لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

وجهة نظر

الخيمة

بقلم جواد نديم عدره

كتبها على أربع حلقات جواد نديم عدره وأرسلت إلينا عبر بريدنا الألكتروني

 

لو قارنا بين إعلام المعارضة أيام «خيمات الحرّية والسيادة والاستقلال» في ساحة البرج، وإعلام الموالاة اليوم مع «خيم حزب الله والمعارضة» في ساحة رياض الصلح، لوجدنا أن الفريقين «متفاهمان» على أن الاستحواذ على الأملاك العامّة لهدف سياسي هو أمر مشروع؛ فالمعارضة تُشرِّعُ عملها اليوم والموالاة شَرَّعتْ عملها بالأمس. وهذا «التفاهم» لا يتوقّف هنا بل يمتدّ إلى كلّ الأمور بما في ذلك التعدّي على الملك العام والمصالح العامّة. وإذا كان الاعتصام، سواء في الأمس أو اليوم، هو أمر مؤقّت ومبرّر وحتى مرحّب به لأنه ظاهرة احتجاج مدنية سياسية،  فما الذي يبرّر التعدّي على العام لصالح الخاص؟ كسب المال والطمع بالمزيد؟ ثم لمَ التمادي بشرعنة هذا التعدّي ليصبح دائماً بل رمزاً لا يجوز المسّ به؟

وبما أننا بالخيم، فلنبدأ بتعريف الخيمة وفقاً للسان العرب:

«البيت أو المنزل... إنما تكون من شجر فإن كانت من غير شجر فهي بيت...»

إذاً يمكننا أن نعتبر أن ما نراه حولنا من استحواذات (مهما كانت الأسباب) هو عملياً منازل وبيوت، وبالتالي أصبحت ملكاً خاصاً، فلبنان «مخصّص» منذ زمن، ولكلّ خيمته.

لبنان هو كناية عن خيمة لها ما لها وعليها ما عليها. أعوادها وعوارضها بالكاد مربوطة، ومشايخها ليسوا أهل الربط والحلّ فيها، بل حتى إنهم ليسوا أهلها. ولعلّ هذه الخيمة هي عنوان عريض للخيم الواقعية التي يقيمها هؤلاء الزعماء، فإذا بوطنهم يصبح خيمتهم، وعلى ظهرنا وبطننا وأحلامنا علت.

خيمهم أنشئت بالعادات والتقاليد والحروب والمواثيق، ثم بقوانين وقرارات ومراسيم يفترض أنها مؤقّتة، ولكن الواقع أنها هي الدائمة وما سمّي بالدولة هو المؤقّت الذي كان الإخراج الضروري لقيام هذه الخيم وديمومتها. وحتى لا يظنّ أحد من العرب أنه أحسن حال فهذا الكلام ينطبق عليهم أيضاً. ولنا في خيمة معمر القذافي رمز أُعجب به الغرب خاصّة، وبالأخص ساركوزي وبوش. نعم، بلادنا خيمة وفي هذه الخيمة بدوي وهذا البدوي هو نحن.

تبلغ مساحة خيمة سوليدير كأرض مسطّحة مليونين ومائتي ألف م2 تشتمل على خيم رئيسية عدّة، منها: السراي الحكومي التي أنشأها العثمانيون وهي اليوم ملك خاص «لأهل السنّة»، تليها الكنائس والجوامع ويتجاوز عددها 11 وهي ملك خاص لطوائفها، باستثناء الطائفة الشيعية التي لها حسينية في زقاق البلاط على تخوم سوليدير، ولها حديثاً خيمة مجلس النواب الواقع في ساحة النجمة سابقاً أو ساحة رفيق الحريري اليوم (هكذا يتعايش «الشيعة» و«السنة»)، وعلى النجمة السلام.

تأتي بعد ذلك خيمة «بيال» التي أنشئت مؤقّتاً كمقرّ لعقد مؤتمر الفرنكوفونية، ولكن «بيال» كبر وتوسّع والمؤقّت أصبح دائماً. ولا ننسى الخيم الأربع الضرورية (وإن غير كافية حتى لا ننسى الغطاء الأمني القمعي في الحرب الأهلية ومنذ الطائف) لما صار ويصير ولصيرورة لبنان الخيمة، و«الموالاة» و«المعارضة» على حدٍّ سواء: خيمة المصارف، الشارع الوحيد الذي لم تدمّره ميليشيات لبنان وفلسطين والعروبة والبروليتاريا والإمبريالية (هل عرفتم اليوم قدسيّة القطاع المصرفي؟)، وخيمة مجلس الإنماء والإعمار، رمز ما سمّي «مسيرة الإنماء والإعمار»، وخيمتا وزارتي المالية والاتصالات.

