الحوار
والطريق المسدود
(5/3/2006)
لا
نعرف ماذا ستكون النتيجة العلنية للحوار الذي يجري حالياً في لبنان؛ لكننا لا
نرى له سوى نتيجة عملية واحدة، وهي خلق آمال كاذبة عند غالبية
اللبنانيين المتلهفة الى الإستقرار والعيش الكريم وممارسة حقوق
المواطنية وواجباتها بشكل طبيعي، لا يعكّره أو يهدّده أي جموح أو أية
نزاقة أوأية طموحات وأحلام نرجسية مشبوهة. فالحوار من هذا النوع، لا
يمكن إلاّ أن يكون حوارا لقيطا ساقطا قبل أن يبدأ، وهو محكوم بالفشل
والخيبة.
لا نبني رأينا بفشل هذا الحوار بسبب التقنية التي أتبعت في إختيار
المتحاورين، فنحن نعتقد أن هذه التقنية أستعملت من قبل السيد نبيه بري
كوسيلة ضامنه لإطلاق هذا الحوار والبدء به، توسلا أن ينتج عنه فرملة
لجموح العاهرين والعملاء، الذين لا يهمهم أن يدفعوا الناس الى التقاتل
والإنتحار، طالما أن لهم ملاجئهم الآمنة، وطالما أنهم ينامون على حرير
ما عندهم من أرصدة مالية ومن ضمانات أعطاها لهم اليهود والأمريكيون
وغيرهم من العابثين والطامعين في حقوقنا ومصالحنا. ثم أن المشاركين في
الحوار هم واجهة التصارع الفعلي على أرض الواقع: جهة عميلة باعت نفسها
للشيطان، وجهة تريد المحافظة على ما بقي في شعبنا من عنفوان وكرامة،
يستميت الشيطان في القضاء عليها.
السبب الأول لإعتقادنا بفشل هذا الحوار، هو أنه ليس ناتجا عن نظرات
مبدئية مختلفة، حيث يفرض منطق الحياة المشتركة للمختلفين في نظراتهم
المبدئية أن يخلقوا أرضية مبدئية مشتركة، رغبة في نهوض حياتهم
وإستقرارها ومنع تسرب العراقيل والفوضى إليها. هذا الحوار إنما هو
نتيجة العهر السياسي، المتسلح بالعمالة الخسيسة، والمغلف بإستنهاض
التعصب الطائفي البغيض.
أية مبادىء تحملها هذه الأشكال من السياسيين؟ ما هي المبادىء التي
يحملها سمير جعجع وما هي المبادىء التي يحملها وليد جنبلاط؟ بل ما هي
المبادىء التي يحملها هذا الدخيل الى حياة لبنان السياسية الثري اللعوب
سعد الحريري؟ هل فعلا أن سمير جعجع يريد حماية المسيحيين، وهو الذي
إشتهر بقتل المسيحيين من أخصامه، بدءا من طوني فرنجية في زغرتا،
والشمعونيين في في الصفراء وعين الرمانه، وإنتهاء بزميله وصديقه داني
شمعون. ثم أليس هو الذي دفع بمجموعاته للقيام بالمذابح ضد الدروز في
الجبل، توهما منه أن يبني إمارة مسيحية على قياسه وقياس ما عنده من
رغبات وطموحات وهلوسات، فخلق بذلك مبررات الى مذابح وقعت بحق المسيحيين
الآمنين الأبرياء؟
هل فعلا أن وليد جنبلاط يريد خير الدروز ومصلحتهم، وهو الذي لا يريد
الدروز سوى خدما له، يمارس عليهم السادية والتعالي وفرض الضرائب
والخوات؟ أليس هو الذي زرع بذور الحقد بين جماعته ودفعهم لإرتكاب
جرائم ذبح الأبرياء من المسيحيين الذين إعتقدوا أنهم آمنون بين أخوانهم
الدروز ولم يروا أن هناك من أسباب تدعوهم الى أخذ الحيطة والحذر؟ هذا
اللقيط السياسي، الذي نبذه والده، والذي لم يحمل شيئا من مبادىء والده،
والذي فرضته على زعامة محازبيه ومناصريه، العقلية القطعانية التي تسيطر
على هؤلاء المحازبين والمناصرين، يتقلب بين المبادىء والشعارات، يخلع
منها ما يريد، ساعة يريد، ويلبس منها ما يريد، ساعة يريد، تماما كما
يخلع ثيابه أو أحذيته. بل هو حريص على إرتداء الجينز أكثر من حرصه
على الوفاء لأي شعار يتفوه به أو أي مبدأ يعلن عنه، ذلك أن شعاراته
ومبادئه تنبع من مصالحه وأطماعه وشهواته.
