|
لم أكن أعرف منير حيدر
"الأديب" قبل قراءتي في المدة الأخيرة حلقات من "حنايا
الذاكرة" المحتوية قسماً مهماً من مذكراته، ثم العشرات من
مقالاته النقدية في مواضيع الفكر والإجتماع والسياسة، ثم
أخيراُ، وليس آخراً، كتابه الثمين: "قضية وحزب وزمن رديء".
كل ما كنت أعرف عن منير
هو ذلك الرفيق العنيد المصمِّم المُصِّر المشغول أبداً
وذلك في الجامعة اللبنانية-كلية العلوم في حدث بيروت أوائل
السبعينات من القرن الماضي. إن من يعرف منير حيدر في ذلك
الوقت، منذ حولي خمس وثلاثون سنة، لم يكن ليتوقع أو يتخيّل
أن دارس الفيزياء سيصير أديباً وناقداً ومؤلِفاً في الفكر
والإجتماع والسياسة.
مرت سنوات طويلة قبل أن
ألتقيه من جديد وأعرفه من جديد من خلال الحلقات الشيِّقة
جداً والمفيدة جداً من حنايا ذاكرته التي نشرها على موقع
"حركة البناء القومي" الإلكتروني. كنت بعد قراءة كلِّ
حلقة أستعجله ليكتب الحلقة التالية ولا أدري لماذا توقف عن
نشرها عند الحلقة 64! لا شك أنه يكتبها أو أنه كتبها
بالفعل وإني أنتظر بفارغ الصبر كتابه الذي سيجيء: "من
حنايا الذاكره".
بين يدي الآن كتابه
الأول: "قضية وحزب وزمن رديء".
عندما قدّم لي هذا
الكتاب، وقبل أن أتصفحه، قلت له إني سأكتب عنه، قال: أرجو
ان تكتب عن ما لا يعجبك فيه، عن نواقصه وسلبياته أكثر من
إيجابياته.
أنا الآن أكتب، لكن لا
عن هذه ولا عن تلك، بل عن قضية أخرى لاحت لي بقوة في كلِّ
عنوانٍ وكلِّ قطعةٍ وكلِّ مقالةٍ منه إطلاقاً، وهذه القضية
هي قضية الإنتماء والحرية.
أنا قد قرأت سابقاً
بعضاً من مقالات الكتاب المنشوره هنا أوهناك من وسائل
النشر. أما الآن فقصدت أن أقرأه كلّه بتمعنٍ واضعاً أمام نفسي
أهدافاً محددةً وهي: معرفة الفكرة الرئيسية، طريقة التعبير
عنها، أسلوب كتابتها الأدبي، اللغة ومفرداتها وصياغتها،
وقصدت فوق كل ذلك أن أفهم روحية المؤلِّف وغرضه من الكتابة
ومن إثارة المواضيع المعينة التي أثارها. وبعد أن انتهيت
من
قراءة الكتاب، قررت أني لست المرجع المؤهّل للنقد الأدبي
الفني ولا من يحسن المديح أو يرغب به أو يحبه، قررت أن
أكتب عن هذه القضية التي رأيتها فيه، في كلِّ مقالةٍ وكلِّ
مقطعٍ وكلِّ عنوان.
إن خاصتين إثنتين لا
تستطيع إلاّ أن تلاحظهما بقوة كل ما قرأت لمنير حيدر، أكان
في المقالة السياسية أو النقدية أو الحوارية وفي أي موضوع
كانت، وهاتان الخاصتان هما: الإنتماء والحرية.
