|
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي
والإيمان (2004)
بقلم منير حيدر
نشر الرفيق فرنسوا نعمه مقالا بعنوان: "أن أحسب أحدا! أن تحسب سوريا
واحدة! أن أحسب واحدا سوريا"*، فتجاوبت مع رغبته في الحوار وكتبت
مداخلة سريعة تناولت فيها فكرة محددة من الأفكار التي وردت في مقالته،
وهي علاقة الفرد بالمجتمع من وجهة النظرة القومية الإجتماعية.
الرفيق فرنسوا عاد بدوره وكتب مقالة بعنوان: "أنطون سعاده والوعي بين
العلم والدين – دراسة مقارنه"*، طاب له فيها أن يصف المفهوم الذي
أستعملته في مداخلتي بأنه أقرب الى المفهوم الديني منه الى المفهوم
العلمي.
بالأضافة لإعتماد الرفيق فرنسوا في "دراسته" الآثار الكاملة للزعيم
كمرجع فكري، مقتطفا فقرات عدة من مقدمة "نشؤ الأمم"، يقول إنه
إعتمد فيها أيضا على علم تحليل النفس من سيغموند فرويد وجاك لاكان.
"دراسة" الرفيق فرنسوا نعمه هذه، تطرح امورا كثيرة سأتناولها في سياق
هذا الرد، منها الحاجة المستمرة لتوضيح القومية الإجتماعية كنظرة
شاملة، أصيلة ومستقلة، للحيلولة دون الفهم الإستنسابي الشخصي لها،
وتكوين فهم عام لها واضح وشفاف.
في بداية هذا الرد أرى أن أتناول إشارة الرفيق فرنسوا نعمه الى
التحليل النفسي بأنه علم، إذ هو يعرف قبل أن أعرف شخصيا( أنا لا أعرف
الرفيق فرنسوا شخصيا أو أي شيء عنه، ولكن عندي إنطباع بأن حقل إختصاصه
هو "التحليل النفسي")
بأن هذا الموضوع قابل للجدل حيث يعتبر كثيرون أن
التحليل النفسي هو فن أكثر منه علما. بالإضافة الى ذلك، علما كان
أو فنا، هناك شك كبير في صوابية مقولاته وفائدته. نستند في هذا
الرأي الى ما ورد في كتاب "لماذا كان فرويد مخطئا" للمفكر
الأميركي ريتشارد ويبستر، كما نعتمد على كثير من الإحصائيات التي هي
بمتناول جميع المهتمين بهذا الموضوع، والتي تبين: أو محدودية التأثير
الأيجابي للتحليل النفسي أو مدى إتساع تأثيراته السلبية. هذا
بدون أن نسقط، طبعا، وليس غرضنا إسقاط، ما كان وما هو كائن للتحليل
النفسي من رواج وسلطة في المجتمعات، خاصة الغربية منها. كما لا
نسقط أبدا ما القاه من ضوء على مسألة الوعي، أو اللاوعي عند الأفراد،
وأن كنا من الرأي القائل بأن حجم ما يدعيه من فهم لهذه المسألة، فيه
الكثير من المبالغة، وهو ما زال بعيدا جدا عن فهم مسألة الوعي أو
اللاوعي بشكل كامل ونهائي.
يكتب الرفيق فرنسوا بأني لا أشاركه الرأي بأن النزاع بين "الأنا"
و"النحن"، هو مسألة وجدانية يمكن أن يكون هو معرضا لها أو أن يعاني
منها. ثم هو يقتطف عدة فقرات من مقدمة "نشوء الأمم"، مما يوحي
أنه يظن أني لا أعترف بأن للفرد وجدانه ووعيه الشخصيين. هنا أرى
أنه من السهل أن يسقط المرء في مطبات إستنتاجية كهذه في غياب التحديد
الدقيق للمفاهيم او الكلمات او العبارات. أي حوار لا يكون مجديا
إذا لم تكن جميع العبارات والمفاهيم المستعملة والمتداولة في البحث أو
الحوار له معان واضحة ومتفق عليها بين المتحاورين. فأنا لا أتجاهل أو
أنكر على الفرد شعوره ووجدانه الشخصيين، وأعلم جيدا أن وجدان الفرد هو
في إنشغال دائم من تحليل وتقييم لكل ما يكتنهه الفرد حوله من مسائل أو
أمور. لكني ما قصدته في مداخلتي كان يتناول أفرادا ذوي وعي نوعي
محدد مؤسس على الفهم والإدراك والمعرفة العقلية، وتناول أيضا جماعة
محددة وواضحة تشكل "النحن" بالنسبة لي. الحكم الذي ساقه الرفيق
فرنسوا يظهر أن تحديده ل"أناه" و"نحنه" يختلف عن تحديدهما عندي.