 وهناك خيمة لا يجوز نسيانها تدلّنا عليها سوليدير كما يلي: «يقع مبنى بلديّة بيروت بين شارعي ويغان وفوش ويشكّل معلماً مدنياً ومعمارياً يعود إلى العام 1934. وهو بناء يعود تصميمه إلى العهد المملوكي الجديد، والذي يسمّى أيضاً بالأسلوب «الشرقي» أو «العربي»، وهو تعبير يستخدم للإشارة إلى الزخرفات المختلفة في الإحياء الإسلامي التي تستعمل في المباني العامّة للتعبير عن هويّة المنطقة».

هوية المنطقة؟ لنرى:

«Foch»، فوش هو «جنرال فرنسا» الذي أشرف على ولادة خيمة لبنان الكبير وعلى استسلام الألمان في فرساي إثر الحرب العالمية الأولى. أما «Weygand» ويغان فهو الجنرال الذي سارع بالاستسلام لألمانيا في الحرب العالمية الثانية. أما بيبرس المملوكي فقد هزم آخر ولايات الفرنج في أرضنا. وشارع ويغان هو امتداد لشارع عمر الداعوق والذي قيل إن ايفانا ترمب «صمّمت» عليه برجاً، كل ذلك على مرمى حجر من شارعي عبد الحميد كرامي وسعد زغلول.

وبعد، لماذا يضيق البعض بـ «خيمات الحرّية» و«خيم المعارضة»، خاصّة أن أرباح سوليدير بلغت نحو 132 مليون دولار معفيّة من الضرائب (2006)؟

ولذا، أهلاً بخيم إضافية تحمل شعارات سياسية لا مالية، مثل خيمة المفقودين أو المقتولين في لبنان أو المسجونين في سورية ومكانها حديقة جبران خليل جبران أمام خيمة بيت الأمم المتّحدة الذي تبلغ كلفته علينا أكثر من 8 مليون دولار سنوياً.

«في بيت أبي منازل كثيرة»، ولكن ترى لماذا لم يتّسع هذا البيت لآثار فينيقيا وروما وبيزنطية والإسلام؟ فلا عصر برونزي ولا حديدي ولا حتى «ترامواي» أو «طنبرجي» أو «عَرّاب» ولا خيمة واحدة للذين فُقدوا على حواجز زعماء المليشيات اللبنانية، لنشعر أننا في عاصمة لها ذاكرة.

وقد ينعشنا نحن الـ 12,000 مستثمر وتاجر، وخاصّة القلقين منا على أعمالهم ومصيرهم (وهذا حقّهم)، عندما «نأتي إلى سوليدير»، أن نتذكّر ساحة البرج وباب إدريس كما كانا وأن نذكر أكثر من 100,000 إنسان كانوا هنا.

ترى متى اكتشف أحدُ «أهل السنّة» من شمال لبنان الشيعة؟  «ارجع لا تلعب مع هؤلاء  «المتاولة»» قالت السيدة المعجبة بالكتائب للولد الضيف حين راح يستكشف منزلاً أشبه بخيمة لمزارعين في البترون. لم تكن تعلم هذه السيدة أنه سيأتي يوم تتحالف فيه  «القوات اللبنانية» مع  «أهل السنّة"، لكن لعلّها استشعرت شيئاً ما، خاصة أنها كانت من  «المؤمنات» أن لبنان  «يطير» بجناحيه المسلم (أي السني) والمسيحي (أي الماروني). وهكذا راح الولد يسأل عن  «المتاولة» ويبدو أنه اكتشف ما لم تكتشفه الأنظمة العربية حتى الآن، أن في العالم العربي شيعة (يا للهول) وأن في لبنان شيعة (Mon Dieu). وكان ذلك في العام 1970.

