله العقوبة م الناحية المعنوية، يبقيها تسجيلا معنويا على الرفقاء المسؤولين المحكومين بالادانة، كما يبقيها تسجيلا للحركة السورية القومية الاجتماعية في انتصارها للقواعد والمباديء والقيم على حساب الافراد ايا كانوا ومهما كبرت مسؤولياتهم القيادية.  وتبقى غير مشمولة بالعفو العام العقوبات الشخصية الصادرة بحق الذين مثلوا في ضعفهم نقطة خزي للحركة وهي العقوبات الصادرة بطرد العاشق، شقير، ابو منصور، الطباخ، وكذلك العقوبات الصادرة بحق الرفقاء انعام رعد، صبحي ابو عبيد، اسعد رحال، وعقوبة التأنيب بحق الرفقاء اسد الاشقر، نجيب بولس، خضر ساسين.

قرار صادر في 21/6/1972

رئيس المجلس الاعلى (حكمت زين الدين =عصام محايري )

صفحة رئيسة ] Up ] [ ملف المحكمة الحزبية ] ملف الطواريء ] من أوراق قومية ] بيان رئيس الحزب الرفيق يوسف الأشقر ] بيان المجلس الاعلى بإعفاء الرفيق يوسف الأشقر ] محاضر إجتماعات مديرية الشويفات ] نداء مجلس العمد في الثامن من تموز 1972 ] جلسة إستماع المجلس الأعلى لأسعد حردان ] إخبار ضد أسعد حردان الى النائب العام المالي من محمد مغربي ] رسالة من مسعد حجل الى عبد القادر قدورة ]

صفحة رئيسة
Up
ملف المحكمة الحزبية
ملف الطواريء
من أوراق قومية
بيان رئيس الحزب الرفيق يوسف الأشقر
بيان المجلس الاعلى بإعفاء الرفيق يوسف الأشقر
محاضر إجتماعات مديرية الشويفات
نداء مجلس العمد في الثامن من تموز 1972
جلسة إستماع المجلس الأعلى لأسعد حردان
إخبار ضد أسعد حردان الى النائب العام المالي من محمد مغربي
رسالة من مسعد حجل الى عبد القادر قدورة