كثيرا ما نسمع كلمة "نحن" تتردد على شفاه الناس أو في ما يكتبونه بدون
تعريف أوتحديد. أذكر أن الرفيق هنري حاماتي وصفها مرة ب"النحن
الملعونه"، مظهرا الحاجة الى التحديد في هذا المجال. قد يكون
خطأي أني كتبت ما كتبت بدون مثل هذا التحديد، ظنا مني أن لا حاجة الى
هذا الأمر عندما أتكلم الى أشخاص "آمنوا" كما "آمنت" ( سأتناول مسألة
الأيمان تاليا) بالقومية الإجتماعية وبقضيتها؛ لكني أعترف إن الإعتماد
على "التحصيل الحاصل" أمر غير عملي ويجب تجنبه. "النحن" بالنسبة
إلي هي المجتمع السوري القومي الإجتماعي. هذا المجتمع هو موجود
بالمعرفة المتكوّنة من الدرس والبحث وإعمال العقل، وبالتالي هو فكرة
وحركه هدفها جعل هذه المعرفة آمرا واقعا بالفعل وشاملا لكل شعبنا،
وحقيقة شاملة يعبرعنها في مؤسساتها المتنوعة التي تعبر عن جميع مصالحها
النفسية والمادية. هذا المجتمع هو موجود فقط في عقول الذين آمنوا
به ويعملون له. أو قل هو موجود بقدر ما يتحول إيمان المؤمنين به الى
حركة وعمل. هنا لا بد أن أحسم مفهوم الأيمان، الذي يبدو أن
الرفيق فرنسوا يربطه أو يحصره بالأيمان الديني ويفضل إستعمال
مفهوم اليقين، المناقض للشك، عليه. إذا كان الأيمان الديني هو التسليم
غير العقلي، أو التسليم الحاصل بغير الإستدلال العلمي العملي،
بما يطرحه الدين من أفكار، فهل ينتفي أن يكون هناك أيمان مبني على
الإستدلال والأدراك العقلي وعمل العقل؟ لقد أستعمل سعاده كلمة
"إيمان" ومختلف مشتقاتها في الكثير من خطبه وكلماته وكتاباته، فهل يجوز
أن ننعته بسبب ذلك بأنه إعتمد المفهوم الديني في تحليله ودعوته؟
ثم إذا تكونت عندي المعرفة بالدرس والتمحيص والعمل العقلي، فأصبحت
حقيقة ويقينا، ما الفائدة من كل ذلك إذا لم تتحول عندي الى إيمان أعمل
لنشره وتعميمه في كل شعبنا ومجتمعنا؟ ألم يقل سعاده:" أقول
لكم إن قوتكم الحقيقية ليست في المؤلفة قلوبهم....، بل في بطولتكم
المثبته في حوادث تاريخ حزبكم وفي عناصر رئيسية هي: صحة العقيدة وشدة
الإيمان وصلابة الإراده ومضاء العزيمة."(1)، فهل إستعماله ل"شدة
الأيمان" يدل على منحى ديني من قبله؟ إن إعتقادي بصحة العقيدة
القومية الإجتماعية هو إختيار شخصي لم يجبرني عليه أو يدفعني إليه أحد.