ترى هل كان من الضروري أن ننتظر مجيء الخميني في العام 1979 حتى نتذكر عليّ بن أبي طالب وننصفه؟ هل كان من الضروري أن يغزو بوش العراق لنكتشف أن في العراق شيعة؟ وماذا ننتظر حتى «نعترف» أن في دول الخليج العربي (لا الفارسي) شيعة؟

تعالوا نتذكر «قادسية صدام»(1) في العام 1980. يومها كانت الأنظمة العربية في أغلبيتها الساحقة، باستثناء النظام السوري، مؤيدة للحرب على إيران مستحضرين «للخطر الفارسي» على «الأمّة العربية». طبعاً غاب عن بالنا يومها أن الفرس هم اقرب إلى أن يكونوا أمّة، منا نحن مشايخ الخيم والمضارب والأتباع، والذين صفقوا لإعدام صدّام حسين في ما بعد، والذين كانوا من قبل مع إيران الشاه، وكأن الشاه لم يكن فارسياً ولم «يجبرهم» على أن يذكروا في خرائطهم عبارة «الخليج الفارسي.»

تعالوا نتذكر شارون يغزو بيروت في العام 1982. ماذا فعلتْ «الأمّة العربية» غير الكلام؟  وماذا فعل الفرس؟ أرسلوا جنوداً. أعلن الخميني أنه سيرسل متطوعين من الحرس الثوري الإيراني للدفاع عن لبنان (وطبعاً الجنوب؟) وإذ بالأعجوبة تحدث. صدّام حسين يقول إنّه يوافق على السماح لكارافانات الفرس أن تمر عبر العراق إلى سورية. هل قررت إيران والعراق وقف حربهما؟ طبعاً لا، هل قرر النظامان السوري والعراقي وقف حروب بعضهما ضد بعض؟ طبعاً لا. تفاهم الثلاثة على فتح معابر ومنافذ للحرس الإيراني ليحاربوا كمقاومة بالإنابة عن «الشيعة» و«السنّة» و«العرب» و«الفرس» أجمعين(2).

هل كانت الخيم مرحّباً بها في بعلبك آنذاك، وليس في بيروت؟ ولا في طهران ولا في دمشق وطبعاً ليس في واشنطن.

ولنستذكر مؤتمر الطائف في العام 1989 والحكومات المتعاقبة بعده. يومها كان قسم كبير من الجنوب محتلاً، ويومها كان لبنان «يستفيق» (ربما) من حرب أهلية دامت نحو 15 عاماً والضحايا بين قتيل وجريح ومهجّر بمئات الآلاف، وأرسلت طهران جنوداً بموافقة تركية وعربية إلى مطار دمشق ثم إلى بعلبك.

ماذا فعلنا؟ قررنا أنّ الجنوب، وإن كان جزءاً  (عزيزاً طبعاً) من لبنان فهو ليس محتلاً، ولبنان ليس محتلاً. هناك فقط «شريط حدودي» محتل، لا يهم إذا كان هذا الشريط يشتمل على 115 قرية وبلدة فهؤلاء مجرد شريط. وإذا أراد أهل الجنوب، والذين صادف أنهم شيعة، التحرير فهذا شأنهم. وإذا قررت إسرائيل غزونا وإرسال طائراتها فوق رؤوسنا حين تشاء فهذا أيضاً شأنها.

وكذلك قررنا أن زعماء الميليشيات الذين ارتكبوا فظائع الحرب هم أنفسهم سيقودون لبنان إلى مستقبل أفضل وبالتالي لا حاجة لاستذكار الحرب ولا للبحث عن أسبابها ولا لعملية مصالحة وغفران حقيقية.

واقتضت العبقرية اللبنانية-السورية-العربية الأميركية الأمم متحدية، حلاً رائعاً جداً. نُلزّم «خيمة المقاومة» للشيعة ونلزّم «خيمة الإنماء والإعمار» للسنّة، وما بينهما خيم رمضانية تلتقي فيها «الشعوب اللبنانية» للتقوى والتعايش والرقص معاً.

أما الأحزاب العلمانية فلتدخل أو تحلم بالدخول إلى النيابة والوزارة حيث تستطيع أن تلتهم موارد الدولة كغيرها من الطوائف، وتستطيع أن تستذكر سناء المحيدلي وبولا عبود وسهى بشارة(3) حين تشاء. أما إدارة الشؤون القومية العليا فلنلزمها لأجهزة المخابرات حيث العقول النيّرة والعبقرية التي اكتشفت أن أهم خليّة في مجتمعنا هي العشيرة والطائفة نبني عليهما مقاومة حين نشاء، و«عشائر صحوة»(4)، حين يشاء غيرنا. ترى ألم يكن يعلم «صاحب اللعبة» واللاعبون أن أهل الجنوب هم من الشيعة وبالتالي مقاومتهم ستستقي وتستمطر مداً وارتدادات شيعية، من وإلى إيران؟

