|
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا
والنحن(2004)
بقلم منير حيدر
على ضؤ المقال الذي كتبه الرفيق فرنسوا نعمه بعنوان: "أن أحسب أحدا! أن
تحسب سوريا واحدة! أن أحسب واحدا سوريا"*، وبناء على رغبة عنده للحوار،
أسوق هذه المداخله التي ربما تكون بدورها حافزا لمزيد من الحوار
والبحث.
لا، ليس أنت من يعاني أو يجب أن يعاني تنازع "الانا" و"النحن"، ففي
حسابي أنك تخطيت مثل هذا النزاع عندما تكونت عندك معرفة وجودنا وحقيقة
هذا الوجود، فدخلت عالما جديدا في مفاهيمه، جديدا في تطلعاته وجديدا في
طرق ممارسة حياته. فحولت هذه المعرفة الى أيمان ونمط
حياة جديدين. في الوجود الجديد المتكشف لنا (طبعا عبر عمل
العقل وفعل الإدراك) لا يوجد تناقض بين الأنا والنحن، خاصة عند
الذين تحولت عندهم المعرفة والإدراك الجديدين الى إيمان راسخ ومتأصل.
النزاع بين الأنا والنحن هو من مميزات المجتمع القديم، المجتمع المكون
من ترسبات مرضية تراكمت على بعضها البعض عبر قرون من الضياع
وفقدان الذات. في هذا المجتمع الملعون توضع الأنا في كفة والنحن
في كفة أخرى، حيث غالبا ما ترجح كفة الأنا على كفة النحن، فتضيف
إثباتا جديدا على عمق تخلف المجتمع القديم وتقهقره. وحدهم ضعيفوا
الأيمان، وحدهم المارقون، وحدهم المرتدون، وحدهم المدجِّلون، وحدهم
المتاجرون، تترهل عندهم إرادة الحياة الجديدة لتتغلب عليها إرادة
المجتمع القديم، فتختلط عندهم المفاهيم وينعدم الوضوح في الرؤية. وحدهم
هؤلاء يتهيبون زخم الحياة الجديدة وقوة متطلباتها وحاجاتها، فيتراجعون
ويتقهقرون. بعض قليل منهم صادق في عجزه حيث يملك جرأة كافية
للإعلان عنه؛ أما غالبية هؤلاء فهي مؤذية تغطي قبوات عجزها بسموات
قباحاتها وفذلكاتها.
في حقيقة وجودنا الجديد لا مكان للنزاع بين الأنا والنحن. في
هذا الوجود يحل التفاعل مكان التناقض، حيث تدرك الأنا مكانها في
المجتمع وأهمية هذا المجتمع لها لتحقيق ذاتها فيه وبه. في
المجتمع الجديد لا تكون الأنا خارج النحن أو فوق النحن ، بل تفعل من
ضمن النحن ومن أجل النحن. في المجتمع الجديد تدرك الأنا حدود
قدرتها وتدرك حتمية زوالها حيث لا تترك وراءها ما يدل عليها إلا ما
أنجزته من عمل وإبداع وخلق؛ وهي تدرك أيضا أن النحن هي التي تبقى
وتستمر، وهي التي تخزن ما أعطته من عمل وإبداع. النحن تقدم مداها
الرحب، بما فيه من تجارب وخبرات وغنى، لعمل الأنا، والأنا تنهل
من معين النحن، فتفجر نفسها إبداعا وعملا لا يحدهما سوى محدودية طاقة
الأنا وإمكانيتها. الأنا شجرة تنبت وتنمو في غابة النحن وتتجذر فيها،
وكلما عمقت جذورها في أرض النحن كلما تمادت أغصانها وشمخت في إتجاه
السماء. شموخ الأشجار في الغابة هو الذي يميزها ويدل عليها، وهي
لا تشمخ عاليا إلأ إذا أتجهت جذورها نحو عمق الأرض.
الذين تكونت عندهم المعرفة الجديدة لا ييأسون؛ نعم، هم قد يتذمرون،
لكنهم لا يسمحون لليأس أن يخالج نفوسهم أو يدخل صدورهم. هذا ليس
عائدا، طبعا، لسبب أيماني غيبي غير منظور، بل لإدراكهم لأهمية
المعرفة التي تكونت عندهم عبر عمل العقل وإسخدام المنطق وتفعيل
الإرادة. هم لا ييأسون لأنهم إختاروا الصراع عندما آمنوا
بالحقيقة الجديدة. إليس هم من يؤمنون أن الحياة صراع من أجل
الأفضل والأجمل والأكمل؟ أليس هم الذين يدركون قباحات المجتمع
القديم ورذالات حياته وقيمه، فقرروا الثورة عليه لتغييره ورفعه الى
منارات الحياة الجديد وآفاقها المشعة؟ صراعهم هو دليل أيمانهم، إذا
توقف يعني أن أيمانهم قد وهن أو أضمحل. هم يحملون صراعهم الهادف
ويستمرون فيه، ينقلونه من فرد الى فرد ومن جيل الى جيل.