ثم أن إلتزامي بالقضية القومية الإجتماعية هو إلتزام وجداني شخصي مبني
على القناعة العقلية والوعي الشخصي، وهذا حالة لم يجبرني عليها أحد
أيضا. فإذا كان هذا مثلي وكنت منتميا الى هذه القضية وحركتها،
وإذا شكلت هذه القضية وهذه الحركة "نحناي" بالنسبة لي، كيف يحق لي، إذا
لم تتكون لي قناعة مخالفة، أن يكون عندي نزاع بين ما هو "أنا" وما هو"
نحن"؟ أليس يعني مثل هذا "اليقين" أني حسمت أمري بالنسبة ل"أناي"
و"نحناي" وأعلنت خياري وأتخذت قراري؟ إذا تكون عندي الوعي
لشخصيتي الإجتماعية، إلا يفترض هذا أني أصبحت جزء من هذه الشخصية
العامة لا موجب عندها لتوليد أي نزاع داخلي ذاتي؟ فإذا لم يكن
الشعور بشخصيتنا الإجتماعية قويا وإصيلا وذات معنى كبير لنا، لماذا
نتعب أنفسنا ونشغل بالنا بهذه القضية ونعاني لمعاناتها؟ لماذا لا
أصدق نفسي شخصيا بأن شخصيتي الإجتماعية هي الشخصية الأوسترالية وأنام
على حرير هذا الإعتقاد؟ ولماذا لا يفعل مثل هذا الأمر الرفيق
فرنسوا ويعتقد بأنتمائه الى الشخصية الإجتماعية الفرنسية(؟)؟ إذا
كنا نؤمن "بالنحن" من ضمن هذا التحديد وضمن هذا المفهوم، وإذا كنا نؤمن
أن لنا "عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الطبيعية الأولى
التي هي: أنتصار حقيقتها وتحقيق غايتها" (2)، فكيف يمكن أن يكون هناك
مجال للنزاع بين "أنانا" و"نحنانا"؟ هل نفاجأ إذا كان شعبنا
وأمتنا يغرق في الآلام والنكبات التي تزداد أزديادا تصاعديا بالدقيقة
والساعة واليوم، فيعترينا مثل هذا النزاع؟ ألم ندرك
أنه "منذ الساعة التي عقدنا فيها القلوب والقبضات على الوقوف معا
والسقوط معا في سبيل تحقيق المطلب الأعلى..."(3) كنا نعرف حجم ما
ينتظرنا من آلام وصعوبات وعراقيل؟ ثم هل ما يذكره الرفيق فرنسوا
من نزاع بين "أناه" و"نحناه" له هذه الصفة وهذه الطبيعة ام له معنى آخر
وطبيعة أخرى تعبر عما، وتتعلق بما قد يعتريه من إحباط وألم على حالة
شعبنا وأمتنا؟ أنا لا أستطيع أن ارى ما كتبه الرفيق فرنسوا إلا
من خلال هذه الزاوية.
الرفيق فرنسوا يشرح أن ما عناه في مقالته الأولى بإستعماله "اناه"
و"نحناه" هو ان يعبر عن زيادة الفرد وعيه لجماعته الى وعيه لنفسه.
لا بأس أن يحاول المرء أمرا ما؛ لكن في هذه الحالة وفي هذا الموضوع
بالذات، ما هي الحاجة الى مثل هذا الأمر الذي عبر عنه سعاده بوضوح، كما
يظهر من النص الذي إقتطفه الرفيق فرنسوا من مقدمة نشؤ الأمم؟ هل
حاول أن يدعم هذا الرأي بإثباتات جديدة غير تلك التي خصص لها سعاده
كتابا كاملا؟ إذا كان هذا ما قصده الرفيق فرنسوا في هذا المجال،
فمن منطق المحبة والإحترام والتشجيع، أقول أن محاولته لم تكن ناجحة.
هنا لا أريد أن أخلق إنطباعا أنه لا يمكن أن يكون هناك شرح للمسائل
والمفاهيم التي تتناولها العقيدة القومية الإجتماعية، أفضل مما قد أتى
به سعاده؛ على العكس، هناك أمور كثيرة بحاجة الى توضيح وشرح مستفيض
تجعلها اقرب الى الفهم من قبلنا جميعا. لكن عندما نفعل ذلك علينا
أن نجتهد بأن نعطي الشرح حقه من التأمل والبحث بحيث يأتي عميقا وواضحا
ومساعدا على فهم الفكر القومي الأجتماعي، وبعيدا عن الظرفية والإرتجال.