كلنا يعرف أن منير حيدر
هو منتمٍ. إنه إنتمى إلى عقيدة ونظرةٍ إلى الحياة تحملها
الحركة السورية القومية الإجتماعية، بل أن منير حيدركان
عملياً خلال الشطر الأكبر من عمره منتمياً إلى التنظيم
الإداري للحزب وإلى حركته السياسية العملية. وهذا
الإنتماء يظهر واضحاً جلياً في كل إنتاجه الأدبي. فهل
يمكننا إزاء هذا الإنتماء الواضح والثابت والعميق أن نخرج
إنتاجَه وأدبه من دائرة الأدب الحر؟
هل من تناقض بين
الإنتماء والحرية كما يتوهم الكثيرون؟ هل صحيح أن الحرية
لا تتفق مع الإنتماء؟ ما الحرية وما الإنتماء؟
هذه الكلمة كانت لتجيب
على هذه المسألة وتقول لا، ولتجزم أن أدب منير حيدر هو أدب
منتمٍ بإمتياز وحر بإمتياز، وأكثر من ذلك، أن أدبه يستمد
حريته أو خاصة الحرية فيه من إلتزامه وإنتمائه، وأن
إنتماءه يعطي حريته معناها الرائع: الحرية صراع!
هذه القضية الجديدة،
قضية الإنتماء مع الحرية كمسألتين متفاعلتين متكاملتين،
يثيرها إنتاج منير حيدر بقوة لأنه يعطيك نموذجاً عن شيء
جديد لم يعهده أبناء الحياة القديمة الذين يتحدثون عن
تناقض وهمي غير موجود في الحقيقة بين الإنتماء والحرية
والذين لا يفهمون من الإنتماء إلاّ انه قيدٌ ولا من الحرية
إلاّ أنها إنفلات.
إنه يفهم الإنتماء
والحرية على غير ما يظنها هؤلاء. عنده الإنتماء هو انحياز
لما يعقله ويراه حقاً وخيراً وجمالاً وعدلاً وهو انتصار
للحقيقة حيث رآها، الحقيقة هي أن ننصرها لا أن نتفرج
عليها. أما الحرية فيه حرية الصراع لنصرة الحق والخير
وليست حرية الإنفلات والتملّص والهروب والتحلل من مسؤولية
وواجب الصراع لنصرة الحق والخير والجمال إذ رأيناه.
إن أدب منير حيدر هو
أدب حرٌ ومنتمٍ معاً ليس لأنه توفيقيٌ او إزدواجيٌ أو
مترددٌ أو حائرٌ لا يستطيع أن ينحاز، ساعةً ترى له هوية
ولون وقضية، وساعةً أخرى، تراه طليقاً من أية قضيةٍ أو
هويةٍ معينة. لا، إنه ليس شيئاً من ذلك، إنه لا يفهم
الإنتماء والحرية على هذا النحو.
إنه أدب منتمٍ حرٌ لأنه
يفهم الإنتماء فهماً جديداً لم يكن مألوفاً قبل نشؤ
المدرسة الفكرية الفلسفية القومية الإجتماعية التي ينتمي
إليها منير ولن يصبح مألوفاً قبل أن يأخذ الصراع الفكري
مداه الكامل وقبل أن تحل معضلة الحرية بالحرية في مفهومها
الجديد – الحرية صراع.
إنها ليست صراعاً
سلبياً ينتج عنه تخريب كما يفهم الأموات الصراع. إنه صراع
الافكار والعقائد والمفاهيم لينهزم البالي منها ونتصر
الجيد والصالح لبناء مجتمع أفضل وحياة أجمل.
"إن حق الحرية هو حق
الصراع، وحق الصراع هو حق التقدم وحق التقدم هو حق الحياة"
(سعاده)
وفي هذا الصراع
الإيجابي البنائي المقدّس يجب أن تسقط عقائد ومفاهيم
وتنتصر عقائد ومفاهيم. يجب أن يكون هناك غالب ومغلوب.
وفي تاريخ الصراع في العالم كان هناك دائماً غالب ومغلوب.
الفاسد سيغلب ويسقط حتماً، والصالح والقوي والجميل سينتصر
ويبقى وتجود به الحياة.