ترى ألم يكن يعلم «صاحب اللعبة» واللاعبون أنه حين تكون « المقاومة شيعية»، مهما كانت الأسباب وجيهة، أن الأمور في لبنان والعالم العربي ستستقي أو تستمطر ارتدادات «سنّية» من وإلى المملكة العربية السعودية؟

ترى ألم يكن يعلم «صاحب اللعبة» أنه حين يستباح لبنان وعنجر، عبر عنجر(5)، أن هذا سيستمطر حكماً ردوداً وأفعالاً ضد سورية نظاماً وشعباً؟

ترى ألا نعلم جميعنا اليوم أن المحور الأساسي هو واشنطن-تل أبيب، وهو المنظم حيناً والمستفيد دائماً من كل هذه الترددات؟

وهكذا يواجه حزب الله اليوم تحديات كثيرة:

-   «إن أردتموها حرباً مفتوحة فلتكن حرباً مفتوحة.» والسؤال هو، لماذا إعطاءهم ما يريدون؟

-   «المقاومة الإسلامية،» والسؤال هو، لماذا هي إسلامية وليست عربية أو وطنية وكيف هي ليست شيعية؟ هل تتسع «خيمة المقاومة» على سبيل المثال لصور محمد حسين فضل اللّه وصبحي الصالح وريمون إدّه وغريغوار حدّاد وأنطون سعادة وجورج حبش وجمال عبد الناصر مع صور الخامنئي واحمدي نجاد؟ مع أن لبنان يكون أجمل دون صور وشعارات. وهل يتذكر حزب الله يوسف العظمة(6)، مجاهداً خارج الدين والطائفة؟

-   متى ترفع صوراً لغاندي ونلسون مانديلا كبدايات في تلمّس طريق أوسع وأشمل وأسلم؟

إن «صاحب اللعبة» أو اللاعب يستطيع أن يحسن الأداء وأن يسجل نقاطاً، ولكن «صاحب الرؤيا» هو من يغيّر الملعب، وكذلك قواعد اللعبة.

(1)   حرب القادسية، انتصر فيها الجيش العربي على إيران (حوالي 630 بعد الميلاد).

(2)   يمثّل هذا بداية حزب الله رسميًا في لبنان.  

(3)   سناء المحيدلي (الحزب السوري القومي الاجتماعي)، لولا عبّود وسهى بشارة (الحزب الشيوعي اللبناني)، «مقاتلات علمانيات» ضدّ إسرائيل في العام 1985. استمرّت العداوة  بين هذه الأحزاب وحزب الله حتى طغى الأخير على الساحة.

(4)   تشتمل على تنظيمات «عشائر سنّية» في العراق بدعم من الولايات المتحدة الأميركية.

(5)   المقرّ السابق للمخابرات السورية في لبنان والذي كان يزوره معظم السياسيون اللبنانيون بشكل منتظم.

(6)   قائد للجيش العربي، قُتِل في معركة ميسلون عام 1920.

ترى ماذا جال في بال سعيد جنبلاط وهو مسجون في السراي الكبير في العام 1860 متهماً بقتل آلاف الموارنة؟ ها هو الموفد الإنكليزي يطمئنه أنْ «اتهم خورشيد باشا العثماني(1) بأنه المحرض لنحاكمه دولياً وستبقى صديقنا.» «ماذا فعلتُ؟» قال لنفسه، انتقمتُ لشرفنا من البطريرك الماروني وأتباعه. هم بدأوا والبادئ أظلم. ماذا فعلت أختي نايفة، سوى أنها استجابت لرغباتي بقتل بعض مسيحي حاصبيا؟ لا، لن أبيع صديقي خورشيد فشرفي لا يرضى. لا، لم يضحك الإنكليز عليّ فهم أصدقائي... هؤلاء الموارنة الملعونين... وهكذا جاء موته بالسل ليخلّص الجميع بما فيهم نفسه المعذبة.

ترى ماذا جال في بال كمال جنبلاط في العام 1975، ولبنان يشرف على حربه الأهلية؟

«أنا هنا سيد المختارة»… فلا بد للمرء أن يكون سيداً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك أن معنى كل حياة هو أن يكون المرء سيد نفسه،» (2) يقول كمال جنبلاط.