سعاده نفسه كان يدرك الحاجة الى مزيد من الشروحات لأمور كثيرة.
من مذكرات الأمينه الأولى أقتطف ما يلي: " بعد أول آذار 1949 رأيت
الزعيم وعلامات التعب بادية على وجهه، وكان يختلي دائما في مكتبه وينكب
أكثر فأكثر على الكتابة بعد أن قرر الأسراع بجمع المواد لتأليف الكتاب
الثاني من "نشوء الأمم"، فقد جمع بعض المستندات من كتب التاريخ وصنّف
الملاحظات في بطاقات خصوصية كان يسجل عليها بعض العبارات وأسماء
المؤرخين ومعلومات تاريخية أخرى وكان يلح بأن يكتب مذكراته، وقد أخبرني
أنه يرغب في تسليم المسؤليات الى قيادة الحزب طالما أن بعض المسؤليين
لا يريدون أن يعملوا أو يتقيدوا بمسؤلياتهم، وبالتالي سيستفيد الحزب
أكثر إذا ترك هو مؤلفاته من مذكرات وتاريخ الامة السورية."(صفحة 98)
جيد أن يحاول الرفيق فرنسوا إستعمال الحساب والنماذج الرياضية في
محاولته توضيح أفكاره، لكني أعتقد، هنا أيضا أنه لم ينجح كثيرا.
فعملية زيادة الفرد شعوره بشخصية الجماعة الى شعوره بشخصيته الفردية،
ليس عملية حسابية بسيطة يصح عليها ما يصح على الأرقام. هذا
الشعور هو شعور مركب ومعقد نخطيء هدفنا كثيرا عندما نحاول شرحه بمثل
هذا التبسيط. ثم هو في أخر فقرة من "دراسته" حول سعاده والوعي
يلجأ الى النموذج الرياضي التالي لشرح فكرته: " أنايا ÷ نحنايا =
المفرد + أ". كيف يمكن أن تقسم "أنايا" على "نحنايا" وكيف
تكون النتيجة هي المفرد وماذا يعنيه بخارج القسمة "أ"، وكيف يساعد هذا
النموذج من شرح فكرته الأساسية؟ هذا ينتظر توضيحا من قبل الرفيق
فرنسوا. كيف يمكن أن يقودنا مثل هذا النموذج الى فهم اكثر
لما ينتج عن الأفراد من أعمال وتصرفات، كأختيار بعض الأفراد، مثلا،
الأستشهاد في سبيل الجماعة؟
يكتب الرفيق فرنسوا بانه يوافقني رأيي بأنه يعرف ويشعر بالألم، لكنه لا
يشكو كما إعتقدت شخصيا. طبعا، أنا بنيت إعتقادي هذا على ما قرأته
في مقالة الرفيق فرنسوا "أن أحسب أحدا.."؛ ففي الفقرة الأولى من
تلك المقالة يذكر حالة الشلل والإحباط التي يعيشها شعبنا وأمتنا:
"نحنانا"، ويتساءل "هل قضت سوريانا؟!" ثم "نسمعه، ينازع،
ينا...ز...ع، ي ..نا...ز...ع. هو ي....ن....ا.....ز...ع،
لكنه لا يشكو. هنا يستوقني هذا الأمر كثيرا؛ هل يخاف
الرفيق فرنسوا من الشكوى وهل لا تكون الشكوى الا لقوى خارجة عنا وأحد
وجوهها هو الله؟ ألا يرى جدوى أن أشكو أليه ويشكي إلي علّ
معالجتنا لشكوانا تساعد على إزالة أسبابها؟ ثم إذا كان هناك ما
يسبب لنا ألما ووجعا، كيف نفسر سكوتنا عن هذا الألم وهذا الوجع؟
هل تأمّل الرفيق فرنسوا كفاية بمثل هذه الأسئلة وحاول ألإجابة عليها
إجابة موضوعية؟
في مداخلتي المشار إليها مقدما، كما في الكثير من كتاباتي الأخرى،
أفرق بين المجتمع القديم المعبر عما يغرق فيه شعبنا من مثالب وأمراض،