حسبهم أنهم صامدون في صراعهم العنيف، وحسبهم أنهم يبقون مشعل صراعهم
مضاء ومشرقا، إيمانا وأملا أن يأخذ هذا الصراع بعده الأقوى ومعناه
الأفضل مع الأجيال الجديدة القادمة. ليس صراعنا صراعا
تقليديا له ما يشابهه من صراعات أخرى في العالم؛ إنه صراع فريد في نوعه
وطبيعته: فريد في القوى التي نحاول أن نحارب معها وبها، وفريد في طبيعة
القوى التي نواجهها ونحاربها. خياراتنا في هذا الصراع ليست
متنوعة أو وكثيرة؛ نحن لا نملك إلا خيارا من إثنين:
الإستمرار في الصراع أو الإستسلام. توقفنا عن الصراع يعني
الأستسلام أو الموت. أما إنتصارنا فهو نذيرلتوجيه الصراع في
إتجاه تحسين حياتنا وبناء مستقبلنا.
ليس هناك من "خارقة" أو إعجوبة من بقاء وإستمرار فكر سعاده حتى الآن؛
فسعاده لم يأت برسالته ليقول "اللهم إني بلغت"، بل صارع من أجلها
وعمدها بدمائه في وقفة عزٍ عزَّ نظيرُها في التاريخ. لذلك هو موجودٌ
أبدا في ضمير شعبنا وحياة مجتمعنا، ولذلك سيبقى خالدا في ضمير الأجيال
التي لم تولد بعد وفي حياتهم. ليس إستشهادُ سعاده حدثاً عادياً أو
حادثاً عارضاً، ولا هو مجردُ جريمة نكراء إرتكبها أوغادٌ حقيرون، بل هو
وقفةٌ رسوليةٌ تعبّرّ عن عظمة الفكر وعظمة المعرفة وصحة الصراع الناتج
عنهما. إستشهاد سعاده وضع الخط الفاصل بين الفكر والمعرفة
المجردة، وبين رسولية الفكر والمعرفة ودورهما في حياة الشعب والمجتمع.
لذلك سيبقى سعاده ما بقي المجتمع، معلما وهاديا، بما قدم من فكر وبما
قدم من عمل وقدوة. سعاده حول نفسه الى حقيقة صارخة، موجودة أبدا،
قوية أبدا، لا يمكن أن تخفيها قوة، ولا يمكن أن يطمسها باطل. هو
سبقى حقيقة ترهب المتخاذلين والضعفاء، ومصدر معرفة وقوة لإستنهاض
لشعبنا ومجتمعنا.
أعرف أنك تشكو وتتألم لما يغرق فيه مجموعنا من عجز، وأنا أتألم معك
وأشكو معك، لكن للعجز أسبابه التي لا يمكن أن يقضى عليه إلا بالقضاء
عليها. أن نغمض أعيننا عن الأسباب، أن لا نرى الأسباب، أن لا
نفتش بجهد عن الأسباب، معناه أن نبقى في حالة لا تسمح لنا في الرد على
التحديات وتغذية الصراع بالشكل التي نحب وبالقوة التي نريد. ليس
من الصراع بشيء أن نرى المثالب ونسكت عنها. الصراع لا يكون صراعا
إذا خالطته المثالب وداخله الفساد. أي سكوت عن المثالب، أي تعايش مع
المثالب، هو إضعاف للصراع وتحويله عن إتجاهه. أن نسكت عن
المثالب، هو إقرار بأننا عاجزون عن الصراع ونحن لسنا أهلا له.
أن نحسب سوريين، هو أن نكون سوريين أولا، نمارس كينونتنا بوعي وقوة
وإستمرار، هو أن نتخلى عن السكون الى العمل والفعل، هو أن نعرف ما
يتطلبه العمل والفعل وأن نعرف كيف نعمل ونفعل. الضجيج ليس عملا،
الصخب ليس عملا، ألإطلال من الأبراج العاجية ليس عملا. لا يمكن
أن يعترف بنا أحد قبل أن نعرف نحن أنفسنا وقبل أن نكون أنفسنا.
بدون العمل المناسب والجهد الدائم والدؤوب تبقى معرفتنا حلما يركض
أمامنا ونزحف نحن وراءه. أن نتمنى نصرا أو نجاحا هو غير أن نعمل
على تحقيق هذا النصر وهذا النجاح. الأنتصار هو فعل قوة.
القوة هي فعل العقل والجهد والإبداع والخلق. الآخر يقيسنا بما
نملك من قوة، ويحسبنا على حجم قوتنا، فإذا لم نكن أقوياء، وإذا لم نعرف
كيف نكون أقوياء، سننتظر طويلا جدا قبل أن نوضع في حسابات أحد.
|