ترى إذاً ماذا كان يدور في الرؤوس حين رُفع العلم الفرنسي في العام 2006 في أعالي خيمة الدروز في المختارة؟ وكذلك حين رفع العلم الإنكليزي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ثم العلم الفرنسي في نصفه ومرة أخرى في القرن الواحد والعشرين. كل هذا لا ينتقص من السيادة ولا من الاستقلالية، «فالدروز لم يحتاجوا يوماً إلى حماية (كالموارنة وزعمائهم)» (3)، يكمل كمال جنبلاط.

وهكذا يمكننا أن نتخيل أنّ رفع الأعلام الأجنبية واستطراداً صور رؤوساء وملوك الدول الأجانب أو «غير اللبنانيين» من قبل زعماء لبنان هو سلوك عادي شبيه بما يفعله اللبنانيّون خلال لعبة كرة القدم، فأنت مع ألمانيا نكاية بجارك المؤيد لفرنسا أو أنت ببساطة تعشق الاحتفالات فتقتنص المناسبات. أم ترى يعود الأمر لما هو أعمق، أي الإنتماء؟ وقد تكون المسألة في الإنتماء الأساسي «للأنا» المتزعمة على مجموعة معينة يرتبط مصيرها بهذه «الأنا» عبر شبكة المصالح والترهيب والترغيب المتوفرة ضمن النظام القائم. والمسألة تتعلق أيضاً وحكماً بهذا الشبق الجارف للسلطة والذي يعكس خوفاً موروثاً بحيث يكون الإنتماء للذات هو الأساس. فنحن مع سورية لأنّ «لبنان جزء من سورية»، ومع مصر لأنّ مصر هي «البعد العربي» ومع فرنسا لأنّها «أم الثورات» ومع بريطانيا لأنّها «أم الديمقراطية»...واليوم ضدّ إيران لأنهم «فرس»، ومع أميركا لأنّها «قوة عظمى» و«راعية الديمقراطية». وبالتالي رفع علم هنا أو شعار هناك لا يعني تقلباً أو تبديلاً في الإيديولوجيات، بل انتهازاً لفرصة أو حفاظاً على مكسب.

إذاً «أنا سيد» وإن رفعتُ علم دولة أجنبية فوق منزلي، و«أنا مواطن»، وإن رفعت علم ألمانيا أو البرازيل تأييداً لفريقيهما، وكذلك حين أرفع صور المرشحين إبان الانتخابات. ولعلني أكثر صدقاً في لعبة كرة القدم إذ أني «أدفع» ثمن الأعلام بينما غالباً ما «أقبض» لرفع صور المرشحين. و«أنا حرّ»، ولستُ تابعاً رغم هذا كله «فقانون الخيمة» يقتضي هذه المظاهر، بما في ذلك إطلاق النار ابتهاجاً أو حزناً حيناً، وقتلاً أحياناً.

وأنت أيضاً لا تخطئ وهناك أسباب تخفيفية، بل وحكمة في أخطائك، وذنبك دائماً مغفور:

«ومن بين مشاكلنا كدروز هناك مشكلة وجود جماعة درزية في إسرائيل وهؤلاء الدروز ليسوا كما يحكي البعض، خدماً أو أوفياء للدولة اليهودية. ولكن الدرزي لديه من الحكمة ما يجعله لا يتخلى عن أرضه متى جاء المحتل...فالدروز عقلانيون...وأعتقد شخصيًا أنه ولو أنّ الآخرين قلدوا الدروز بدلاً من الهرب، كان هناك مشكلة إسرائيل...» (4) يقول كمال جنبلاط.

إذاً دروز إسرائيل حكماء في الوقت عينه الذي نَصِف فيه موارنة لبنان بالانعزاليين وأسوأ.

فالعدو هو الآخر (أيام كمال جنبلاط كان الموارنة هم العدو):

«إن خطيئة لبنان العظمى (أو كبيرته) هي روحية التعصب التي حملها الموارنة... يعرفون دائماً كيف يتملصون... إنهم شطار... لا يتراجعون أمام أي تضحية بكرامتهم الشخصية... والسجود أمام المتمول لتغيير حذائه... إنّهم يمارسون تجارة الرقيق...» (5) يقول كمال جنبلاط.

كم كانوا شريرين هؤلاء الموارنة، أما اليوم فهم ممتازين. العدو اليوم هم الشيعة.

