|
خليل حاوي بعد خمسة وعشرين على درب الشعر قاتلاً
ومقتولاً
بقلم
سليمان بختي
خمسة وعشرون
عاما، ولم يزل خليل حاوي (1919 – 1982) على درب الشعر
والهوى قاتلا ومقتولا. منذ ربع قرن وقف الشاعر خليل حاوي
في قلب الليل المدلهم على الامة واطلق على نفسه النار.
اراد ان يرد عن هذه الامة الذل والهوان وعار سقوط اول
عاصمة عربية في يد الاحتلال الاسرائيلي. وقف على شرفة
منزله في شارع المكحول – رأس بيروت، المطلة على المتوسط،
ونظر الى اقصى القوم وقال كلمته الاخيرة قبل ان يلفظ الفجر
بياض روحه. اناخ برأسه الى زاوية الشرفة لينزف الدم قرب
البالوعة ويتسرب منها حتى لا يعذب امه العجوز (ام خليل)
بالتنظيف. لكنه لم يدر ان الرصاصة التي اخترقت رأسه اخترقت
الامة، وان دمه تسرب وانتشر في ضمير الامة.
اراد خليل حاوي ان يكون الجسر الذي قال عنه في قصيدته:
"يعبرون الجسر في الصبح خفافاً/ اضلعي امتدت لهم جسرا
وطيد/ من كهوف الشرق من مستنقع الشرق الى الشرق الجديد/
اضلعي امتدت لهم جسرا وطيد".
في حزيران 1982 كان العرب يتفرجون على المونديال ويختارون
الصلح والتفاوض والاعتراف...
المهم، عبرت مياه كثيرة تحت الجسر. ولكن قبل ان يصل خليل
حاوي الى ذلك الخيار المر كانت سبقته اليه وحدته وألمه
وخيبته. سبقته بمسافة ابعد بكثير من 6 حزيران 1982 يوم
انتحاره الاخير.
بعد خمسة وعشرين عاما تأتيني صور كثيرة عن استاذي خليل
حاوي كأنها غدا، كأنها البارحة، كأنها اليوم. امشي معه في
حرم الجامعة الاميركية ويتحدث عن كيمياء اللغة وعن الشعراء
المنحلين وشعراء الحضارة. او حين يتناول كتابه المترجم عن
الانكليزية حديثا حول جبران ويفلفشه مزهوا. فأساله: لماذا
اخترت جبران موضوعا لاطروحتك للدكتوراه، فيجيب: "كنت
منهمكا بالشعر والهوى وكان جبران الاسهل فاخترته".
اتذكر محطات كلامه... كل جملتين او ثلاث يقول: "عرفت كيف
شكل...: واسأله عن قوة البناء في قصيدته المعمارية فيجيب:
"انا بالاساس شغلتي معمرجي شقق حجار".
كان التزامه الثقافة العربية عاليا وساميا وحقيقيا. كان
يأسى لتلاميذه الذين ذهبوا الى جامعات الغرب، ويكتبون
الاطروحات حول العاميات واللهجات. يفرحه احيانا موال او
اغنية تذكره بقريته الوادعة ضهور الشوير. او حين يلتقي
عشبة او نبتة يعرفها منذ طفولته او مرت عليها يده او عيناه
في الذكرى. كان قلبه وحيداً وكليلا ولا يحييه سوى مجد
الامة او سطوع القصيدة، وكلاهما انحدر بعيدا. ولكن هل
يستحق الامر المجازفة في الشك والخطر والوحشة؟ لا اعرف
ماذا رأى في النفق. لم يكن هناك طريق آخر. حياة اخرى. قال
في سره وعلنه هذه آخر ليلة. آخر فكرة. آخر غرزة في القيد.
آخر ضوء في العين. وخليل من النوع الذي لا ينتظر اجله بل
يذهب اليه. وتساوت عنده الاشياء. ووصل اليه المتنبي قبل
الف عام حين قال:
وأنَّى شئتِ يا طرقي فكوني
اذاة او نجاة أو هلاكا
بعد كل هذا الوقت، لم يزل خليل حاوي في موته وشعره وحريته
لغزا ووهما ونهرا من الرماد.
6 حزيران 1982 – 6 حزيران 2007. |