ثم هل فعلا أن سعد الحريري يجيء لحماية السنة في لبنان وتثبيت حقوقهم
ومصالحهم؟ ماذا يدفع هذا الثري المتربي في المضافات السعودية، والذي
يملك القصور في أوروبا وأميركا، وربما في أمكنة أخرى نجهلها، ماذا يدفع
بهذا الشخص الى آتون وجحيم السياسة اللبنانية؟ هل تدفعه الى هذه
المغامرة ما يملك من غيرة وحمية طائفية، أم بسبب ما عنده من شعور وطني
تجاه لبنان، أم ما عنده من مال يستطيع أن يشتري به الضمائر والنفوس؟
هل هو يعتقد ان لبنان قصرا من القصور التي يرغب بإضافتها الى مجموعة
القصور التي يملك، فما عليه سوى أن يدفع الثمن المطلوب؟ هل يملك هذا
الشخص بصيرة وإدراكا كافيين، يجعلانه يدرك ويرى أي مشروع وأي دور يراد
له أن يلعب، وأي مشروع ودور رسم لوالده من قبله؟ هل هو يريد فعلا أن
يعرف من قتل والده ولماذا قتل والده، أم أنه سيتعامى عن هذه المسألة كي
لا يلقى نفس المصير؟
إذا كان سمير جعجع ووليد جنبلاط قد خرجا من رحم التركيبة اللبنانية
وشؤونها وشجونها ومعيباتها ورذائلها، فما هو ذلك الذي يجعل سعد الحريري
يحشر نفسه في شأن لا ناقة له فيه ولا جمل؟ ما هو ذلك المبدأ الذي جمع
جعجع بجنبلاط وجمعهما معا بالحريري؟ هل لأن واحد منهم مسيحي، يغار على
المسيحيين، وواحد يقال إنه درزي، يغار على الدروز، وآخر سني، يغار على
السنيين، والثلاثة يشتركون في الخوف من الشيعة؟ وإذا كان الأمر كذلك
فلماذا يشترك مسيحيون آخرون في الحوار، ولماذا أستبعد مسيحيون وسنيون
آخرون، ولماذا يقتصر تمثيل الدروز على جنبلاط؟ الحقيقة أن ما يجمع
الثلاثة هو خضوعهم للإرادة اليهودية/الأميركية، وعمالتهم لها وقبولهم
على مماشاتها والسير في ركاب مخططاتها لإخضاع شعبنا إخضاعا نهائيا، لا
قيامة له من بعده.
ليست المسألة مسألة إقالة لحود أو تنحيته، بل المسألة مسألة ما يمثله
لحود من شهامة وكرامة ومبادىء لا تتماشى مع رغبة اليهود والأميركيين.
يكفي لحود فخرا أن مذمته تأتي من هؤلاء النقصاء من أمثال جعجع وجنبلاط
والحريري ومن وراءهم من عبيد وأزلام ولواحيق. ذنب لحود الأكبر أنه ليس
فاسدا ولا يرضى المتاجرة بالطائفية والوطن، وأنه يدرك مدى الخطر
اليهودي على لبنان. وذنبه أنه عجز عن تحقيق ما كان يطمح إليه من إصلاح
وتغيير في الدولة والمجتمع، بسبب ما تكالب عليه من رفض ومشاكسات
وممانعات من قبل الفاسدين والطائفيين والعملاء ومن ساندهم وواكبهم
وعاضدهم. إن إقالة لحود أو إستقالته أو تنحيته، لن تاتي سوى بالمزيد
من الكوارث والمصائب، ذلك أن رحيل لحود سيفتح الطريق الى الإستحقاقات
الحقيقية التي تقف وراء كل ما جرى وكل ما يجري من شؤون وأحداث.
إن التظاهر في ترك أمر سلاح حزب الله لحوار مستقبلي، والتركيز على
التخلص من الرئيس لحود، ما هو إلا نوع من ذرّ الرماد في العيون. إن
مواقف العملاء التصعيدية لن تتوقف عند حد لأنهم مدفوعون الى هذا
التصعيد، ثمنا لما يقبضونه من مقدمات لعمالتهم وما هم موعودون به من
مؤخرات. إن أسياد هؤلاء لن يناموا ولن يهدأوا قبل أن يروا نيران
شرورهم تجتاح كل لبنان، فتهلك البشر وتهدم كل ما بقي فيه من حجر.
إن تكشير العملاء عن أنيابهم بهذا الشكل، كفيل بدفع أي عاقل الى
الإعتقاد أن الحوار لا طائلة منه ولا فائدة له. أن يعلن وليد جنبلاط
وسمير جعجع ما لم يتجرأ وجه العمالة الأكبر بشير الجميل عن إعلانه من
قبل، هو سبب كاف للإعتقاد أن الحوار سائر الى طريق مسدود.
إن قبول هؤلاء العملاء بالحوار أصلا، لم يحصل لو لم يشعروا بإهتزاز
الأرض من تحت أقدامهم ويقعوا في حرج كبير، إن كان من جهة إنفضاح
أكاذيبهم وآلاعيبهم وكيدياتهم ومؤامراتهم بشأن إغتيال المغدور رفيق
الحريري، أو من جهة النقمة العربية التي إرتفعت في وجوههم نتيجة إنكشاف
ما يبيتونه من أمور، لا تنعكس على لبنان فحسب، بل على كل العالم العربي
والشرق الأوسط.
|