ترى هل كان يعلم «الرواد (أول المطلعين على أسرار الدين) الأوائل والذين استقروا في واد التيم (راشيا-حاصبيا)، حيث وجد الدروز فيه المهد الحقيقي الذي حضن مذهبهم ومن وادي التيم راح الدروز يتسللون باتجاه هذه المنطقة الشوفية مزيحين عنها الشيعة الذين سبقوهم إليها...»(6)، هل كانوا يعلمون أن الشيعة سيبقون وسيعاودون انتشارهم نحو الشوف؟ وهل كان الشوف يا ترى آنذاك هو ذاته جغرافياً «شوف اليوم»؟ وماذا عن جغرافيا وديموغرافيا «شوف المستقبل»؟

وهل كانوا يعلمون أن «لغة العقل» تتعطل؟ فالعدو حيناً الموارنة، وأحياناً السنة واليوم الشيعة وغداً لناظره قريب؟... وليأتي سقراط وأرسطو ويتعلّما لغة العقل في خيمتنا، علّهما وبالتعاون مع «الشرعية الدولية» سيتمكنا من إيجاد حل يسمح لنحو 100,000 «مقترع درزي» بالموافقة على قانون انتخاب «يحقق المساواة» بحيث يستمر سليمان فرنجيه راسباً في انتخابات حاز فيها على نحو 83,000 صوت وتتمكن «خيمة الدروز» بمئة ألف مقترع من الحوز على نحو 15% من خيمة مجلس النواب (بمن فيهم نائب في طرابلس ولكن ليس من طرابلس)، وذلك دون إغضاب حلفاءهم من الموارنة والسنة. كل هذا في الوقت الذي نحاضر فيه عن بناء الدولة، ونمنع فيه شراء الأراضي لكل من هو غير درزي بحيث يبقى الشوف صافياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الدستور اللبناني والمساواة بين سائر المواطنين بالطبع «فالدستور فوق كل شيء»!...

وإذا كان وصار ودخلنا حرباً أهلية وقَتَلنا في قرية بريح وقُتلنا ثم قَتَلنا في قرية كفرمتى فلتُدفع أموالاً للقاتل تماماً كالمقتول (وربما أكثر)، (من جيب الناس طبعاً ولا بأس أن نستفيد من الفرصة أيضاً وأيضاً) وإذا سُئلنا عن الحرب أجبنا «صحيح (الحرب جريمة)... لكن ما سبب هذه  الحروب؟..»

ترى ما سبب هذه الحروب؟ فلنفتش كل منا في خيمته، قبل خيمة الآخرين...

 

(1)             مفوّض عثماني في سورية ولبنان

(2-3-4-5-6)   من كتاب كمال جنبلاط، «لأجل لبنان» Pour le Liban, Stock 1978

 

روى لنا كتاب التاريخ أنّ الحرب بين الدروز والموارنة في العام 1860 اشتعلت بسبب عراك بين ولد درزي وآخر ماروني في بيت مري، وذلك في 30 آب 1859. أما حروب الأربعينات، يقول كتاب التاريخ، فقد بدأت بحادث صيد لطير أو حمامة أو دجاجة من قبل أحد موارنة دير القمر وذلك في حقل صيد عائد لآل نكد، وكان ذلك في 14 أيلول 1841. وهناك روايات أخرى تدور دائماً حول خلاف شخصين أو حادثة صيد. وهكذا، يبدو أنّ الزعماء المتحاربين والذين ساهم أحفادهم أو أتباعهم فيما بعد بكتابة هذا النوع من «كتاب التاريخ»، قد توافقوا على تبسيط المسائل الخلافية بينهم، بحيث يبدون هم المُصلِحون بين شعوب جاهلة تتقاتل حول أسخف الأمور.

هكذا يتبرأ زعماء السياسة والدين من جرائمهم ويضمنون إمكانية ارتكابها دائماً دون مساءلة.

نحن اليوم في خيمة الموارنة. ولكي نفهم حروب أربعينات وستينات القرن التاسع عشر، قد نضطر للعودة إلى نظام الذمة ودفع الجزية وهذا مهم للبحث (في وقت آخر). ولكن يبدو أنّ السبب الأساسي في تأجيج مشاعر الدروز ضدّ الموارنة والعكس، كان الأجنبي.