والمجتمع الجديد الذي تنادي به وتعمل له القومية الإجتماعية. وهو
لأنه لم يقرأ مداخلتي كما يجب، أستخلص بأنني لا أرى أن لمجتمعنا أي
فرصة للشفاء من أمراضه ولا أمكانية لنهوضه. هو لم ينتبه أني بعد
أن كتبت عن المجتمع القديم، تناولت أفرادا دخلوا رحاب المجتمع الجديد
ثم أساؤا أليه بشكل أو بآخر. الرفيق فرنسوا نفسه عبر عن هذه
الحالة في مقالته المشار إليها في الفقرة السابقة بالتالي: "وما تقوله
عن حالة الرد الحضاري ووضعه الذي أنشأه سعادة لبعث الأمة السورية، عنيت
الحزب-الدولة، .... أليست هي أيضا في حالة من الأنحلال والإنحطاط شأنها
شأن التنظيمات الضوضاء التي تضجّ بها بلادنا؟ هو رأى وأعترف
بحقيقة أن الحزب في حالة إنحلال وأنحطاط، لكنه لم يكلف نفسه
محاولة معرفة لماذا آل الحزب الى هذه الحالة، وكيف يمكن أن يخرج منها؟
هل نفكر بإصلاح مجتمعنا قبل التفكير في إصلاح حزبنا أو بمعزل عنه؟
بعكس الرفيق فرنسوا، أنا أدل أصابع الأتهام وأهاجم الذين أعتبرهم
مسؤولين عن هذه الحالة، كما أحاول حث الرفيق فرنسوا و"أنايات" عندها
ذات الوعي وذات اليقين لكي يفعلوا شيئا ما لإصلاح الحالة ووضع الحزب
والحركه في مساريهما الصحيحين.
يبدو أنه يطيب للرفيق فرنسوا أن يحسب كل ما كتبت في خانة الغيبيات
الدينية وهو يأخذ علي كلامي عن الصراع وعن الأجيال القادمة وهو زاد
عليها فقرة "الأجيال التي لم تولد بعد" التي لم أستعملها شخصيا وأن كان
لا يشغل بالي أني عنيتها، علما أن هذه العبارة هي للزعيم، فهل كان
الزعيم يعتمد الغيبياب الدينية في قوله هذا أم أستند الى ما كان يدركه
من حقيقة ويعده من عمل وصراع وإستعداد للتضحية بالذات؟ هو أيضا
يأخذ علي أني أربط بين الصراع من أجل القضية والأيمان بها؛ هنا
أتساءل عن فائدة الإيمان بقضية مثل قضيتنا، بدون إرتباطه بالصراع من
أجلها؟ أليس ذلك من الطوباوية الدينية الغيبية؟ مصالح
الجماعات لا تتحقق الا بالصراع، والصراع يتطلب عملا وجهدا وتضحيات
وعرقا ودما. ما كان يمكن أن يكونه مركز أنطون سعاده المعنوي
والرمزي لو أنه إكتفى بالكتابة عن الأمة السورية وأستعمل وقته في هذا
المجال لتأليف ما يكفي من الكتب لتغطية كل ما أراد أن يقوله في
مختلف المجالات، تاركا الأمر للناس لتقرأ كتبه وتطلع على ما تتضمنه؟
ألا يرى الرفيق فرنسوا أن الصراع توأم لقضيتنا وحركتنا؟ إن كان
لا يرى ذلك أدعوه لمزيد من التأمل في هذا الشأن لإرساء موقفه على أرض
أكثر صلابة. من "المحاضرات العشر"، (المحاضرة التاسعة) أقتطف ما
يلي:
"نحن حركة هجومية لا حركة دفاعية. لا حركة دفاعية. نهاجم بالفكر
والروح، ونهاجم بالأعمال والإفعال أيضا. نحن نهاجم الأوضاع
الفاسدة القائمة التي تمنع أمتنا من النمو ومن إستعمال نشاطها وقوتها.