هكذا تكون الحرية صراع
وضمن هذا المعنى من لم يكن له عقيدة ونظرة إلى الحياة،
ماذا يكون دوره في الصراع؟ بماذا يصارع؟ من أجل ماذا
يصارع؟
إن من لا هوية فكرية له
ولا قضية إجتماعية إقتصادية سياسية ينتمي إليها ويصارع بها
ولها، لا نصيب له من الحرية بمعناها الجديد!
هكذا نفهم ونعرف أن
الإلتزام والإنتماء في الفكر وفي الأدب لا يعني ابداً أن
تكون مقيداً ومحصوراً ضمن أفكار غير مسموح لك أن تخرج
عنها. لا، إن ذلك ليس معناه إلتزام أو إنتماء، إن ذلك
معناه عبودية وفقدان شخصية، معناه وظيفة كاتب مأجور عند
السلطان.
إن الإلتزام والإنتماء
شرطهما الوعي والإيمان واليقين بالعقل والإدراك، وإذا فقد
اليقين والإيمان فقد معه الإنتماء.
والحرية في الأدب ليس
معناها أن تكون مجرداً من اي سلاح في معركة الصراع، طليقاً
من أية فكرة او فلسفة او نظرة معينة واضحة إلى الحياة
تقتنع بها في عقلك ونفسك وتؤمن أنها صالحة لبناء مجتمع
أفضل وأجمل وأقوى. ليس معنى الحرية أن تكون إنتقائياً او
متنزهاً جوالاً بين الأفكار والمفاهيم دون أن يكون لك موقف
ورأي واتجاه، دون أن تعتنق وتنحاز ويستقر فكرك ووعيك على
أمر حاسم، دون أن تنتمي!
إن عدم الإنتماء ليس
معناه حرية أو فكرٍ حر أو أدب حرٍ، إنه فوضى واختلاطات
فكرية ونفسية وعدم جدوى وعدم قدرة على المساهمة في تطور الفكر وفعالية
الفكر وفي النهوض بالفكر والأدب والحياة وصناعة نهضة
حقيقية فاعلة. إن أصحاب المفهوم البائد للحرية مهما برعت
لغتهم وجذلت ألفاظهم فأنهم يحلِّون علم الكلام محل علم
الإجتماع والإقتصاد والتاريخ. وقد قال في ذلك الراحل
الأديب الكبير سعيد تفي الدين: "إن جذالة اللفظة لا تغني
عن وضوح الفكرة".
عندما يكون معنى
الإنتماء ومعنى الحرية واضحاً هذا الوضوح، نستطيع أن نقول
بكل ثقة، نستطيع أن نجزم إن منير حيدر هو منتمٍ وحر.
وعندما نفهم خاصتي
الإنتماء والحرية في إنتاج منير حيدر يصبح فهمنا لمقالاته
النقدية والفكرية والسياسية أكثر سهولة، ويصبح هو مطمئناً
أكثر أننا فهمناه ووصلت إلينا فكرته وقصده، وأننا رافقناه
ووصلنا وإياه الى حيث يريد أن نصل.
في الأخير، إذا سألتني
عن المقالة الأغنى والأروع والأعمق فكراً والأفضل لغةً
وصياغةً والأجمل إسلوباً والأرقى مخاطبةً، أقول: إنها
مقالته النقدية الحوارية، "القومية الإجتماعية ومسألة
الوعي والإيمان".
أما بعض أقواله
وعباراته التي حفظتها وسوف أرددها في أماكنها المناسبة
فهي:
"عدد لا بأس به من
مخربشي الأفكار يسبقون أسماءهم بحرف الدال عند توقيعهم لما
يكتبون، لكنه يعود إلى فطنة القاريء تقرير ما إذا كانت تلك
الدال تعني دكتوراً أو دجالاً."
أيضاً:
"من العبث أن تقرع
أبواب الأموات الموصدة محاولة في إيقاظهم، فالموت حالة
نهائية لا رجوع عنها. ثم حذار أنت تكون غبياً وتحاول كسر
أو خلع تلك الأبواب، إذ غالباً ما تكمن وراءها روائح نتنة
تزكم الأنوف وتقتل الهمم." |