فالزعماء الموارنة ساندوا حملة محمد علي، وحاربوا معه، وبطشوا بالدروز في جبل لبنان وفي جبل الدروز وبشراسة. وقد اعتبر سيدهم البطرك آنذاك أنّه يساند فرنسا التي كانت تساند مصر، وكان الإنكليز بالطبع يساندون الدروز. ويروى الكولونيل تشرشل أنّ فرنسا دفعت للبطريرك حبيش في أوائل الأربعينات 20,000 ليرة (1) وشجّعته على شراء السلاح ومقاتلة الدروز. وينقل عن الكولونيل روز أنّ الرهبنة المارونية وبكركي كانتا على استعداد للتسبب بحرب أهلية في سبيل السيطرة على الجبل.

وكان ما كان، «والدروز عليم اللّه ما قصّروا»...

وعادت الكرّة في العام 1860، حين كان الصراع بين فرنسا وإنكلترا في أوجّه، وكان آل الخازن على اتصال بالإنكليز وعبرهم بالعثمانيين، وكان البطريرك بولس مسعد يكرههم، (يقال لأنه فلاح ولأنهم أرستقراطيون). ومرّة أخرى، تخيّل «الموارنة أنّهم أقوى مما هم على الواقع»، كما يقول تشرشل، ومرّة أخرى «الدروز عليم اللّه ما قصّروا».

هل تعلمنا أو تعلّم زعماء الموارنة دروساً ما من هذا؟ طبعاً لا، «فرنسا أمنا الحنون، واعتزوا يا لبنانيي!»

ولم يعتز اللبنانيون الموارنة طبعاً كما اعتزوا في العام 1920 يوم أعلن غورو قيامة لبنان الكبير.

وكانت الخيارات ثلاث: بقاء جبل لبنان بحدوده الجغرافية أبان السلطنة العثمانية أو ضمّ مدن طرابلس، صيدا وصور إليه والأقضية الأربع، أو انضمامه إلى دولة فيصل العربية وعاصمتها دمشق.

قيل لنا:اختار البطريرك الياس الحويك الخيار الثاني. وعاش زعماء الموارنة عهدهم الذهبي مواصلين خلافاتهم واتصالهم بالأجنبي والاستقواء به على الطوائف الأخرى وعلى بعضهم.

وكان هناك اتصالات ومعاهدات مع الوكالة اليهودية كالسعي لوطن مسيحي في لبنان بالتوازي مع وطن يهودي في فلسطين وذلك برعاية البطريرك عريضة والمطران مبارك وبمؤازرة الأطراف السياسية المارونية المتصارعة (2).

وقد علّق زعماء صهاينة على أنّهم شعروا بالإحراج أنّ الأطراف المتصارعة المارونية كانت تتصل بهم وإذ سرّهم ذلك، فإنهم لم يجدوا مصلحة في تأييد طرف معين دون الآخر. أما بناء لبنان الدولة فبقي كلام بكلام.

ورغم سعي البطريرك عريضة الحثيث لإعلاء شأن الموارنة، وفقاً لما يراه، فإنّه لم يتمكن من رأب الصدع مع أهالي زغرتا، هو الآتي من بشري، فكانت مظاهرات في الشمال تردد:

«البطرك عريضة تركنا

وعبد الحميد كرامي بطركنا!»

وظلّ إميل إده أداة يؤيد فرنسا وبشارة الخوري إنكلترا.

ولقد تميّز البطريرك معوشي في الخمسينات عمن سبقه بمحاولته رأب الصدع مع العرب أو العروبيين، ربّما بسبب خلافه مع كميل شمعون. فكانت هناك مظاهرات تردد:

«وفود الجبل والساحل جايي تحتج

بدنا بطرك ببكركي ما بدنا حج!»

وفي العام 1975، روى كميل شمعون وبيار الجميل إلى ريمون إده أنّ وقت الحسم قد حان وأن هذه المرة «سيكون معنا دولة مجاورة». ولما سألهما من؟  قالا إسرائيل.

ولكنّ كميل شمعون تميّز عن الآخرين جميعاً بصراحته حين التقى بيغن في منزله في القدس وأخذه جانباً ليقول له: «دعك من الضفة وغزة، لا ترتكبوا خطأنا»، مذكراً بأنّ دولة لبنان الكبير ما كان يجب أن تشمل الشمال والجنوب والبقاع، ناصحاً إياه «بتخفيف الحِمل». وأكمل يقول له أنّ الخيار لم يكن للبنانيين بل أنّ «الفرنسيين أجبرونا على إضافة تلك المناطق»، وكان ذلك في العام 1978 (3).