نهاجم المفاسد الإجتماعية والروحية والسياسية.
نهاجم الحزبيات الدينية،
نهاجم الإقطاع المتحكم بالفلاحين،
نهاجم الرسمالية الفردية الطاغية،
نهاجم العقليات المتحجرة المتجمده،
نهاجم النظره الفردية، ونستعد لمهاجمة الأعداء الذين يأتون
ليجتاحوا بلادنا بغية القضاء علينا، لنقضي عليهم."
ليس عندي أبلغ مما إقتبست من سعاده للتعبير عن فهمي للقضية ووللحزب
وللصراع، فأكتفي بهذا.
يكتب الرفيق فرنسوا أن "دراسته" (مقالته) :"أن أحسب أحدا..." لم تكن
هدفا بحد ذاتها وإنما لأهميتها في فهم الوضعية النفسية التي آل إليها
مجتمعنا، فهي كان لا بد لها ان تسفر عن توجهات عملية من شأنها أن تنقل
الفرد والمجتمع أو على الأقل أن تساهم في فهم عملية الوعي ... الخ.
لا أعرف كيف أن مقالة كهذه يمكن أن تحقق أو تساعد على تحقيق مثل هذا
الهدف. من هم الناس التي توجه لهم هذه المقالة، ومن هم الناس
الذين قرأوها أو سيقرأونها فعليا؟ ثم ما هي التوجهات العملية
التي أتى بها والتي تساهم في نشر الوعي؟ بين الرغبة في شيء
وتحقيق هذه الرغبة بون شاسع يفرض علينا أن نكون عمليين ومتواضعين في ما
يكون لنا من أهداف وأغراض. عودة الى هذه المقالة ارى أن الرفيق
فرنسوا قد كتب: "إن بقاء خطاب سعاده وأفكاره في زمننا هذا هو أقرب الى
الخارقة. لكن الإعتقاد بالخوارق هو بحد ذاته إستخفافا بفكر أنطون
سعاده...."، ثم يعود ويقول "إن أستمرار صوابية وعملانية فعل خطاب
وأهداف سعاده ليس بالخارقه، بل يلمس حقيقة كل واحد من السوريين،...".
بين أن تكون أستمرارية فكر سعاده أشبه بالخارقة وبين أن تكون هذه
الأستمرارية ليست بخارقة، يتضح الأسلوب الإنشائي الذي لا يحمل الكثير
من المعنى أو الفائدة. هذا علما أن الرفيق فرنسوا لم يخبرنا ما
هي الخارقة وما يعني بها. إذا كان يعني بها الحالات أو الحوادث
التي تحصل بدون أن يكون للعقل أو العلم تفسير واضح لها، فكيف يسمح
لنفسه أن يشبه إستمرارية فكر سعاده حتى الآن هو أشبه بخارقة؟ ألا
يتمكن الرفيق فرنسوا من إستخلاص تفسير علمي لهذا الأستمرار؟ ألا
يرى أن سبب هذا الأستمرار، ليس فقط صحة نظرة سعاده وأفكاره، بل خمسة
وأربعين عاما من الجهد الفائق الذي بذله سعاده ووعي لا محدود لشخصيته
الإجتماعية، وأيمان لا يحد بشعبه وأمته، ختمها ب"عمادة" الدم. ثم
هي تضحيات الألوف من الذين أمنوا بقضية سعاده وأعطوا بدون حساب، وعشرات
من الذين لم يعرفوا الحساب على الأطلاق، أو على الأقل لم يستعملوه
فساروا على خطى سعاده بدون سؤال أو جواب. ألم ينقذ هؤلاء شرف
الأمة وحيدين؟ ألم يكن هذا هو الأمر الذي عبر عنه الرفيق الشهيد
محمد ملاعب الذي أسر جريحا في سرحمول، فبادر الى خبط رأسه بشكل متكرر
في جسم سيارة الدرك التي كانت تقله الى بيروت مختارا الموت على
الأسر؟ ألم يكن هذا ما عبر عنه الرفقاء الشهداء الستة الذين
أعدموا بعد سعاده عام 1949 وتسابقوا بشجاعة عز نظيرها الى خشبة
الأعدام؟ ألم يكن هذا ما عبر عنه الشهداء علوان والدنف ومحيدلي
وفخر الدين والصايغ وغيرهم الذين أعتذر وأخجل من عدم ذكر أسمائهم؟
هل شاهدتم مرة ذعر جنود العدو عندما ووجهوا بمثل هذه البطولات، وهم
ظنوا أن هذا غير ممكن من قبل شعبنا؟ يمكن أن يكون للخوارق مكان
في التفكير والإيمان الدينيين، أما في التفكير القومي فلا؛ أنا أجل
الرفيق فرنسوا من إعتماد هذا التعليل.