وأيضاً لعلّ الوقائع التي أوردها بول عنداري في كتابه «هذه شهادتي»و«الجبل... حقيقة لا ترحم» (4)، ما يعبّر عن دور الأجنبي (هذه المرة الإسرائيلي)، حين قال الضابط الإسرائيلي إلى ممثل القوات: «سننسحب واقتلوا بعضكم.» ويورد عنداري لائحة بنحو 117 قتيلاً من مقاتلي القوات اللبنانية، قتل معظمهم بين 4  و5 أيلول 1983، ليقول:

 «ما من صليب سيرتفع من دون سيف

  وما من سيف سينتصر من دون صليب»...«كلّ شيء يتوق إلى اللّه»

لنتعمق جميعاً في هذه المعاناة الصادقة من ناحية وفي هذا الانفصام المرعب من ناحية أخرى.

وما دمنا في الحرب الأهلية، فلنقرأ ما كتبته رجينا صنيفر في كتابها «ألقيت السلاح» (5)، والذي يبدو أن قتل المسيحي للمسيحي أو بالأصح الماروني للماروني وليس القتل بحدّ ذاته الذي دعاها لزيارة البطريرك صفير في 1986 لتقول:

«بصوت مرتجف، أخبرته عن المختفين والجثث المكبّلة بالأثقال التي ترمى في البحر. لم يظهر أي تعبير على وجه البطريرك. تابعت الكلام وكان لدي الانطباع أنّ كلماتي تنطفئ في هذا الديكور الثلجي. وتبعت ذلك فترة طويلة من السكوت... وفهمت أنّه حان وقت الانصراف.»

وقد نقل بول عنداري عن شارل مالك (مرشده الروحي) قوله في دير مار موسى الدوار في تموز 1981:

«إني أجزم أنّ ما سيقرره المؤرخون في جامعات فرايبورغ... واكسفورد... وهارفاد في السنة 2030 هو أن هذه الحرب كلّها دارت حول مصير المسيحية الحرّة في لبنان... هل لنا نحن المسيحيين الأحرار، مستقبل بعد في لبنان؟ هذا هو السؤال!»

نعم لنا جميعاً مستقبل حين نصبح مواطنين وعلمانيين نؤمن بالديموقراطية الحقيقية، ولا نتقاتل بسبب دجاجة أو مقعد نيابي أو وزاري، ولا نقوم بقداس على نيّة فرنسا ولا نسمي شوارعنا بأسماء من احتلنا بدءاً بشوارع غورو وفوش وكليمنصو.

وعندما نسأل كيف يبرر القتل باسم المسيح، وخاصة من أمثال شارل مالك وبعض كبار رجال الدين الموارنة. وحين نفهم أنّ ما يسمى الانقسام المسيحي اليوم ليس جديداً، فقد كان بين آل الدحداح وحبيش والخازن في القرن التاسع عشر، واستمر بين بشارة الخوري وإميل إدة وريمون إدة وكميل شمعون وفؤاد شهاب وسيبقى... ولعلّ السبب أنّ المسيحيين ليسو شعباً واحدا وليسوا جماعة منعزلة بل فيهم أطياف وقدرات كما في كل البشر، لكن زعماءهم فشلوا في بناء الدولة حين جاءتهم الفرصة.

هل هناك من يتمكن من رسم أفق جديد، أم أنّ الخيمة ستسقط على رؤوس أصحابها؟

(1)   (Affairs of Syria, London, Printed by Harrison and Sons) لنفهم حجم هذا المبلغ، علينا أن نتذكر أنّ أجر الفلاّح اليومي كان 1,2 قرش مما يعني أنّ 20,000 ليرة تساوي ملايين الدولارات اليوم.

(2)   لورا زيتراين ايزنبرغ، «عدوّ عدوّي»، ترجمة فادي حموّد، الطبعة الأولى 1997

(3)   دايفد كميخي، The Last Option (الفرصة الأخيرة)، 1991

(4)   مسؤول عسكري سابق في القوات اللبنانية، له كتب «هذه شهادتي» (2006) و«الجبل...حقيقة لا ترحم» (1999)

(5)    رجينا صنيفر، «ألقيت السلاح»، باريس 2006

صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
الخيمة 1-4
الخيمه 5
الخيمه 6
الخيمة 7