نرافق الرفيق فرنسوا في مقالته لنرى أنه يتناول ليس فقط ماهية وعي
الفرد لشخصيته لذاته ووعيه لشخصيته المجتمعية من وجهة نظر علم
الإجتماع، بل يحاول ان يفسر النظرة القومية الإجتماعية في هذا المجال.
هنا أيضا أرى، شخصيا، أنه فشل في التعبير بدقة عن النظرة القومية
الإجتماعية وبدا كأنه يتكلم من خارجها. لكن هذا الرأي من قبلي
يحتاج الى شرح وأثبات سيكون موضوع مقالة أخرى عسى أن تكون قريبة، إلا
إذا أختار الرفيق فرنسوا أن يعيد النظر فيما كتب ويقدم نتاجا أكثر
ترابطا وتعبيرا عن الفكر القومي الإجتماعي وأكثر وضوحا.
في ختام هذه المقالة، سأكتفي بتناول نقطة أخيرة مما ورد في "دراسة"
الرفيق فرنسوا، وهي أني أثرت حيرته لما أستعملته من قساوة في وصف
المجتمع القديم، وربما أيضا في وصف الذين دخلوا المجتمع الجديد وخذلوه.
في هذا الخصوص أقول، كنت أتمنى لو أني أملك من التعبير ما هو أقسى عن
واقع المجتمع القديم لإرضاء نقمتي عليه، إذ أن نقمتي تفوق حجم طاقتي في
التعبير عنها. لكن واقع هذا المجتمع لا يفاجئني؛ فأنا لا ألوم
الأفراد كأفراد، بل العقلية العامة المسيطرة والتي تبقى الناس في
متاريس مثالبهم وعصبياتهم الجزئية. لكن هذا الأمر يختلف بالنسبة
لمن أعتبرهم مارقين على النهضة والحزب ومن الذين أستغلوا الحزب وتاجروا
بعرق أبطاله ودمائهم، فقبضوا ثمنها ثلاثينات من الفضه. هؤلاء لا
أخفي إحتقاري لهم ومحاربتهم والدعوة الى محاكمتهم. ثم أني لا
أخفي عدم إنبهاري من عمل معظم الذين أتوسم أنهم يستطيعون أن يكونوا
فاعلين وذوي قيمة وفائدة كبرى لحزبهم وقضيتهم، فأراهم عكس ذلك سكونيين
بالكاد أن يصدرعنهم رأي أو موقف. ولقد تكون عندي شعور بأنهم
يخافون بأن يكون لهم رأي ولهم موقف. بل أن كثيرين منهم يكتفي
بالمباركة وإعطاء "العلامات" على ما يكون من مواقف من قبل أناس تعودوا
على إتخاذ المواقف. هذا ما أعبر عنه بالخوف من حرق الأصابع، وأنا لم
يعد عندي أصابع لتحترق.-(هنا أتذكر نكتة حصلت معي منذ عدة شهور، أذكرها
ربما تساعد في إزالة ما يمكن أن يكون قد نتج عن تشنج خلال قراءة هذه
القالة: سألتني زميلة لي في العمل إذا كنت أصبغ شعري.
فأجبتها، "وهل ترين أن لي شعر لأصبغه"؟) - أكرر هنا ما سبق أن قلته في
غير مقالة وغير موضع، بأني لا أعتذر لأحد عن هذا الموقف وهذا
الشعور.
1. سعاده، المحاضرات العشر، المحاضره الأولى
2. نفس المرجع والصفحة
|